رواية قيود العشق المحرم كاملة وحصرية بقلم يوكا
في حارة ضيقة ومقفولة من حواري القاهرة في البندر، كان الصوت العالي والزعاق المكتوم طالع من شقة بسيطة حيطانها مقشرة وبابها الخشب القديم بيهتز مع كل خبطة.
"أنت بتتكلم إزاي يا فهمي؟! بنتك زهرة الشباب، إزاي ترخصها كده وتبيعها لواحد صعيدي سكارجي وبتاع نسوان يشتريها بفلوسه؟!"
قالتها أم ورد، وهي بتلطم على صدرها وبتبص لجوزها اللي قاعد على كنب خشب متهالك، ماسك راسه بإيديه الإثنين وعينيه طالع منها الخوف والكسرة.
رد فهمي بصوت مخنوق ونبرة مليانة قهر:
"اخرسي يا حُرّمة! أنتِ مش شايفه المصيبة اللي إحنا فيها؟! ابنك كان هيموت! التجار والناس اللي ليهم فلوس عنده واقفين له بالسلاح، وأولهم دياب الهواري اللي كان جاي بنفسه ياخد فلوسه ويا إما يدبحه! ولما شاف بنتك ودمها الخفيف وعرف إنها أخته، قال لي بالحرّف: تسقط كل ديون ابنك، وفوقيها كمان مبلغ يستركم، في مقابل إني أكتب على بنتك ورد وأخدها معايا الصعيد!"
بصت الأم لناحية ابنها اللي كان قاعد في كورنر الأوضة، جسمه بيرتعد ومتبهدل من أثر السموم اللي بياخدها، وعينيه مليانة خوف من الموت.
كمل فهمي وقسوته متغطية بالعجز:
"دياب الهواري جه لحد عندنا بدال ما يدبح ابنك، اشترى بنتك وعفا عن رقبته! العيلة دي معاهم ملايين، وبدال ما ابنك يتقتل ونلبس أسود عليه، بنتك هتسترنا وتنقذ أخوها!"
من ورا باب الأوضة الخشب المورب، كانت "ورد" واقفة.. إيديها الرفيعة ماسكة في حرف الباب بقلب بيرتجف. ملامحها الهادية الرقيقة وشعرها الأسود المفرود على ظهرها كانا بيترعشوا مع كل كلمة بتسمعها. دموعها نازلة على خدها في سكات.. أهلها بيضحوا بيها لشخص استغل ديون أخوها عشان يشتريها زي البضاعة!
قربت ورد بخطوات مهزوزة، وصوتها طلع مخنوق يرعش:
"يا بابا.. أرجوك لا. أنا مش ذنبي أدفع ثمن ديون أخويا.. أنا خايفة يا بابا! أرجوك ما تبيعنيش كده لواحد قاسي اشتراني بفلوسه!"
فهمي قام وقف، وبص لورد بنظرة مكسورة لكنها حاسمة:
"سامحيني يا بنتي.. أخوكي لو مات إحنا هنموت وراه بالحرقة. دياب الهواري هيدخلك دوار زي القصر، كتب الكتاب النهاردة، والزفة على الصعيد على طول! مفيش كلام يتقال بعد كلامي، ادخلي جهزي نفسك!"
مسكت ورد في إيد أمها تبوسها ودموعها نازلة زي المطر:
"يا ماما عشان خاطر ربنا قولي له.. أنتِ عارفة أنا كنت بحلم أكمل جامعتي، مش أترمي الرمية دي لشخص جشع اشتراني عشان ديون أخويا!"
لكن الأم بعدت عيونها عنها بكسرة وجفاء، ومسكت إيد ورد وقالت بصوت واطي وموجوع:
"معلش يا بنتي.. سامحينا، أخوكي ملناش غيره، وربنا يقدرك ويهدي لك جوزك."
دخلت ورد أوضتها، قفلت الباب الخشب وسندت ظهرها عليه، ونزلت على الأرض وهي بتضم ركبتها لصدرها وبتشهق في السكات. كانت حاسة إن روحها بتتنزع منها، وإن البندر اللي اتربت فيه بيقفل أبوابه في وشها، عشان تترمي في نار الصعيد ومش عارفة آخِرها إيه.
في طريق الصعيد - بعد ظهر نفس اليوم
كانت العربية المرشوشة بالطين بتشق طريق الزراعات، داخلة على حدود قنا. ورد كانت قاعدة في الكنبة الوراانية، لافة طرحتها البيضا بإحكام حولين وجهها اللي شحب من كثر العياط.
جنبها كان قاعد "دياب الهواري".. راجل في التلاتين من عمره، ملامحه حادة وعينيه فيها نظرة استعلاء وقسوة، وريحته طالع منها أثر السجائر والخمرة اللي مش بتفارقه. بص لورد بنظرة تملك وقرف، وقال بصوت صعيدي جاف:
"انشفي إكده يا بت البندر.. إنتي داخلة دوار الهواري، مفيش حريم عندنا بتعيط ولا تنكس رأسها! أبوكي وأخوكي سقطت ديونهم وعطيتهم فوقيها جروش عشان أنقذ رقبة أخوكي من الدبح، وتعتبري نفسك من النهاردة ملكية لـ دياب الهواري!"
ورد ما ردتش، لفت وجهها للشباك ودموعها المحبوسة نزلَت تاني.. كانت حاسة إنها ماشية لمصير أسود.
وصلت العربية قدام بوابة حديد ضخمة، تُطل على ساحة كبيرة ووراها "دوار الهواري".. قصر صعيدي مبني من الحجر العتيق، يرهب أي حد يبص له.
نزلت ورد برجلين متكتفة، وكانت الساحة مليانة رجال وعمال بيلفوا حوالين المكان. وفي لحظة.. وقفت رجلين ورد مكانها، وصدرها اتملا بالخوف لما لمحته!
كان نازل من على درجات الدوار العالية..
طول فارع، كتاف عريضة بتملا الجلابية السمرة الفخمة، عصاية خشب في إيده، وعيون صقر حادة زي الشفرة تجبر أي حد يبص للأرض.
"سلطان الهواري".. كَبير العيلة وسلطانها.
سلطان وقف في آخر الدرج، وعينيه اتثبتت على ورد وهو بيراقب خطوتها الضعيفة الرقيقة مع أخوه دياب. في عمق عينيه السمرة، كانت في نار مشتعلة وغضب مكتوم، نيران متدارية ورا هيبة وقسوة جافة محدش يقدر يفهم سرها ولا يفك شفرتها.
كف إيده شد على العصاية الخشب حتى ابيضت مفاصله، وعروق رقبته برزت بنبض متسارع.. بص لورد بنظرة حجرية خالية من أي رحمة، ولما جت عين ورد في عينه غصب عنها، حسّت بجسمها كله بيرتجف من هيبته وقسوته غير المفهومة!
(إياك تهتز يا سلطان.. دي حُرمة أخوك!)
قالها لنفسه بنبرة صلبة جافة، ونهر روحه وقساها وهو بيحول عينيه عنها بجفاء شديد، وبص لأخوه دياب وقال بصوت جاف يقطع العرق:
"نورت يا دياب.. خُد حُرمتك وادخلوا جوه، أُمك منتظراكم!"
ورد اتكمشت في نفسها، وسحبت خطوتها ورا دياب وهي حاسة إن الجبل الصارم ده -سلطان- نظرته ليها مش مجرد قسوة صعيدية.. دي نظرة اتهام ونار مكتومة مش فاهمة سببها!
سحبت ورد خطواتها المهزوزة ورا دياب وهي حاطة رأسها في الأرض، ورجلها بالعافية شايلتها من كثر الخوف. أول ما عدت من جنب سلطان، حسّت بهوا سخن طالع منه، كأن جسمه عبارة عن جمر مولع، وريحته العطرية الصعيدية القوية مع ريحة البخور لفت المكان وعلمت في ذاكرتها من غير ما تقصد.
أول ما دخلوا من باب الدوار الضخم، ظهرت الفخامة الصعيدية العتيقة؛ سجاد يدوي عريض، نجف مذهب متدلي من السقف، وحيطان حجرية تحسسك إنك جوه قلعة حصينة مش مجرد بيت.. قصر عالي بس مخنوق بهيبة وغم يكتّم النفس.
كانت قاعدة في صدر القاعة على كنب عريض متغطي بالجلد، امرأة في الستينيات من عمرها، وقارها وهيبتها يسبقوا خطواتها.. "الحاجة صفية"، كبيرة عيلة الهواري بعد وفاة جوزها. لافّة شالها الأسود بحشمة، وفي إيدها سبحة عقيق مش بتفارق صوابعها.
أول ما شافوها، دياب هدى خطوته وقرب بتمثيل الاحترام، ومال على إيدها باسها وهو بيقول:
"كيفك يا أما؟ جيبت لك حُرّمة البندر اللي جولت لك عليها."
الحاجة صفية بصت لدياب بنظرة تفحص جافة، وبعدين وجهت عينها الحادة لورد اللي كانت انكمشت في نفسها وعيونها العسلية اتملت بالدموع. الحاجة صفية شافت الكسرة اللي في عين البت، وفهمت بلغز الحريم إن البنت دي ما جاتش بكيفها ولا زفة فرح، دي جاية بكسرة نفس ومجبرة.
أشارت الحاجة صفية بإيدها اللي فيها السبحة لورد، وقالت بنبرة حازمة بس فيها أصل:
"قربي يا بتي.. تعالي هني."
ورد مشيت بخطوات بطيئة وقربت، رفعت الحاجة صفية يدها ومسكت يد ورد الباردة اللي كانت بترتجف زي الفراخة المبلولة، وقالت بصوت مسموع للكل:
"ما تخافيش يا بتي.. إنتي من النهاردة في دوار الهواري. المظلوم هني بياخد حقه، وبت الناس بتتشال على الراس.. اقعدي يرتاح جلبك."
في اللحظة دي، نزلت من على السلم العالي بنت في العشرينيات، بملامح صعيدية شقية وعيون واسعة.. "كارما" أخت سلطان ودياب. قربت من ورد وابتسمت بتعاطف:
"يا مرحب بيكي يا خيتي.. نورتينا."
ورد نودت رأسها بشكر وحزن مخنوق: "بنورك يا حبيبتي.."
وفجأة.. اتفتح باب الدوار الخارجي بضربة قوية، ودخل سلطان بكل هيبته وجبروته، ووراه "ياسين".
سلطان بص للكل بنظرة صقريّة حادة، وعينيه جت على يد أمه وهي ماسكة يد ورد. عروق رقبته برزت وشفايفه انقبضت بقسوة، وقال بصوت جهوري هز أركان الصالة:
"كارما! خدي حُرّمة أخوكي وطلعيها جناحها فوق.. الدوار مليان رجال بره ومش عايز لمحة حُرمة تلمح من الشبابيك!"
ورد اتخضت من نبرة صوته الصارمة اللي نازلة زي القضاء والقدر، وكارما مسكت يد ورد بسرعة وطلعت بيها على السلم.
أول ما الحريم طلعوا، سلطان التفت لأخوه دياب، وقرب منه خطوة، ونبرة صوته نزلت طبقة وكانت أحرّ من الجمر وأقسى من الطوب:
"دياب.. كلامي يتسمع زين ويوصل لعقلك المشتت ده! الحُرّمة دي بقت على ذمتك وداخلة باسم عيلتنا.. السكْر والتهريج ومرقاة الحواري بتوعك دول ينتهوا من النهاردة! لو سمعت إنك ضايقتها ولا سحبت اسم الهواري في الطين.. قسماً بالله أنا اللي هقف لك يا دياب، وهيكون حسابك معاي أنا!"
دياب اتنرفز وضيق عينيه وقال باستخفاف وخبث عشان يداري السر:
"إيه يا سلطان؟! إنت هتعلمني كيف أعامل حُرّمتي؟! دي مراتي وأنا حر فيها، جايبها بشرع ربنا وسُنته!"
سلطان قرب أكتر، وبقى وشهم في وش بعض، وبص له بنظرة أرعبت دياب وخليته يرجع خطوة لورا:
"الكلمة اللي أقولها تتنفذ وإنت ساكت.. افيَه من إكده مش هقول!"
سلطان سابه ومشي بغضب هادر خارج من الدوار، وياسين حصلو بسرعة.
[بداية الغم والليل القاسي]
فوق في جناح دياب.. كانت الأوضة واسعة ومفروشة بعفش خشب ثقيل وغامق، العتمة مالية الأركان والستائر الثقيلة مغطية الشبابيك.
ورد كانت قاعدة على حرف السرير، ضامة جسمها لبعضه وبتعيط بكسرة، طرحتها مفكوكة وشعرها الأسود الشديد الطول نازل على كتافها.
وفجأة.. اتفتح الباب بدياب وهو داخل ريحته طالعة خمرة وسجاير، وعينيه زايغة ودمه حامي من كتر الشرب ومن كلام سلطان اللي حرق دمه بره.
قفل الباب بالمفتاح، وبص لورد بنظرة شهوانية وقسوة، ومشي بخطوات تقيلة ناحيتها:
"إيه يا بت البندر؟ جعدة تعيطي وتندبي حظك؟ فاكرة نفسك ملكة وأنا اللي انتشلتك من فقر أهلكم وخليتك مراتي؟!"
ورد وقفت بسرعة ورجعت لورا بخوف شديد، وصوتها بيرتجف:
"دياب.. أرجوك ابعد عني، أنت شارب ومش في وعيك.. أرجوك سيبني النهاردة!"
دياب ضحك بجلجل قذرة وشريرة، وبص لها من فوق لتحت بنظرة تملك حادة، وقرب منها بخطوات حاسمة لحد ما زقها لورا وركبتها خبطت في حرف السرير.
ميل عليها، وقبض بيده القوية على دراعها بعصرة وجعتها، وووشوشها بصوت جاف مليان جبروت وغرور:
" أسيبك كيف يا حلوة؟! إنتي هني ملكيتي وبقت كلمتي هي اللي تمشي عليكي! ولا فاكرة سلطان اللي بره ده هيحميكي مني جوه أوضتي؟!.. الليلة دي هتبقي مراتي قسماً وعافية يا ورد، ومفيش قوة في الصعيد كله تقدر تخلصك من يدي!"
ورد شهقت بأعلى صوتها، وحاولت تزق صدره القوي بإيديها وهي بتصرخ بدموع وكسرة ونفس مقطوع:
"اوعى!! ابعد عني يا دياب.. أرجووووك!"
لكن دياب ما أداهاش فرصة، طفى النور بيده التانية، وعتمة الأوضة بلعت كل حاجة.. مفيش غير صوت أنفاسه العالية وقسوته، وصرخة ورد المكتومة اللي ضاعت بين حيطان الدوار الصامتة!
يا تُرى ورد هتقدر تهرب من بطش دياب في الليلة دي؟
ولا الجحيم بدأ فعلاً، وسلطان اللي بره هيسمع حاجة ولا النار هتاكل الكل في السكات؟!