رواية مصطفي وعايدة الفصل الاول بقلم رابطة العشاق
الفصل الأول: موعد خلف جدار الصمت
في قلب الإسكندرية القديمة، حيث تفوح رائحة البحر الممتزجة بعبق القهوة المحوجة، كانت عايدة تقف خلف واجهة مكتبتها الصغيرة. عايدة فتاة رقيقة، ذات عينين بلون عسل الخريف، يختبئ خلف ملامحها الهادئة كبرياء حذر. لم تكن تبحث عن الحب؛ فقد علمتها الأيام أن القلوب الهشة تُكسر سريعاً وسط صخب الحياة.
بينما كانت ترتب بعض الدواوين الشعرية القديمة، رنّ جرس الباب النحاسي. دخل مصطفى.
مصطفى لم يكن غريباً تماماً عن الحي، لكنه كان يحمل هيبة الغائب العائد. مهندس بحري، قضى سنواته الأخيرة يصارع أمواج الغربة، بملامح حفرت فيها الشمس أثراً جذّاباً، وعينين ثاقبتين تبحثان دائماً عن مستقر. عاد إلى مصر حاملاً في قلبه رغبة واحدة: العثور على الدفء الذي افتقده في بلاد الصقيع.
اتجه مصطفى نحو الرفوف مباشرة، لكن عينيه لم تكن على الكتب، بل كانت تتبع حركات عايدة الهادئة.
"مساء الخير.. هل أجد لديكِ كتاباً يخبرني كيف يرسو المرء بعد طول إبحار؟" قالها مصطفى بنبرة صوت دافئة، تحمل مسحة من المزاح والدفء.
التفتت عايدة، وتلاقت أعينهما لأول مرة. شعرت بنبضة غريبة في قلبها، لكنها حافظت على هدوئها وقالت بابتسامة خجولة: "الكتب هنا تتحدث عن الإبحار فقط يا سيدي.. أما الرسو، فذاك سر لا يعرفه إلا بحار ماهر."
ابتسم مصطفى، واقترب خطوة: "أنا مصطفى.. وأعتقد أنني وجدت دليلي أخيراً."
