📁 آخر الروايات

رواية عمر الراسني وياسمين كاملة وحصرية

رواية عمر الراسني وياسمين كاملة وحصرية 



"آسفة يا آنسة ياسمين، لقد فاتكِ أفضل وقت لإجراء العملية..."

ظلت ياسمين واقفة متجمدة وهي تمسك بورقة التحليل التي تؤكد إصابتها بسرطان الرحم. بعد صمت طويل، اتصلت بسكرتير عمر، كريم الزهري.

رنّ الهاتف طويلاً قبل أن يُجيب أخيرًا، بنبرة لا مبالية كعادته:
"سيدتي، هل لديكِ أمر ما؟"

قبضت ياسمين أصابعها المرتجفة وقالت:
"أين عمر؟ أريد التحدث معه."

أجاب كريم:
"السيد عمر مشغول الآن ولا يستطيع الرد."

قالت بصوت متوسل:
"هل يمكنك أن تجعله يرد عليّ للحظة فقط...؟"

لكن قبل أن يكمل كريم كلامه، سمعت ياسمين من الطرف الآخر صوتًا ناعمًا:
"عمر، ما المفاجأة التي تخبئها لي حتى تتصرف بهذه السرية؟"

ثم جاءها صوت عميق مألوف حتى النخاع، لكنه كان يحمل حنانًا لم تنله هي أبدًا:
"ارفعي رأسك."

وفي اللحظة التالية، أنهى كريم المكالمة بلا تردد.

وفي الوقت ذاته...

بوم——

دوّى انفجار من جهة الميناء، فرفعت ياسمين رأسها بوجه شاحب.

ارتفعت في السماء المقابلة ألعاب نارية متلألئة، تتشابك ألوانها الزاهية في ليلٍ أزرق قاتم، فتبدو بجمالها كما في الأساطير.

أمام باب المستشفى، كان الناس يتحدثون بصخب:
"سمعتم؟ هذه الألعاب النارية التي أطلقها السيد عمر الراسني من شركة الأفق الأزرق لعيد ميلاد حبيبته، كلفته أكثر من مليوني دولار في ليلة واحدة!"

"إنها ليلى السويدي! حاصلة على دكتوراه من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، نخبة تتنافس عليها أكبر الشركات المحلية، ذكية وجميلة ومن عائلة مرموقة، وحبيبها وسيم وقوي النفوذ!"

"ليس غريبًا أن يحبها السيد عمر الراسني إلى هذا الحد، حبيبة كهذه تُعتبر فخرًا له!"

ظلت ياسمين تحدق طويلاً في تلك الألعاب النارية الباذخة، ثم ارتخت قبضتها ليسقط ورق التحليل من يدها إلى الأرض.

استدارت ورحلت.

في ساعات الفجر الأولى، عاد عمر إلى المنزل، فوجد ياسمين جالسة في غرفة المعيشة دون أن تشعل أي ضوء.

رفع الرجل يده وأشعل المصباح، قطب حاجبيه وقال:
"لماذا لم تنامي بعد؟"

رفعت ياسمين عينيها إليه، كان يحمل سترته على ذراعه، وعيناه السوداوان العميقتان تحدقان بها ببرود معتاد.

كانت تظن يومًا أن طبعه بارد بالفطرة، لكنها أدركت اليوم أن ذلك الجليد الذي ينام إلى جوارها ما هو إلا جمرة متقدة في قلب شخص آخر.


قالت بصوت خافت:
"لم أستطع النوم... ذهبت اليوم إلى المستشفى."

ألقى عمر سترته على الأريكة بلا مبالاة وسأل:
"وماذا قال الطبيب؟"

كانت ياسمين قد اشتكت منذ فترة من ألم في أسفل بطنها، وقد وعدها أن يرافقها للفحص، لكنه كان يؤجل دائمًا.

مرة بحجة عقد بملايين، ومرة بمشكلة معقدة في مشروع.

حتى البارحة وعدها أن يذهب معها إلى المستشفى، لكنه علم أن ليلى أخفت عنه عيد ميلادها، فسارع للحاق بها ولم يسعفه الوقت إلا لإطلاق الألعاب النارية.

أما ياسمين، فلم يجد وقتًا لها.

خفضت رأسها وقالت بهدوء:
"لا شيء يُذكر، مجرد أن أنتظر قليلاً وكل شيء سيكون بخير... لكن لماذا عدت إلى البيت اليوم؟"

توقف عمر لثوانٍ، ثم اقترب منها.

ضمها إلى صدره، أنفاسه الحارة تتردد على عنقها، وصوته مبحوح:
"هذه الأيام هي فترة إباضتكِ."

وأضاف ببرود:
"لقد طلبتِ مني واتفقنا أن نكون معًا في هذه الأيام من كل شهر، حتى ننجب وريثًا لعائلة الراسني. أم أنكِ نسيتِ؟"

كانت رائحة عطر نسائي تفوح منه بوضوح، كرصاصة مزقت ما تبقى من كرامة ياسمين التي كانت تتشبث بها.

لم يكن مخطئًا! ثلاث سنوات من الزواج وهو بارد معها، لا يقترب منها إلا استجابة لإلحاح الحاجة الراسني بضرورة إنجاب وريث لعائلة الراسني.

تاهت ياسمين في أفكارها: طفل؟ لم يعد ممكنًا.

كان طبعها دائمًا هادئًا وخاضعًا، لكنها هذه الليلة لم تعد قادرة على الاحتمال.
قالت بحدة:
"عمر، ألا تخشى أن تغار حبيبتك إذا جئت لتنام معي؟"

كانت عيناها تلمعان في الظلام، كحيوان صغير أظهر أنيابه أخيرًا.

تأملها عمر، ورأى جديتها، فبردت نظراته شيئًا فشيئًا.

ثم ابتسم ابتسامة باهتة لا تصل إلى عينيه وقال:
"ولماذا أخاف؟ نحن متزوجان سرًا، وأنتِ من تعيشين في الظل."

وتابع ببرود:
"بما أنكِ اخترتِ أن تكوني الدور الثانوي، فلا يحق لكِ المطالبة بالكثير."

انقبض قلب ياسمين فجأة، فازداد وجهها شحوبًا.

رغم أن المكيف المركزي يحافظ دائما على حرارة ثابتة، إلا أنها شعرت وكأنها في قبو جليدي.

وحين رآها صامتة، لم يُبعد عمر نظره عن وجهها إلا بعد بضع ثوان:

"صحة والدة ليلى تزداد سوءًا، وأمنيتها الوحيدة أن ترى ابنتها مطمئنة، تجد من يسندها، تحتاج إلى من يؤنسها. لا تثيري المشاكل، قومي بدورك كزوجة عمر الراسني ، ولن أتجاوز حدي معك."

قالها وكأن خيانته أمر مبرر.

لن يتجاوز حده معها؟

تجمدت ياسمين لبرهة، ثم ابتسمت بمرارة، وقاومت الألم الذي يمزق صدرها لتقول:
"إن كانت تحتاج إلى من يؤنسها، فوجودك عندي ليس في مكانه."

أنهت كلامها، ثم استدارت وصعدت إلى الطابق العلوي، وأغلقت الباب خلفها بلا تردد.

وبعد دقائق، دوى صوت محرك سيارة من الأسفل، ورحل الرجل لم تحتج أن تفكر لتعلم أنه ذهب إلى ليلى.

سارت بخطوات مثقلة نحو الحمام، وغسلت وجهها بماء بارد أيقظها أكثر.

ثم فتحت حاسوبها وتواصلت مع محام كانت قد أضافته منذ ثلاث سنوات، وطلبت منه أن يعد لها عقد طلاق.

سألها المحامي:
"آنسة ياسمين هل لديك أي شروط خاصة؟ كمنزل أو سيارة أو تقسيم الممتلكات؟"

فكرت قليلا ثم ردت بهدوء:
"لا أريد شيئًا."

لم تعد تريد عمر، فكيف ستفكر في ممتلكاته؟

ثم إنها قرأت أن التنازل عن المطالب يسرع الإجراءات ولن تضطر إلى استنزاف جسدها الضعيف في نزاعات معه.

أرسل لها المحامي العقد كاملا بسرعة.
طبعته، وأمسكت القلم بيد متشنجة بيضاء من شدة الضغط، لكنها لم تتردد، ووقّعت اسمها بخط متماسك رغم ارتجافها. بعدها، سحبت جسدها المتألم وشرعت تجمع ثيابها على عجل.

وعند الباب، ألقت نظرة طويلة على هذا البيت الذي اعتنت به ثلاث سنوات، ثم خرجت دون أن تلتفت.
في اليوم التالي، طلبت إجازة، واستعانت بخدمة توصيل سريعة في المدينة، لترسل نسخة من عقد الطلاق إلى مكتب الاستقبال في شركة الأفق الأزرق.
فهي تعلم أن عمر لا يستلم الطرود بنفسه، لذلك كتبت اسم كريم كالمستلم.

منذ زواجها بعمر، دخلت للعمل في شركة عائلة الراسني .

لكنه لم يكن يريد إعلان زواجهما، ولم يسمح لها بالاقتراب منه داخل الشركة، فألحقها بقسم العلاقات العامة، لتتولى صورة الشركة أمام الجمهور.
وبفضل كفاءتها، أصبحت مديرة القسم خلال سنوات قليلة.

لم تتغيب عن العمل يومًا، ولم تأخذ إجازة طوال ثلاث سنوات.
كانت تؤدي عملها بإتقان، لا لأنها تحبه، بل لأنها اعتادت أن تبذل جهدها في كل ما تقوم به.
لكن بما أنها قررت الطلاق، فلم يكن في نيتها البقاء في شركة الأفق الأزرق.

وبعد أن أرسلت الطرد نظرت إلى الساعة كانت تقترب من العاشرة.
شدّت أصابعها، فهي الآن أمام أمر أهم بكثير...

سجن الشرق في مدينة النور.
كانت يدا ياسمين على المقود ترتجفان قليلاً، فبعد ثلاث سنوات من الغياب لم تستطع إخفاء توترها.
اليوم سيخرج سامي الدهري من السجن.

قبل شهر، حجزت قاعة خاصة لاستقباله وإكرامه.
سامي هو الطفل الذي تبنّاه والدها، وقد نشأ معها منذ الصغر في بيت عائلة الدهري القاسي، كان الوحيد الذي وقف بجانبها دافع عنها بروحه سنوات طويلة، ولم يرفع صوته عليها يومًا.

وكان يقول:
"الجميع قد يخذلك، إلا أنا يا ياسمين لن أخذلك أبدًا."

تفقدت وجهها في المرآة، كان شاحبًا مريضًا، فأضافت طبقة من أحمر الخدود لتبدو طبيعية، ولتطمئنه أكثر، تناولت حبة مسكن إضافية، وارتدت نظارة شمسية رفيعة.

وبينما كانت تنظر للأمام انفتح باب السجن ببطء.
نزلت من السيارة دون وعي، وكأن أطرافها لا تخصها.
خرج رجل طويل القامة بملابس سوداء يحمل حقيبة قديمة، شعره الأسود قصير ومرتب، تجولت عيناه الهادئتان في المكان، ثم توقفتا عندها.

خفق قلب ياسمين بقوة حتى كاد يتوقف تحت نظرته.
جف حلقها، واحمّرت عيناها، وخطت نحوه دون أن تشعر، وهمست بصوت مرتجف:

"أخي..."

"سامي!"
انطلقت صيحة امرأة مفعمة بالفرح، لتقطع أفكار ياسمين. مرت المرأة بجانبها مسرعة، ثم قفزت مباشرة إلى أحضان سامي الواسعة، تلقاها سامي بعفوية، وأسندها بذراعيه، تاركاً لها حرية الارتماء عليه.

قالت وهي متشبثة به:
"أتدري كم انتظرتك؟ لو لم تخرج الآن، لكان أبي أجبرني على الزواج من شخص آخر!"

ثبت سامي نظره على وجهها، وردّ على قبلاتها الحارة بابتسامة جانبية: "مستعجلة إلى هذا الحد؟ إذن دعي سائقك ينزل بعد قليل، وسأرسل لوالدك هدية كبيرة..."

أجابته بدلال وهي لا تزال متشبثة به: "ألا تكف عن مشاكساتك؟ أبي طلب أن آخذك إلى البيت ليتعرف عليك، وقال إنه سيقيم لك استقبالاً خاصاً..."

توقفت خطوات ياسمين فجأة، وكأنها جمدت في مكانها، تحدق في المشهد بذهول.
شعرت بارتباك متأخر، وخجل يثقل صدرها.

ذلك الشاب الذي كان يوماً ما حنوناً، يضعها في مركز اهتمامه، بدا الآن وكأنه لم يكن سوى حلم طويل استمر لسنوات.

بدأ ألم حاد يلسع بطنها، كأن خنجراً قد اخترق الزمن ليغرس نفسه فيها من جديد.
"ياسمين، لا أريد أن أُسجَّل في قيد عائلة الدهري، لا أريد أن أصبح أخاكِ حقاً."
"حين تكبرين، تزوجي مني، حسناً؟"
رنّ صوته العذب في رأسها، فأصابها شرود لحظة.

"انتبهي!"

صرخة تحذير أيقظتها، فالتفتت لترى دراجة نارية مسرعة تتجه نحوها، نحو سامي وتلك المرأة.

لم يتردد سامي لحظة، بل ضم المرأة إلى صدره وتراجع بها للخلف، يحميها بكل قوته.

أما ياسمين، فلم تجد من يحميها، فاضطرت للابتعاد بارتباك، وهي تغطي وجهها، وقد التوى كاحلها من شدة العجلة.

"أنتِ؟" نظر إليها سامي بعمق، في عينيه خليط من ارتباك وتساؤل.

"أنا بخير..."
قالتها بسرعة، قبل أن تسقط دموعها، ثم استدارت وركضت مبتعدة.

سألت المرأة بفضول: "من هي؟"

ظل سامي صامتاً للحظة، ثم أمسك بذقنها وقبلها قائلاً: "تشبه شخصاً أعرفه."

شخص يعرفه...
شخص عاش معه أكثر من عشر سنوات، وكان يوماً ما ينوي أن يتزوجها!

عادت ياسمين إلى سيارتها، وأسندت رأسها على المقود، تضغط على بطنها المتألم، تنصب عرقاً بارداً. لم تعرف أيهما أشد عليها: ألم المرض، أم وجع قلبها؟

قطع رنين الهاتف أفكارها.
نظرت إلى الشاشة، كان الاتصال من كريم...

في شركة الأفق الأزرق.
بعدما استلم كريم الملفات التي أرسلتها ياسمين، عقد حاجبيه باستياء.
أليست تعمل في نفس الشركة؟ ما الذي تفكر فيه؟
هل لأنها مُنعت من الاقتراب من مكتب الرئيس، لجأت إلى هذه الأساليب لجذب انتباه السيد عمر الراسني؟
يا لها من سذاجة.
توجه كريم مباشرة إلى قسم العلاقات العامة، لكنه فوجئ بأن ياسمين لم تحضر إلى العمل اليوم.
الأمور معقدة اليوم، فازداد عبوسه، واتصل بها على الفور.

"المديرة ياسمين، لا يهمني ما الذي تفكرين فيه الآن، يجب أن تعودي إلى الشركة فوراً."

أخفضت ياسمين بصرها. هل الأمر متعلق بعمر؟ هل اطلع على أوراق الطلاق ويريد مناقشة الموضوع؟
لم تجد تفسيراً آخر، فلم تتردد، وأدارت السيارة نحو شركة الأفق الأزرق.

حين رآها كريم تدخل مسرعة، تأكد من شكوكه: طبيعتها لم تتغير، تحاول لفت نظر السيد عمر الراسني بطرق خاصة.
ابتسامة ساخرة كادت تظهر على شفتيه.

"أين هو؟" سألت ياسمين بوجه شاحب.
كان عليها أن تذهب إلى المستشفى لتأخذ دواءها، فهي ما زالت تفكر في العلاج المحافظ، وإن بدأت به فلن تستطيع إخفاء الأمر عن جدتها وخالها.

أجاب كريم ببرود رسمي: "نحن في شركة، هل يحتاج السيد الراسني أن ينزل بنفسه ليلتقي مديرة العلاقات العامة؟ هناك مسألة كلفك بها."

"هل هي بخصوص الطل..."

قاطعها كريم: "أمس، خلال حفلة عيد ميلاد الآنسة ليلى السويدي، انتشرت شائعات سلبية، تتهمها بأنها خطفت قلب رجل وصعدت على حساب غيرها. والآنسة ليلى السويدي ليست أي شخص، فهي ستصبح الوجه الإعلامي لمشروع رئيسي لشركة الأفق الأزرق. لا يمكن أن يتعرض المشروع للتشويه، ولا يمكن أن تُمس سمعتها."

ثم أضاف: "السيد عمر الراسني طلب منكِ أنتِ تحديداً أن تتولي معالجة الأمر، وتبرئة اسم الآنسة ليلى السويدي، وتهدئة الرأي العام."

تجمدت ياسمين في مكانها.
عضت على شفتيها الشاحبتين وقالت: "هل هذا ما يقصده؟"

"نعم."
كريم في الحقيقة لم يكن يحب ياسمين، رغم أنها مجتهدة في عملها وذات كفاءة، لكنها في البداية استعملت وسائل غير شريفة للزواج بالأجبار.
امرأة كهذه، تثير اشمئزازه.
قال ببرود: "السيد عمر الراسني أوصى أن تبقي في المكتب اليوم ولا تذهبي إلى أي مكان حتى تهدأ الضجة."
وأضاف بلهجة قاسية: "وإذا لم تستطيعي تنفيذ ذلك، فشركة الأفق الأزرق لا تحتفظ بالأشخاص عديمي الفائدة!"

كانت ياسمين تعلم أن عمر لا يحمل لها أي مشاعر، لكنها لم تتوقع أنه حتى في وقت الطلاق سيكلفها بأمر كهذا.
أن يجعل الزوجة الشرعية تدافع عن عشيقته في الخارج، وتغطي على فضيحة حقيقية!
شعرت ياسمين بصدمة غاضبة تخترق صدرها، واشتد الألم في بطنها، فاستندت إلى الطاولة لتخفي انزعاجها. ثم نظرت بسخرية إلى بطاقة عملها الموضوعة أمامها.
أمسكتها، ولفت خيطها حول البطاقة.

قالت بهدوء: "صحيح أن شركة الأفق الأزرق لا تحتفظ بأحد عديم الفائدة، لكني لم أعد أستطيع القيام بهذا العمل." ثم وضعت البطاقة جانبًا وأضافت: "أنا أستقيل."
كانت قد أرسلت طلب الاستقالة ليلة أمس مع أوراق الطلاق.

لربما تأخرت الإجراءات ولم تصل بعد إلى عمر. أما اليوم، فبخصوص عمل يتعلق بليلى، فهي لن تتولاه.

قالت بثبات: "أي أمر يخص ليلى بعد الآن لا علاقة لي به، فليكلف السيد الراسني شخصًا آخر، شركة الأفق الأزرق كبيرة، ولن تتأثر بغيابي!"

تفاجأ كريم لوهلة.
تستقيل ياسمين؟
هل تجرؤ فعلاً على ترك وظيفة تقربها من السيد الراسني ؟ أم أنها مجرد حيلة جديدة لتثير انتباهه؟

عاد كريم إلى الطابق العلوي.
كان عمر مشغولاً بجدول أعمال مزدحم، يستعد للقاء السيد حاتم من شركة الشرقي للتكنولوجيا.
قال كريم: "السيد الراسني ، هذا عقد شركة الشرقي، تفضل بالاطلاع."
خفض عمر بصره على الأوراق ثم سأل: "موضوع ليلى، كيف تعامل معه قسم العلاقات العامة؟"

تردد كريم قليلاً: "المديرة ياسمين..."

"تحدث مباشرة."

قال كريم: "المديرة ياسمين قالت إنها لا تستطيع معالجة الأمر."
"وقدمت استقالتها، وقالت إن أي أمر يخص الآنسة ليلى السويدي لا يجب أن يُحال إليها بعد الآن."

توقف عمر عن تقليب العقد، ورفع رأسه، وعيناه خاليتان من الدفء.
سأل: "قدمتها اليوم في الشركة؟"

أجاب كريم: "المديرة ياسمين كانت قد طلبت إجازة اليوم، لكني استدعيتها على عجل. قسم الموارد البشرية قال إنها قدمت الطلب أمس بالفعل."

سأل عمر فجأة: "إجازة؟" لم يهتم بالاستقالة، بل توقف عند موضوع الإجازة.

لم يفهم كريم ما يدور في ذهنه، فتردد قائلاً: "ربما كان لديها أمر مهم جدًا، فخلال ثلاث سنوات لم تطلب إجازة قط."

كان عمر يعرف هذه الحقيقة.
كانت ياسمين تبدو باردة ومنعزلة، لكنها في الواقع جادة للغاية تجاه عملها والآخرين، ذكية وذات حنكة، ولهذا استطاعت أن تصبح مديرة قسم العلاقات العامة في أقل من عامين.
أن يدفعها الأمر إلى أن تطلب إجازة ثم تستقيل...
هذا أمر غير عادي بالنسبة لها.
خفض عمر بصره متأملاً، ثم فجأة تغيرت ملامحه إلى قسوة، ونهض واقفًا.
"يمكن قبول استقالتها، لكن عليها أولاً أن تنهي موضوع ليلى. إن لم تُحسن التعامل مع الأمر، وخرجت سمعة سيئة إلى الوسط، فلتتحمل هي العواقب وتفكر جيدًا."

أصيب كريم بالدهشة.
كان من المفترض أن السيد الراسني يريد التخلص من ياسمين منذ زمن، فلماذا الآن يتمسك بعدم تركها ترحل؟
لم يجد تفسيرًا لذلك.
قال كريم: "بالمناسبة، السيد الراسني، هناك أيضًا ملف أرسلته المديرة ياسمين..."

رن هاتف عمر، فرفع يده دون أن يلتفت وقال: "القاعدة المعتادة."

القاعدة المعتادة كانت أن كل ما ترسله ياسمين يُهمل.
فقد سبق أن أرسلت له ملابس، وربطات عنق، وأزرار أكمام، وهدايا يدوية.
وبما أن مشروع الشركة الرئيسي يتعلق بالدرونز، صنعت له نموذجًا بيدها لتتقرب منه.
لكنه لم ينظر إلى أي منها، بل تُركت في خزانة مكتبه المغلقة تتراكم عليها الغبرة.
وأحيانًا، عند الحاجة الطارئة، تُستعمل بعض تلك الأشياء فقط.
يعرف كريم هذه العادة جيدًا، لذا رمى الملف غير المفتوح في الخزانة نفسها مرة أخرى.
لتظل كل محاولات ياسمين وجهودها، بلا قيمة.

بعد أن أنهت ياسمين عملها، تلقت اتصالاً من كريم يخبرها بما يريده عمر.
كرّر كريم لها مقصده بوضوح، ففهمت ياسمين على الفور ما يرمي إليه.

كانت علاقة ليلى به تُعَدّ خيانة زوجية صريحة، وقد ثبت بالفعل أنها العشيقة.
وطلبه منها أن تتولى هي معالجة هذه المسألة، لم يكن إلا خطوة استباقية، فإذا ما حاول أحد في المستقبل إثارة الماضي، فبما أن الزوجة الشرعية قد "أقرت" الأمر بنفسها، فلن يُحسب على ليلى أنها تدخلت في زواج قائم، وبذلك يجنّبها الشبهات والانتقادات.

من أجل ليلى، بذل عمر كل ما في وسعه!

أما عبارته "فكري جيدًا"، فلم تكن سوى تهديدًا مبطنًا: إن لم توافق على معالجة الأمر، فخروجها من شركة الأفق الأزرق سيجعلها بلا مأوى مهني، إذ يستطيع أن يقطع طريق رزقها.
ثلاث سنوات وهي تبذل قصارى جهدها لتؤدي واجب الزوجة، ومنذ يوم زواجها به قطعت كل صلة بماضيها، لكنها لم تنل منه ذرة من صدق المشاعر.

لقد أنهكها الأمر.

ابتسمت ياسمين بسخرية وقالت ببرود: "سآخذ إجازة مرضية، وإن أُجبرت على العمل وأنا مريضة، فهذا خرق لقانون العمل، وسنلتقي في المحكمة."

فهي قد قررت الطلاق والاستقالة، ولم تعد تبالي إن كان عمر راضيًا أم لا!

مع انتهاء دوامها، ركبت سيارتها، فإذا برسالة عبر واتساب من والدها محمود الدهري تصلها:
(أخوك خرج من السجن، وأقمنا مأدبة في البيت، هل ستعودين؟ )
ورغم صيغة السؤال، كانت ياسمين تعرف أن محمود لا يرغب بعودتها، فهو يراها "الابنة العاصية" التي لا تجلب سوى المتاعب.

ففي الماضي، قصتها مع سامي كانت في نظره عارًا، ورآها سقوطًا أخلاقيًا ولولا قيمتها في الزواج بعائلة الراسني، لكان قطع علاقته بها منذ زمن وطردها من حياته.

لكن ذاك الشخص كان سامي، الرجل الذي كان يومًا الأهم في حياتها.

وبعد أن ترددت قليلاً ووزنت الأمور، أصلحت مكياجها قليلاً لتبدو أكثر إشراقًا، وقادت سيارتها مباشرة إلى فيلا عائلة الدهري.
فلولا سامي، لما كانت لتعود إلى هذا البيت.

عند رؤيتها، تبدّل تعبير الخادمة قليلاً وعبست حاجبيها: "الآنسة ياسمين، لماذا أتيت؟"
لم ترد ياسمين، فمنذ سنوات لم يعد هذا المكان بيتها، حتى الخدم لم يعودوا يكنّون لها أي احترام.

"ياسمين؟" نزلت رؤى الدهري من الطابق العلوي، وبوجه عابس قالت باستهزاء:
" يا لك من وقحة! أخي عاد للتو، وها أنتِ تلهثين وراءه، هل لا يهنأ لكِ بال إلا إذا أزعجتِ الجميع؟"
رؤى هي الابنة غير الشرعية التي أنجبها والدها من خيانته، وُلدت في نفس يوم وساعة ميلاد ياسمين، لكنها اليوم تتصرف وكأنها الابنة الشرعية، لتسخر منها.

ردّت ياسمين ببرود: "وإذا كنتِ خجولة كما تدّعين، فارحلي من بيت أمي، ودعينا نرى كم أنتِ راقية."
فهذا البيت اشترته أمها بثمن لوحاتها الفنية، ومع ذلك يعيش فيه محمود مع منة المنصوري وابنته رؤى بترف، فبأي حق تتفاخر رؤى بما ليس لها؟

"أنتِ!"
تغيّر وجه رؤى للحظة، ثم تذكرت شيئًا، فابتسمت بسخرية: "سأرى إن كنتِ ستبقين متماسكة بعد قليل."

"ومن هذه؟"
جاء صوت أنثوي فضولي يقطع الجدال.
ومن جهة غرفة الاستقبال، خرج شخصان متشابكي الأيدي، يبدوان في غاية القرب. نظرت نور القيسي إلى ياسمين بدهشة، ثم جذبت ذراع سامي وقالت: "كم هي جميلة."

ألقى سامي نظرة سريعة على ياسمين، ثم ثبت بصره على وجه حبيبته، وضغط بخفة على خصرها قائلاً بلا مواربة: "إنها مثل رؤى... أختي."
"حتى من أختي تغارين؟"

قالت نور بخجل، وضربت صدره بخفة، ثم التفتت إلى ياسمين: "إذن لسامي أختان، ما اسمكِ؟"
تجمدت ياسمين في مكانها، لم تتوقع أن يُدخل سامي حبيبته إلى البيت.
هذا يعني أنه جاد معها، فهو يعرّفها على عائلته.
ذاك الرجل الذي كان يريد الزواج بها يومًا، والذي ضحى بكل شيء من أجلها، لم يعد موجودًا.
الآن، لا يرى فيها إلا كونها مثل رؤى.

بلعت ريقها بصعوبة وقالت: "ياسمين الحليمي."
تفاجأت نور قليلاً، ونظرتها متأملة، وطرحت سؤالاً يثير الإحراج لدى ياسمين وعائلة الدهري:
"ولماذا لا تحملين اسم عائلة الدهري؟"
ولما لم تجب ياسمين، ابتسمت نور بثقة وقالت: "أنا اسمي نور، يمكنكِ مناداتي..."

"ناديها بزوجة أخيكِ."

تدخل سامي ببطء، وهذه المرة نظر إلى ياسمين مباشرة وقال: "لقد وجدت المرأة التي أريد أن أكون جادًا معها، وعليكِ أن تناديها بزوجة أخيكِ."

التقت ياسمين بنظرات سامي، كان يحدّق بها بابتسامة غامضة، أشبه بمُتفرّج ينتظر أن يرى ارتباكها.
شدّت أصابعها بقوة، لتدرك أن آخر خيط من الأمل في قلبها قد انقطع.
لم تهرب من عينيه، بل واجهته كما أراد: "نعم، أهلاً بك يا زوجة الأخ."

ابتسمت نور بمزيد من الرضا، وهي تتدلل متشبثة بخصر سامي.
توقف سامي لحظة، ثم ألقى نظرة على ياسمين، قبل أن يطوق نور بذراعه ويدخل معها إلى غرفة الضيوف.

اقتربت رؤى وقالت بسخرية: "تتظاهرين بالسماحة؟ أخي لم يعد ينظر إلى امرأة متزوجة!"
"أما تلك الآنسة السويدي التي احتفل السيد الراسني بعيد ميلادها البارحة، فهي دكتورة في هندسة الطيران، يتنافس الجميع في الأوساط التجارية على الفوز بها. وأنتِ؟ مجرد ربة بيت لا تجيدين سوى الطبخ وتدفئة السرير، كيف تقارنين نفسك بها؟"
"هل تخافين أن تُطردي من بيتك مطرودة ذليلة، فجئتِ لتتشبثي بعائلة الدهري؟"

هذا الزواج الفاشل كان مادة لسخرية الجميع...

شعرت ياسمين بقبضة خفيفة في صدرها، ووضعت الهدية التي كانت تحملها قائلة: "اطمئني، حياتي من الآن فصاعداً، سواء كانت جيدة أم سيئة، لا علاقة لها بعائلة الدهري، فأنا في النهاية أحمل اسم الحليمي."
ثم استدارت وغادرت دون أن تلتفت.
البقاء لن يجلب سوى مزيد من الألم للجميع.

"هل رحلت؟"
خرج محمود من القاعة الجانبية، ورأى ظهر ياسمين وهي تغادر بحزم، فظهر الغضب على وجهه.

عادت رؤى إلى وعيها وقالت متذمرة: "أبي، هل رأيت أسلوبها؟ لم تضع عائلة الدهري في اعتبارها، ولا حتى أنت! أظن أن السيد الراسني سيتخلى عنها عاجلاً أم آجلاً."

بعد ثلاث سنوات، أدرك محمود الحقيقة، ياسمين لم تكسب قلب عمر أبداً، باستثناء المرة الأولى بعد الزواج حين استفاد من ارتباطها بعائلة الراسني، لم يمنحه عمر أي اعتبار في مشاريعه، ولم يلتفت إليه كحمو أبداً!
أليست هي السبب في ذلك؟ هي عاجزة عن التصرف.
امرأة لم تستطع حتى أن تكسب قلب زوجها، ما قيمتها إذن؟

تغيرت ملامحه إلى الجدية، وحدّق في رؤى قائلاً: "أنتِ لم تعودي صغيرة، وياسمين لا فائدة منها، لكن سأمنحكِ فرصة لتظهري أمام السيد الراسني."
وكيف لا تفهم رؤى ما يقصده؟
تجمد وجهها قليلاً، ثم التفتت لا شعورياً نحو سامي، فرأته يبتسم ابتسامة ماكرة وهو يضع حبة عنب في فم نور.
عضت على شفتيها، وظهر في عينيها بريق من الغصة والظلم...

استأجرت ياسمين شقة صغيرة مكونة من غرفتين وصالة، مؤثثة بالكامل وجاهزة للسكن، ووقعت عقداً لسنة، وكان المكان يبعد كيلومترين فقط عن المستشفى الذي تذهب إليها باستمرار.
ليكون الأمر سهلاً عليها إن احتاجت الذهاب في أي وقت.
كانت عائدة من بيت عائلة الدهري برأس مثقل، لكنها لم تنسَ أن تحظر عمر على تطبيق واتساب.
أما رقم هاتفه فأبقته مؤقتاً، خشية أن يفوتها إشعار منه للذهاب إلى دائرة الأحوال المدنية لإتمام إجراءات الطلاق.
الآن كل ما عليها فعله هو الصبر حتى تمر الثلاثين يوماً المخصصة كفترة الصلح ما قبل الطلاق، وضعت هاتفها جانباً، ثم أخذت حماماً سريعاً واستلقت على السرير لتغرق في النوم.

في الوقت نفسه...

عاد عمر إلى الفيلا، وكانت مظلمة تماماً.
في الماضي، لم يكن يهم متى يعود، فكانت ياسمين دائماً تترك له ضوءاً مضاءً، وتستقبله بابتسامة دافئة، تأخذ معطفه وتجهز له ثياب النوم.
رغم أنه نادراً ما كان يعود، إلا أنه كان يظهر في أيام محددة من الشهر، فقط "لأداء واجبه الزوجي تجاهها".
لكن هذه الليلة، حين مد يده ليعطيها معطفه كعادته، لم يجد أحداً، تفحص المكان بعينيه، وقطب حاجبيه.
هل هي في نوبة غضب؟
صعد إلى غرفة النوم الرئيسية، متوقعاً أن يجدها مستلقية على السرير تعبر عن "احتجاجها" بعدم انتظاره، لكن السرير كان خالياً.
الفيلا بأكملها غارقة في الصمت والظلام.
لم تعد ياسمين إلى البيت.
كان كريم قد أبلغه بموقف ياسمين الحاد تجاه موضوع ليلى، حتى أنها وصلت إلى حد التهديد باللجوء إلى المحكمة.

والآن...

فك عمر ربطة عنقه بابتسامة ساخرة على طرف شفتيه.
هل تعلمت أن تترك البيت؟
لكنه لم يعطِ الأمر أهمية.
فهي بحاجة لأن تهدأ بنفسها!

في اليوم التالي، جاءت المربية ترافقها أخت عمر الصغرى، رنا الراسني.
الفتاة لم تتجاوز السابعة عشرة بعد، ملامحها مشرقة وقوامها ممشوق، وما إن دخلت حتى رمت حقيبتها على الأريكة.

رمشت رنا بعينيها نحو عمر قائلة: "أين ياسمين؟"
أجابها عمر وهو يشد ربطة عنقه وألقى عليها نظرة باردة: "كيف تنادينها؟"
تقطّب رنا شفتيها باستخفاف: "أنت لا تحبها يا أخي، فلماذا أناديها بزوجة أخي؟"
كانت أمها قد أخبرتها أن ياسمين تزوجت من عائلة راقية وارتقت اجتماعيًا، وأن عليها أن تفني نفسها في خدمة عائلة الراسني.
ثم تذكرت العبارة:
خادمة متميزة على أعلى مستوى ؟

قال عمر ببرود وهو يعرف دهاء أخته: "قولي لي، ما الحيلة الجديدة الآن؟"
أجابت رنا وهي تدور بعينيها: "أخي، أأنت مشغول اليوم؟"
قال: "ماذا؟"
ابتسمت رنا بخبث: "أمي ذهبت لحضور عرض أزياء، وأبي في الخارج، وجدتي مريضة ولا تستطيع الحضور. لا أحد يذهب معي لاجتماع أولياء الأمور."
ثم تابعت وهي تهز ساقيها بدلال: "دع ياسمين تذهب، فهي تأكل وتشرب من مالك، وليس لديها ما يشغلها."
توقف عمر لحظة ثم قال: "اتفقي معها بنفسك."
قهقهت رنا بثقة: "ولم لا؟ هي تحاول كسب رضاك، وتدللي كثيرًا، تمامًا كما يقولون على الإنترنت: امرأة ماكرة... مجرد إخباري لها يكفي."

في الآونة الأخيرة، انشغلت رنا بمتابعة محاضرات ليلى في الخارج حول مجال الطيران، فأدى ذلك إلى تراجع درجاتها.
كانت تعلم أن اجتماع أولياء الأمور سيتضمن حديثًا صريحًا مع أهلها، ولم ترد أن يحضر أخوها أو والدتها. أما ياسمين، فلا بأس إن تلقت بعض التوبيخ.
لن تبلغ ياسمين أخاها أو والدتها، فهي حريصة على إرضائها.
عند سماع ذلك، تأمل عمر قليلاً، ثم ارتدى معطفه وخرج قائلاً: "حسناً، سأمنحها إذنًا بالغياب."

عندما استيقظت ياسمين، شعرت بصداع وحمى خفيفة. جسدها أصبح هشًا، وقد يستجيب لأي مؤثر في أي وقت، ومناعتها لم تعد تعمل كما ينبغي.
كانت قد طلبت إجازة مرضية بالأمس، واليوم قررت الذهاب إلى المستشفى لمراجعة خطة العلاج التحفظي.
لكن ما إن وصلت إلى بهو المستشفى حتى ارتخت ساقاها، وبعد خطوات قليلة سقطت أرضًا.

"ياسمين!"

سمعت صوت امرأة تصرخ باسمها، ثم فقدت وعيها تمامًا.

حين فتحت عينيها، وجدت صديقتها سارة الكرمي جالسة بجانبها.
وما إن رأت سارة أنها استيقظت حتى وبّختها بقلق: "ذلك الحقير عمر، كيف يعاملك هكذا؟ الطبيب قال إنك مرهقة جدًا، وقد تعافيت للتو من الحمى."
ارتبكت ياسمين فورًا وخافت أن يُكشف مرضها.
سارة صاحت بقلق: "ما بك؟ هل أثرت الحمى على عقلك؟! دكتور! هي..."
أسرعت ياسمين تقاطعها: "حسنا، كفى، أنا بخير."
كانت تشعر بالصداع من صراخها, فسارعت لإيقافها.
لحسن الحظ أن سارة لم تعرف الحقيقة، وإلا فإن شخصيتها الصاخبة كانت لتتسبب في انتشار خبر إصابتها بالسرطان في مدينة النور خلال نصف يوم.
ولن تستطيع إخفاء الأمر عن جدتها وخالها.
سألتها ياسمين: "لماذا أتيت إلى المستشفى؟"
أجابت سارة وهي تهز كتفيها: "أخي الأحمق شرب كثيرًا وأصيب بتسمم كحولي، فجئت لأرى إن كان ما زال حيًا."

ثم نظرت إليها بتمعن وقالت: "وجهك شاحب، هل هذا بسبب عمر وتلك العشيقة الحقيرة؟"
كانت سارة قد شاهدت البث المباشر.
القليل فقط يعرفون أن عمر متزوج، ومع ذلك كان الناس يصفقون لعلاقته مع تلك العشيقة وكأنها قصة حب عظيمة.
تبا!
مجرد ثنائي قذر!

أما ياسمين، فبقيت شاردة وقالت بهدوء: "سأطلقه قريبًا."
فترة الصلح ما قبل الطلاق ستنتهي قريبًا، وحينها ستنهي هذه السنوات الثلاث من العبث.

تجمدت سارة من الصدمة، وساء فهمها على الفور، ثم شرعت تحدّق بعينيها غاضبة: "هل يريد أن يجعل تلك الحقيرة الزوجة الرسمية؟!"
كانت تعلم أن ياسمين، حين تزوجت عمر، تخلت عن أحلامها وفرصتها الذهبية التي منحها لها السيد حازم لدخول معهد أبحاث الطيران. اختارت أن تكون زوجة صالحة، تهتم بعمر وتدير حياته.
كانت مولعة بشدة بذلك الرجل الحقير المتظاهر بالمظهر اللائق.
لذلك، لم يخطر ببال أحد أن ياسمين هي من طلبت الطلاق، بل ظنوا أن عمر هو من تخلى عنها.

لكنها هزت رأسها وقالت: "أنا من طلب الطلاق."

ظلّت سارة مذهولة لدقيقتين، ثم صفقت بيدها بحماس: "هذا هو القرار الصحيح! امرأة مثلك، ذكية وقوية، يجب أن تعيشي لنفسك ولعملك! اتركي شركة الأفق الأزرق، وانضمي إلينا في شركة الريادة. ندعك تدخلين كشريكة بالخبرة والتقنية، ما رأيك؟"

شركة الريادة للابتكار والتكنولوجيا تختص بتطوير الطائرات دون طيار. تملك سارة أسهمًا كبيرة فيها، لكنها لم تكن تفهم شيئًا عن أي تخصص، فهي طالما كانت طالبة فاشلة، لكنها أدركت أهم سر على الإطلاق:
المال بيدها.
وتعرف كيف تنفقه بسخاء.

حين سمعت ياسمين شركة الريادة، لمعت عيناها، وارتسم على وجهها الشاحب ملامح حماس خفي.
لو أنها واصلت دراستها في تخصصها الذي كانت تحلم به، لكانت اليوم في مجال هندسة الطيران.
فالطائرات دون طيار (الدرونز) هي أهم إنجاز تقني في هذا العصر، تُستخدم في المجال العسكري، المدني، وحتى في الزراعة.

والسبب الذي جعل أستاذها يكتب لها رسالة توصية إلى معهد البحوث آنذاك، هو أنها صممت وأشرفت تقنيًا على مشروع الطائرة دون الطيار متعددة المهام يو إن، جمعت بين المدى الطويل، والحمولة الكبيرة، والسرعة العالية، والتشغيل الآلي، وتجاوزت أصعب العقبات التقنية، حتى أصبحت اليوم مستخدمة في العمليات العسكرية الفعلية.
لقد وصلت إلى قمة المجال.
لكن الزواج الذي استنزفها أوصلها إلى ما هي عليه اليوم، جسدًا منهكًا ونفسًا محطمة، وإصابتها بالسرطان في عمر مبكر جعل حياتها كلها في مهب المجهول.

ومع ذلك، أدركت حقيقة واحدة:
أن الإنسان لا بد أن يعيش لنفسه أولاً!
حتى لو لم تستطع الشفاء، فهي تريد أن تستثمر ما تبقى من وقتها دون ندم.
إنها تريد...
أن تعود إلى مجالها، وتغرس جذورها من جديد في حلمها.

أما سارة، فمع أنها لا تفهم في التقنية، إلا أن شركة الريادة لديها خبراء يديرونها.
استثمرت سارة المال، وهو قاد فرق البحث، وخلال السنوات الماضية ارتفعت مكانة الشركة بسرعة، وأصبحت في مدينة النور نجمة صاعدة لا يُستهان بها.
شركة ذات وزن كبير جدًا!

لكن المشكلة...

قالت ياسمين: "أنت تعرفين، حين اخترت الزواج في الماضي، هو رفض أن يتواصل معي، وهو اليوم صاحب القرار في شركة الريادة، وقد لا يقبل أن أذهب إليه."

الشخص الذي كتب لها رسالة التوصية كان والد هذا الشخص، الأب والابن معًا كانا يضعان عليها آمالاً كبيرة، بذلا من أجلها الكثير من الجهد والتفكير، وكانا يعتقدان أنها ستنجح حتمًا في المستقبل، وربما ترفع اسم بلدها عاليًا.
لكنها حين تزوجت، خيبت آمالهما.

حكّت سارة رأسها وقالت: "الأخ وائل قلبه طيب رغم قسوته في الكلام، أنت تعرفين ذلك، سأرتب لقاء بينكما، صدقيني، هو أيضًا يفتقدك."

ابتسمت ياسمين بمرارة.
فلولا أن محمود في الماضي قد حاول الارتقاء على حسابها، مستخدمًا أساليب لإجبارها على الذهاب إلى سرير عمر، مهددًا إياها بالتخلي عن كل ما تحب،
لكانت حياتها اليوم مختلفة تمامًا.

رن هاتفها، كان اتصالاً من رنا.
تجهم وجهها، ورفضت المكالمة.
فهي على وشك الطلاق، ولم تعد تريد مجاملة رنا.
لكن رنا لم تتوقف عن الاتصال، بإصرار وطيش.
وفي المرة الخامسة، أجابت ياسمين بشفاه مطبقة.

رنا قالت بعصبية: "يا مزعجة! ألم تلاحظي أنني أنا من يتصل؟"
ردت ياسمين: "ماذا تريدين؟"
قالت: "الساعة العاشرة اجتماع أولياء الأمور، اذهبي بدلاً من أخي، وإذا سألك أحد فقولي إنك خادمتنا، فهمت؟"

فأخوها قد أعلن علاقته بليلى، وهي لا تريد أن يسيء أحد الظن بليلى.

ضغطت ياسمين شفتيها وقالت بهدوء: "أنا لست أمك، ولست زوجة أخيك بعد الآن. يمكنكِ أن تطلبي من ولي أمرك، ثم..."
"أنتِ كبرتِ، وعليكِ أن تتعلمي معنى كلمة احترام."
ثم أغلقت الهاتف، وهي تشعر بالإرهاق.
رنا لم تحبها يومًا، فالأطفال يعرفون جيدًا كيف يقرأون مواقف الكبار.

كانت ترى أن ياسمين تزوجت عمر بالإصرار والتشبث، ولذلك كانت كل عطلة تأتي لتعذيبها:
تجعلها تغسل ملابسها وتطبخ لها، وتجد دائمًا طريقة لإزعاجها.
وحين بدأت علاقة عمر بليلى تظهر، كانت رنا كثيرًا ما تمنع ياسمين من التدخل أو إفساد لقاءاتهما.
وعمرها الآن سبعة عشر عاماً، وتعرف كل شيء.
وياسمين لم تعد مضطرة لتحملها.

رأت سارة أن ياسمين بدأت فعلاً تستعيد قوتها، فتأكدت من عزمها على الطلاق، واستغلت الفرصة لتعود إلى شركة الريادة، محاولة إقناع وائل بلقاء ياسمين.

أما ياسمين، فبعد أن انتهت من العلاج بالمصل، وقبل الخامسة مساءً بقليل، جاءها اتصال من أم عمر.
ترددت قليلاً، ثم أجابت.
قالت أم عمر بحدة: "أين رنا؟ ألم تقل لكِ أن تحضري اجتماع أولياء الأمور؟ المعلمة تقول إنكِ لم تحضري، ورنا أخذت إذنًا ولم يعد أحد يعرف مكانها!" وصلت أسئلتها بنبرة حازمة ومتوترة مباشرة إليها.

عبست ياسمين، لم تكن تتوقع هذا.
فأم عمر لم ترضَ عنها يومًا، بل كانت تكرهها، لأنها تعتقد أن ياسمين أجبرت ابنها على الزواج بها، ولو لم يحدث ذلك لكان تزوج من فتاة تناسب مستواه.

قالت ياسمين: "لا أعلم."
فانفجرت أم عمر: "أنتِ من تخلّفتِ عن وعدكِ! هل تريدين التهرب من المسؤولية؟"
"ثلاث سنوات ولم تنجبي، وحتى المسؤولية تجاه الأطفال لا تعرفينها!"

لكن صوت الجدة الراسني جاء من بعيد، مبحوحًا بالسعال: "اهدئي، أنتِ تعرفين طبع ياسمين، ورنا لم تعد صغيرة، وليست مسؤوليتها."

الجدة الراسني كانت الوحيدة التي أحبت ياسمين، وحمتها طوال ثلاث سنوات. حتى أن عمر وافق على الزواج بها في البداية مراعاةً لصحتها الضعيفة، فهي لا تحتمل أي انفعال أو غضب.
وفوق ذلك، كان الجد الراسني صديقًا قديمًا لجد ياسمين في الجيش. كانت الجدة تحب ياسمين جدًا، ولهذا قررت الصلح والزواج بها.
لكن الآن وقد وصل الأمر إلى أن يزعج الجدة المريضة، فكرت ياسمين قليلاً وقالت: "سأحاول الاتصال برنا."

فربما لأنها عاتبتها اليوم بقسوة، بينما اعتادت أن تدللها في الماضي، اندفعت الفتاة المراهقة بعنادها. والفتاة إذا خرجت وحدها، فالأمر ليس آمنًا، ويرتبط الأمر إلى حد ما بالكلمات الشديدة التي وُجّهت إليها.
نزعت ياسمين الإبرة، وهي تشعر بدوار شديد، ثم اتصلت برنا مرات عديدة.
لكنها لم تجب، بل كانت ترفض فورًا، وكأنها تتعمد اللعب بها.

لم تذهب سنوات ياسمين الثلاث في العلاقات العامة سدى، فقد صقلت مهارتها في التقاط أدق التفاصيل، متتبعةً كل ما يتعلق برنا عبر صفحات واتساب، واجهة تطبيق الموسيقى، فيسبوك، خطوة بخطوة.
حتى تأكدت من مكانها: نادٍ للبلياردو.
وحين وصلت، وجدت في إحدى الغرف الخاصة وجوهًا مألوفة كثيرة.
وفي الوسط تمامًا، كان عمر مع ليلى.
أما رنا، فكانت تلتصق بليلى، تسألها عن جامعة الجمال.

وحين لمحت ياسمين، أسرعت تمسك بذراع ليلى وتقول: "بما أن أخي يحبك كثيرًا، أيتها الأخت ليلى، فلن أناديكِ بأختي بعد الآن..."

"سأناديكِ بزوجة أخي، حسنًا؟"


تعليقات