📁 آخر الروايات والقصص

رواية دكة السادة الفصل الحادي عشر 11 بقلم فاطمة محمد علي النعيمي

رواية دكة السادة الفصل الحادي عشر 11 بقلم فاطمة محمد علي النعيمي


محنة الوادي الكبير

أما في رحلة الجلبة إلى دير الزور...

في أواخر آب من ذلك العام

وبعد ثلاثة أيام من سفر "الجلبة" برفقة التاجر إبراهيم ورجاله الأربعة، وشباب الغربية الخمسة،
عبروا الحدود السورية
اقتربت الشمس من المغيب وهم في برية متموجة، تحيط بها تلال واطئة وأرض ذات طيات طبيعية حفرتها السيول في موسم الامطار.
كان فيها غدير ماء يكون كبيراً في الربيع،
لكنه يستمر بالتناقص حتى يشارف على الجفاف في نهاية الصيف، فيستفيد منه الرعاة لسقي المواشي.
كان الغدير قد نقص كثيرا في أواخر آب

نزل الرجال عند غدير الماء في بطن الوادي لتشرب الأغنام ويستريحوا،
ثم يستأنفوا طريقهم في فجر اليوم التالي.
قام التاجر إبراهيم بتعيين أماكن الرجال في الأماكن المحيطة بالغدير حول الأغنام؛
ليكون الحلال في الوسط وعيون الرجال تحرسه من كل جانب، وقال لهم:

- تعشّوا وكل واحد منكم يگوم على مكانو إلما تعدي هالليلة على خير.

أنزلوا الرحال، وأشعلو النار وأنطلق شباب الدير يساعدهم
حمدان وسالم بتجهيز مكان جلوسهم وتنظيفه من الاحجار التي جرفتها السيول في الشتاء والربيع الماضي
وأشعال النار لأعداد العشاء،
بعد أن اعدوا العشاء
وجلسوا جميعاً ليتناولوا طعامهم على آخر خيوط النور.

كانت السماء صافية والهدوء يلفّ المكان،
غير أن دخيل كان يتلفت بين اللحظة والأخرى بحذرٍ مشوب بالحدس.

فخمس سنوات قضاها سابقاً مع قطاع الطرق-قبل أن يتوب بعد موقف مؤلم حصل له ★
ويبحث عن الرزق الحلال عند التاجر ماهر كحارسٍ للجلبات- قبل اربع سنوات من يومه ذاك.
تلك السنين الخمس جعلته يشم رائحة الخطر من مسافات بعيدة.

لاحظ حمدان اضطرابه،
فتوقف عن الأكل وقال بخوف وهو يتلفت حوله:

- دخيل.. أش بيك يمعود كل ساعة أتلفت؟ لا تخوفني، گلبي ما يتحمل! ترى آني اخاف من الجن،

نظر إليه دخيل وابتسم ابتسامة باهتة، ثم اقتطع كسرة خبز غمسها بالدهن الحر والتمر ودسها في فمه والوجوم يكسو وجهه الذي يضيئه لهيب النار المشتعلة قربهم.
وقال له وهو يمضغ لقمته:

-الجن اخير من بعض البشر،
اما بقية الشباب فقد ضحكوا ضحكات مكتومة على خوف حمدان بأفواه محشوة بالطعام.
فرد حمدان عليهم بتفاخر.
-ليش اتمضحكون آني أبوية چان سبع
وكل الناس تشهد على هذا وآني ما اخاف بس من الجن
ليش أكو رجال بيكم مايخاف من الجن؟!!
ضحك سليمان وقال له بصدق:
-طبعا يخوي العدو المعروف مايخوف
بس العدو الي ما مبين يخوف عبنك ماتعرف منين راح تجيك الضربة.
أشار حمدان بيده لسليمان
وهو ينظر للشباب.
كمن يقول
اسمعتم وهذا سليمان الشجاع.

وما إن أكملوا العشاء حتى نهض دخيل وبدأ يجمع بعض الحجارة المنجرفة بطن ذلك الوادي،
وأخذ يصفّها فوق طيّة أرضية منخفضة في موضعه الذي عيّنه له التاجر إبراهيم قبل الغروب؛ ليصنع لنفسه منها موضعاً آمناً دائري الشكل،

سأله التاجر إبراهيم بوجل:
- هيّ يولد.. شو عم تعمل؟

رد دخيل وهو يضع حجراً فوق حجر:

- علمتني البرية إن "اللي يامن ياخذ"=من يأمن يُؤخذ

والمفروض كلكم تسوون مثلي.. تأمنون مكاناتكم.

سرعان ما نهض سليمان وجواد وسالم وحمدان وشباب الدير،
واستغلوا تموج الأرض وكثرة الاحجار ورتبوا لأنفسهم مواضع بين مسافة وأخرى.
أما التاجر إبراهيم،
فقد أخرج الأسلحة من الأخراج المكومة قرب مربض خيولهم
وراح يوزعها على الشباب وقد سرت عدوى الحذر إليه وكذلك الوجوم، وجلس في موضعه يراقب المكان؛ فخبرته التي امتدت لعشرين عاماً في التجارة تجعله يعلم تماماً معنى الحدس في هذه القفار.

جلس حمدان في موضعه بين موقد النار وموضع دخيل الذي كان يتطلع إلى السماء ليخفف من الضغط النفسي الذي يشعر به. نظر إليه حمدان يحاول أن يستشف ما في قلب دخيل،
وسأله ليداري خوفه وتوجسه-فحمدان رغم أنه في الثانية والعشرين من عمره، ما زال كالطفل الذي يستمد الأمان من وجوه الأشخاص حوله:

- دخيل.. ليش ادحج عالسما هشكل؟

أشار دخيل بإصبعه نحو الأفق المظلم وقال بصوت خفيض:
- تشوف هذني النجوم الأربعة المربعة فوگ بالشمال؟ هذني يسمونهن بنات نعش،
يمشن وهن شايلات نعش أبوهن المچتول،
والنجمات الثلاثة الوراهن خواتهن يمشن ورا النعش ويبچن ويلطمن على أبوهن الي ذبحو سهيل نسيبهم.

وهناك بالجنوب... بعد شهر من هاليوم راح يبين سهيل.. سهيل هذا چان متزوج أصغر بناتهم
ومخلف منها ولد،
ولما سهيل ذبح أبوهن انهزم بالولد للجنوب.
البنات أحلفن يمين ما يدفنن نعش أبوهن إلا ياخذن بثارو أول فال.
وهاي النجمة الأخيرة اللي تمشي ورا الكل هاي هي أم الولد، گلبها مجسوم نصين:
نص يطلب الثار مع خواتها، ونص يحن لوليدها.. لهل سبب تمشي هيدي هيدي ومغبية بعبها جيس تبن تنثر التبن على الطريج
بلا حس خواتها بلچي سهيل يشوف الأثر ويلحگها وتشوف ابنها.. ولهل سبب يسمون هذا الخط الأبيض العريض درب التبانة.

كان حمدان يسمع القصة وصورة أمه تطوف في خياله، فدمعت عينيه حنيناً لها ونسي قهره منها بل اشفق عليها من لوعة فراقه،
لكنه سرعان ما تدارك نفسه وهمس لنفسه:
- بس يا حمدان.. أنت لسّعك ما صرت زلمة مثل الزلم الزينة:

وفجأة.. شقّ سكون الليل صوت إطلاقة نار من جهة الجنوب!
علا نباح الكلاب المرافقة للجلبة بشكل مخيف

صرخ حمدان وهو يخفض رأسه لداخل موضعه مذعوراً ويردد:
- جاكم سهيل! جاكم سهيل!

انطلق الرصاص بكثافة، لكنها كانت إطلاقات في الجو
يطلقها اللصوص من فوق رؤوس رجال الجلبة،

وردّ شباب القافلة على مصدر النار.
صرخ دخيل يحذرهم:
- لا تغفلون عن ظهوركم!

جاءهم صوت قاطع طريق من بين العتمة يتردد صداه في جنبات الوادي وهو يأمرهم قائلا:

- اتركوا السلاح والحلال وانهزموا بخيولكم..
ما لنا شغل بيكم نحنا نريد الحلال والسلاح بس
أخير ما نذبحكم وهم ناخذ الحلال انهزو وعوفوهن!

أجابه سليمان بصوت كالصخر:

- تخسا وتهبا أنت وربعك! ارجعوا من مچان ما جيتو أخيرلكم.. والله ومحمد رسول الله لخلي هوام البرية تشبع من لشاشكم!
وأشار لأخيه جواد القريب منه اشارة يعرفها،

اشتعلت الأرض بالرصاص.
كان دخيل يحسب عدد البنادق من وميض الإطلاق، ثم همس لإبراهيم التاجر الجالس خلفه يحتمي بموضع دخيل:
- عمي ، عددهم خمسة بس..
والبواگ جبان، وبإذن الله نكسرهم، اصبروا إلما يشگ الضو بس.
أجابه ابراهيم قائلا:
لازم نطفي النار الضو كاشف مكانا

كانت النار اقرب على موقع حمدان ودخيل والتاجر ابراهيم
مما جعل الرصاص يستهدفهم بشكل أكثف،
لهذا صرخ دخيل بحمدان:

- حمدان! ازحف وطفي النار.. أنت اگرب عليها منا كلنا!

تجمّد حمدان في مكانه، كان الرعب يكبّله كالسلاسل، وجسده يرتجف داخل موضعه لم يتحرك.

التفت إليه دخيل ورأى عينيه متسعتين بذهول الخوف. انحنى دخيل نحوه تحت ساتر الرصاص، ومد عنقه
نحو حمدان وهمس فيه بنبرة حادة كالموس وهو يصر على اسنانه:
- يول حمدان! أدري بيك خايف.. بس إذا ما طفيت النار، بروح أبوية الرصاصة الجاية بيك راح
أذبحك بيدي!
يول راح نموت بسبب خوفك،
عليش رافگتنا عجل؟
دحگ بوجهي.. يول يالخسيس مو چنت تگول أبوگ چان سبع؟ ارفع رأسك وصير مثل أبوگ، اليوم يومك وهاذي فرصتك جت على رجليها!

كانت كلمات دخيل كأنها صفعة أعادت ضخ الدم في عروق حمدان؛ لم يكن يشتمه فحسب، بل كان يخيّره بين أن يموت كالشاة، أو يحيا كأبيه.
لكنه كان متجمداً لايستطيع الحراك
صوب دخيل البندقية عليه وأطلق النار، مرت الرصاصة من أمام وجه حمدان الذي شعر أنه دخل في حالة من الذهول وفقد شعوره بكل شيء.
قال أبراهيم :
- آني اطفي النار وزحف باتجاهها
هنا شعر حمدان ان فرصته ستفر من بين يديه

اندفع يزحف على بطنه، يدفع التراب والحجر بجهد خرافي والدماء تنز من ركبتيه دون أن يشعر بها، حتى وصل حافة النار قبل التاجر ابراهم،
وبكفيه المرتجفتين أخذ يدفن لهيبها بالتراب والحصى حتى انطفأت تماماً وغرق الوادي في ظلام دامس.
بهذه اللحظة سمع دخيل صوت سليمان يقول كلمتين فقط كانت كافية ليفهم دخيل معناهما حيث قال:
-دخيل من هناك......
توقف الرصاص لحظات، ثم تلاحقت الأنفاس في العتمة وساد الهدوء إلا من ومضات خاطفة تتفجر من فوهات البنادق هنا وهناك.
انقلبت كفة القافلة؛
فقد أصبحت التلال المحيطة سواتر في صالحهم، وأصبح اللصوص هم المكشوفين تحت خط الأفق.
وانطلق الرجال يستهدفونهم،
مع انطفاء الضوء
زحف جواد يتبعه سليمان الى يسار المرتفع

بهذه اللحظة كان حمدان يحاول الرجوع إلى موضعه، حين شعر بدخيل جنبه قد زحف ووصل عنده، وهمس بأذنه قائلاً:
- أنت مو جبان، أنت أثول!
يول اكو واحد يعوف سلاحو وراه بنص الكونة؟ هاك تفنگتك وألحگني زحف!
وكان ابراهيم ايضا قد وصل
لم يقل حمدان كلمة واحدة، كان يمر بحالة غريبة تشبه إلى حد بعيد حالة الدرويش الذي يضرب نفسه بالحربة ولا يشعر بالوجع،
التقط البندقية وزحف خلف دخيل وخلفه ابراهيم
عبروا التعرجات الأرضية للوادي، انسلّا كالأفاعي بفضل التضاريس المتموجة حتى أصبحا خلف مصدر نيران الخصم. رأى دخيل ظلي رجلين يتبادلان إطلاق النار مع رجال القافلة من خلف شجيرة جافة في أعلى الجرف
من جهة اليمين.

همس دخيل بحزم في أذن ابراهيم وحمدان:
- ثبّتوا إديكم.
واضربوا على اليسار،
وأني على اليمين ،
هنا همس ابراهيم محذرا:

-صوبو من المحزم وجوا.. ما نريد نذبحهم، نريد نخوفهم بس.
آني اريد اروح لهذاك الواكف ورا ذيچ الحجرة تشوفو؟
طبطب دخيل على كتف ابراهيم
بمعنى نعم
وانطلق ابراهيم يزحف ليختار لنفسه موقعاً يستطيع ان يطلق النار منه بشكل أفضل.
أما دخيل فقط طبطب على ظهر حمدان وقال له
-يلا يابطل
كتم حمدان نفسه، واحتضن كعب البندقية بكتفه، وضغط الزناد مع دخيل في لحظة واحدة!

دوّى الصوت سوياً، وسقط أحد اللصوص بصيحة ألم مكتومة وهو يرافس فوق التراب،
بينما صرخ الثاني برعب:
ثم صراخ ثالث من الجانب الايسر للغدير
صرخ احد اللصوص قائلا:

- حامد انصاب! أچلنا وحل.. التفوا علينا من ورا!
بهذه الاثناء صرخ الثالث ثم الرابع
من الجانب الآخر.

هنا حلّت الحقيقة الساطعة؛ قطاع الطرق لا يخوضون معارك انتحارية ولا يقاتلون حتى الموت من أجل غنيمة، وبمجرد أن رأوا المقاومة الشرسة وسقوط جرحاهم، حتى تسلل الرعب إلى قلوبهم.

صرخ كبيرهم من خلف العتمة وهو يسحب جريحهم:
- انهزموووووو انهزموا!

في ثوانٍ معدودة سُحب الجريح، وتعالت أصوات وقع حوافر الخيل وهي تبتعد مسرعة في جوف الظلام، مخلفة وراءها غباراً كثيفاً وسكوناً تاماً
وصوت سليمان يدوي كالصاعقة خلفهم بقوله.

-كلاااااب اذا انتو رجال أرجعو

لكنهم هربوا لايلوون على شيء
تنفس الجميع الصعداء. مسح دخيل جبهته من الغبار بكمه، والتفت إلى حمدان المنبطح بجانبه وقال بنبرة ملؤها التقدير:
- عفية حمدان سبع مثل ابوك
شفت يا حمدان؟
البواگ مثل الچلب.. بس تگف بوجهو وتشوفو باسك، يولي وهو يهز ذيلو!

أدرك حمدان يومها أن ما النصر إلا صبر ساعة، وأن المعارك يكسبها الصامدون،
وأن الموت أجل مؤجل؛ إذا جاء لا يوقفه شيء،
وإذا لم يحن موعد قدومه فلا يمكن لأحد أن يأتي به مهما كان الأمر.
لكن.....
كل هذا لم يصنع من حمدان بطلاً، بل كان على موعد رهيب مع البطولة بعد أيام من هذا الموقف.
حيث سيواجه الموت وحده وجها لوجه.

انسحب دخيل وحمدان عائدَين إلى القافلة.
وكذلك جواد وسليمان حيث
استقبل سليمان وجواد حمدان بالأحضان وهما يضحكان وينادونه بالبطل ويُثنون عليه بقولهم:

- عفية بالسبع ابن السبع!
أما حمدان فقد كان يشعر أنه لا يعرف نفسه، ولسان حاله يقول: من هذا الذي يلبس جلدي؟

وقبل حلول الفجر كانت الأحمال قد أُعيد تحميلها، وانطلقت القافلة بسرعة لتستغل ساعات الصباح الأولى.

حين أشرقت الشمس، كانت القافلة قد ابتعدت مسافة كافية. رأوا من بعيد أحداً يتابعهم على حصان، لكنهم لم يتوقفوا حتى اقتربوا من قرية كبيرة على الطريق؛ حيث باع التاجر عدداً لا بأس به من أغنامه بربح جيد واستراحوا ليومين، ثم أكملوا سيرهم، واختفى المتابع تماماً.

أكملوا طريقهم نحو دير الزور التي وصلوها بعد عشرة أيام من سفرهم المتعب...

***

حين لاحت دير الزور من بعيد، لم يراها حمدان أول الأمر مدينة، بل رأى شريطًا أخضر يمتد على ضفتي الفرات تتخلله بساتين الحور والرمان والنخيل. وبعد أيام طويلة من لون الصحراء الأصفر، بدت له الأشجار كأنها قطعة من الجنة نزلت على الأرض.
غامره شعور بالانتشاء.

وكلما اقتربوا أخذت البيوت تتكاثر، ثم ظهرت المآذن تعلو فوق الأسطح الطينية، يتردد بينها صدى المؤذنين ويختلط بأصوات الباعة وصهيل الخيل.
كان الوقت ظهراً.

ولما بلغوا ضفة الفرات،
وقف حمدان مشدوهًا... لم يكن هذا النهر يشبه نهر الحويدة الهادئ الذي اعتاد الجلوس على ضفته يحدث نعاجه ويطيل النظر إلى خديجة وهي تملأ راويتها ثم تمضي دون أن تلحظ وجوده وجديلتها السوداء تلوح من تحت ملفعها تضرب بطنها برتابة خطواتها
ويشعر حمدان ان لتلك الضربات صوتا كالطبل في قلبه.

كان الفرات هنا أعرض وسريانه أقوى وله ضجيج عنيف، يمضي بثقة الملوك، تعلوه الزوارق الصغيرة وتنعكس على صفحته أشعة الشمس كأنها قطع فضة متناثرة.
وحين تجاوزت الجلبة الاشجار الكثيفة

رفع حمدان بصره وراى الجسر...
فتجمد مكانه! كان الجسر المعلق يمتد فوق الماء كأنه طريق معلق في الهواء، أعمدته العالية تشدها الحبال الفولاذية، والناس يعبرونه في الاتجاهين وبينهم السيارات والشاحنات وعربات الخيل.

ابتسم إبراهيم وقال وهو يلحظ دهشة حمدان:
- لا تگف بالنص... النعاج إذا حستك خايف ما تعبر الجسر.

ثم قام إبراهيم بتقسيم الرجال والقطيع إلى مجموعات صغيرة، وتقدم كل واحد يقود نعاجه بينما راحت كلاب الرعي تدور حولها تمنعها من الانحراف. وما إن وطئت أقدام النعاج ألواح الجسر حتى تردد صوت أظلافها فوق الحديد، فارتفع صدى منتظم يشبه قرع الطبول.

ألقى حمدان نظرة إلى الماء السحيق تحته، فدارت الأرض في رأسه، فأشاح بوجهه سريعًا وأخذ يثبت عينيه على ظهور الأغنام حتى انتهى العبور.

دخلوا المدينة... وهنا شعر حمدان كأنه خرج من الدنيا التي يعرفها إلى دنيا أخرى. كان ينظر إلى الدكاكين مصطفة جنبًا إلى جنب، تتدلى من سقوفها المصابيح الكهربائية بعضها مضاء ،
وروائح القهوة والهيل تختلط برائحة الصابون والعطور والجلود الجديدة.

وفي كل زاوية شيء لم تقع عليه عيناه من قبل:
رجل يصلح ساعة لا يزيد حجمها على كف اليد، وآخر يبيع أجهزة راديو يخرج منها صوت أم كلثوم كأن امرأة تغني داخل صندوق خشبي،
وسيارات تمر مسرعة حتى كان كلما سمع بوق إحداها قفز إلى طرف الطريق

لكن أكثر ما أربكه... النساء!
نساء بثياب ملونة وشعور مرتبة ووجوه يعبق منها العطر، يسرن بثقة بين الناس، يضحكن ويتحدثن دون أن يلتفت إليهن أحد.

توقف لحظة يراقبهن...
تذكر خديجة، تذكر ثوبها الريفي البسيط، وراويتها وهي تملأها من ماء النهر، وجديلتها السوداء تلك وقال:

- والله يا خديجة... ماكو وحدة بهالمدينة كلها تشبهچ، يا بعد روحي أنتِ شلون ربچ صايغچ مثل سوار الذهب ما بيچ أي لولة!=عيب

حين انتهت رحلتهم جاء إليهم التاجر إبراهيم وسلم عليهم بود واحترام ودفع لسليمان ثمن رفقتهم وودعهم وأخذ نعاجه واتجه إلى الشامية. أما شباب الغربية الخمسة فقد ذهبوا إلى خان كبير أودعوا فيه بغالهم وخيولهم ثم دخلوا السوق المقبي،

كان حمدان يسير خلف سليمان وجواد ودخيل، فهم يعرفون المدينة بشكل واسع. لكن حمدان حين دخل السوق المقبي شعر كأنه داخل حلم جميل لا يريد أن يصحو منه. أول ما أثار استغرابه ذلك النسيم العليل الذي يسود درابين السوق المغلق بقباب من حجر سميك تجعل المكان بارداً قياساً بالحر الذي كان يراه طبيعياً.. الآن فقط عرف أن هناك أماكن لا تملّ التواجد بها!

روائح البهارات والعطور تفوح من دكاكين العطارة، وأصوات الطرق على الحديد تصم الآذان من دكاكين الحدادين، وأغاني عذبة وأصوات الموسيقى التي ترافق الأغاني تنطلق من بعض المقاهي في السوق.

حين وصل سليمان إلى المطعم الشعبي الذي يأتون إليه كلما جاؤوا إلى دير الزور وجلسوا، سأله سليمان:
- ها حمدان شتريد تاكل؟

كان حمدان حرفياً ينظر حوله فاتحاً فمه مشدوهاً بما يراه ولم يسمع سليمان. جاء الشاب زياد القائم على خدمة الزبائن وقال:
- يا هلا بالشباب، شو بتحبوا تاكلوا؟

التفت حمدان إلى سليمان وهو يناديه للمرة الثالثة ويسأله:
- ها حمدان شتحب تاكل؟

التفت حمدان وقال لسليمان:

- بكيفك يخوي، أكل مثل ما تاكل أنت.

واتفق الجميع على طبق من المشاوي، ورأى حمدان الكباب لأول مرة في حياته، وحين تذوقه ذهل لطعمه الرائع،
فصار يأكل ويضحك ويقول لسليمان:
- تدري يخوي؟ والله لو ما إنك سبيتني بذاك اليوم چان ما شفت هالدنيا كلها! عفية عليك يسليمان وألف عفية.

قال له جواد وهو يضحك:
- عجل لو تشوف حلب؟ يمة يـ حلب غير چنها جنة! بيها نسوان عيونها كبار، لمن تدحج عليك تگول عيونها غدير مي من كبرهن!

وُضحك الشباب جميعاً.
بعد الغداء ذهبوا جميعاً لذلك الفندق الشعبي البسيط الذي ينزلون به كلما جاؤوا إلى دير الزور. استقبلهم شابٌ وسيمٌ بشوشٌ وأعطاهم مفاتيح غرفهم، وصعدوا إلى الغرف: حمدان وسليمان وجواد في غرفة، ودخيل وسالم في غرفة.
دخل كل واحد منهم يحمل خرجاً فيه ملابسه،
حين رأى حمدان الحمام و أن الماء ينزل من الحائط عبر صنبور فتحه جواد له
جلس قرب الصنبور يمد يده الى الماء ويردد
-سبحان الله سبحانك ياعظيم
أش هالعز لانگل ولا حمي يعني بالله الادمي الي عندو كل هالنعمة اش يريد من ربو؟
ابتسم جواد وقال له:
- يخوي يحمدان لو اسولفلك على سليمان لمن شاف الگلوب أول مرة اشصار بيه عبالو جن بالحايط.

بوكتها أبوية دزنا مع ابراهيم وچنا زغار يمچن گبل سبع سنين غير تخبلنا
اسبح يخوي وتونس واطلع انطينا الدور،

استحموا وارتاحوا باقي ذلك اليوم.
وفي صباح اليوم التالي انطلق سليمان وجواد لشراء البضائع التي أوصاه والده عليها،
دفعوا ثمن البضاعة واتفقوا أنهم سَيأخذون أحمالهم غداً عصراً.
في اليوم الثالث كان كل بغل يحمل كيسين من الصوف المغزول والملون على ظهره ويجلس أحد الشباب في الوسط وانطلقوا للعراق،
لكنهم..... اختاروا طريقاً مختلفاً تجنباً لأي شيء قد يحصل لهم نعم اطول لكنه اكثر اماناً.

بعد ثمانية أيام من السفر، وصل الركب للغربية.
استقبل الرجال هناك الرجال
الشباب العائدين بالترحاب،
لكن.....
كان هناك أمر غريب غير مألوف؛ لم يخرج التاجر ماهر لاستقبال ولديه،
بل كان عند باب مضافته يقف معه رجل ويشير ماهر
بيده لحمدان.
وقد رأى حمدان المنظر وشعر أنه يعرف الرجل الواقف قرب التاجر ماهر وجهه مألوف جدا،
لكنه لا يعرف أين رآه،
وشعر بقلبه يعتصر من إشارة يد التاجر ماهر، فدخل لخان الرجال وانتهى ذلك اليوم.

وحل المساء وحمدان يحاول ان يتذكر وجه الرجل الغريب
لاحظ دخيل شرود حمدان فسألهُ:

-هااااا يحمدان وين ربك حاطك؟
ساله حمدان قائلا:
-يخوي يدخيل منو ذاك الرجل الطويل الي جان واگف مع حج ماهر لمن وصلنا اليوم العصر
هذا الي چنو شيخ؟
اجاب دخيل يقرف وقد تقلص وجهه:
-هذا الخسيس أرمضان أبو سعد خال الواليد سليمان وجواد
سأل حمدان مستغربا:
-ليش خسيس أش شفت منو؟
اجاب دخيل وقال:
صارلي ثلث سنين هينا وأشوفو يجي يزور اختو بين فترة وفترة وكلما يجي ينگلب حج ماهر عالواليد
ماتدري اش يسوي بعگل ماهر
ماتشوف الا ثاني يوم يبلش يزج عالواليد
والصحيح آني چثير احب جواد وسليمان عبني بكل سنين عمري الواحد وثلاثين الي مرت
ماشفت واليد مثلهم بارين بابوهم وامهم وسباع
مثلهم وآني احب الرجل السبع
وهم وجهو مايريحني مدري ليش احس وراه بلية
نوبة سألت جواد عنو
گلي
-خالي ابو سعد هذا تاجر اكبر من أبوية ومايثبت ابمكان
كل چم شهر يروح لديرة
وشاورني بأذني وگال
-أظن خالي متجوز حرمة بكل ديرة
يعني رجال مثلو بعز شبابو اشلون يكدر يبعد عن حرمتو شهرين وثلاثة لو ما عندو مرا او أكثر من مرا بغير مچان

أجاب حمدان مستغربا وقال:
-بس يبين عليه رجل زنگيل ولبسو چثير مرتب
عبالك شيخ
رد دخيل عليه قائلا
-اسمع يحمدان أبد لاتحكم عالناس من شكولها ومن لبسها
ترى ماتعرف شكو جو هالهدوم
الأدمي بنظرة عيونو اذا ارتاحيت لنظرة عيونو
تراه خوش آدمي لو لابس گونية.
واذا ما ارتاحيت لنظرة عيونو تراه فاين لو هدومو من ذهب،

انتهت فترة السهرة

ونام الشباب بعمق شديد لشدة تعبهم من السفر الطويل
وفي جوف الليل العتيم

شعر حمدان ان عدة ايدي تقبض على فمه وجسده
وبلحظات كان قد تم سحبه من بين الشاب بين محمولاً
ومسحولا
وهو يحاول ان يتفلت من تلك القبضات الحديدية
لكنه لم يفلح
ولم يعرف مالذي يحصل له ولا من هم الذين يحملونه
ولا كم عددهم،
ولا الى أين يأخذونه لكن قلبه كان يخبره انها النهاية حتما
فتلك الايدي كانت قاسية بما يكفي لتوقع
ما سيحصل تاليا

يتبع.......


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات