رواية دكة السادة الفصل الثاني عشر 12 بقلم فاطمة محمد علي النعيمي
قلوب الأمهات
على الطرف الآخر...
في قرية الحويدة
بعد سفر عبد الله وحازم...
كان كل يوم يمرّ على نفلة وأم حمدان كأنه دهرٌ طويل لا ينتهي.
أم حمدان تنتظر رجوع حمدان لتَقَرَّ عينُها وتَهْدَأَ روحُها المعذبة،
ونفلة لتعرف خبرًا أكيدًا عن ولديها، وتطمع أحيانًا أن يأتي عبد الله بهما.
وحين تنام على السطح، تنظر للنجوم وتحاول أن تتخيل ملامحهما التي ذكرتها سمرا لها عشرات المرات.
فكل يومين أو ثلاثة تذهب إلى سمرا وتطلب منها أن تصف ولديها، وتصفهما سمرا كما لو ما زالت تقف أمامهما، ثم تقول لسمرا:
- شفتي يمة يسمرا اخوتچ اشگد حلويين؟
ولشدة حب سمرا لنفلة، ترد عليها سمرا وتقول:
- عمة نفلة الواليد عيونهم مثل عيونچ حلوات، بس خشومهم وأثومهم يشبهون أبوية.. أبوية عيونو زغار والواليد عيونهم كبار.
فتضحك نفلة وقد تحولت عيناها الجميلتان كهلالين وهي تقول:
- يايمة ريتني فدوة لعيونهم يمة گلبي يفور يفور.. اريد بس احضنهم واحب خدودهم.. يمة يمة هم يجي يوم واشوفهم يمة والله كلبي ذاب من نار فگدهم!
فتأخذ سمرا في حضنها وتضمها إلى صدرها كأنها تضم ولديها.
وسورية تراقب المنظر من بعيد
وبين فترة واخرى تقول لنفلة باسلوب غريب:
-أيه الله يرجعهم لچا بالسلامة وتاخذيهم وتروحين تكعدين ابيت أبوچ ومو كل شوية جاية بحجة الواليد،
فترد عليها نفلة بأسلوبها الجميل قائلة:
-الله لايحرمچ من ضناچ يخيتي
أنتي بس تذكري لحظة ما اخذ المي وطفة أنت اش صار بيچ؟
آني گضيت ثمنطعش سنة بهذا العذاب ومدري هيمت راح يخلص عذابي،
فتتذكر سورية تلك اللحظات فيتغير شكلها ويلين لسانها
وتمضي الى عملها وهي تردد بود حقيقي
-ألله يبرد گلبچ يخيتي.
أما أم حمدان، فكانت تذهب أحياناً إلى البستان لتعمل مع نفلة؛ كي لا تترك لنفسها فراغاً يسلمها للجنون،
ففي كل زاوية من زوايا البيت ترى ابنها؛
مرة تبكي ومرة تضحك، ومرات تشعر بفراغه وتردد في نفسها:
- ايابااااه اشكبر مكانك بالبيت يحمدان!
اشكبر الفراغ الي تركتو وراك ياعيون أمك..
يخوفي ما أشوفك انوب، يخوفي يضل هالمكان فارغ للموت.. يارب رجعلي أبني سالم غانم يارب العالمين.. ياريتني سامعة كلامك وخاطبتلك خديجة ياريت.
لهذا تذهب إلى حسنة حينًا وإلى نفلة أحيانًا كثيرة؛ فالفراغ مع الحزن هو العدو الذي يقتل الإنسان ببطء. وأحيانًا أخرى كانت تطبخ طعامًا مميزًا وتأخذه معها وتذهب للبستان، ليجلسوا تحت "سيباط" البستان يتناولون الغداء، وتعمل معهم أحيانًا لتأخذ بعض الخضار في نهاية اليوم.
وأثناء العمل يتحدثن؛ أم حمدان ونفلة، كل واحدة تحدث رفيقتها ماذا ستفعل لو رجع ابنها.
وفي تلك الليالي الصيفية، كانت "حسنة العبد" تقضي كثيرًا من سهراتها مع أم حمدان؛ إذ كانت سطوحهما متصلة تُفضي إلى بعضها.
ذات ليلة، بعد سفر عبد الله بأسبوع، في أواسط حزيران، كانت حسنة العبد تجلس أمام أم حمدان وبينهما صحن بطيخ تأكلان منه وهما جالستان على السطح في هواء الليل العليل.
قالت حسنة لأم حمدان بنبرة شك وحيرة:
- حرام.. صارلي چم يوم ما اشوف "دمدم"، ما شفتيه بالبستان؟
أجابت أم حمدان وهي تأكل حزّاً من البطيخ وتتنهد:
- هنيالو! لا همّ ولا حزن.. داير بأرض الله، وين ما تظلم ينام، ووين ما يلگى أچل ياكل.
ردت حسنة بشيء من الوجل والريب، وقرّبت رأسها:
- تدرين يـ ريمة.. أني أبد ما أجرع هالبشر!
مدري ليش أحس عليه "شعرة"!(1)
ومدري وين يولي كل چم شهر يروح وماشفتي الا وهو راجع ولاف على رگبتو رگع جديدة!
ردت أم حمدان بعتاب:
- عمة حسنة.. عوفي الناس بحالها!
دمدم بركة الجرية والله كلما يروح حت رزگ مايضل بالجرية وتكثر المصايب،
وماتهجسين الا تشب نار ابيت واحد،
او تموت بكرة واحد، او واحد يطلج مرتو..
وسبحان الله بس يرجع كلشي بالجرية يسكن عبالك الله سبحانه حاط سر بهل مسكين..
عوفيه بحالو اش لچ عندو؟ عوفي الناس خليهم يعيشون.. ضليتي حاطة ورا "زعيتر" المسكين.. عوذة وچبح هالوجه! وهيج بثمك وهيج منك.. الما هججتيه من الجرية وسكن البساتين من ورا لسانچ!
انفعلت حسنة وقالت:
- أنتِ هم شفتي أدمي كبر وتربى على "البوثا" يصير برأسو حظ؟ يولي هذا أدبسز! چم نوبة شفتو يلعب مع عجيات زغار؟ إش عندو مع العجيات ها؟ هذا اللي طير عگلي منو!
ثم خفضت صوتها أكثر، وقرّبت رأسها من أم حمدان وقالت بأسلوب همس الغيبة:
- ذيچ السنة لما مات خضير الطه.. أتذكرين؟
نزلت للمي بعد المغرب دجيب مي للعزا،
وحسيت أكو صوت بمغارة الجن.. چان الصوت صوت بنية زغيرة تضحك! أول فال تبربعت من الخوف،
بس بعدين سمعت صوت زعيتر..
شكيت بالسالفة! گويت گلبي ولفيت رشمة الجحش بحجرة ورميتها بالگاع هيدي هيدي وشلتلي حجرة بيدي ورحت للمغارة.. تدرين لگيت زعيتر مع بنت عزام بالمغارة يدعك بيها! انجنيت وضربتو بالحجارة وكمت اتناوش حجر وأضرب بيهم وهججتهم، وحلفت يمين للعجية وهي تركض إذا ما صارت أدمية أني لگول لبوها بالي شفتو!
من وراها طار عگلي من زعيتر عبني گضبتو بيدي وشفتو بعيني.. بعد شتريدين اكثر من هذا؟
اعتدلت أم حمدان في جلستها، وردت بنبرة حازمة تنكر كلامها:
- شوفي يـ عمة حسنة.. أنتِ تهولين الامور چثير وتشوفين الذبانة ثور!
يمعودة زعيتر مسكين طايح حظو،
والجهال بالديرة يركضون وراه كل النهار؛
مرة يضربوه ومرة يلعبون معاه.
وصحيح هو صار زلمة بس لسع عگلو عگل جاهل عبن محد رباه،
بس والله عندو شيمة ويفزع للناس بايام الحصاد وبالبساتين وهو خوش ولد ومحد شاف منو شي بس أنتي.
وترى ماكو أحد من شباب الجرية يگدر يمد إيدو على عرض الناس!
ويعرف زين ورا هالشي ذبح..
شكو بيها إذا لعب مع عجية زغيرة وحبها حبة؟ الملا يگول الحبة مو حرام.. لا تگعدين تنهشين بلحم العالم وتسوين السالفة عار! ترى هالشي موجود بكل مچان.
قامت حسنة متأففة وهي تنفض ثيابها وقالت بغضب:
- زعيتر مو زغير ترى صار زلمة! والعجية مو زغيرة هي بكد خديجة.. أشو خديجة خاتون محد شافها بيوم ترفع راسها،
تروح للمي مدنجة وترجع مدنجة. والله البنت اللي تگبل واحد يطخها مو شريفة، وشتريدين تگولين گولي!
ترى الشرف مو بس ذيچ النگطة
(وتشير بيديها علامة معينة)
آني هذا عگلي وهيچ تربيت والعوجة أگول عليها عوجة لو على نفسي.. صار عمري فوگ الستين واني بنت وعايشة بنصكم، هم سمعتي بيوم احد شافني خاتلة مع رجل بمكان؟ وترى ماني جگمة شكل ولا ناگصني شي، قسمتي ما جت وكلشي قسمة ونصيب!
مشت حسنة نحو دكّتها لتنام، بينما ظلت أم حمدان تراقب أثرها في العتمة وتقول في سرها:
- سبحان الله.. إشگد الضالة تصير حگودة! مدري هي صارت حقودة عبنها ضالة، لو عبنها حقودة ضلت؟ الله يهدينا ويهديچ.
وأكملت أكل البطيخ.
وهكذا كانت تسير الأيام في قرية الحويدة.
**********
بعد هذا اليوم بشهر ونصف تقريبًا...
في الأيام الأولى من أيلول؛ ذلك الشهر الذي يأتي على أهل القرى ليخفف عنهم الشدة التي مروا بها من لهيب الصيف ويمنحهم استراحة لطيفة قبل أن يهجم عليهم برد الشتاء القارص فيستنزف كل طاقتهم ومؤنتهم التي جمعوها في الصيف.
وكان قد مضى على غياب عبد الله ما يقرب من شهر ونصف، كانت نفلة في هذه المدة قد أدمنت المراقبة. حين تكون في البستان ترتقي تلك التلة الواقعة خلف بستان عبد الله عدة مرات في اليوم تراقب كل الطرق المؤدية للقرية، وحين ترجع لبيتها ترتقي السطح وتنظر إلى أطراف القرية كلها وقد وضعت يدها كمظلة لعينيها من قوة ضوء الشمس، ثم تنزل وهي تدعو الله:
- يارب برد گلبي برحمتك يارب.
أما زيد فقد كان يخامره شعور بالخوف على نفلة، يخشى أن يخيب أملها وهو يعلم ماهية خيبة الأمل.
في ذلك اليوم......
ارتقت نفلة التلة كالعادة وراحت تنظر لكل الجهات. شعرت أنها ترى شيئًا من بعيد جدًا، يبدو ذلك الشيء كأنه نقطة رمادية بعيدة جدًا. ركّزت بصرها ونادت خديجة:
- خديجة تعالي بالله وگليلي بس اني جاي اشوف صح لو غلط؟ آني أذا ما متوهمة جعد أشوف سوادة بالبطين(2)
تركت خديجة دلو الباذنجان الذي جنته قبل قليل أسفل التل وصعدت التل راكضة، ورفعت يدها على عينيها تظللهما ونظرت إلى المكان الذي تشير إليه أمها بإصبعها شمال القرية؛ إلى أراضي الحنطة والشعير المحصودة والتي كانت تبدو من بعيد كأنها مائلة باتجاه النهر، فتبدو للناظر كأنها ستنحدر إلى النهر وتسقط فيه، مما يتيح للناظر إليها من عند النهر الرؤية الطويلة لما بعد القرية بمئات الأمتار.
وقالت خديجة بلهفة:
- يمة يمة هذولة خيالة ثنين أبوية وعمي جو.
ونزلت تركض لتبشر جدها أن أبَاها وعمها قد رجعا. كان زيد جالساً في السيباط ماداً احدى ساقيه
ويعزل الخضار الجيد عن الفاسد لينقلوه لبيت عبد الله؛ فما صلح يأكلون منه ويجففون الزائد لمؤونة الشتاء، وما فسد منه يصبح علفاً للبهائم.
وصرخت به:
- جدو جدو ابوية وعمي جو!
لكن زيدًا حين نهض والتقط عصاه، كانت نفلة قد نزلت من التل وصعدت الجرف تركض إلى القادمين بكل ما ترك لها العمل المضني من قوة.
كان عبد الله وحازم قد وصلا إلى أطراف القرية العلوية حين وصلت نفلة لمنتصف القرية وتوقفت. شعرت من طريقة مشي البغال بذلك الهدوء والرتابة أنهما لا يحملان خبرًا جيدًا، فغدت تمشي مرة تسرع ومرة تبطئ كأنها تتأرجح بين الخيبة والرجاء.
حين وصلتهما لم يتكلما، لكنها عرفت من وجهيهما أنهما لم يعثرا على شيء، فجلست على الأرض خائرة القوى كأن الأمل هو الذي كان يحركها وحين فقدته لم تعد قدماها تحملانها.
وخيبة الأمل فجّرت في قلبها بركانًا تتطاير حممه على شكل دموع كثيرة تنهمل من عينيها أربعًا أربعًا بصمت،
وقد تكوّرت على نفسها كأنها تود لو تختفي عن هذا الألم الذي يهاجمها من كل الجهات.
نزل عبد الله من على ظهر بغلته وهرول إليها، يغمره الأسى والحنان الذي فاض من قلبه دفعة واحدة، واحتضنها وهو يطبطب عليها وقال لها بنبرة رقيقة لم تسمعها منه من قبل:
- اسمعي يا أم الحسنين صحيح آني مالگيت الواليد وماراح ابطل ادوارة عليهم، بس لگيت كنز چبير.. لگيت اهم شي بكل هاي الدنيا.
نظرت نفلة إليه وهي تمسح دموعها بطرف ملفعها وقالت:
- أش لگيت؟ عرفت خبر عنهم؟
قال لها برقة وحب يفوق خيالها:
- لگيتچ انتي يابعد روحي أنتي اغلى واعز شي عندي.
تجمدت نفلة في مكانها، نظرت إليه مرة وإلى حازم مرة وهي تسأل نفسها: ما هذه الكلمات التي لم تسمعها من عبد الله حتى حين كانت زوجته؟ وحازم ينظر إليهما من فوق بغلته صامتًا متأثرًا.
استأنف عبد الله كلامه قائلاً:
- وآني أدورعالواليد بكل مكان شفت شيخ جامع بالبلاد، ورحت انشدو عالواليد وكلمة تجر كلمة وحچيتلو كلشي صار بيا. گلي شغلتين وحدة أكبرمن الخ لكن أهم من كلشي؛ گلي انو أگدر ارجعچ لبيتي ولگلبي.. آني ينفلة چثير تندمت عليچ واشكد ردت من عمي الملا ينطيني فتوة حتى ارجعچ بس الظاهر عمي علمو على كدو.. وأبوية الله يرحمو راح وآني مع كل الأسف ما چنت اعرف قيمة العلم الي چان عند أبوية.. كومي يبعد روحي گومي خل نرجع للبيت واسولفلكم من يوم طلعت من هينا الى هاللحظة.
ورغم ما بها من خيبة أمل تمزق القلب ابتسمت، وعيناها لم تزالا مبللتين بالدموع. خرجت الابتسامة من بين الدموع كظهور الشمس من بين الغيوم في يوم شتوي ممطر.
نهضت ورحبت بحازم، وسار الجميع إلى بيت عبد الله الذي حين وصلوه كان كل السادة ينتظرون أمام الباب، ودخلوا جميعًا ليعرفوا الأخبار.
لكن سورية كانت تنظر إلى يد عبد الله التي تمسك بيد نفلة وقد شبّك أصابعه بأصابعها، ولمحت أيضًا كيف تقبض نفلة على يد عبد الله وهو رغم تعبه مستبشرٌ فرح. شعرت بوخز عنيف في قلبها وغطى وجهها العبوس بوشاح أصفر.
دخل عبد الله لغرفة الضيوف وجلس، وأجلس نفلة عن يمينه وزيدًا عن يساره، وقال للجميع:
- أول شي وگبل گلشي.. يعبد الرحمن گوم يبوي روح طلع الثور الأحمر واذبحو ووزعو عالجرية كلها، هذا الثور كفارة يمين تحريم نفلة عليا. وثاني شي.. ياعمي الملا اعجد عجدي على نفلة من جديد وبالمهر الي تريدو من بعد أذن عمي زيد.
وطبطب على رجل زيد.
هز زيد رأسه مبتسمًا وقال له:
- الف مبارك عرسكم يابا يعبدالله ويارب يرجعون الواليد وتكمل فرحتنا.
رد عبد الله وقال:
- عجل باچر عرسنا.
فتحت خديجة فمها للحظات وهي لا تستوعب الخبر، بينما شقّت سورية ثوبها من عند الصدر إلى بطنها وصرخت بكل قوتها:
- يبوووووووه يهجام بيتچ يسورية!
هب أخوها راكضًا وسترها وأخرجها من الغرفة وهو يضربها ويسبها. وما إن خرجت سورية برفقة أخيها وهو يمطرها بسيل من الشتائم، حتى انطلقت خديجة بالزغاريد هي وكل النساء في ذلك المجلس من عماتها ونساء أعمامها.
أما سمرا فوقفت مستغربة سبب صراخ أمها وغضبها، وهي تنقل بصرها بين الباب الذي خرجت منه أمها، وأبيها الجالس في صدر الديوان يمسك بيد نفلة كأنه يخشى أن يترك يدها فيفقدها مرة أخرى.
حين لمح عبد الله سمرا ناداها، فذهبت إليه تركض. وأخرج من جيب سترته لفة من قماش معقود على بعضه كصرة صغيرة فتحها على مهل، وأخرج منها قلادة من ذهب عبارة عن زنجيل وفيه خمس ليرات ذهبية وألبسها إياها فوصلت إلى سرتها. طارت سمرا من الفرح وراحت تركض خارجًا.
أما نفلة، فلم تكن تعرف كيف تستوعب مشاعرها بين خيبة الأمل من عدم الحصول على خبر عن ولديها
وبين فرحتها برجوعها لعبد الله
وشعورها تجاه صرخة سورية؛ فهي لم تكن تريد يومًا من الأيام إزعاج سورية كي لا تنتقم من ابنتها خديجة. كان الموقف مربكًا.
في ذلك المساء اجتمع الناس كلهم في فناء بيت عبد الله وسألوه ما الذي حصل. أخبرهم أنه طارد أكثر من ثلاث جلبات أغنام في أول شهر، لكنه في كل مرة يكتشف أنها الجلبة الخطأ.
بعد ذلك صار يدور بين القرى والبلدات يبحث عن شابين متشابهين؛ سبابة أحدهما مقطوعة، اسم أحدهما جواد والآخر سليمان، ولم يجد أي شيء. وأثناء بحثه جلس في جامع إحدى البلدات الصغيرة ليستريح. كان يجلس في طرف من الجامع شيخ كبير يلبس عمامة العلماء.
نهض عبد الله وذهب إلى الشيخ وقال له:
- السلام عليكم ياشيخ؟
رفع الرجل رأسه وكان سينهض ليصافح عبد الله، لكن عبد الله جلس عنده وصافحه وجلس. سأله الشيخ مستغربًا:
- انت مو من الديرة وبلدتنا بعيدة عن دروب التجارة وماعدنا شي يخلي رجل غريب يجيها اش عندك هينا؟
قال عبد الله بحزن بالغ:
- ياشيخ اني مضيع واليدي وجاي ادور عليهم، وحضرتك مبين انك تعرف الديرة كلها.. هم سمعت بتوم رجال يشبهون بعض واحد اسمو سليمان والاخ جواد واصبع واحد منهم هذا الاصبع الشاهودي مگطوع من عرجو؟
قال الشيخ مستغربًا:
- يعني والديك رجال؟
قال عبد الله:
- اي نعم شباب بعمر ال ٢٢ سنة.
قال الشيخ:
- يعني اشلون ضيعتهم تكاونت معاهم وطردتهم مثلا ولا شنو القصة؟
اعتدل عبد الله في جلسته وحكى للشيخ قصته كلها، ومن ضمن ما قال إنه حرّم زوجته على نفسه وإنه ندم، لكنها أصبحت حارمة عليه.
هنا قال له الشيخ:
- منو الي افتالك بهل حچي العجيب؟
قال عبد الله:
- عمي الملا امام وخطيب جامعنا.
أجاب الرجل بثقة وقد سحب المصحف من على رحلة قراءة أمامه، وقَلب فيه حتى وصل سورة المجادلة، وشرح لعبد الله الفتوى واقتنع عبد الله، وغمره الفرح رغم عدم حصوله على أي خبر عن ولديه.
هنا التفت عبد الله إلى عمه الملا وسأله:
- يعمي انت تدري بهل فتوة ولا ماتدري؟
تلعثم العم بخجل وقال:
- اي ادري بس سورة المجادلة تحچي عن المظاهرة، يعني يگول الرجل لمرتو انتي كظهر امي.
سأله عبد الله قائلاً:
- وشنو الفرگ بين انتي حارمة عليا مثل أمي ليوم الدين وبين انتي كظهر أمي؟ ماكو فرق يعمي بس ليش حرمتني من حرمتي مدري! وآني هسع متندم بكد شعر راسي.. أني مادرست الفقه على ايد أبوية لااااااا، وجنت اضل أگلو ماتبطل من سوالف الملالي مالتك واكتفيت انو علمني اقرأ قرعان وگلت العبادة تكفيني.. آني عبالي اذا تعلمت الاعراف وقوانين العشاير احسن ما اضيع وكتي بعلوم الدين، بس طلعت غلطان وخسرت 18 سنة من عمري واني محروم من حرمتي الي ارفضت كل رجل راح يخطبها لخاطر ماتكسرني! الرجل يعمي لمن اتزوج حرمتو بعدما يطلجها لو يموت احسنلو، بس عبنها بنت اوادم ضلت صابرة كل هالعمر، ووالله لعوضها عن كل يوم من عمرها بعيدة عني بكل شي اتمناه.
وسكت عبد الله وهو يتذكر كم كان عمه هذا معارضًا لزواجه من نفلة، وبقدر ما كان عبد الله يحترمه في تلك الأيام التي كان هو نفسه رافضًا لنفلة وعمه يؤيده، يشعر الآن بالخيبة لأنه شعر أنه وثق برجل دين ليس له دين.
وفي اليوم الثاني تم الزفاف. ورغم أن رد المطلقة غالبًا يتم بلا أفراح، لكن عبد الله أصر أن يزف نفلة كما لو كانت بكرًا ليعوّض بعض الذي حرم نفسه منه؛ مرة بسبب كلام الناس الذي أثبت بطلانه، ومرة بسبب فتوى عمه.
أقام حفلاً بهيجًا حضره الجميع إلا أم حمدان، التي مرت على نفلة ليلة عرسها وسلمت عليها وباركت لها واعتذرت عن حضورها للحفل قائلة:
- يخيتي ينفلة گلبي مايگبل الفرح، مگدر اجي وشايفة الالف خير يخيتي.. والحمد لله الي رجعج لرجلچ، واني ادري انتي ماجنتي مطلگة أبد.. أنتِ ضليتي حاسبة نفسچ حرمة عبدالله، ماسويتي مثل المطلگات تضل عيونهن مطاردة الزلم.. أنتي حفظتي عبدالله وعبدالله يعرف هالشي.
ردت عليها نفلة:
- اترجاچ روحي عن روحچ وتعالي، لا تشاركينا بدبجة او بصفگة بس تعالي مع هالناس حتى تروحين عن نفسچ.
لكن أم حمدان رفضت الحضور.
ورجعت نفلة لبيت زوجها محفوفة بالتبريكات، وبغضب سورية التي سجنها أخوها في غرفتها وأقسم لها من خلف الباب أنه لن يطلق سراحها حتى ترجع لعقلها؛ فهي ليست أول ولا آخر امرأة يتزوج عليها زوجها، وأنه هو نفسه متزوج من ثلاث نساء.
بعد مدة من الزمن استسلمت سورية للأمر الواقع رغم مشاكلها الكثيرة مع نفلة، لكن نفلة استوعبتها كعادتها؛ فبعض الأشخاص يخلقهم الله ليمنحوا الحياة توازنًا ليجعلها تمشي في مسارها السليم.
ومرت الأيام والأسابيع والشهور حتى حلّ الشهر الأول من الشتاء، بعد حادثة غرق وطفة بما يقرب من ستة أشهر.
وفي ليلة باردة والمطر الخفيف يغطي القرية بمظلة من الرذاذ المنعش الذي أثار في الأجواء تلك الرائحة المحببة؛ رائحة التراب المبللة بالمطر، والتي تشبه إلى حد بعيد رائحة الخبز المحمص وهو يخرج من تنور الطين محمصًا ساخنًا كأنه أول وآخر لذائذ الحياة...
طُرق باب بيت عبد الله بعد منتصف الليل، بعد أن غفا الناس وانطفأت الفوانيس، فخرج عبد الله مسرعًا متوجسًا وفتح الباب ليتجمد ويقف كالصنم لثوانٍ لا يستطيع تفسير ما يراه! فما يراه لا يمكن تفسيره.....
لكن.........
يجب أن نرجع ثلاثة أشهر للوراء، إلى بدايات الشهر التاسع.
يتبع........ .
(1) عليه أشْعَرَة: مقولة تقال للشيء المرعب الذي يصيب الإنسان بالقشعريرة بحيث يقف شعر بدنه.
(2)البطين كلمة عامية تصف شكل الارض المائلة بشكل كبير بحيث يرى الواقف في الوادي كل ما على الارض في الاعلى
تشبه الى حد بعيد منظر البحر وعلى ظهره القوارب
حيث تشعر ان البحر اعلى منك ولاتعرف سبب عدم انقلاب الماء عليك
سبحان الله
على الطرف الآخر...
في قرية الحويدة
بعد سفر عبد الله وحازم...
كان كل يوم يمرّ على نفلة وأم حمدان كأنه دهرٌ طويل لا ينتهي.
أم حمدان تنتظر رجوع حمدان لتَقَرَّ عينُها وتَهْدَأَ روحُها المعذبة،
ونفلة لتعرف خبرًا أكيدًا عن ولديها، وتطمع أحيانًا أن يأتي عبد الله بهما.
وحين تنام على السطح، تنظر للنجوم وتحاول أن تتخيل ملامحهما التي ذكرتها سمرا لها عشرات المرات.
فكل يومين أو ثلاثة تذهب إلى سمرا وتطلب منها أن تصف ولديها، وتصفهما سمرا كما لو ما زالت تقف أمامهما، ثم تقول لسمرا:
- شفتي يمة يسمرا اخوتچ اشگد حلويين؟
ولشدة حب سمرا لنفلة، ترد عليها سمرا وتقول:
- عمة نفلة الواليد عيونهم مثل عيونچ حلوات، بس خشومهم وأثومهم يشبهون أبوية.. أبوية عيونو زغار والواليد عيونهم كبار.
فتضحك نفلة وقد تحولت عيناها الجميلتان كهلالين وهي تقول:
- يايمة ريتني فدوة لعيونهم يمة گلبي يفور يفور.. اريد بس احضنهم واحب خدودهم.. يمة يمة هم يجي يوم واشوفهم يمة والله كلبي ذاب من نار فگدهم!
فتأخذ سمرا في حضنها وتضمها إلى صدرها كأنها تضم ولديها.
وسورية تراقب المنظر من بعيد
وبين فترة واخرى تقول لنفلة باسلوب غريب:
-أيه الله يرجعهم لچا بالسلامة وتاخذيهم وتروحين تكعدين ابيت أبوچ ومو كل شوية جاية بحجة الواليد،
فترد عليها نفلة بأسلوبها الجميل قائلة:
-الله لايحرمچ من ضناچ يخيتي
أنتي بس تذكري لحظة ما اخذ المي وطفة أنت اش صار بيچ؟
آني گضيت ثمنطعش سنة بهذا العذاب ومدري هيمت راح يخلص عذابي،
فتتذكر سورية تلك اللحظات فيتغير شكلها ويلين لسانها
وتمضي الى عملها وهي تردد بود حقيقي
-ألله يبرد گلبچ يخيتي.
أما أم حمدان، فكانت تذهب أحياناً إلى البستان لتعمل مع نفلة؛ كي لا تترك لنفسها فراغاً يسلمها للجنون،
ففي كل زاوية من زوايا البيت ترى ابنها؛
مرة تبكي ومرة تضحك، ومرات تشعر بفراغه وتردد في نفسها:
- ايابااااه اشكبر مكانك بالبيت يحمدان!
اشكبر الفراغ الي تركتو وراك ياعيون أمك..
يخوفي ما أشوفك انوب، يخوفي يضل هالمكان فارغ للموت.. يارب رجعلي أبني سالم غانم يارب العالمين.. ياريتني سامعة كلامك وخاطبتلك خديجة ياريت.
لهذا تذهب إلى حسنة حينًا وإلى نفلة أحيانًا كثيرة؛ فالفراغ مع الحزن هو العدو الذي يقتل الإنسان ببطء. وأحيانًا أخرى كانت تطبخ طعامًا مميزًا وتأخذه معها وتذهب للبستان، ليجلسوا تحت "سيباط" البستان يتناولون الغداء، وتعمل معهم أحيانًا لتأخذ بعض الخضار في نهاية اليوم.
وأثناء العمل يتحدثن؛ أم حمدان ونفلة، كل واحدة تحدث رفيقتها ماذا ستفعل لو رجع ابنها.
وفي تلك الليالي الصيفية، كانت "حسنة العبد" تقضي كثيرًا من سهراتها مع أم حمدان؛ إذ كانت سطوحهما متصلة تُفضي إلى بعضها.
ذات ليلة، بعد سفر عبد الله بأسبوع، في أواسط حزيران، كانت حسنة العبد تجلس أمام أم حمدان وبينهما صحن بطيخ تأكلان منه وهما جالستان على السطح في هواء الليل العليل.
قالت حسنة لأم حمدان بنبرة شك وحيرة:
- حرام.. صارلي چم يوم ما اشوف "دمدم"، ما شفتيه بالبستان؟
أجابت أم حمدان وهي تأكل حزّاً من البطيخ وتتنهد:
- هنيالو! لا همّ ولا حزن.. داير بأرض الله، وين ما تظلم ينام، ووين ما يلگى أچل ياكل.
ردت حسنة بشيء من الوجل والريب، وقرّبت رأسها:
- تدرين يـ ريمة.. أني أبد ما أجرع هالبشر!
مدري ليش أحس عليه "شعرة"!(1)
ومدري وين يولي كل چم شهر يروح وماشفتي الا وهو راجع ولاف على رگبتو رگع جديدة!
ردت أم حمدان بعتاب:
- عمة حسنة.. عوفي الناس بحالها!
دمدم بركة الجرية والله كلما يروح حت رزگ مايضل بالجرية وتكثر المصايب،
وماتهجسين الا تشب نار ابيت واحد،
او تموت بكرة واحد، او واحد يطلج مرتو..
وسبحان الله بس يرجع كلشي بالجرية يسكن عبالك الله سبحانه حاط سر بهل مسكين..
عوفيه بحالو اش لچ عندو؟ عوفي الناس خليهم يعيشون.. ضليتي حاطة ورا "زعيتر" المسكين.. عوذة وچبح هالوجه! وهيج بثمك وهيج منك.. الما هججتيه من الجرية وسكن البساتين من ورا لسانچ!
انفعلت حسنة وقالت:
- أنتِ هم شفتي أدمي كبر وتربى على "البوثا" يصير برأسو حظ؟ يولي هذا أدبسز! چم نوبة شفتو يلعب مع عجيات زغار؟ إش عندو مع العجيات ها؟ هذا اللي طير عگلي منو!
ثم خفضت صوتها أكثر، وقرّبت رأسها من أم حمدان وقالت بأسلوب همس الغيبة:
- ذيچ السنة لما مات خضير الطه.. أتذكرين؟
نزلت للمي بعد المغرب دجيب مي للعزا،
وحسيت أكو صوت بمغارة الجن.. چان الصوت صوت بنية زغيرة تضحك! أول فال تبربعت من الخوف،
بس بعدين سمعت صوت زعيتر..
شكيت بالسالفة! گويت گلبي ولفيت رشمة الجحش بحجرة ورميتها بالگاع هيدي هيدي وشلتلي حجرة بيدي ورحت للمغارة.. تدرين لگيت زعيتر مع بنت عزام بالمغارة يدعك بيها! انجنيت وضربتو بالحجارة وكمت اتناوش حجر وأضرب بيهم وهججتهم، وحلفت يمين للعجية وهي تركض إذا ما صارت أدمية أني لگول لبوها بالي شفتو!
من وراها طار عگلي من زعيتر عبني گضبتو بيدي وشفتو بعيني.. بعد شتريدين اكثر من هذا؟
اعتدلت أم حمدان في جلستها، وردت بنبرة حازمة تنكر كلامها:
- شوفي يـ عمة حسنة.. أنتِ تهولين الامور چثير وتشوفين الذبانة ثور!
يمعودة زعيتر مسكين طايح حظو،
والجهال بالديرة يركضون وراه كل النهار؛
مرة يضربوه ومرة يلعبون معاه.
وصحيح هو صار زلمة بس لسع عگلو عگل جاهل عبن محد رباه،
بس والله عندو شيمة ويفزع للناس بايام الحصاد وبالبساتين وهو خوش ولد ومحد شاف منو شي بس أنتي.
وترى ماكو أحد من شباب الجرية يگدر يمد إيدو على عرض الناس!
ويعرف زين ورا هالشي ذبح..
شكو بيها إذا لعب مع عجية زغيرة وحبها حبة؟ الملا يگول الحبة مو حرام.. لا تگعدين تنهشين بلحم العالم وتسوين السالفة عار! ترى هالشي موجود بكل مچان.
قامت حسنة متأففة وهي تنفض ثيابها وقالت بغضب:
- زعيتر مو زغير ترى صار زلمة! والعجية مو زغيرة هي بكد خديجة.. أشو خديجة خاتون محد شافها بيوم ترفع راسها،
تروح للمي مدنجة وترجع مدنجة. والله البنت اللي تگبل واحد يطخها مو شريفة، وشتريدين تگولين گولي!
ترى الشرف مو بس ذيچ النگطة
(وتشير بيديها علامة معينة)
آني هذا عگلي وهيچ تربيت والعوجة أگول عليها عوجة لو على نفسي.. صار عمري فوگ الستين واني بنت وعايشة بنصكم، هم سمعتي بيوم احد شافني خاتلة مع رجل بمكان؟ وترى ماني جگمة شكل ولا ناگصني شي، قسمتي ما جت وكلشي قسمة ونصيب!
مشت حسنة نحو دكّتها لتنام، بينما ظلت أم حمدان تراقب أثرها في العتمة وتقول في سرها:
- سبحان الله.. إشگد الضالة تصير حگودة! مدري هي صارت حقودة عبنها ضالة، لو عبنها حقودة ضلت؟ الله يهدينا ويهديچ.
وأكملت أكل البطيخ.
وهكذا كانت تسير الأيام في قرية الحويدة.
**********
بعد هذا اليوم بشهر ونصف تقريبًا...
في الأيام الأولى من أيلول؛ ذلك الشهر الذي يأتي على أهل القرى ليخفف عنهم الشدة التي مروا بها من لهيب الصيف ويمنحهم استراحة لطيفة قبل أن يهجم عليهم برد الشتاء القارص فيستنزف كل طاقتهم ومؤنتهم التي جمعوها في الصيف.
وكان قد مضى على غياب عبد الله ما يقرب من شهر ونصف، كانت نفلة في هذه المدة قد أدمنت المراقبة. حين تكون في البستان ترتقي تلك التلة الواقعة خلف بستان عبد الله عدة مرات في اليوم تراقب كل الطرق المؤدية للقرية، وحين ترجع لبيتها ترتقي السطح وتنظر إلى أطراف القرية كلها وقد وضعت يدها كمظلة لعينيها من قوة ضوء الشمس، ثم تنزل وهي تدعو الله:
- يارب برد گلبي برحمتك يارب.
أما زيد فقد كان يخامره شعور بالخوف على نفلة، يخشى أن يخيب أملها وهو يعلم ماهية خيبة الأمل.
في ذلك اليوم......
ارتقت نفلة التلة كالعادة وراحت تنظر لكل الجهات. شعرت أنها ترى شيئًا من بعيد جدًا، يبدو ذلك الشيء كأنه نقطة رمادية بعيدة جدًا. ركّزت بصرها ونادت خديجة:
- خديجة تعالي بالله وگليلي بس اني جاي اشوف صح لو غلط؟ آني أذا ما متوهمة جعد أشوف سوادة بالبطين(2)
تركت خديجة دلو الباذنجان الذي جنته قبل قليل أسفل التل وصعدت التل راكضة، ورفعت يدها على عينيها تظللهما ونظرت إلى المكان الذي تشير إليه أمها بإصبعها شمال القرية؛ إلى أراضي الحنطة والشعير المحصودة والتي كانت تبدو من بعيد كأنها مائلة باتجاه النهر، فتبدو للناظر كأنها ستنحدر إلى النهر وتسقط فيه، مما يتيح للناظر إليها من عند النهر الرؤية الطويلة لما بعد القرية بمئات الأمتار.
وقالت خديجة بلهفة:
- يمة يمة هذولة خيالة ثنين أبوية وعمي جو.
ونزلت تركض لتبشر جدها أن أبَاها وعمها قد رجعا. كان زيد جالساً في السيباط ماداً احدى ساقيه
ويعزل الخضار الجيد عن الفاسد لينقلوه لبيت عبد الله؛ فما صلح يأكلون منه ويجففون الزائد لمؤونة الشتاء، وما فسد منه يصبح علفاً للبهائم.
وصرخت به:
- جدو جدو ابوية وعمي جو!
لكن زيدًا حين نهض والتقط عصاه، كانت نفلة قد نزلت من التل وصعدت الجرف تركض إلى القادمين بكل ما ترك لها العمل المضني من قوة.
كان عبد الله وحازم قد وصلا إلى أطراف القرية العلوية حين وصلت نفلة لمنتصف القرية وتوقفت. شعرت من طريقة مشي البغال بذلك الهدوء والرتابة أنهما لا يحملان خبرًا جيدًا، فغدت تمشي مرة تسرع ومرة تبطئ كأنها تتأرجح بين الخيبة والرجاء.
حين وصلتهما لم يتكلما، لكنها عرفت من وجهيهما أنهما لم يعثرا على شيء، فجلست على الأرض خائرة القوى كأن الأمل هو الذي كان يحركها وحين فقدته لم تعد قدماها تحملانها.
وخيبة الأمل فجّرت في قلبها بركانًا تتطاير حممه على شكل دموع كثيرة تنهمل من عينيها أربعًا أربعًا بصمت،
وقد تكوّرت على نفسها كأنها تود لو تختفي عن هذا الألم الذي يهاجمها من كل الجهات.
نزل عبد الله من على ظهر بغلته وهرول إليها، يغمره الأسى والحنان الذي فاض من قلبه دفعة واحدة، واحتضنها وهو يطبطب عليها وقال لها بنبرة رقيقة لم تسمعها منه من قبل:
- اسمعي يا أم الحسنين صحيح آني مالگيت الواليد وماراح ابطل ادوارة عليهم، بس لگيت كنز چبير.. لگيت اهم شي بكل هاي الدنيا.
نظرت نفلة إليه وهي تمسح دموعها بطرف ملفعها وقالت:
- أش لگيت؟ عرفت خبر عنهم؟
قال لها برقة وحب يفوق خيالها:
- لگيتچ انتي يابعد روحي أنتي اغلى واعز شي عندي.
تجمدت نفلة في مكانها، نظرت إليه مرة وإلى حازم مرة وهي تسأل نفسها: ما هذه الكلمات التي لم تسمعها من عبد الله حتى حين كانت زوجته؟ وحازم ينظر إليهما من فوق بغلته صامتًا متأثرًا.
استأنف عبد الله كلامه قائلاً:
- وآني أدورعالواليد بكل مكان شفت شيخ جامع بالبلاد، ورحت انشدو عالواليد وكلمة تجر كلمة وحچيتلو كلشي صار بيا. گلي شغلتين وحدة أكبرمن الخ لكن أهم من كلشي؛ گلي انو أگدر ارجعچ لبيتي ولگلبي.. آني ينفلة چثير تندمت عليچ واشكد ردت من عمي الملا ينطيني فتوة حتى ارجعچ بس الظاهر عمي علمو على كدو.. وأبوية الله يرحمو راح وآني مع كل الأسف ما چنت اعرف قيمة العلم الي چان عند أبوية.. كومي يبعد روحي گومي خل نرجع للبيت واسولفلكم من يوم طلعت من هينا الى هاللحظة.
ورغم ما بها من خيبة أمل تمزق القلب ابتسمت، وعيناها لم تزالا مبللتين بالدموع. خرجت الابتسامة من بين الدموع كظهور الشمس من بين الغيوم في يوم شتوي ممطر.
نهضت ورحبت بحازم، وسار الجميع إلى بيت عبد الله الذي حين وصلوه كان كل السادة ينتظرون أمام الباب، ودخلوا جميعًا ليعرفوا الأخبار.
لكن سورية كانت تنظر إلى يد عبد الله التي تمسك بيد نفلة وقد شبّك أصابعه بأصابعها، ولمحت أيضًا كيف تقبض نفلة على يد عبد الله وهو رغم تعبه مستبشرٌ فرح. شعرت بوخز عنيف في قلبها وغطى وجهها العبوس بوشاح أصفر.
دخل عبد الله لغرفة الضيوف وجلس، وأجلس نفلة عن يمينه وزيدًا عن يساره، وقال للجميع:
- أول شي وگبل گلشي.. يعبد الرحمن گوم يبوي روح طلع الثور الأحمر واذبحو ووزعو عالجرية كلها، هذا الثور كفارة يمين تحريم نفلة عليا. وثاني شي.. ياعمي الملا اعجد عجدي على نفلة من جديد وبالمهر الي تريدو من بعد أذن عمي زيد.
وطبطب على رجل زيد.
هز زيد رأسه مبتسمًا وقال له:
- الف مبارك عرسكم يابا يعبدالله ويارب يرجعون الواليد وتكمل فرحتنا.
رد عبد الله وقال:
- عجل باچر عرسنا.
فتحت خديجة فمها للحظات وهي لا تستوعب الخبر، بينما شقّت سورية ثوبها من عند الصدر إلى بطنها وصرخت بكل قوتها:
- يبوووووووه يهجام بيتچ يسورية!
هب أخوها راكضًا وسترها وأخرجها من الغرفة وهو يضربها ويسبها. وما إن خرجت سورية برفقة أخيها وهو يمطرها بسيل من الشتائم، حتى انطلقت خديجة بالزغاريد هي وكل النساء في ذلك المجلس من عماتها ونساء أعمامها.
أما سمرا فوقفت مستغربة سبب صراخ أمها وغضبها، وهي تنقل بصرها بين الباب الذي خرجت منه أمها، وأبيها الجالس في صدر الديوان يمسك بيد نفلة كأنه يخشى أن يترك يدها فيفقدها مرة أخرى.
حين لمح عبد الله سمرا ناداها، فذهبت إليه تركض. وأخرج من جيب سترته لفة من قماش معقود على بعضه كصرة صغيرة فتحها على مهل، وأخرج منها قلادة من ذهب عبارة عن زنجيل وفيه خمس ليرات ذهبية وألبسها إياها فوصلت إلى سرتها. طارت سمرا من الفرح وراحت تركض خارجًا.
أما نفلة، فلم تكن تعرف كيف تستوعب مشاعرها بين خيبة الأمل من عدم الحصول على خبر عن ولديها
وبين فرحتها برجوعها لعبد الله
وشعورها تجاه صرخة سورية؛ فهي لم تكن تريد يومًا من الأيام إزعاج سورية كي لا تنتقم من ابنتها خديجة. كان الموقف مربكًا.
في ذلك المساء اجتمع الناس كلهم في فناء بيت عبد الله وسألوه ما الذي حصل. أخبرهم أنه طارد أكثر من ثلاث جلبات أغنام في أول شهر، لكنه في كل مرة يكتشف أنها الجلبة الخطأ.
بعد ذلك صار يدور بين القرى والبلدات يبحث عن شابين متشابهين؛ سبابة أحدهما مقطوعة، اسم أحدهما جواد والآخر سليمان، ولم يجد أي شيء. وأثناء بحثه جلس في جامع إحدى البلدات الصغيرة ليستريح. كان يجلس في طرف من الجامع شيخ كبير يلبس عمامة العلماء.
نهض عبد الله وذهب إلى الشيخ وقال له:
- السلام عليكم ياشيخ؟
رفع الرجل رأسه وكان سينهض ليصافح عبد الله، لكن عبد الله جلس عنده وصافحه وجلس. سأله الشيخ مستغربًا:
- انت مو من الديرة وبلدتنا بعيدة عن دروب التجارة وماعدنا شي يخلي رجل غريب يجيها اش عندك هينا؟
قال عبد الله بحزن بالغ:
- ياشيخ اني مضيع واليدي وجاي ادور عليهم، وحضرتك مبين انك تعرف الديرة كلها.. هم سمعت بتوم رجال يشبهون بعض واحد اسمو سليمان والاخ جواد واصبع واحد منهم هذا الاصبع الشاهودي مگطوع من عرجو؟
قال الشيخ مستغربًا:
- يعني والديك رجال؟
قال عبد الله:
- اي نعم شباب بعمر ال ٢٢ سنة.
قال الشيخ:
- يعني اشلون ضيعتهم تكاونت معاهم وطردتهم مثلا ولا شنو القصة؟
اعتدل عبد الله في جلسته وحكى للشيخ قصته كلها، ومن ضمن ما قال إنه حرّم زوجته على نفسه وإنه ندم، لكنها أصبحت حارمة عليه.
هنا قال له الشيخ:
- منو الي افتالك بهل حچي العجيب؟
قال عبد الله:
- عمي الملا امام وخطيب جامعنا.
أجاب الرجل بثقة وقد سحب المصحف من على رحلة قراءة أمامه، وقَلب فيه حتى وصل سورة المجادلة، وشرح لعبد الله الفتوى واقتنع عبد الله، وغمره الفرح رغم عدم حصوله على أي خبر عن ولديه.
هنا التفت عبد الله إلى عمه الملا وسأله:
- يعمي انت تدري بهل فتوة ولا ماتدري؟
تلعثم العم بخجل وقال:
- اي ادري بس سورة المجادلة تحچي عن المظاهرة، يعني يگول الرجل لمرتو انتي كظهر امي.
سأله عبد الله قائلاً:
- وشنو الفرگ بين انتي حارمة عليا مثل أمي ليوم الدين وبين انتي كظهر أمي؟ ماكو فرق يعمي بس ليش حرمتني من حرمتي مدري! وآني هسع متندم بكد شعر راسي.. أني مادرست الفقه على ايد أبوية لااااااا، وجنت اضل أگلو ماتبطل من سوالف الملالي مالتك واكتفيت انو علمني اقرأ قرعان وگلت العبادة تكفيني.. آني عبالي اذا تعلمت الاعراف وقوانين العشاير احسن ما اضيع وكتي بعلوم الدين، بس طلعت غلطان وخسرت 18 سنة من عمري واني محروم من حرمتي الي ارفضت كل رجل راح يخطبها لخاطر ماتكسرني! الرجل يعمي لمن اتزوج حرمتو بعدما يطلجها لو يموت احسنلو، بس عبنها بنت اوادم ضلت صابرة كل هالعمر، ووالله لعوضها عن كل يوم من عمرها بعيدة عني بكل شي اتمناه.
وسكت عبد الله وهو يتذكر كم كان عمه هذا معارضًا لزواجه من نفلة، وبقدر ما كان عبد الله يحترمه في تلك الأيام التي كان هو نفسه رافضًا لنفلة وعمه يؤيده، يشعر الآن بالخيبة لأنه شعر أنه وثق برجل دين ليس له دين.
وفي اليوم الثاني تم الزفاف. ورغم أن رد المطلقة غالبًا يتم بلا أفراح، لكن عبد الله أصر أن يزف نفلة كما لو كانت بكرًا ليعوّض بعض الذي حرم نفسه منه؛ مرة بسبب كلام الناس الذي أثبت بطلانه، ومرة بسبب فتوى عمه.
أقام حفلاً بهيجًا حضره الجميع إلا أم حمدان، التي مرت على نفلة ليلة عرسها وسلمت عليها وباركت لها واعتذرت عن حضورها للحفل قائلة:
- يخيتي ينفلة گلبي مايگبل الفرح، مگدر اجي وشايفة الالف خير يخيتي.. والحمد لله الي رجعج لرجلچ، واني ادري انتي ماجنتي مطلگة أبد.. أنتِ ضليتي حاسبة نفسچ حرمة عبدالله، ماسويتي مثل المطلگات تضل عيونهن مطاردة الزلم.. أنتي حفظتي عبدالله وعبدالله يعرف هالشي.
ردت عليها نفلة:
- اترجاچ روحي عن روحچ وتعالي، لا تشاركينا بدبجة او بصفگة بس تعالي مع هالناس حتى تروحين عن نفسچ.
لكن أم حمدان رفضت الحضور.
ورجعت نفلة لبيت زوجها محفوفة بالتبريكات، وبغضب سورية التي سجنها أخوها في غرفتها وأقسم لها من خلف الباب أنه لن يطلق سراحها حتى ترجع لعقلها؛ فهي ليست أول ولا آخر امرأة يتزوج عليها زوجها، وأنه هو نفسه متزوج من ثلاث نساء.
بعد مدة من الزمن استسلمت سورية للأمر الواقع رغم مشاكلها الكثيرة مع نفلة، لكن نفلة استوعبتها كعادتها؛ فبعض الأشخاص يخلقهم الله ليمنحوا الحياة توازنًا ليجعلها تمشي في مسارها السليم.
ومرت الأيام والأسابيع والشهور حتى حلّ الشهر الأول من الشتاء، بعد حادثة غرق وطفة بما يقرب من ستة أشهر.
وفي ليلة باردة والمطر الخفيف يغطي القرية بمظلة من الرذاذ المنعش الذي أثار في الأجواء تلك الرائحة المحببة؛ رائحة التراب المبللة بالمطر، والتي تشبه إلى حد بعيد رائحة الخبز المحمص وهو يخرج من تنور الطين محمصًا ساخنًا كأنه أول وآخر لذائذ الحياة...
طُرق باب بيت عبد الله بعد منتصف الليل، بعد أن غفا الناس وانطفأت الفوانيس، فخرج عبد الله مسرعًا متوجسًا وفتح الباب ليتجمد ويقف كالصنم لثوانٍ لا يستطيع تفسير ما يراه! فما يراه لا يمكن تفسيره.....
لكن.........
يجب أن نرجع ثلاثة أشهر للوراء، إلى بدايات الشهر التاسع.
يتبع........ .
(1) عليه أشْعَرَة: مقولة تقال للشيء المرعب الذي يصيب الإنسان بالقشعريرة بحيث يقف شعر بدنه.
(2)البطين كلمة عامية تصف شكل الارض المائلة بشكل كبير بحيث يرى الواقف في الوادي كل ما على الارض في الاعلى
تشبه الى حد بعيد منظر البحر وعلى ظهره القوارب
حيث تشعر ان البحر اعلى منك ولاتعرف سبب عدم انقلاب الماء عليك
سبحان الله