📁 آخر الروايات

رواية عمر الراسني وياسمين الفصل الثاني 2

رواية عمر الراسني وياسمين الفصل الثاني 2



بدت ليلى وكأنها لم ترَ ياسمين، ابتسمت برقة نحو رنا وقالت: "رنا، ما دمتِ سعيدة، فكيفما ناديتني لا يهم."
​رفع عمر نظره إليها، وبدا عليه الضيق: "ما الذي أتى بكِ إلى هنا؟"
​حين التفتت ياسمين بنظرته الباردة، فهمت على الفور
لقد أساء الظن بها.
​وكما توقعت، ما إن رأى فارس العمري ياسمين حتى قال ببرود: "آنسة ياسمين، تملكين مهارة لا بأس بها، حتى إنكِ استطعتِ تتبع عمر إلى مكان تجمعنا الخاص. كلنا هنا أشخاص محترمون، أليس تصرفكِ هذا محرجًا؟"
​إذن لماذا جاءت ياسمين؟
​لتكشف خيانته، طبعًا.
​"لا جدوى من هذا، وأنتِ تعرفين أن عمر لا يحبك." اعتقد فارس أنه قد أدرك أعماق ياسمين، وهز رأسه.
​بعد أن تسللت ياسمين إلى سرير عمر آنذاك، رتبت لإرسال صحفيين للتصوير سرًا، لولا أن عمر أوقف الأمر في وقته، لتدمرت سمعة عائلة الراسخي.
​امرأة تساوم على سمعتها من أجل الصعود، لم يكن أحد منهم يقدرها.
​اعتادت ياسمين على هذه السخرية الجارحة، فأصدقاء عمر جميعهم يكرهون ما يعتبرونه "وقاحة" منها.
​جلست ليلى بجانب عمر بهدوء، ملامحها وادعة وهي تسكب العصير لرنا، دون أن ترفع عينيها نحو ياسمين، ينبعث منها شعور بالفخامة والثقة.
​لم تخشَ مواجهتها.
وكيف لا تفهم ياسمين؟ هذا ما يُسمى: من يُحب يُعطى القوة.

​نظرت رنا بقلق إلى ليلى وسألتها بخوف: "زوجة أخي، هل أنتِ منزعجة؟" كانت تخشى أن يتسبب حضور ياسمين في إحراجها.
​ليلى لم تُجب، واكتفت بابتسامة هادئة.
​عمر، وكأنه يخشى أن تُسيء ليلى الفهم، قال ببرود شديد ووجهه الوسيم جامد: "تعالي، لنتحدث في الخارج."
​أخفضت ياسمين عينيها، ولم تنظر ثانية إلى غرفة الشاي.
​في الممر، نظر إليها عمر ببرود وسأل: "كيف عرفتِ أنني هنا؟"
​كان صوته هادئًا، لكنه كان متأكدًا أنها تتعمد تتبعه.
​التقت ياسمين بعينيه، وشعرت بانقباض في صدرها.
​"أنت تبالغ في التفكير، لم آتِ لأجلك. أنت مع من تشاء، لا يهمني."
​فهما على وشك الطلاق، فلماذا تتدخل؟
​قال عمر ببرود: "إن كنتِ لا تهتمين، فلماذا تهربين من العمل بحجة المرض وتتركين ليلى دون إدارة أزمة سمعتها؟ أليس هذا تصرفًا عاطفيًا غير مسؤول؟"
​هو يعرف أن لدى ياسمين خالاً مريضًا، ومع ذلك لا يصدق أنها ستتخلى عن وظيفة عالية الأجر.
​فهي ليست مثل ليلى، صاحبة العلم والخبرة.
​حين التقت ياسمين بعينيه الفاحصتين، لم يعد لديها أي رغبة في التبرير.
​تراجعت خطوة إلى الوراء وقالت: "موضوع الطلاق، أتمنى أن تضعه في جدول أعمالك قريبًا."
​لم ترغب في جدال آخر. هي لم تأتِ إلا بسبب اختفاء رنا، والآن لم يعد الأمر مهمًا.
رأت رنا ووجودها ولم تُبدِ دهشة، مما يعني أن الفتاة تعمدت مضايقتها.
​وإن لم تعترف رنا، فلن يفيدها التفسير.

​كل ما تريده هو إنهاء إجراءات الطلاق بسرعة.
​لكن عمر توقف، وعيناه الداكنتان تحدقان بها بدهشة.
​وكأن الأمر فاجأه.
​لم تفهم ياسمين سبب دهشته، ألم تصله نسخة من اتفاق الطلاق؟
​تركت كلماتها وغادرت.
​فجأة، اصطدم بها نادل مسرع، فارتطمت كتفه بكتفها، وفقدت توازنها وسقطت إلى الخلف، حتى استقرت في صدر عريض قوي.
​تسللت رائحة عطر خشبي مألوف إلى أنفاسها.
​ثلاث سنوات من القرب جعلتها تحفظ هذا العطر في أعماقها.
​رفعت رأسها وقالت: "آسفة، لم أقصد..."
​لكن عمر، وقد شم رائحة دواء خفيفة، عبس وسأل: "أأنتِ مريضة؟"
​انقبض قلبها. إن علم عمر بأنها مصابة بالسرطان، فلن يساعدها على إخفاء الأمر بسبب قسوته وقلة وفائه تجاهها.
​وحين يسأل أهلها وجدتها عن سبب الطلاق، قد يقول ببساطة إنها لن تعيش طويلاً ولا يريد أن يتحمل عبئها.
​"إن لم تذهبي إلى المستشفى، فما الفائدة من مجيئكِ إلي؟" أدهشت كلماته الهادئة ياسمين، تجمدت ياسمين في مكانها.
​حتى لو لم تعد تهتم، كلماته جرحتها أيضًا.
لم يترك عمر فرصة للرد، فارتسمت على شفتيه ابتسامة خفية بسبب تصرفها وأضاف: "أنتِ بارعة في تمثيل لعبة الجذب والابتعاد."
​لم تمضِ سوى لحظات على هروبها من البيت وتظاهرها برغبتها في الطلاق، حتى عادت لتفاجئ الجميع بهذا التصرف.
​تجمدت ياسمين.
​أدركت أن عمر قد أساء فهمها مرة أخرى.
​أرادت أن تشرح، لكنه قد دفعها وهو عابس، ثم استدار وعاد إلى الداخل.
​شعرت ياسمين بضيق في صدرها، حتى أن أحمر شفاهها تلاشى تحت أسنانها، كاشفًا عن شفتين شاحبتين. بدأ أسفل بطنها يؤلمها.
​أرادت أن تغادر بسرعة، دون أن تُظهر ضعفها.
​لكنها عبرت بجانب رجل ضخم البنية، ألقى نظرة عليها مبتسمًا ابتسامة غامضة، ثم قال: "من كان غبيًا، فليقرأ أكثر."
​عقدت ياسمين حاجبيها، لكن الرجل لم يمنحها فرصة للرد، إذ دخل مباشرة إلى الغرفة.
​كان هذا الرجل إياد النصري، أحد أصدقاء عمر.
​ومن الواضح أنه رأى المشهد قبل قليل، فظن أنها ألقت بنفسها على عمر، وأنه بدوره دفعها بازدراء.


عندما عاد عمر إلى الغرفة، كان وجهه الوسيم البالغ الدقة باردًا للغاية، فعرفت ليلى أنه لم يتفاهم مع تلك ياسمين، كما أن ضيقه من ياسمين لم يحاول إخفاءه.
​أما رنا فبدت شاردة الذهن قليلاً، وقالت: "أخي، هل قالت لك شيئًا؟ مثلاً كلامًا سيئًا عني..."
​رفع عمر نظره إليها وسألها: "هل فعلتِ ما أغضبها؟"
​أجابت وهي تمسك عصيرها بتذمر: "لا طبعًا، أنا لست متفرغة لهذا الحد!"
​دخل إياد، وألقى نظرة على عمر، لكنه لم يعلّق على ما حدث قبل قليل في الخارج، حتى لا تكون ليلى غير سعيدة، فليس سهلاً على أي امرأة أن ترى امرأة أخرى تلقي بنفسها في أحضان رجلها.
​ضحك فارس وقال: "لماذا تسأل أختك؟ المسألة أن ياسمين تجاوزت الحدود، بل حتى تبعتك إلى هنا. قبل أن تثير المشاكل، كان عليها أن تعرف قدر نفسها."
​أشعل إياد سيجارة وقال: "من الواضح أنها حتى لو طلبت الطلاق، فلن تكف عن ملاحقتك. عليك أن تكون مستعدًا نفسيًا يا عمر."
​لم يرد عمر، بل ظل وجهه باردًا، ثم صب فنجان شاي لليلى.
​اكتفت ليلى بابتسامة هادئة، لم تُعلّق ولم تُبدِ موقفًا، وكأن الأمر لم يستحق اهتمامها.
​أما رنا، فشعرت للحظة بالذنب، لكنها سرعان ما غيرت تفكيرها.
​حتى لو لم يكن بسببها، فإن ياسمين بطبعها المتذلل، كان من الممكن أن تفعل مثل هذا وتأتي بنفسها.
​فلماذا تبرر إذن؟
​أليست ياسمين امرأة بلا قيمة في الأصل؟
هل يهم إن أساء الآخرون فهمها أم لا؟

​بهذا التفكير، ارتاحت رنا واطمأنت، ثم عادت تتحمس في الحديث مع ليلى عن أحوال جامعة الجمال.
​حددت ياسمين موعدًا مع طبيبها المعالج يوم الاثنين المقبل لمناقشة خطة العلاج التحفظي.
​وفي صباح الجمعة، أرسلت سارة لها رسالة تخبرها أن وائل سيحضر بعد الظهر مسابقة التحكم في الطائرات دون طيار.
​وكان من المفترض أن تحضر سارة بصفتها أحد كبار المساهمين، لكنها أعطت بطاقة الدعوة لياسمين، لتمنحها فرصة للقاء وائل وتخفيف التوتر بينهما.
​تأثرت ياسمين وشعرت بالذنب.
​لقد أخطأت في الاختيار، وأضاعت وقتًا طويلاً وخيبت آمال الكثيرين، فضميرها لم يكن مرتاحًا.
​في العاشرة صباحًا، قدّمت طلب استقالتها، وكان عليها أن تجهز لتسليم مهامها.
​فهي رأت أن هناك من هو مناسب ليحل محلها في قسم العلاقات العامة، فسلمت له كل ما يخص عملها بلا تحفظ.
​قال نائب المدير بأسف: "المديرة ياسمين، هل أنتِ حقًا راحلة؟"
​"نعم."
​كان النائب معجبًا بها، فهي رغم برودها الظاهر، إلا أنها إنسانة طيبة. فسألها: "كنتِ متعبة في الفترة الأخيرة، هل أجريتِ فحوصات؟ هل رافقكِ زوجكِ؟"
​ترددت قليلاً وقالت: "أجريت الفحوصات، لا شيء خطير."
​لكنها لم تذكر شيئًا عن مرافقة زوجها، فهي تعلم أنه حتى لو كانت على شفير الموت، فلن يتكلف عمر عناء الاهتمام بها.
​ابتسم النائب براحة وقال: "ألم تكوني تحضرين الغداء لزوجكِ كل يوم؟ اليوم لن تذهبي؟ الجميع في القسم يعرف أنها الزوجة المثالية.

​كانت تقول إن زوجها يعاني أحيانًا من ألم في معدته، ويصعب إرضاؤه في الطعام، لذلك كانت تطهو له بنفسها ثلاث وجبات يوميًا، وتحضرها له وقت الاستراحة.
​لكن لم يَرَ أحد منهم زوجها حتى الآن.
​أي حظ سعيد جعله يتزوج بامرأة مثالية مثلها!
​لمع بصر ياسمين للحظة وقالت: "لا، لن أذهب."
​ولن تذهب بعد اليوم.
​لم يفكر النائب المدير كثيرًا، بل غير الموضوع وقال بإعجاب: "وجود زوج جيد يمنح الطمأنينة. أما أنا الآن، فأشعر بأن لكل إنسان قدره المختلف. ليلى، هل تعرفينها؟ انظري إلى هذه الصورة؟"
​خفضت ياسمين رأسها لتنظر إلى الهاتف.
​في الصورة كان عمر يمسك بيد ليلى، وفي الصورة التالية كان يحملها بين ذراعيه غير مبالٍ بنظرات الآخرين.
​قال النائب: "ليلى كانت ترتدي حذاءً ضيقًا، فما كان من السيد عمر الراسخي إلا أن حملها فورًا إلى الأعلى، وكأنها كنزه الثمين. أليست هذه هي الأميرة المدللة بحق؟"
​وأضاف: "من في الشركة لا يغبط ليلى؟ جميلة، متفوقة، تتنافس عليها شركات عالمية، وفوق كل ذلك، لديها رجل قوي مثل السيد عمر الراسخي يمهد لها الطريق. أعتقد أنها ستصبح قريبًا سيدة شركة الأفق الأزرق! للأسف أنكِ سترحلين، وإلا لكان بإمكاننا أن نظهر أمامها لنكسب ودها."
​الآن، صار جميع موظفي شركة الأفق الأزرق يعتبرون ليلى بمثابة السيدة المستقبلية للشركة بالفعل.
​فالجميع يرى بوضوح أن عمر لا يخفي أبدًا تفضيله لها.
​خفضت ياسمين بصرها، وذهبت إلى دورة المياه لتصلح مكياجها وتخفي شحوب وجهها.
لم ترد أن تضيع الوقت.

​وبما أن طلب الاستقالة لم يُعتمد بعد، صعدت بالمصعد إلى الطابق العلوي.
​التقت بكريم هناك بالصدفة.
​فسألته: "أين عمر؟"
​تجهم كريم وقال: "هل جئتِ مرة أخرى لإحضار الطعام؟ لم يحن وقت الاستراحة بعد! ألم أقل لكِ يا مديرة ياسمين ألا تزعجي السيد عمر الراسخي إلا للضرورة؟"
​وسرعان ما أدركت ياسمين سبب نفاد صبر كريم تجاهها.

خرجت ليلى من مكتب عمر، فتقدّم إليها باقي السكرتيرات باحترام، إحداهن حملت حقيبتها وقالت:
​"الآنسة ليلى، السيد عمر الراسخي بانتظاركِ في المطعم لتناول الغداء معه، وقال إنكِ حين ترتاحين سنرافقكِ إليه."
​ثم قدّمت لها كوب قهوة وأضافت: "هذه قهوة حضّرها السيد عمر الراسخي لكِ، لتشربيها في الطريق."
​ابتسمت ليلى ابتسامة رقيقة وهادئة، وتقبّلت ذلك الاهتمام وكأنها معتادة عليه.
ثقتها بنفسها وهدوؤها جعلاها تبدو وكأنها بالفعل صاحبة المكان.
​الجميع عاملها كأنها السيدة الراسخي.
​أما ياسمين فقد بدت متفاجئة.
​مكتب عمر المليء بالملفات السرية، فتحه ليلى لتستريح فيه، واعتنى بأدق التفاصيل.
بينما في البيت، حتى مكتبه الخاص، لم يسمح لها بالدخول طوال ثلاث سنوات.
​الحب أو عدمه... أحيانًا لا يحتاج إلى تأكيد متكرر.
​أبدى كريم امتعاضه من قلة فطنة ياسمين، فنبهها: "المديرة ياسمين، لو سمحتِ ابتعدي قليلاً، أنتِ تحجبين طريق الآنسة ليلى."
​عضّت ياسمين على شفتيها، ورغم أنها لم تعد تكترث، إلا أن هذا التفاوت في المعاملة وخز قلبها، مذكّرًا إياها بأنها قضت ثلاث سنوات دون أن تُرى أو تُقدّر.
​خفضت رأسها وتراجعت جانبًا، ثم التفتت إلى كريم قائلة: "إذا أنهى عمر عمله، هل يمكنك أن تذكره من فضلك أن يوافق على طلبي بالاستقا..."
"عمر؟"

​عندما وصلت ليلى إلى باب المصعد، بدا وكأنها لم تنتبه إلى وجود ياسمين إلا بعد سماعها تلك الكلمة.
​نظرت إليها بهدوء وسألت وكأنها تفكر: "هل هي أيضًا موظفة في الشركة؟"
​تجهم وجه ياسمين قليلاً، فليلى تعرف من هي، لكن ربما لا تدري أنها تعمل في شركة الأفق الأزرق.
​تقدّم كريم وقال: "نعم، هي المديرة ياسمين من قسم العلاقات العامة."
​أعادت ليلى نظرها، وقالت ببرود: "ليس غريبًا إذن."
​ليس غريبًا أن قسم العلاقات العامة لم يرغب في التعامل مع أزمتها الإعلامية.
وحين عرفت أنها ياسمين، بدا الأمر منطقيًا.
​ثم سحبت نظراتها جانبًا، ابتسمت بخفة وقالت: "يبدو أن أجواء شركة الأفق الأزرق مريحة جدًا، حتى إن الموظفين ينادون الرئيس باسمه مباشرة."
​كانت كلماتها موجهة إلى الجميع، لم تكن موجهة لياسمين بالتحديد.
​تغيّر وجه كريم قليلاً.
​أما ليلى فدخلت المصعد غير عابئة بالموضوع.
​لكن كريم، قبل أن تُغلق الأبواب، التفت نحو ياسمين وقال: "ألا تعرفين الأصول يا مديرة ياسمين؟ شركة الأفق الأزرق ليست ورشة صغيرة. رجاءً توقفي عن هذه التصرفات، فمناداتكِ المستمرة باسم السيد عمر الراسخي قد توحي للآخرين أن بينكما علاقة خاصة!"
​ثم أضاف: "من الآن فصاعدًا، ناديه بالسيد عمر الراسخي! إلا إذا كنتِ ترغبين فعلاً أن تُطردي!"
​تجهم وجه ياسمين. في الماضي، كانت تلبي كل ما يطلبه عمر، حتى صار لا يأخذ طلب استقالتها على محمل الجد، ولا أحد من حوله أيضًا.
كانوا جميعًا يظنون أنها فقط تحاول لفت انتباهه.

​أما ليلى، فلم تضعها في حسبانها قط.
​ولم تخف يوماً من أن تفضح العلاقة أمام الآخرين، ولماذا؟ لأن ثقتها نابعة من كونها هي المحبوبة!
​حتى لو افتضح الأمر، فلن تكون الفضيحة إلا عليها هي، "التي صعدت إلى السرير لتفرض الزواج" و"التي فرّقت بين عاشقين"!
​بعد الظهر.
​جمعت ياسمين أغراضها، ولم تنتظر قرار عمر.
​سبقت الجميع ووصلت قبل الخامسة إلى موقع مسابقة التحكم بالدرونز.
​وبفضل بطاقة الدعوة من سارة، دخلت بسهولة.
​وكان حظها جيدًا، فما إن دخلت حتى رأت وائل محاطًا بمجموعة من الشخصيات البارزة.
​حين وقعت عيناه عليها، تغير وجهه فجأة، وتجاهلها كأنه لم يرها، واستمر في حديثه مع الحاضرين.
​ترددت ياسمين ولم تجرؤ على الاقتراب حتى لا تزعجه.
​تجولت قليلاً في المكان، فالمسابقة كانت ضخمة، وحضرها كبار الشخصيات في المجال.
​أما وائل، كأصغر نجم صاعد في مجال التكنولوجيا المبتكرة، فكان محط الأنظار.
​شعرت ياسمين بالفرح لأجله.
​بعد نصف ساعة تقريبًا، تعبت ولم تعد كما كانت من قبل، فاضطرت للجلوس قليلاً.
​وفجأة توقفت أمامها حذاء جلدي لامع. رفعت رأسها لترى وائل واقفًا بوجه متجهم وعينين غاضبتين، وقال ساخرًا:
"هاه؟ أسيرة الغرام لم تعد منشغلة بحبها الأعمى؟ هل قررتِ تغيير مهنتكِ؟"

"آسفة..." قالت ياسمين فجأة وقد امتلأت عيناها بالدموع.
​غضب وائل بشدة، لكنه حين رأى حالها رقّ قلبه وقال: "على ماذا تعتذرين؟ ثلاث سنوات وأنتِ غارقة في أوهامكِ! إن كان هناك اعتذار، فليكن لمن علّقتِ قلبكِ بها!"
​شعرت ياسمين برغبة في البكاء والضحك في آنٍ واحد.
​وائل في الحقيقة كان يعلم أن ياسمين ستأتي.
​فسارة صاحبة اللسان الطليق لم تستطع كتمان السر، وأخبرته مسبقًا.
​قال وائل وهو يتنهد: "لم يفت الأوان بعد. ما دمتِ قد استوعبتِ الأمر، فمتى ما قررتِ البدء من جديد، فهو الوقت المناسب. بقدراتكِ، أي شركة ستفتح لكِ أبوابها. وجودكِ في شركة الريادة شرف كبير لها."
​فقد كانت موهبة ياسمين سببًا في أن يتم اختيارها بشكل خاص إلى معهد الأبحاث في الماضي.
​لم يكن ينبغي لها أن تُهمل أو تُدفن مواهبها.
​الدرونز الشهيرة يو إن الثاني التي أبهرت العالم لسنوات، ظن الجميع أنها ثمرة أبحاث غيرها، توافد الكثيرون على شركة الريادة حتى ازدحمت أبوابها. بينما في الحقيقة كانت ياسمين قد وصلت إلى هذا المستوى وهي في العشرين من عمرها، وحتى اليوم لم يستطع أحد أن يتجاوز إنجازها.
​لقد منحت الآخرين سنوات طويلة ليلحقوا بها، لكنهم ما زالوا متأخرين عن فكرها وتقنيتها المتقدمة.
​قالت ياسمين بصوت متردد: "أأنت موافق أن أذهب إلى شركة الريادة؟"
​ابتسم وائل بسخرية: "لقد وافقت سارة من تلقاء نفسها على انضمامكِ كشريكة تقنية، وأنا أريد أن أرى أي نقلة نوعية ستجلبينها للشركة. تباشرين يوم الاثنين!"
كانت كلماته قاسية، لكن قلبه لين، وياسمين تعرف ذلك جيدًا.

​ابتسمت بصدق، وكان ذلك أول ابتسامة حقيقية منذ زمن: "شكراً لك، وائل."
​أصدر وائل صوتًا ساخرًا، ثم استدار ليعود إلى تبادل المجاملات مع أولئك القوم.
​شعرت ياسمين وكأن صخرة ضخمة أُزيحت عن صدرها، وانفتح أمامها أفق جديد.
​حتى جسدها الذي كان مثقلاً بالتعب امتلأ بالطاقة.
​نهضت لتتفقد الدرونز في المعرض.
​وفجأة ساد بعض الاضطراب في المكان.
​رفعت رأسها، فإذا بعمر يدخل مع ليلى، يرافقهما فارس وإياد.
​بسبب مكانة عمر المرموقة، أثار حضوره ضجة كبيرة، وكثيرون أرادوا الاقتراب منه.
​لاحظت ياسمين كيف كان عمر يحمي ليلى ويحيطها بعنايته، فأشاحت بوجهها ولم تتابع النظر، ثم ركزت اهتمامها على تصميم مبتكر لدرون أمامها.
​إياد وفارس لاحظا وجود ياسمين، لكن عمر لم يلقِ عليها أي نظرة إضافية، فاطمأنا.
​هذه المرأة، ياسمين، مثيرة للاهتمام حقًا... حتى بطاقة الدعوة استطاعت أن تحصل عليها!
​كل ذلك فقط لتلفت انتباه عمر، حقًا تبذل جهدًا بالغًا.
​كانت ياسمين غارقة في تأمل تصميم الدرون البديع، وما إن عادت إلى وعيها حتى رأت إياد وفارس يقفان أمامها، بينما كان عمر يتقدّم نحو المكان برفقة ليلى.
​قال فارس ساخرًا: "أنتِ مجرد ربة بيت لا تعرفين سوى الطبخ والغسيل، ما الذي تفعلينه هنا؟ هل تعلمين كم هذه الأجهزة باهظة الثمن؟ هل تستطيعين دفع ثمنها إن أفسدتها براتبكِ الضئيل؟"
​حقًا أمر مثير للسخرية!
امرأة ريفية مثلها، تحاول التظاهر بأنها من النخبة؟

​أما إياد فاكتفى بنظرة ساخرة دون أن يتكلم كثيرًا، وابتسم ابتسامة مبطنة وهو يرمق ياسمين.
​إن كانت حادثة نادي البلياردو السابقة مجرد سوء فهم، فماذا عن هذه المرة؟
​لا يمكن لياسمين أن تكون خبيرة في الدرونز، أليس كذلك؟
​حتى ادّعاء المعرفة لن يُجديها، فمظهرها لا يوحي بأي منطق.
​قال فارس متابعًا: "يا آنسة ياسمين، أظننتِ أن مجرد حصولكِ على دعوة سيجعلكِ ذات قيمة؟ ليلى حاصلة على دكتوراه من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، لماذا لا تتعلمين منها بدل هذا التظاهر؟"
​وكأن اهتمامها بالدرونز مجرد وسيلة للفت انتباه عمر.
​وفي تلك اللحظة، اقترب عمر وليلى من المكان، وسمعا كلمات فارس.
​لم تُبدِ ليلى أي انفعال، بل بقيت هادئة، لكنها فهمت أن فارس يقصد أن ياسمين تقلدها.
​أما عمر فاكتفى بنظرة عابرة إلى ياسمين وقال: "صدفة."
​كانت لهجته هادئة محايدة، لكن ياسمين شعرت أن وراءها معنى أعمق.
​هل أساء فهمها هو أيضًا مثل فارس وإياد؟
​من الواضح أن عمر لم يرغب في التحدث معها علنًا حتى لا يثير الشبهات حول علاقتهما، فبعد أن قال تلك الكلمة أخذ ليلى معه نحو ساحة العرض.
​وعند مرور فارس بجانبها قال: "تعالي وشاهدي كيف ستقود ليلى الدرون، على الأقل ستعرفين أين خسرتِ المنافسة."
​أما إياد فاكتفى بأن وضع يده في جيبه، وكأنه لا يكتثر لإضاعة المزيد من الكلام مع ياسمين.
​تلك الجهة.
دخلت ليلى إلى الساحة.
​وما إن بدأت حتى دوى التصفيق في القاعة كلها.
​ابتسمت ليلى بخفة، ورفعت حاجبها نحو عمر، فبادلها بابتسامة هادئة.
​وكان هذا التفاعل البسيط بينهما كافيًا لإشعال حماس الجمهور أكثر.

حصلت ليلى على رخصة قيادة الدرونز، وأصبحت تتحكم بها بسهولة تامة.
​فازت بتصفيق حار في كل مرة.
​متميزة وواثقة بنفسها.
​ليس غريبًا...
أن يقع عمر في حبها من النظرة الأولى.
​امرأة مثلها تملك حقًا ما يجذب الرجال.
​كانت ياسمين ترى بموضوعية أن ليلى تملك جاذبية شخصية، فهي لطيفة، متزنة، تربّت بعناية منذ طفولتها، ذكية وطموحة، وتتمتع بجمال كافٍ.
​أينما ذهبت، كانت محط الأنظار.
​لكن...
كل ما حصلت عليه ليلى، كان مسروقًا.
​كانت والدة ليلى صديقة لوالدتها قديمًا، وبما أن والدة ليلى لم تكن من عائلة ميسورة، فقد تكفلت والدتها بمصاريف دراستها ومساعدتها لإكمال الماجستير.
​لكن في النهاية...
سرقت والدة ليلى البحث الأكاديمي الذي كتبته والدتها خلال عامين ونشرته باسمها.
​استولت على جهد والدتها، وارتحلت على حسابها، ثم سافرت بعد الحمل وتزوجت من رجل ثري أجنبي.
​واليوم، ليلى تعيش حياة براقة، لا تفعل شيئًا، وكل ما هو بحق ياسمين يأتيها بسهولة.
رمشت عينا ياسمين ببرود، وغمرها شعور بالسخرية.

​بعد أن أنهت ليلى عرضها المتميز، اندفع الصحفيون نحوها ونحو عمر لإجراء مقابلة.
​كانت ياسمين واقفة في الوسط، فمرّ بها الصحفيون وارتطموا بها أكثر من مرة.
​امرأة مغمورة مثلها لم يكن لها فرصة لتفاديهم، فتعثرت وكاد كاحلها يؤلمها بشدة.
​تماسكت بصعوبة.
​ثم سمعت أحد الصحفيون يسأل: "الأجواء بينكما مميزة جدًا، هل هناك خبر سار قريبًا؟"
​رفعت ياسمين رأسها.
​كان عمر يحمي ليلى بذراعه، مانعًا الصحفيين من لمسها، وعيناه الباردتان تشعان بالهيبة: "من فضلكم، لا تلمسوها."
​امتلأت وجوه الصحفيات بالانبهار.
​"السيد عمر الراسخي يهتم بالآنسة ليلى كثيرًا، هل تفكران بالزواج؟ أنتما حقًا ثنائي مثالي!"
​ولم تعرف ياسمين إن كان مجرد وهم، لكنها شعرت أن عمر ألقى نظرة خاطفة نحوها.
​ماذا كان يقصد؟
​هل يحذرها أن "تلتزم حدودها"؟
​كانت تتحمل ألم كاحلها الذي يشبه وخز الإبر، والألم يمتد حتى بطنها، فعضت شفتيها وحاولت الانسحاب.
​لكن أحدهم أمسك ذراعها.
​التقت بعيني إياد المليئتين بالتحذير، وقال لها: "ماذا تنوين فعله؟ أنصحكِ ألا تثيري المشاكل، مجرد مقابلة صحفية لا أكثر، فلا تحاولي تشويه صورة ليلى وتجعليننا جميعًا في موقف حرج."
تجمدت ياسمين.
​ثم أدركت...
2

​هو يظن أنها ستندفع لتفصل بينهما وتثرثر بكلام عشوائي أمام الكاميرات؟
​شحب وجهها، وازدادت ملامحها برودة، فانتزعت ذراعها بعنف من قبضته.
​نظرتها القاسية كانت كالسهم النافذ.
​لم تجد حتى ما يستحق أن تقوله له، فاستدارت وغادرت بخطوات ثابتة وعنيدة.
​ظل إياد واقفًا يحدق في ظهرها النحيل والمستقيم، مذهولاً.
​ثم خفض رأسه ونظر إلى يده التي تركت أثرًا عاجزًا من ملمس بشرتها الناعمة، فشعر بجفاف في حلقه دون سبب.
​لكن تلك النظرة الصادرة عنها كانت باردة جدًا... كأنها...
اشمئزاز.
​على مدى ثلاث سنوات، كانت دائمًا لطيفة مع هذه الدائرة من الناس، تحاول كسب ودهم، أما الآن، فقد تغيرت تمامًا.
​هل كان مخطئًا في حكمه؟ أم أن ياسمين فقدت عقلها؟
​"ما الذي يلفت انتباهك هكذا؟" جاء فارس وربت على كتفه.
​استفاق إياد من شروده، عقد حاجبيه وقبض أصابعه: "لا شيء، هيا بنا."
​ربما هذا مجرد أسلوب جديد من ياسمين!
​أخرجت ياسمين من حقيبتها زجاجة دواء بلا ملصق، ابتلعت حبة وطعمها المر جعلها تعبس.
ازدادت آلام بطنها، فاضطرت للانحناء قليلاً.
لحسن الحظ أنها لم تكن تقود السيارة اليوم، فأرسلت رسالة إلى وائل تخبره وغادرت.
​الأدوية المحلية لم تعد فعالة معها، فهي بحاجة إلى دواء مستهدف من الخارج ليستقر وضعها الصحي. وبعد أن تواصلت مع الطبيب لتأكيد الدواء، تناولت مسكنًا للألم، ثم غطت نفسها بالبطانية ونامت حتى ظهر اليوم التالي.

​أيقظها رنين هاتفها المتواصل.
​نظرت إلى الشاشة، فإذا هي جدة عمر الراسخي. تأكدت أن صوتها لا يبدو مريضًا، ثم أجابت:
"جدتي؟"
​كان صوت العجوز مفعمًا بالفرح: "يا حبيبتي، كيف كان يومكِ مع عمر في جبل الصفاء؟"
​"جبل الصفاء؟" ردت ياسمين بحيرة.

"ألا تعلمين؟" أدركت جدة عمر الراسخي على الفور أن هناك أمرًا غير طبيعي، فغضبت قائلة: "قبل الأيام حجزت لكما إجازة لمدة يومين في جبل الصفاء، وسألت عمر البارحة فقال إنه أعطاكِ التذاكر."
​تفاجأت ياسمين، إذ أن عمر لم يخبرها بشيء.
من الواضح أنه لا يريد الذهاب معها، بل خدع الجدة ليتخلص من الأمر.
قالت بتردد: "جدتي، أنا فقط لدي أمر طارئ، لذلك..."
قاطعتها الجدة: "اليوم عطلة نهاية الأسبوع! ما الذي قد يشغلكِ؟ لا تدافعي عن ذلك الولد العنيد. هكذا، يا ابنتي، اذهبي الآن، فقد رتبت لكما كل شيء، وسأكلمه بنفسي."
حاولت ياسمين أن تعترض: "جدتي، في الحقيقة أنا وهو قد..."
سألتها الجدة بلطف وقد هدأ صوتها: "ماذا بكما؟"
من الواضح أن الجدة لم تعلم بعد بأمر طلاقها من عمر.
أيعقل أن عمر لم يخبر عائلة الراسخي؟
وإلا فلماذا رتبت لهما هذه الرحلة؟
شعرت ياسمين بالضيق.
الجدة ضغطها غير مستقر وقلبها ضعيف، ربما أراد عمر أن يختار وقتًا مناسبًا ليخبرها تدريجيًا.
إن كان الأمر كذلك، فإن أفصحت هي الآن، قد تصاب الجدة بصدمة لا تُحتمل. لم ترد أن تكون هي السبب.
على أي حال، أوراق الطلاق موقعة، ولم يبقَ سوى استلام الوثيقة الرسمية، وسيكون هناك وقت لاحق لتتقبل الجدة الأمر.
​فكرت مليًا ثم قالت: "لا شيء، يا جدتي، سأتوجه إليه الآن، لقد أخبرتني بالفعل."
ما يهمها فقط أن تهدئ من قلق الجدة، ولم تكن تنوي الذهاب حقًا.
لكن الجدة قالت: "سأرسل لكِ سيارة لتوصلكِ، السائق يعرف الطريق جيدًا."
وأضافت بحماس: "أنتما زوجان شابان، تحتاجان إلى بعض التجديد. استغلا هذه الأيام لتقوية علاقتكما، وتأمل أن تبشريني في نهاية العام بحفيد جميل!"
لم تترك لها فرصة للاعتذار، وأغلقت الهاتف لتبدأ الترتيبات.
وضعت ياسمين يدها على جبينها، تشعر بالانزعاج من الأمر.
هي تعرف ما تفكر به الجدة؛ ثلاث سنوات من الزواج والجميع يرى أن علاقتهما بعمر فاترة، والأهم أنه لم يأتِ طفل، وهذا أمر يصعب على الكبار تقبله.
لذلك، كانت تحاول طوال هذه السنوات أن تؤدي واجبها تجاه عائلة الراسخي، فكانت تجتمع مع عمر في فترة التبويض كل شهر.
أما في غير ذلك، فلم يكن لديه أي رغبة في الاقتراب منها.
كان عمر قوي البنية، في تلك الفترة كان يصر على ثلاث مرات كل ليلة تقريبًا، حتى ساعات الفجر.
أما هي، فكانت بالكاد تحتمل.
ومع ذلك، لم يحدث حمل.
كانت تظن سابقًا أن السبب هو إصابة قديمة في الرحم جعلت الحمل صعبًا، وكانت تأمل أن العلاج سيحل الأمر.
لكن بعد أن تم تشخيصها بسرطان الرحم، انطفأت آخر آمالها.
لم تتأخر الجدة في إرسال السائق، فاتصل بها سريعًا. أعطته ياسمين عنوان السوق القريب من منزلها، وأخفت عنه أنها تعيش منفصلة عن عمر.
فهي لا تعرف ما خطط له عمر بشأن الطلاق، وأرادت أن تتصرف بحذر.
ركبت السيارة، ولم تتواصل مع عمر.
فكرت: بما أنه لم يخبرها، فهذا يعني أنه لا يريد الذهاب معها، فكيف سيقبل أن يمضي وقتًا معها؟
الأفضل أن تذهب وحدها يومين، لتطمئن الجدة، وفي الوقت نفسه تستخي قليلاً.
جبل الصفاء مرتفع القمة، ويضم نُزُلاً سياحية، وبالقرب منه منتجع للتزلج، كما يمكن مشاهدة شروق الشمس على قمم الجبال.
أنهت ياسمين إجراءات الدخول، وحملت حقيبتها إلى غرفتها. لكنها فوجئت عند الباب برؤية شخصين عائدين للتو.
كان عمر وليلى يسيران جنبًا إلى جنب، يتحدثان ويبتسمان، وعيناهما تلمعان بالمرح.
ارتجف بصر ياسمين، وكأنها تلقت صفعة مفاجئة.
حين وقع نظر عمر عليها، أظلمت عيناه قليلاً، وظل وجهه متماسكًا بلا تعبير.
أما ليلى فابتسمت بخفة، وكأنها رأت مشهدًا مسليًا.
شعرت ياسمين بحرج لا يوصف.
ترى، بماذا يفكران عنها الآن؟
قالت ليلى دون أن تلقي التحية: "عمر، أين بطاقة الغرفة؟"
ناولها عمر البطاقة، فدخلت غرفتها المجاورة مباشرة، وتركت الباب مواربًا، بوضوح لتدعوه للحاق بها.
هل يسكنان في غرفة واحدة؟
التفت عمر إلى ياسمين وسأل: "هل جدتي هي من أخبرتكِ؟"
أجابت: "نعم."
قال ببرود: "ما رأيكِ أن تبدّلي الغرفة؟"
​رغم أن كلامه بدا سؤالاً، إلا أن نبرته كانت آمرة.
​فهمت ياسمين قصده، هو وليلى بجوارها مباشرة، وإن أرادا أن يعيشا لحظاتهما الخاصة، فوجودها كزوجة لم يكتمل طلاقها بعد سيكون مزعجًا لهما.
​أيعني أنها هي من تفتقر للذوق بحضورها هنا؟

"لا داعي، سأغادر الجبل الآن." قالت ياسمين، فلم تكن لديها رغبة في البقاء وإثقال الجو.
​لكن ما إن تحركت حتى أمسك عمر بمعصمها بيده الدافئة، والتقت عيناها بنظراته اللامبالية: "أنتِ ابقي، وسأبدل أنا الغرفة."
​تجهم وجه ياسمين وحاولت أن تسحب يدها، لكنه سبقها وأفلتها عمدًا ليترك مسافة بينهما: "إن غادرتِ الآن، سيكون من الصعب أن أشرح الأمر للجدة."
​فهمت ياسمين قصده، واتسعت عيناها بدهشة وعدم تصديق: "أتريدني أن أكون غطاءً لك مع ليلى؟"
​ليسهل عليه مواجهة الجدة؟
ماذا يظنها إذن؟
​أصلح عمر أزرار كمّه ببرود وهو يحدق بها: "لو لم تأتي من الأساس، لما حدثت هذه المشكلة."
​شعرت ياسمين بغصة تخنق صدرها.
إذن، هو يرى أن كل هذا ذنبها؟
​عضت شفتيها وقالت بصرامة: "حسنًا، لكن بشرط أن توافق فورًا على طلب استقالتي."
​ضيّق عمر عينيه قليلاً، وبدا وكأنه ابتسم ابتسامة غامضة: "موافق."
​لم تفهم ياسمين مغزى ابتسامته تلك.
​عادت مباشرة إلى غرفتها.
​أما بشأن ما رأته بينه وبين ليلى، فلم يكن غريبًا أن عمر لم يخبرها بأمر المجيء إلى جبل الصفاء، فالسبب أنه أراد أن يصطحب ليلى في نزهة رومانسية.
​لو علمت ذلك مسبقًا، لما جاءت أبدًا.
​ضغطت على جبينها، ورغم أنها لم تعد تكترث كثيرًا، إلا أن الضيق تسلل إلى قلبها.
​رتبت بعض الملابس في حقيبتها.
​ثم تصفحت أنشطة النزل، فوجدت أن لديهم إسطبل للخيول، مع موظفين يرافقون الزوار، فبدا الأمر ممتعًا.
​توجهت مباشرة إلى الإسطبل.
​وما إن وصلت حتى سمعت صوت امرأة رقيقًا مازحًا: "سامي! لا تقترب هكذا! يا لك من مشاكس!"
​رد الرجل بلهجة مستهترة مازحة: "الحصان يهتز، فهل هو ذنبي؟"
​توقفت ياسمين في مكانها.
​نظرت بذهول إلى الجهة الأخرى، حيث كان رجل وامرأة يركبان حصانًا واحدًا. كان يلف ذراعه حولها، ممسكًا باللجام بيد، وباليد الأخرى يرفع ذقنها ليقبلها.
​ربما كان نظرها واضحًا وأكثر من اللازم، فالتفت سامي نحوها، وعيناه عميقتان، وقظب حاجبيه لا شعوريًا.
​وكأنه ينزعج من مقاطعة لحظتهما الحميمة.
​شعرت ياسمين بطعنة في كرامتها.
​فقد اعتادت طوال أكثر من عشر سنوات أن يحميها سامي، أن يعاملها كأغلى ما لديه، لم يجرؤ يوماً أن يقسو عليها بكلمة.
​أعطاها حبه لسنوات طويلة، وكان أول رجل أحبته.
​حتى حين حدثت قضية سامي قبل ثلاث سنوات، وافقت على الزواج من عمر مقابل شرط حتى حين حدثت قضية سامي قبل ثلاث سنوات، وافقت على الزواج من عمر مقابل شرط...
​حتى حين حدثت قضية سامي قبل ثلاث سنوات، وافقت على الزواج من عمر مقابل شرط محمود لتخفيف عقوبة سامي، فقط لتساعده على الخروج أسرع.
​ورغم أنها تجاوزت كل ذلك، إلا أن سامي ظل بالنسبة لها أقرب الناس، أما الآن، فقد أصبح باردًا، منجرفًا، وكأنها لا تعني له شيئًا.
​فما الذي كان حقيقيًا إذن؟
​ثلاث سنوات مع عمر، ولم تستطع أن تكسب قلبه.
أما سامي، الذي كان يحبها بصدق... فهل تبدّل هو الآخر؟
هل يمكن أن يذبل الحب، وحتى رابطة الأخوة تتغير؟
​أدارت وجهها، ولم تلقِ التحية، وهمت بالرحيل.
​لكن نور لمحتها: "ياسمين؟ أنتِ هنا أيضًا؟ هيا تعالي لنتعشى معًا، صديقي ليلى مع حبيبها هنا كذلك."
​تفاجأت ياسمين للحظة.
إذن نور تعرف ليلى.
وهذا يعني أن سامي يعرف تمامًا مدى بؤس زواجها.
​لكن لا أحد يهتم بما تعانيه كزوجة لعمر.
​"لا، شكرا. لقد تناولت الطعام." تبدّل مزاجها فجأة إلى السوء، ثم استدارت وغادرت.
​تأملت نور وجه ياسمين بقلق، ثم دفعت سامي بخفة: "أختك يبدو عليها التعب، هل هي مريضة؟ ألا تذهب للاطمئنان عليها؟"
​أجاب سامي بلا مبالاة: "إنها كبيرة بما يكفي، ولن تموت. لماذا كل هذا الدلال؟"
​استغربت نور: "لماذا تعاملها ببرود هكذا؟"
ابتسم سامي ساخرًا: "إنها مجرد أخت عادية. قضيت ثلاث سنوات في السجن، ولم تزرني سوى...

​أنتِ ورؤى. فمن الأجدر أن أكون مخلصاً لهما؟ أظن أنني أعرف الجواب."
​احمرّ وجه نور خجلاً: "على الأقل لديك بعض الوفاء..."
​لم تغادر ياسمين غرفتها بعدها.
​كانت تشعر بعدم الارتياح كلما صادفت أي ثنائي.
​فهي زوجة أحدهم، وأخت بالنسبة للآخر، وكانت يومًا الأقرب إليهما.
أما الآن، فقد أصبحت منبوذة.
​فلماذا تعذب نفسها؟
​تجاهلت الأمر، وقضت ساعتين تتصفح منتدى للدرونز، ثم تناولت دواءها ونامت حتى الصباح.
​قررت أن تغادر الجبل اليوم.
​وعند الثامنة صباحًا، فتحت باب غرفتها.
​لتتفاجأ بباب الجناح المقابل يُفتح، ويخرج منه عمر برفقة ليلى...

غيّر عمر الغرفة فعلاً، ومنذ الصباح الباكر خرج مع ليلى ودخلا معًا، مما يعني أن الاثنين قضيا الليلة الماضية في غرفة واحدة.
​شعرت ياسمين فجأة بغثيان.
​ابتعدت عنهما مسرعة وعادت إلى غرفتها، هرعت إلى الحمام محاولة أن تتقيأ شيئًا، لكن في النهاية لم يخرج شيء.
​مؤخرًا، شهيتها ضعفت كثيرًا، ربما حالتها أسوأ مما كانت تظن؟
​نظرت ياسمين إلى انعكاسها في المرآة، شاحبة منهكة، فغمرها شعور بالبرد.
​الإنسان ضعيف جدًا.
​لكنها حمدت الله أنها لم تصل بعد إلى نقطة اللاعودة قبل أن تستيقظ من غفلتها.
​ما زال أمامها وقت لتستعيد نفسها من جديد.
​أعادت ياسمين وضع بعض مساحيق التجميل لتبدو أكثر حيوية.
​وطلبت من موظفي النزل أن يرتبوا لها سيارة للنزول من الجبل، فإذا باتصال من جدتها من جهة الأم.
​جدتها امرأة جادة لا تعرف المزاح، فقدت زوجها مبكرًا، وكرّست حياتها لتربية أبنائها.
​ومنذ وفاة والدة ياسمين، ازدادت صمتًا، لكنها ظلت تهتم بياسمين أكثر من أي شيء.
​"جدتي؟" قالت ياسمين بعد أن بللت حلقها لتخفي أي أثر لاضطرابها.
​"هل تناولتِ فطوركِ؟" سألت الجدة قمر بلهجة مليئة بالحنان.
​ابتسم قلب ياسمين: "أتناوله الآن، هل اشتقتِ إليّ يا جدتي؟"
ضحكت الجدة قمر بخفة: "ليس هناك أمر مهم، لكني نسجت لكِ ولعمر وشاحين من الصوف. الجو يزداد برودة، وما يُحاك باليد يكون أدفأ. متى ستجدان وقتًا لتأتيا وتأخذاهما؟ وفي نفس الوقت تتناولان الغداء عندي، سأعد لكِ ضلوع اللحم بالمشمش المجفف."

​خفضت ياسمين عينيها: "جدتي، لا تتعبي نفسكِ."
​"الأمر مختلف يا ابنتي، جدتكِ تعرف أن حياتكِ في تلك العائلة الثرية ليست سهلة، وما أستطيع أن أقدمه لكِ قليل جدًا. لكن على الأقل أبذل جهدي. كوني طيبة مع عمر، فإذا كان عنده ذرة ضمير سيعاملكِ كما تستحقين، أليس كذلك؟"
​امتلأت عينا ياسمين بالدموع، فمسحت زاوية عينها بإصبعها: "هو... مشغول هذه الأيام، ربما..."
​"دائمًا يوجد وقت لتناول وجبة، اجعليه يأتي في الأيام القادمة."
​الجدة لم ترَ ياسمين وعمر منذ فترة طويلة، ولا شك أنها مشتاقة.
​فكرت ياسمين قليلاً ثم وافقت: "حسنًا، سأحاول."
​خطر ببالها أن موضوع الطلاق بينها وبين عمر يجب أن يُصارحا به الجدة، لكن بطريقة هادئة، كفراق بالتراضي.
​ففي نظر الكبار، حتى أعظم المشاكل تحتاج إلى سبب واضح.
​لم ترغب أن تعرف الجدة أن عمر خانها، حتى لا تنفعل وتُصاب بضرر. الأفضل أن يقال إنهما غير منسجمين.
​وهذا الأمر يجب أن يتولى عمر بنفسه شرحه للجدة.
​ترددت ياسمين قليلاً، ثم خرجت من غرفتها.
​حين وصلت إلى باب غرفة عمر، وجدت الباب غير مغلق.
​اقتربت محاولة طرق الباب، لكن من خلال الفتحة رأت ليلى ترفع رأسها لتحتضن عنق عمر بذراعيها، وهو يضع يده بخفة على خصرها، ويُميل رأسه كأنه يقبلها...
تجمدت ياسمين في مكانها، وعينيها تلمعان بالذهول.
​وفجأةً دُفعت بقوة، فارتطم رأسها وشعرت بالدوار وكادت أن تسقط.
1

​"أما عندكِ حياء؟ تتجسسين على خصوصيات الناس؟!"
​ظهرت رنا فجأة، وملامحها الغاضبة الجميلة مصوبة نحو ياسمين، وكأنها ارتكبت ذنبًا عظيمًا.
​أحدث هذا الضجيج إزعاجًا لمن في الغرفة.
​خرج عمر وليلى سريعًا.
​نادرًا ما تعبس ليلى، لكنها هذه المرة عقدت حاجبيها ونظرت إلى ياسمين بصمت.
​"هل أعجبكِ المشهد؟" كانت ملامحه الوسيمة تحمل سخرية، وعيناه الباردتان تخنق الأنفاس.
​لقد غضب.
​لم يقل شيئًا صريحًا، لكن ياسمين شعرت بوضوح أنه يلومها.

شدّت أصابعها وقالت بهدوء: "لا أحد يتمنى أن يُصاب بشيء كهذا، أرجو أن يكون واضحًا للجميع."
​لم ترغب في التبرير، ورأت أنه لا داعي لذلك.
​كان عمر يحدق فيها بعمق، دون أن يظهر على وجهه أي انفعال.
​قالت رنا بنبرة معاتبة: "أنتِ تجادلين فقط، لو لم أُمسك بكِ متلبسة لما اعترفتِ أبدًا. هذا مزعج جدًا، نحن في نُزُل، وكل شيء من طعام وشراب وخدمة متوفّر، لماذا تتبعيتنا إذن؟ لا أحد بحاجة إليكِ."
​في السنوات الثلاث الماضية، كانت رنا تذهب في عطلة نهاية الأسبوع أو أثناء الإجازات إلى بيت أخيها لتجنب إزعاج والدتها، وكانت ياسمين تقوم بدور أشبه بالأم، ترعاها وتعتني بها.
​اعتادت رنا على ذلك، فظنّت تلقائيًا أن ياسمين هذه المرة أيضًا جاءت بحجة العناية بهم، لكنها في الحقيقة تثير المتاعب.
​"ما الأمر هنا؟" خرجت نور وسامي واحدًا تلو الآخر.
​ألقى سامي نظرة على ياسمين التي بدت وحيدة بلا سند، ثم ابتسم: "السيد عمر الراسخي، لماذا الأجواء متوترة هكذا؟"
​رنا رغم صغر سنها، لكنها تفهم الإشارات. عرفت أن سامي بمثابة الأخ الأكبر لياسمين، فابتسمت بخجل ولم تقل شيئًا.
​أما ياسمين فقد أدركت أن سامي يحاول أن يفتح لها مخرجًا ويُنهي الموقف.
​لم تُبدِ ليلى رأيًا، بل التفتت إلى نور وقالت: "لنذهب لتناول الطعام."
​لم تهتم نور بالمشهد وغادرت مع ليلى.
​ابتسم سامي ابتسامة غير مبالية، وكأنه لم يلحظ حرج ياسمين: "السيد عمر الراسخي، تفضل بإنهاء شؤون العائلة، أما أنا فسأذهب لأرافق حبيبتي."

​لم يهتم حتى بأن عمر يجول في المدينة مع عشيقته، وكأنه غريب لا علاقة له بالأمر.
​أرادت رنا أن تقول شيئًا، لكن عمر ألقى عليها نظرة باردة جعلت عنقها ينكمش خوفًا، فهربت مسرعة.
​نظرت ياسمين إلى ظهر سامي وهو يبتعد لثوانٍ.
​"عمَّ تنتظرين؟" جاءها صوت عمر البارد، فأعادها إلى وعيها، رفعت رأسها لتقابل عينيه الغامضتين.
​قال بصوت خالٍ من أي شعور: "نتحدث قليلاً؟"
​أجابت بهدوء: "لم أكن أتجسس."
​قال: "حسنًا، أعطيني هاتفكِ." بدا وكأنه يصدقها.
​عقدت ياسمين حاجبيها: "لماذا؟"
​ألقى عمر نظرة خاطفة، ثم مدّ يده وسحب الهاتف من يدها، ثم ضغط بأصابعه الطويلة على الكاميرا ودخل مباشرة إلى الألبوم.
​تغير وجه ياسمين فجأة، واضطربت نفسها: "أتشك أنني قد أصوركما خلسة؟"
​هل كان يهينها؟
​تصفح عمر الألبوم، ولم يجد شيئًا مريبًا، فأعاد الهاتف إليها.
​عيناه السوداوان كانتا عميقتين وباردتين، وصوته الجاف جعلها تشعر بالمهانة.
​"قبل ثلاث سنوات استطعتِ أن تستدعي الصحفيين لتصوير مشهد على سريري، فما الذي قد تعجزين عن فعله؟"
​أدركت ياسمين أن عمر ما زال يحمل ضغينة لما حدث قبل ثلاث سنوات.
فهو يعتقد دائمًا أنها استغلت شكره وصعدت إلى فراشه بلا حياء، وأنها من استدعت الصحافة لتفضح الأمر، وأنها أجبرته على الزواج.

​ومهما حاولت أن تفسر، فكل كلامها بلا قيمة.
​لم يكن لديها أي دليل يبرئها.
​قالت بهدوء بعد أن تماسكت: "هل تخشى أن تُكشف علاقتك بليلى بشكل أكبر؟"
​نظر إليها عمر بازدراء: "هي مختلفة، نشر صور كهذه يسيء إلى سمعتها."
​الفرق بين ياسمين وليلى في نظره واضح.
​فهي في نظره، امرأة بلا كرامة استدعت الصحافة لتصوير فضيحة، أما ليلى، فهو يحمي سمعتها.
​لم يشأ عمر الاستماع إلى أي دفاع منها، ألقى عليها نظرة باردة ثم استدار وغادر.
​ابتسمت ياسمين بمرارة.
​وعند المنعطف، رأت سامي مستندًا إلى الحائط يدخن.
​لم تعرف كم سمع من حديثهما.
​رفع رأسه إليها وقال: "هل تشعرين بالظلم؟"
​تجمدت ياسمين، وشعرت للحظة أن سامي القديم قد عاد.
​نفض رماد سيجارته، وتحدث معها لأول مرة منذ خروجه من السجن: "توليتِ إدارة فرع شركة والد نور، وأعمل حاليًا على مشروع مع شركة عمر."
​سألته ياسمين بهدوء: "وماذا بعد؟"
​نظر إليها سامي، ولاحظ أنها تغيّرت. لم تعد تلك الفتاة الهادئة المطيعة، بل أصبحت قوية وحادة.
​قال بلهجة لا مبالاة: "فقط لا تحاولي أن تثيري غضبه."



تعليقات