رواية دكة السادة الفصل الثالث عشر 13 بقلم فاطمة محمد علي النعيمي
العهد
يُقال:
أكثرُ الناس صلاحًا هم التائبون...
***
في تلك الليلة، ليلة رجوع حمدان وجماعته من دير الزور..
وبعد منتصف الليل، كان "دخيل" متعبًا وغارقًا في نومٍ عميق، حين شعر بيدٍ تهزّه بعنف! فتح عينيه، وعلى ضوء فانوسٍ معلّق في آخر الخان، لمح وجه "ماهر" وهو يشير بسبابته إلى فمه، ثم يشير بيده بمعنى: اصمت واتبعني.
نهض دخيل بحذر، وخرج مستغربًا هذا التصرف، فوجد "رمضان أبو سعد" يقف خلف الخان قرب حصانه. شعر دخيل بيدٍ تقبض على أمعائه تعصرها من التوتر، وحين وقف أمامهما سألهما هامسًا:
- خير، اشبيكم؟ شكو؟
أجاب ماهر بقوله:
- نريدك تعاونا نطلع حمدان من الخان بلا ما يحس علينا أحد.
- ليش نطلعو؟ شتريدون منو؟ حمدان ولد مسكين ما مسوي شي غلط.. لليش تريدون نطلعو هشكل؟
رفع رمضان سبابته وغرزها في صدر دخيل، وقال هامسًا وهو يصرّ على أسنانه:
- هيّ يولد! أنت تشتغل عدنا حارس، تسوي الشي الي نگلگ عليه وأنت ساكت!
التفت دخيل إلى ماهر وقال بغضب:
- يعمي، يونس جان مو خوش آدمي، حاولت أصلحو وما انصلح، وحاول يذبحك، ولهل سبب طاوعتك لمن ذبحتو ودفناه وراح، وهاي سنتين وآني حافظ سرك، وآني زلمتك الي تعتمد عليه.. بس حمدان ولد مسكين وخواف وما يعرف يذبح دجاجة، اش مسوي بس فهمني؟ هو نحنا وصلنا الخان العصر اش لحگ يسوي حمدان؟
أجاب ماهر بقوله:
- منو گلگ نريد نذبحو مثل يونس؟ نحنا نريد ننشدو چم سؤال بس، عبن عندي علم أكيد انو حمدان مو من أهل تلچيف، وأريد أتوگد منو بنفسي.
أجاب دخيل:
- يعمي النشدة ماتحتاج كل هذا، هسع اروح اصيحو واجيبو وانشدوه اشما تريدون، الولد ماعندو شي!
رد ماهر:
- شوف دخيل، آني اريد اخوفو بس حتى مايغبي عليا كلشي، اريد انشدو منين جا؟ وأدري انت تدري منين جا واعرف اذا نشدتك راح تجاوبني، بس اني عندي سؤال ثاني.
تذكر دخيل كلمات حمدان حين وصلوا "الغربية" قادمين من دير الزور العصر الماضي، وقال في نفسه: «يحمدان، شكلك تعرف أبو سعد صحيح! وإذا منت متذكرو هيان هو تذكرك.. ويا جواد، چذبتك راح تنكشف!»
رد دخيل بقوله:
- بالله عليك يعمي، على كيفك بيه ترى گلبو گلب ارنب، المسكين چثير خواف، مايحتاج اي شي بس تنشدو هو راح يجاوب كلشي.
رد ماهر بطريقة تحذيرية:
- أذا طاوعتنا وسويت الي نگلك عليه، ماراح نخوفو، بس اريد افهم شي منو.
هز دخيل رأسه موافقًا وقال:
- إذا چان بس سؤال أساعدكم، بس بشرط: آني أضل ملثم وما أحچي ولا چلمة، حتى ما يعرف حمدان أني چنت معاكم وأطلع خاين عندو.
***
واتفقوا على أن يمسكه ماهر وأبو سعد من يديه ورجليه، وأن يكتم دخيل فمه كي لا يخرج صوتًا فيستيقظ الرجال من حوله.
دخلوا الخان، وخرجوا بحمدان من بين الرجال. كان حمدان يتخبط بين أيدي خاطفيه الثلاثة، ويدافع عن نفسه بشراسة؛ يصرخ ويركل، ولكن لا فائدة، فلا ركلٌ يفيد ولا صراخٌ يخرج. وحين أصبح الخاطفون خارج الخان، أخرج رمضان غترةً وكمّمه بها بإحكام، أما ماهر ودخيل فكانا يربطانه بالحبال، ثم حملوه ووضعوه على بغل، وركب الثلاثة خيولهم، وانطلقوا إلى عمق البرية شمالاً، بعيدًا عن الخان والقرية بما يقرب من خمسة كيلومترات.
شعر دخيل أن الموضوع ليس مجرد تحقيق، واستعد في سرّه للدفاع عن حمدان مهما كلف الأمر
مد يده الى جنبه يتحسس سلاحه
، لكنه لم يرد استباق الأمور.
حين وصلوا إلى حافة "وادي المطر" — ذلك الوادي المشقق الحواف من أثر السيول في موسم الأمطار، وكل شقٍّ فيه جاهزٌ لابتلاع أسرار الرجال — أنزلوه على الحافة، وفكّوا الغترة عن فمه، فأخذ يتنفس بصعوبة وصدره يعلو ويابط من الرعب، وهو يردد بفزع:
- منو أنتم؟ وشتريدون مني؟
حين اقترب ماهر منه وعرفَه، صرخ حمدان قائلاً:
- يعمي شصاير؟ أني اش سويت؟ شتريدون مني؟
جثا ماهر أمامه، وقبض على فكّه بقسوة قائلاً:
- اشلون جيت من الحويدة؟ ومنو دزك جاسوس عليا؟ احچي قبل لا أفرغ هالمسدس برأسك!
ركض دخيل وامسك يد ماهر التي يمسك بها المسدس بقوة، التفت ماهر الى دخيل وقال له:
- ارجع لي ورا! اريدو يجاوبني.
***
حين رأى حمدان المسدس، خفق قلبه بعنف، وشعر أن روحه تكاد تفرّ منه رعبًا، فهو لم يختبر هذا النوع من الخوف؛ هذا خوف مختلف، شعر بالموت يقترب منه...
عرف حمدان معنى الخوف الحقيقي، عرف ان نباح الكلب والجن ولسع الافعى وضربة الحجرة في عراك القرويين، كلها مجرد عبث لايمكن ان يصل لمستوى الخوف الذي يهز الوجدان ويسحق النفس، كما سحقت تلك الصخرة تنومة...
عرف ان تنومة ماتت ميتة يحسدها عليها الكثير، تلك الميتة التي باغتتها قبل أن يدرك عقلها معنى الخطر لتخاف، فانطفأت بلحظة كما ينفخ احدهم شمعة!
عرف ان الوجود للأنسان مجرد روح تحركه، فاذا خرجت انتهى كل شيء، فلا ألم ولا حزن ولا قهر ولا هم، وأن كل تلك الاشياء هي ادوات تعذيب تملكها الحياة فقط. أما الموت فهو رحيم جدا بنا اكثر من الحياة المريرة، لكن ابشع مافي الموت هو الاشخاص الذين يبقون خلفنا على قيد الحياة وقد دفنوا نصف وجودهم معنا، والبعض يبقى كجثة متحركة... أمه تلك التي تركها خلفه وخرج يبحث عن الرجولة، فأذا بالرجولة تصبح طريقاً للموت!
انهمرت دموعه ساخنة، وتلعثم لسانه وهو يرتجف بكل جوارحه، وقال:
- والله يعمي محد دزني! آني لحگت الواليد عبنهم سباع.. ردت أتعلم منهم المرجلة وأرجع لأمي.. دخيلك يعمي خلني أرجع، ما عندي غير أمي وما عدها غيري! والله أمي تموت اذا صار عليا شي.. دخيلك يعمي لاتذبحنا آني وهية!
نهض ماهر وركله ركلةً قوية في بطنه، انطوى معها حمدان على نفسه يتأوّه. تدخل دخيل بسرعة ورفع يده بوجه ماهر ليمنعه، فردّ ماهر بقوله:
- زين.. زين، ما راح نسويلو شي.
ثم انحنى على حمدان وصرّ على أسنانه قائلاً بغضب:
- حمدان لا تلعب بيا! آني أدري جيتك مو عادية وخلگي ضيج حيل.. احچي منو دزك؟ أني متوگد أنت من الحويدة! واسم أمك ريمة صحيح لو لا؟
انهار حمدان تمامًا، ولم يعد يستوعب ما يخرج من فمه من شدة الهلع، فأفرغ كل ما في صدره بكلمات متداخلة وبكاء مرير، مفشيًا سرّ لقائه بجواد وسليمان، ومُقرًا باتفاقهم على إخفاء خبر عبور سليمان وجواد النهر وأنقاذهم وطفة ابنة عبدالله عن ماهر...
نظر ماهر الى ابو سعد كأنه يسأله: أين أنت من كل هذه الأخبار؟ كيف لم تعلم بكل هذا؟
شعر ماهر بالغيض والقهر، وكذلك شعر أن سره المدفون منذ سنين يوشك أن يفتضح، وأن شعوره بالانتقام يوشك ان يتلاشى!
وفي اللحظة التي نطق فيها حمدان بالسر، وقبل أن يستوعب دخيل ما يجري، صوّب ماهر سلاحه وبسرعة خاطفة أطلق النار!
انحرف رأس حمدان بفزع عاطف مع حركة ماهر الخاطفة، فمرت الرصاصة الأولى ملاصقة لجدار جمجمته من الجانب الأيسر، كشطت الجلد والعظم دون أن تخرق الرأس، لكن قتامة الليل وغزارة الدماء التفت حول وجهه فوراً ليخر ساجداً مكبل اليدين والرجلين، وسكن الجسد في مكانه غائباً عن الوعي تماماً من هول الصدمة والنزيف!
ولم يكتفِ ماهر بذلك، بل أطلق رصاصتين عجولتين وهو يهم بالحركة؛ الأولى أصابت كتفه والأخرى اخترقت ساقه، ومرّتا من العضل لتكسرا عظمًا رئيسًا ولم تقطعا شريانًا قاتلاً.
صُعق دخيل وركض إلى حمدان، وأمسك به وهو يصرخ باسمه، لكن حمدان كان قد سكن تمامًا، وكان ينزف بغزارة من رأسه وكتفت وساقه.
نهض دخيل وصرخ بوجه ماهر متهجمًا:
- ليش؟ ليش؟ ليش؟ أش سوالك المسكين ليش ذبحتو لييييش؟ مو گلتلي ماراح تسويلو شي!
فرفع ماهر السلاح في وجه دخيل وقال له:
- شيلو وارميه بالفطر، أحسن ما أكومك فوگو!
تدخل أبو سعد ودفع المسدس عن دخيل وقال:
- ماهر، دخيل ازلمتنا ترى ومگبل أحد ايتعدا عليه، وخل ندفن حمدان اخير.
قال ماهر:
- لا يبو سعد، للصبح تاكلو الهوام، ولو ابطنو ميت ملك ما يضل، للصبح اخير من الدفن، وباچر يطلعو السيل اذا رميناه بفطر الگاع.. راح تاكلو الهوام حت العظم راح ينچال.. اسمع صوت الذيابة اش كثرها حواليك! نزتو بفطر الگاع أيولي ونخلص منو.
وهسع تلتم عليه الذياب من ريحة الدم
كان دخيل في هذه الأثناء يتلمس إصابات حمدان، وشعر بنبضه الضعيف وجراحه السطحية وأن روح الحياة لم تفارقه، لكنه بكى عليه بحرقة كي يؤكد لماهر ورفيقه أن حمدان قد مات فعلاً، وغدا يصرخ من كل قلبه قائلاً:
- حمدان يخوية متت وماشفت أمك.. لا لا تروح وتعوف أمك تبچي عليگ!
صرخ به ماهر:
- أگلگ كوم وارميه بالفطر لا أذبحك فوگو وبطل سوالف الندابات!
رفع دخيل راسه وقال لماهر:
- خلني اودي جثتو لامو بس حتى تشوفو گبل لايندفن!
صرخ به ماهر واطلق رصاصة قربه قائلا:
- ماريد اي شي يصل للحويدة، ماريد احد من الحويدة يدري عن أي شي! والله يا دخيل أن ما صرت أدمي أما اذبحك أو اسلمك للشرطة واحلف يمين انك ذبحت يونس وادلي الشرطة عالگبر.. گوم شيلو وزتو بالفطر يلا!
نهض دخيل وحمل حمدان برفق وهو يبكي، وأنـزله بهدوء في الشق، ثم نهض وقال لماهر والدموع تطفر مع الكلمات:
- والله ما بعد أضل عندك لو ساعة أزود! آني هسع ماشي، انطيني حگي كلو وهسع امشي، وما أضل بعد لو تملكني الخان كلو.
قال ماهر:
- أمشي وأنطيك شتريد، وانقلع ولا تگول شي لأحد احسنلك، والله لحط دم يونس برگبتك والف حبل المشنگة حول ارگبتك!
أجاب دخيل بقوله:
- أني معرف شي حتى أگول شي.. آني لو اعرف شي چان گبلت اضحك على رفيجي واسلمك هو؟!!! أهم شي آخذ حگي وأمشي، خليتني أعاونك بدفن خويي يونس وگلت ميخالف، يونس متعدي، يونس ما تاب من البوگ وراد يذبحك، وذبحتو وعاونتك ودفناه.. بس حمدان ما سوالك شي، ذبحتو ليش وهو وحيد أمو؟ بس فهمني السبب؟
أجاب ماهر بحذر:
- عبنو خطر عليا وعلى عيلتي، وأنت مالك ذنب ومو شغلك، أخذ فلوسك وارجع لهلك.
رد عليه دخيل وهو يكاد يبكي:
- آني ذنبي أني عاونتك حتى أطلع لك حمدان، وصدگتك لمن گلت أريد بس أسألو، أثاري أنت ناوي تذبحو!
وسكت دخيل؛ لأن الموقف لا يحتمل أي اعتراض، وقد يصبح هو نفسه الجثة الثانية، ولأنه يطمع أن يرجع الى حمدان لعله يستطيع انقاذه.. لهذا كله سكت.
كانت اصوات الذئاب مخيفة وهي تشم رائحة الدماء التي حملها الهواء في جوف الليل
تلفت ابو سعد ونبه ماهر بقوله
-خل نرجع اسمع الذيابة ناس تنادي ناس
يلا بساع
******
ركبو خيولهم وانطلقوا ودخيل يلتفت للخلف ويبكي..
انطلقوا بسرعة إلى الخان، ووقف دخيل في وسط الفناء كأنه يقف على نار؛ مرةً يضرب كفًا بكف، ومرةً يبكي. دخل ماهر للبيت وخرج بعد قليل يحمل بيده رزمةً من المال سلمها لدخيل، وقال له هامسا:
- لاشفت ولا دريت اخيرلك، واني حطيت فوك حگگ فلوس حتى تروح لهلك أتزوج وتركد.
امسك دخيل المال وسحبه بعنف وهو يكاد أن يبصق بوجه ماهر، ودخل الخان وأخذ كيس ملابسه وكيس حمدان، ووضعهما في خرج بغله، وركب البغل، ثم انطلق باتجاه القرية جنوبًا، وماهر وأبو سعد يراقبانه حتى غاب عن ناظريهما.
ما أن نزل دخيل في المنحدر وغاب الخان عن ناظريه، حتى عاد من طريق آخر إلى موقع حمدان بأقصى مافيه من سرعة، وحين وصله،
كانت الذئاب مجتمعة حول الشق كأن هناك شيء يخيفها
ارتعب دخيل واخرج سلاحه وهو على ظهر البغل الذي كان ينهب الارض نهباً وأطلق الرصاص على القطيع
فتفرقت الذئاب مذعورة
حين وصل دخيل
كان حمدان قد أفاق في داخل الشق وهو يئن ففهم لما لم تقدم عليه الذئاب فهم ان الذئاب سمعت صوته وخشيت من ان يكون مسلحاً فتوقفت حول الشق تنتظر سكونه لتفترسه
. نزل إليه دخيل بسرعة وهو يحمد الله، وأخرجه من الشق بصعوبة، ونزع غترته وربط بها رأس حمدان بقوة، ثم شقّ دشداشة حمدان وربط ساقه وكتفه، وفكّ قيود يديه ورجليه، ووضعه على البغل وركب خلفه، وانطلق به إلى "عاشور الصلُبي" في قرية الغربية.
كان دخيل يمسك بحمدان الذي كان يستعيد وعيه لحظات ثم يفقد رشده، ودخيل يناديه ويقول له:
- اصمد يخوي، وصلنا اصمد يابطل!
***
استعاد حمدان وعيه وهو ممدد في غرفة طينية، ورائحة الدم والقطن المغموس بالسبرتو★ تخنق الجو، وهناك طنين رهيب في رأسه.
كان يسمع الحديث الدائر فوق رأسه، وأحدهم يقول:
- أظن ما راح يعيش.. صوابو ثجيل.
فأجابه الصوت الثاني بحزن مكتوم:
- ما چنت أعرف نيتهم.. چلاب خدعوني، بس والله لأنتقم منهم! بس أريد أول شي أطلع سليمان وجواد من السالفة، هذولة الثنين لهم فضل عليا، وآني انطيتهم عهد أني ما أعوفهم.
كان دخيل وعاشور يعملان بسرعة لإيقاف النزيف. لم يكن حمدان يشعر بالألم المعهود؛ كان الوجع خفيفًا كأن جسده تخدّر، ولم يستطع تمييز الوجوه ولا الأصوات، فما إن يعي لحظات حتى يفقد وعيه من جديد.
كان عاشور يعمل وهو يقول لدخيل:
- عبن الضرب من جريب ولا طلگة ماضلت بجسمو، كلهن ضربن وطلعن، شوف من هين فاتت الطلگة ومن هين اطلعت.
بعد أن خيط عاشور الجروح وجبر الساق واطمأن، قال لدخيل:
- اروح انام عند العيال واذا احتجت شي نادني.
ذهب الصلبي إلى أسرته ليُكمل نومه..
***
انقضى ذلك النهار وحمدان يهذي ولا يطلب غير الماء، ودخيل يقطر له الماء تقطيرًا، وعاشور يتفقد جروح حمدان ويشرف عليه بشكل مستمر، ويقدم الطعام لدخيل، بالمقابل دفع له دخيل المال الكافي وأكثر.
وعند منتصف الليل، استيقظ حمدان وكان متعبًا، وقال لدخيل:
- آني جوعان.
فرح دخيل كثيرا، وخرج ووقف في الفناء ونادى العم عاشور، وحين خرج من غرفة العائلة أخبره أن حمدان جائع، ورجع لحمدان. فجاء عاشور بقليل من اللبن خلطه مع الماء وأطعم حمدان، ووضع دخيل الوسائد خلف حمدان كي يريحه، وسأله حمدان بصعوبة وفمه جاف:
- آني.. وين؟
- عند الطبيب عاشور الصلبي، داواك والحمد لله أنت بخير.
- راسي..... يوجعني... ودايخ.
- ميخالف يخوي، المهم إنك بخير.
- دخيل...... إذا صار عليا شي لازم تصل الحويدة، گول لعمي عبدالله النمر يگضب "دمدم" وما يعوفو إلا يقر ويعترف هو ليش مسوي نفسو خبل.. دخيييل مددني يخوي راسي يوجعني.
ساعده دخيل ومدده وهو يقول له:
- أنت بخير يخوي ومابيك غير العافية، وان شاء الله اصير زين وتروح أنت بنفسك على عبدالله النمر وتحچيلو.
وغاص حمدان في نوم قلق لا يستمر، وبين لحظة وأخرى يتأوه بوجع..
***
جلس دخيل عند رأس حمدان في سكون الليل، يرقب ضوء الفانوس الضئيل وهو ينعكس على جانب وجهه الأيسر المتورم.
كان يمتلئ قهراً في سره؛ ليس لغدر ماهر به وبحمدان وحسب، بل لأنه كان واقفا امام ماهر عاجزاً لا يستطيع فعل اي شي، فقط كي يتمكن من انقاذ حمدان..
وساد الصمت في الغرفة إلا من أنين حمدان، وعلى هذا الإيقاع الهادئ، بدأت تتداعى في رأس دخيل صور حركته السابقة وحياته الماضية، وكيف قادته الأقدار حتى وصل إلى هذا المجرم ماهر...
كان يتذكر كيف بدأت قصته قبل تسع سنين، حين بلَغ الثانية والعشرين في قرية "أم السبايا"، وكان قد وقع في عشق "نجمة" من أول ما شعر أنه موجود في هذه الحياة. كانت نجمة فتاة من أقاربه ذات جمال خلاب، وكانت تبادله الحب، وتعاهدا على الوفاء لبعضهما. لكنه حين طلب من أبيه أن يخطبها له، أهانه أبوه إهانةً كسرت ظهره، يومها قال له:
- يعني هم فگير وهم عينك طالعة؟ نجمة مو من مجاويزك! نجمة مثل نجمة بالسما، عدها واليد عم أگرب عليها منك، وأنت لا مال ولا جاه.. اشلون أخطبها؟ ومنين أزوجك؟ آني عايش ومعيش العيلة بالگوة! لو إنك سبع چان صرت مثل هالزلم، چان لميت سياگها، جاعد بالچاسر وتسولف مع ربعك بالنهار، وبالليل اتعشگ وأنت حفنة تراب اطمك!
عمت عين أمك الي هلهلت لمن گلولها جاچ ولد!
لم يستطع دخيل يومها ان يقول كلمة، بل خرج وذهب الى أمه واقنعها ان تذهب معه ليخطب نجمة.
يومها ذهبت أمه معه إلى أهل نجمة ليخطبها، كانت أمه تمشي خلفه وهي تعلم انها ستهان وستطرد، فترفع طرف ملفعها تغطي فمها وأنفها كأنها تحاول ان تخفي نفسها من تلك الأهانات التي لابد ستنالها،
لكن قلبها أبى ان يخذل ولدها وفلذة كبدها. وحين وصلت وفتحت موضوع نجمة فرحت ام نجمة، لكن أباها وأخاها أهانوه إهانةً أكبر بكثير مما قاله أبوه.
في اليوم التالي التقى بنجمة، وطلب منها أن تنتظره وأنه سيجمع مهرها ويرجع ليتزوجها ولو حفر بالصخر!
خرج يبحث عن عمل في كل مكان، حتى قادته الأقدار إلى مجموعة من الشباب يعملون كحصّادين بأجرٍ بالكاد يكفيهم كي لا يموتوا جوعًا. كانوا سبعة شباب. وفي إحدى الاستراحات، قال دخيل لهم:
- يالربع هذا مو شغل يجيب فلوس، نحنا لازم ندور على شغلة اخير.
رد عليه احد الشباب وقال:
- يخوي الفلس الحلال يادوب يكفينا حتى نعيش.
رد شاب آخر قائلا:
- شنو رايكم نشتغل بالبوگ؟ والله بس البوگ يجيب فلوس!
وبخه الجميع الا دخيل حيث قال:
- صحيح، وآني أول واحد اذا تجون معايا ننهب الجلبات ونسوي مال وعود نتوب.
وبعد ممانعات، اتفقوا على أن يسرقوا جلبة أغنام. وكان "السرگال" — وهو قائد الجلبة — جبانًا هرب برجاله وسلمهم الجلبة كلها ونجى هو ومن معه بارواحهم. باعوا الجلبة واغتنموا منها غنيمة كبيرة، وانطلق دخيل يجمع مهر نجمة بهذه الطريقة.
بعد سنتين، عاد إلى أهله ليعلم أن نجمة قد تزوجت، فخرج من "أم السبايا" ولم يرجع إليها أبدًا، وعاش مع العصابة خمس سنوات، يتنقل في البراري حتى ذلك اليوم الذي وقع فيه جريحًا هو وصاحبه يونس عند عين الربية قبل أربع سنوات...
يومها، حاصرت عصابة دخيل جلبةً كان السرگال★ فيها رمضان أبو سعد، وكان جواد وسليمان في الثامنة عشرة من عمرهما ومعهم مجموعة من الفرسان، قاوموا العصابة مقاومةً شرسة، أُصيب فيها دخيل بطلق ناري كسر عظم الفخذ، وأُصيب رفيقه يونس بإطلاقة استقرت في بصلة الفخذ.. فالمدافعون عن اموالهم لا يضربون فوق الحزام!
كان الجريحان يختبآن بين الصخور قرب عين الماء حين هربت عصابتهما وتركتهما ولم يرجعوا إليهما. ومشت الجلبة متجهةً إلى دير الزور، ودخيل ويونس مصابان، قاما بتمزيق ثيابهما وربطا الجراح وهما وحيدين بتلك الارض الفارغة لا يملكان سوى بضع تمرات في جيوبهما، ويشربان من ماء العين القريب من أيديهما، حتى أنهى أبو سعد مهمة إيصال الجلبة وعاد ببضاعة لماهر، ومروا على العين نفسها بعد عشرة أيام.
حين سمع دخيل ويونس أصوات الخيول، استنجدا بالناس صارخين:
- يهل المروة الحگونا! نحنا مصاوبين هينا، لا نگدر نگوم ولا عدنا أحد!
يومها فهم أبو سعد أنهم جرحى من بقايا المعركة التي خاضوها مع اللصوص، فأراد أن يجهز عليهما، لكن جواد وسليمان منعاه، وقاما بعلاج جراح المصابين وحملاهما معهما إلى قرية الغربية، حيث أخذوهما إلى الصلبي عاشور وقام بعلاجهما.
يومها أقسم دخيل أنه سيبقى حارسًا أمينًا لجواد وسليمان حتى يفارق الحياة، وأصرّ جواد على أبيه أن يدخل دخيل ويونس ضمن رجالهم، فانضما لرجال ماهر. لكن ما حدث هو أن دخيل تاب واستقام، وأصبح سرگال الجلبات حين يغيب أبو سعد في تجارته لأشهر.
أما يونس فقد حاول مرتين أو ثلاثًا سرقة ماهر، حتى طرده نهائيًا ولم يشفع له أحد. وبعد يومين، أحبط أحد الرجال محاولة قتل ماهر من قِبل يونس، فأمسكوا بيونس وربطوه على أساس أن ماهر سيأخذه ويسلمه للشرطة في تلعفر.
في اليوم التالي، أخذ ماهر يونس مقيدًا وذهب هو ودخيل إلى تلعفر، لكن ماهر اثناء الطريق أمر دخيل بقتل يونس ودفنه في البرية. وحين رفض دخيل تنفيذ الأمر، قال له ماهر:
- راح أسلمك للشرطة مع خويك، وأعلمهم شنو چنت، وألبسك تهمة خويك!
بعد التفكير لحظات قال دخيل:
- آني ما أذبح خويي، حت لو چان خسيس وغدر بيك! آني تبت وما أرجع لسوالف گبل أبد.. أني أشوف نسلمو للشرطة وتخلص منو.
رد ماهر قائلاً:
- اسمع يدخيل، هذا الخسيس أندل بيتي ويعرف كلشي عني، إذا سلمتو للشرطة بعد چم يوم يعوفوه ويطلع ويرجع ينتقم مني، وقسمًا بالله أني ما أعوفو أبد! أنت شفت بعينك چم نوبة گضبتو وهو يدور بغراضي بالمضافة، ومرة يگول أدور خبز، ومرة يگول أدور تتن!
رد عليه دخيل وقال بإصرار:
- آني ما أذبحو أبد، أنت أذبحو بيدك.
كان يونس طوال هذا الوقت يتوسل بماهر أن يتركه وأنه سيغادر المنطقة كلها، وكان يُذكّر دخيل كيف كان يزحف على جنبه السليم ويجلب له الماء من العين ليسقيه وهما مصابان بين الصخور. تركهما دخيل ومشى مسافة ولم يرجع الا حين سمع صوت اطلاق النار، وقام دخيل وماهر بدفن يونس في البر، وظلت توسلات يونس عالقةً في ذهن دخيل لمدة طويلة لكنه كان يقول لنفسه معزيا: «چان خسيس ويستاهل».
***
انجلت ظلمات الليل شيئاً فشيئاً ليحل الفجر، غفا دخيل لحظات، وجلس يربك تفكيره تسائل ماهر وسؤاله: «اش يگصد ماهر أنو حمدان خطر عليه وعلى عيلتو؟ واشلون عرف انو حمدان من الحويدة؟ هذا يعني انو أبو سعد يعرف حمدان.. بس ليش حمدان ما عرفو وشك بس أنو شايفو؟ يجوز أبو سعد رايح بتجارة للجرية وشاف حمدان وحمدان شافو.. يارب كون حمدان يگوم بالسلامة، حتى بس أفهم شنو السالفة، وأگدر أرجع حمدان لأمو وأخذ حگو.. والله يماهر لندمك ولدفعك ثمن الي سويتو غالي چثير!»
جلس دخيل يفكر كيف سيبلغ جواد وسليمان، وتذكر شيئًا، فخرج من الغرفة مسرعًا، وفتح باب البيت ونزل إلى القرية..
وفي القرى حين يغادر الظلام يأخذ معه الصمت، فتنطلق اصوات الحيوانات أولا؛ ثغاء اغنام، صياح ديكة، مواء قطط، نباح كلاب، خوار أبقار.. ثم تبدأ حركة البشر، تصحى النساء ليوقدن النار في التنانير، فترى وانت تمشي في طرقات القرية الدخان يخرج من افنية البيوت كلها تقريبا.
لتقول لك بلا كلمات هناك الكثير من الأفواه في هذا المكان طعامهم الوحيد هو الخبز
كان دخيل يمشي بسرعة حتى وصل دكان "خليف المحمود" — ذلك الرجل الذي يبيع أدوية الحيوانات في القرية، والذي غالبًا ما كان يذهب إليه دخيل برفقة جواد وسليمان ليشتري أدوية الأغنام منه.
كان الدكان مغلقًا، فجلس دخيل عند باب الدكان ينتظر، وما هي إلا دقائق حتى سمع صوت خليف المحمود يسلم عليه قائلاً:
- صبحك الله بالخير يدخيل.
- صبحك الله بالخير يعمي.
- اشو جاعد عند الدكان؟ خير.. اش رايدين؟ وهيمت تجيبون فلوسي؟ يعني ماهر عندو كل هالمال ويشتري الچبريت مني بالدين؟ الله يعاون الفگير!
رد عليه دخيل قائلاً:
- يعمي بلا أمرًا عليك، إذا مر عليك جواد أو سليمان خل يمرون عليا عند عاشور الصلبي(1)، يمجن لو اليوم لو باچر يمرون عليك يجيبولك فلوسك.. لا تنسى يرحم والديك هو نحنا البارحة ردينا من الجلبة وصار عدهم فلوس.
هز خليف المحمود رأسه وهو يردد في سره
-الفگير لمن يريد اتباها يگول صيت غنى ولا صيت فگر
والزنگيل يحب صيت الفگر حتى محد يطمع بيه.
عجيبة يهل دنيا
ورجع دخيل مسرعًا إلى بيت عاشور، ليواصل العناية بصاحبه.
وفي اليوم الثاني عند الضحى، طُرِق الباب، وخرج عاشور وفتح الباب ليجد جواد واقفاً أمام الباب...
يتبع.......
الرابع عشر من هنا