رواية قيود العشق المحرم الفصل الثاني 2 بقلم يوكا
صرخة ورد المكتومة ضاعت في عتمة الأوضة التقيلة. كانت بتصارع بكل طاقتها، بتزق في صدر دياب بدموع حارقة وإيدين بترتجف، وهو غرقان في قسوته وتأثير الخمرة اللي مسحت عقله.
وفجأة.. وبينما ورد بتعيط وتستنجد بكل حواسها، جسم دياب تقل مرة واحدة فوقها، ونفسه العالي بدأ يقطع!
تأثير سموم الخمرة والمخدرات اللي طفحها شلّ حركته في لحظة خاطفة؛ عينيه اتعفرت، ووقعت راسه على المخدة جنبها، وفقد الوعي تماماً وغرق في غيبوبة نوم ثقيلة ومفاجأة، وبيصدر منه صوت شخير مقزز ملوش حس!
ورد اتسمرت مكانها لثواني.. مش مصدقة إن ربنا أنقذها منه في آخر لحظة!
سحبت نفسها من تحته بسرعة وجسمها كله بيلطش وبيترعش، نزلت على الأرض جنب السرير، وضمت ركبتها لصدرها ودفنت وجهها في الشال العريض. كانت بتعيط بكسرة وشهقاتها طالعة بوجع، مش مصدقة الخوف والرعب اللي عاشته في أول ليلة ليها جوة السجن ده.
فاضلة طول الليل قاعدة على الأرض في عتمة الأوضة، عينيها على دياب اللي نايم زي الجثة، مستنية الفجر يطلع عليها كأنه طوق نجاة.
في صحن الدوار - (الساعة 3 صباحاً)
تحت ضوء القمر الخافت، كان سلطان الهواري واقف في جنينة الدوار المقفولة. الجلابية السمرة مفرودة عليه، ماسك سجارة بين صوابعه ونارها بتولع في الضلمة مع كل نفس بيشده.
عينيه كانت مرفوعة فوق.. متثبتة على شباك جناح دياب اللي مقفول بستائر ثقيلة.
كان بيشد السجارة بغل، عروق إيده بارزة وكأنه بيحارب شيطان جوه صدره.
(ليه يا سلطان؟ ليه صدرك ضايق إكده؟ دي حُرمة أخوك.. دخل بيها بدوارك، مالك ومال نيرانك اللي بتوكل فيك دي؟!)
كان الصوت الصارم جوا عقله بينهره، بس قلبه كان بيغلي.
نزّل عينيه للأرض برفض وقسوة، رما السجارة وداس عليها بجزمته بغضب، وسحب عصايته ومشي بخطوات تقيلة وثابتة ناحية المضيفة بره الدوار.. بيحاول يهرب من طيف عينين ورد العسلية اللي شغلت باله غصب عنه.
صباح اليوم التالي
خيوط الشمس الأولى بدأت تطلع وتفرش نورها على جدران دوار الهواري العتيقة.
جوه جناح دياب.. كانت ورد لسه قاعدة على الأرض جنب السرير، شاحبة الوجه وعينيها منفوخة من كثر العياط والخوف، شعرها الأسود الطويل متبهدل على كتافها.
دياب كان لسه فاقد الوعي ونايم بشخير تقيل على السرير.
في هذه العائلة... لا يُمنع الحب، بل لا يُسمح له أن ينجو. حين يخفق القلب للمرة الأولى، تبدأ أشياء لا تُرى بالتحرّك، وأخطاءٌ صغيرة تتحوّل إلى نهاياتٍ لا عودة منها. قصصٌ قد...
الباب اتخبط خبطات خفيفة وواطية، وصوت رقيق طالع من بره:
"ورد.. يا ورد؟ صحيتي يا خيتي؟"
دا كان صوت "كارما".
ورد اتخضت، مسحت دموعها بسرعة وبصوت مخنوق مش طالع بالعافية قالت:
"أنا.. أنا صاحية يا كارما."
كارما فتحت الباب بالراحة ودخلت وهي شايلة صينية فطور، لكن أول ما عينها جت على ورد وهي قاعدة على الأرض على حالتها دي بدموعها وشحوبها.. الصينية كانت هتقع من إيدها.
حطت الصينية على الطاولة بسرعة وجريت قعدت جنب ورد على الأرض، مسكت إيدها الباردة بذهول وخوف:
"يا مري! مالك يا ورد؟! دياب عمل فيكي إيه يا خيتي؟!"
ورد أول ما شافت الحنية في عين كارما، انفجرت في العياط وارتكبت في حضنها، تبكي بكسرة ورعب من اللي عاشته بالليل، من غير ما تقدر تفسر التفاصيل.
كارما ضمتها بقوة ودموعها نزلَت على وجع ورد، وطبطبت على ظهرها وهي بتوشوشها بحزن:
"اهدي يا بت الناس.. اهدي يا ورد. أنا عارفة إن دياب قاسي ودمه حامي، بس إنتي في حمانا هني.. ما تبكيش يا خيتي."
تحت في الصالة الكبيرة
الحاجة صفية كانت قاعدة في صدر القاعة بتسبح على سبحتها العقيق، ودخل سلطان وهو لابس جلابيته البيضا الفخمة، وعلى كتافه الشال الصعيدي، ملامحه حادة وكأنه مانامش طول الليل.
قرب ومال على إيد أمه باسها:
"صباح الخير يا أما."
الحاجة صفية بصت له بنظرة حكيمة وقالت:
"يسعد صباحك يا سلطان.. مال وجهك مصفَرّ وكأنك شايل هموم قنا كلها على كتافك؟"
سلطان قعد على الكرسي قبالها، ونحنح بصوت جاف:
"مفيش يا أما.. مشاغل الشغل والأرض. المهم، دياب صحي ولا لساته نايم؟"
قبل ما الحاجة صفية ترد، نزلت كارما من على السلم، ووجهها كان باين عليه الزعل والضيق شديد.
سلطان لمس ضيق أخته فوراً، وقال بنبرة صارمة هزت الصالة:
"مالك يا كارما؟ طالعة من جناح أخوكي وجهك مقلوب ليه؟"
كارما وقفت مكانها، بصت لسلطان بخوف وتردد، وبعدين بصت لأمها وقالت بصوت واطي:
"البنية فوق مكسورة ومترعبة يا سلطان.. ورد البكاء هيموتها فوق، ودياب نايم زي الجثة ولا حاسس بحاجة."
سلطان أول ما سمع اسم "ورد"، جسمه اتشد، وعينيه أظلمت بغضب مكتوم. شد على قبضة إيده، وقام وقف فجأة بصوت هادر:
"هو أنا مش جولت للزفت ده يراعي ربنا في الحُرمة دي وينسى قسوته وشغله الصايع بتوعه؟!"
الحاجة صفية رفعت إيدها ووقفت سلطان بنبرة حازمة:
"اقعد يا سلطان! ده موضوع بين الراجل وحُرّمته في أوضتهم، مالكش صالح تتدخل فيه دلوك! سيب البت تهدا، وكارما تضل جنبها."
سلطان كان بيتنفس بسرعة، وناره شاعلة جوه صدره.. سحب عصايته بغضب ومشي خارج من الدوار بخطوات تقيلة وواسعة.
أول ما طلعت رجليه لساحة الدوار بره والشمس ضربت في وشّه، وقف مكانه، وطلع سجارة وولعها بيحرق بيها جوفه..
سرح بعيد، وعقله رجع بيه لـ [فلاش باك - ليلة أمس فور تهديده لدياب وخروج دياب من القصر]:
بعد ما سلطان وقّف دياب على السلم بره الصالة وقال له بصوت حارِم: "الحُرّمة دي بقت على ذمتك وداخلة باسم عيلتنا.. لو سمعت إنك ضايقتها ولا سحبت اسم الهواري في الطين قسماً بالله هيكون حسابك معاي أنا!"..
دياب اتنرفز وسابه ورزع باب القصر الخارجي وخرج بغضب للشايعين.
سلطان فضل واقف مكانه، وعينيه متثبتة على الباب اللي اتفتح ودخلت منه ورد خطواتها مكسورة وتعبانة.. التفت سلطان لأمه "الحاجة صفية" اللي كانت واقفة قريبة منه بتراقب الموقف، وقرب منها وقال لها بصوت واطي ونبرة صعيدية ثاقبة:
"شايفة اللي أنا شايفه يا أما؟.. البت دي شكلها مغصوبة على الجوازة دي ومكسورة النفس، مش زي ما دياب جالك إنها بت بندر طماعة وجاية بكيفها!"
الحاجة صفية بصت لسلطان بحزن وهزت رأسها بأسى:
"عيني شافت الكسرة اللي في عينها يا سلطان.. دياب أخوك مش سهل، وعين البت بتقول إنها اترمات في النار دي رمي.. ربنا يسترها عليها جوه الدوار ده."
[العودة للحاضر]
رجع سلطان من الفلاش باك على صوت نفس السجارة الحامي.. شد منها نفس أخير ورماها تحت جزمتها وداس عليها بغل.
(مغصوبة!.. مغصوبة ومكسورة يا ورد، والزفت أخويا داخل عليكي يقسى ويفرد عضلاته!)
قالها لنفسه بصوت مكتوم ونار الشفقة والغموض بتاكل في قلبه.
وفجأة.. قطع تفكيره صوت خطوات سريعة، ودخل "ياسين" من باب البوابة الخارجية، وملامحه مشدودة وشكله مستعجل. قرب من سلطان وقال بصوت واطي وحاسم:
"سلطان.. تعالى معايا بسرعة على المركز! فيه مصيبة حصلت في بضاعة المخزن، والشرطة واقفة هناك ومستنيين الكبير!"
سلطان بص للسلم العالي اللي بيودي لجناح ورد فوق، وعينيه أظلمت بغضب، وبعدين التفت لياسين ونود برأسه بصلابة:
"يلا بينا يا ياسين.. النهار مش فايت على خير النهاردة!"
وهما خارجين من البوابة، عين ياسين جات في عين كارما اللي كانت واقفة عند شباك الدوار.. نظرة سريعة مليانة خوف وقلق عليه، رد عليها ياسين بنظرة طمأنينة خاطفة قبل ما يختفي ورا سلطان.
في جناح دياب
ورد كانت لسه قاعدة مكانها على الأرض، الدموع جفت على خدها وسابت أثر أبيض ووجع، جسمها كان دبلان وكأن روحها انسحبت منها.
وفجأة.. بدأ دياب يتحرك على السرير بتثاقل، بيصدر منه أنين مكتوم، وإيده المرتعشة مسكت راسه اللي كانت هتتفجر من أثر السموم والخمرة اللي طفحها بالليل.
فتح عينيه بالعافية، العيون كانت حمرا زي الدم والمخ مقفول تماماً.. بص حواليه بذهول، لحد ما وقعت عينيه على ورد اللي انكمشت في نفسها أول ما شافته بيتحرك، وجسمها بدأ يترعش تلقائياً من الفزع.
دياب قعد على حافة السرير بتعب، مسح وشه بكف إيده القوي، وعقله المشتت بدأ يسترجع شظايا من الليلة اللي فاتت.. افتكر إنه كان راجع سكران، وافتكر إنه حاول يفرض سيطرته عليها، بس مش فاكر أي حاجة بعد كده ولا عارف هو كمل ولا أغمى عليه!
ضيق عينيه وبص لورد بنظرة شك واستعلاء، وقام وقف بتثاقل ومشي ناحيتها بخطوات تقيلة:
"إيه يا بت البندر؟ مالك قاعدة كدة زي الميتين؟!"
ورد سحبت رجلها لورا ورأسها في الأرض، وصوتها طلع مبشوح ومترعب:
"م.. مفيش."
دياب قرب منها أكتر، حط إيده تحت دقنها ورفع وشها بقوة وجبروت، عينيه الحادة كانت بتحاول تقرأ ملامحها الشاحبة عشان يعرف إيه اللي حصل بالليل، وقال بنبرة جافة وفيها ريحة التهديد:
"إياكي تفكري إن البكاء ده هيغير حاجة.. إنتي بقيتي مراتي وملكيتي، وكل اللي حصل بالليل ده مجرد بداية.. فاهمة ولا لأ؟!"
ورد ما ردتش، كانت كل قطرة دم فيها بتتجمد، ودموعها نزلت تاني في سكات، ودياب زق وشها بغل وسابها ومشي ناحية الحمّام ورزع الباب وراه!
في مركز الشرطة - قنا
الشمس كانت حامية، والدنيا هيصة قدام المخزن الكبير التابع لعيلة الهواري. عربيات الشرطة واقفة بلواحتها، والظباط والعُمال محوطين المكان.
نزلت جزمة سلطان الهواري على الأرض الترابية، ووراه ياسين مباشرة. سلطان مشي بكل هيبة وجبروت، الجلابية البيضا مفرودة عليه والشال الصعيدي على كتافه، وعينيه حادة تجبر الكل على احترام وجوده.
قرب من الظابط المسؤول، وقال بصوت جهوري وهادي فيه ثقة الصعايدة الكبار:
"خير يا باشا؟ إيه القلق اللي مخليكم واقفين على بضاعة الهواري من صبحة ربنا؟"
الظابط قرب منه ونبرة صوته فيها احترام لمكانة سلطان:
"أهلاً يا سلطان بيه.. جتنا بلاغ أو إخبارية كاذبة إن المخزن فيه بضاعة غير مرخصة وشحنة مخالِفة، وجينا نتحرى عن الأوراق والأختام."
سلطان عيونه أظلمت، وعرف إن في حد بيحفر ورا العيلة أو دياب هكّس في الأوراق. التفت فجأة لياسين وقبض على دراعه بقوة وقال بصوت واطي ومحروق:
"الأوراق دي مين اللي استلمها وبصم عليها الأسبوع ده يا ياسين؟!"
ياسين توتر ونحنح بصوت واطي:
"سلطان.. دياب أخوك هو اللي استلم الأوراق دي بنفسه، وإهماله وشغله المقلوب هو اللي عمل الشبهة دي وخلى البلاغ يوصل للمركز!"
سلطان شد على عصايته الخشب بغضب هادر لحد ما ابيضت مفاصله.. أخوه بسبب إهماله وسهره وشربه كان هيجر اسم الهواري وسمعتهم في الملاحة والتفتيش!
بص سلطان للظابط، وطلع الأوراق الرسمية والمرخصة الخاصة بالعيلة، وقدر بحكمته وهيبته وعلاقاته ينهي الموقف فوراً ويثبت إن البلاغ كاذب والأوراق سليمة 100% من غير ما تتسجل أي قضية أو يتمس دياب بأي سوء.
لكن سلطان.. كان جمر النار بيغلي جوه صدره!
في دوار الهواري - بعد الظهر
كان السكون يسبق العاصفة..
ورد كانت قاعدة في جناح كارما، الشاي الدافئ في إيدها وجسمها لسه بيلطش من الخوف، وكارما قاعدة جنبها بتطمنها بكلمات حنينة.
وفجأة.. اتفتح الباب الخارجي للدوار برزع هز الأركان!
دخل سلطان زي الإعصار، جبهته معقودة وعروق رقبته بارزة، وصوته الجهوري زلزل البيت كله:
"دييييياااااب! انزل لي هني يا دياب!"
الحاجة صفية خرجت من أوضتها بسرعة، وكارما وورد اتخضوا وخرجوا يقفوا على حافة السلم العالي فوق.
نزلت عين ورد العسلية الشاحبة فوراً على سلطان.. شفته واقف في نص الصالة، عريض الكتاف، هيبته ترعب، وعينيه شاعلة نار وغضب هادر.
في اللحظة دي.. خرج دياب من جناحه وهو بيمسح وشه بتعب، ونزل على السلم ببرود واستفزاز:
"جرى إيه يا كبير؟! فيه إيه عايل الزعاق ده على الصبح؟!"
سلطان ما استناش لحد ما دياب ينزل آخر درجة.. مسكه من طوق جلابيته بقوة وعصره في إيده قدام الكل، وقرب وشه منه بنبرة حارقة زي الموت:
"إهمالك وشغلك الصايع وسهرك كان هيسحب اسم الهواري للمراكز النهاردة يا ابن أبوي!.. لو فاكر إنك كبرت على الحساب.. قسماً بالله أنا اللي هربيك من أول وجديد في الدوار ده!"
دياب برّق عينيه بذهول وغضب، وحاول يفك إيد سلطان المربوطة على طوق جلابيته، وهو بيصرخ بصوت مكتوم:
"سيب جلابيتي يا سلطان! إنت هتفرد عضلاتك عليّ قدام الحريم ولا إيه?!"
سلطان ما رمش لهوش جفن، زقه بقوة لورا لحد ما خبط ظهر دياب في الحيطة بجبروت هز الصالة، وشار عليه بصبع مرتعش من شدة الغضب وهو بيكتم نفسه بالعافية:
"الحساب بيني وبينك كِبر يا دياب.. وحساب الشغل يهون، بس قسمًا بعزة جلال الله.. لو لمحت كسرة البنية دي ولا سمعت لها صريخ تاني في الدوار ده.. ماهيكونش لك مكان هني ولا مع عيلة الهواري كلها!"
أنفاس سلطان كانت حامية وزي الجمر.. وفجأة، رفع راسه لفوق تلقائيًا، وعينيه الصقرية جات في عين ورد اللي كانت واقفة فوق ماسكة سور السلم وجسمها كله بيرتجف.
تلاقت عيونهم في ثانية واحدة خاطفة.. نظرة ورد كانت مليانة كسرة ورعب ورجاء مكتوم، بينما عينين سلطان كانت شاعلة بنار غريبة؛ خليط مرعب من القسوة، الشفقة، والغيرة اللي مش فاهم سَببها ولا قادر يطفيها!
سلطان ساب الدوار ورزع الباب وراه بغضب هادر خرج بيه للشمس، وورد انكمشت فوق ودموعها نزلت على خدها في سكات..
بينما دياب وقف مكانة بيمسح رقبته، وعينيه الميتة اتثبتت فوق على ورد بنظرة غل وشر؛ وكأنه بيحملها هي ذنب الإهانة اللي أخدها من أخوه الكبير!
تُرى دياب هينتقم من ورد ازاي على الإهانة دي لما يخلوا بيها جوه الأوضة؟!
وهل نيران سلطان المكتومة هتقدر تقف في وش أخوه، ولا السر المدفون هينكشف ويولع الدوار كله؟!