📁 آخر الروايات

رواية نبض الفهد ( حين يرتجف القلب ) الفصل الثامن 8 بقلم نون

رواية نبض الفهد ( حين يرتجف القلب ) الفصل الثامن 8 بقلم نون



اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 
مرّ أسبوع.

أسبوع كامل

منذ تلك الليلة في المكتبة
ليلة كداب..... لم يقف فهد أمام بابها مرة أخرى.

قطع طقسه الليلي بقسوة جرّاح يبتر عضواً مصاباً

أصبح يغادر القصر فجراً ويعود بعد منتصف الليل
يتناول طعامه في مكتبه بالشركة. يرسل تعليماته لها عبر طارق — لا عبر عمر حتى — وكأنه يضع أكبر عدد ممكن من الجدران البشرية بينه وبينها.

كيان لاحظت.

كيان لاحظت كل شيء.

في البداية ظنّت أنه مشغول بأزمة كوستا الأمنية

ثم ظنّت أنه غاضب من اقتحامها لغرفته ومعرفتها بسرّه. لكن في اليوم الرابع حين سألت طارق بعفوية فهد بيه فين؟

ورأت الارتباك في عينيّ رئيس الحرس قبل أن يجيب بجملة محفوظة الباشا في اجتماعات يا هانم — أدركت الحقيقة.

فهد السيوفي يهرب منها.

الرجل الذي لا يهرب من رصاصة — يهرب من فتاة وزنها خمسة وخمسون كيلوغراماً تسكن في جناحه العلوي.

والأغرب أن هذا الإدراك لم يُشعرها بالانتصار كما توقّعت بل أشعرها بشيء يشبه الأسى.

---

صباح اليوم الثامن.

فتحت كيان عينيها على صوت المطر.

نهضت من سريرها ومشت نحو النافذة

السماء كانت رمادية والمطر ينهمر بغزارة على حديقة القصر

تذكّرت.

في أيام المطر كان أبوها يجلسها على ركبته في شرفة شقّتهم الصغيرة ويقول له

المطر ده رسالة من ربنا يا كوكي بيقولك اغسلي قلبك من كل حاجة وحشة وابدئي من أول وجديد

ابتسمت ابتسامة حزينة

ونزلت الدرج لتجد المفاجأة

فهد كان موجوداً.

كان واقفاً أمام الموقد المشتعل رغم أن الجو ليس بارداً بما يكفي لإشعاله لكنه أشعله

يرتدي بنطالاً رمادياً وقميصاً أبيض بأكمام مرفوعة حتى المرفقين ودون حذاء

شعره مبلّل كان قد وقف تحت المطر قبل دقائق.

بدا مختلفاً بدون بدلته الرسمية وبدون هيبة المكتب بدا ولأول مرة بشرياً.

لم يسمع خطواتها
كان يحمل بين يديه كوباً يتصاعد منه بخار ويحدّق في النار بنظرة غائبة لم ترها منه من قبل.

لم تكن نظرة الصقر الجارح ولا نظرة رجل الأعمال الحاسمة
كانت نظرة رجل متعب
رجل يحمل ثقلاً لا يراه أحد.

تردّدت
جزء منها أراد التراجع والعودة لجناحها قبل أن يلاحظها
لكن قدميها على الرخام البارد خانتاها وأصدرتا صوتاً

التفت فهد بسرعة مفترس
يد واحدة انتقلت بالغريزة نحو خصره حيث يحمل سلاحه عادة ثم توقّفت حين

رأى كيان.

وقعت عيناه عليها واقفة على بُعد خطوات شعرها الكستنائي مبعثر من النوم وعيناها البندقية ناعستان ووجهها بدون أي دروع.

كانت ترتدي بلوزة بيضاء فضفاضة وبنطالاً رمادياً بسيطاً وقدماها حافيتان كقدميه.

لثوانٍ لم يتحرّك أيٌّ منهما
المطر يقرع النوافذ والنار تطقطق في الموقد والصمت بينهما يتنفّس

قالت
رجعت البيت؟

لم يعلّق على كلمة البيت رغم أنها المرة الأولى التي تصف فيها القصر بهذا
أشار برأسه نحو المقعد المقابل.

المطر. الطريق صعب

كذب الطريق لم يكن صعب هو فقط لم يستطع قيادة سيارته أبعد من بوابة القصر قبل أن يستدير.

جلست كيان على طرف المقعد واحتضنت ركبتيها بيديها نظرت للنار ثم نظرت له.

— بتشرب إيه؟

— قهوة.

— في المطر كده؟ المفروض يبقى شاي .. او نعناع

ابتسامة بل شبح ابتسامة سريعاً ما قمعها.

— أنا مش بتاع شاى واى حاجه تانيه

— عارفة إنت بتاع إسبريسو مزدوج الصبح وقهوة تركي سادة بالليل.

بتشرب في اليوم ست فناجين وبتأكل مرة واحدة بس لو فكّرت. وبتنام أقل من أربع ساعات.

نظر لها بحدّة عيناه تسألان
كيف تعرفين كل هذا؟

— أنا قاعدة في بيتك من أسبوع يا فهد

أعمى اللي يعيش جوه جدران مع حد ومياخدش باله منه

إنت بتقتل نفسك ببطء وفاكر محدش شايف.

وضع فنجانه على الطاولة الجانبية كأنه يمنع يده من الارتجاف.

إنتي شايفة إيه تاني يا كيان؟

لم تكن نبرته ساخرة

كانت — ولأول مرة — حقيقية. سؤال حقيقي يطرحه رجل لم يسأله أحد عن نفسه منذ سنوات

أمالت رأسها وتأمّلته بعينيها الهندسيّتين اللتين تعوّدتا على قراءة المخططات والزوايا والأبعاد الخفية.

شايفة إنك بتعامل الناس كلّها كقطع على رقعة شطرنج. طارق قلعة......عمر وزير. ....أنا...

— إنتي إيه؟

سكتت لحظة ثم قالت بهدوء

إنا الملكة اللي إنت حاططها ورا كل القطع ومستعد تخسر اللعبة كلّها عشان محدش يوصلها

بس المشكلة... إنك مش سايبها تلعب.

صوت صاعقة رعدية هزّ زجاج النوافذ
رمشت كيان لكنها لم تنزل عينيها عن عينيه.

أما فهد فقد شعر بتلك الصاعقة تمرّ في عموده الفقري لا في السماء.

هذه الفتاة... هذه الفتاة التي جاءت لقصره مرتعشة كالطير المذبوح قبل أسبوع واحد فقط

تجلس الآن أمامه حافية القدمين في صباح ممطر وتقرأه كأنه كتاب مفتوح.

لم يفعلها أحد من قبل

لا شركاؤه ولا أعداؤه ولا النساء اللواتي مررن في حياته كاشياء عابرة

لا أحد نظر خلف القناع وفهم تركيبة اللعبة.

نهض فجأة
كانت حركته مفاجئة لدرجة أن كيان تراجعت بظهرها على المقعد. لكنه لم يتّجه نحوها

مشى نحو النافذة ووقف يحدّق في المطر وظهره لها.

أبويا اتقتل وأنا عندي ١٥ سنة.

جاء صوته مفاجئاً كالصاعقة السابقة..... لم تتوقّع كيان أن يتكلّم

وبالتأكيد لم تتوقّع أن يتكلّم عن هذا.

لم تتحرّك لم تُصدر صوتاً أدركت بغريزتها أن أي حركة خاطئة الآن ستُغلق الباب الذي فتحه بنفسه.

أكمل فهد وصوته يحمل خشونة مختلفة خشونة الجرح القديم

شريكه في شركة المقاولات
راجل اسمه حسام

قعدوا عشرين سنة يبنوا الشركة مع بعض أبويا كان بيثق فيه أكتر من أخوه

لحد ما حسام قرّر إن الشركة تبقى بتاعته لوحده.

سكت لثانيتين ثم أكمل

ملعبش بالقانون ولا بالورق

لعب بالرصاص أبويا كان راجع من مشروع في الساحل وعربيته اتقلبت على الطريق الصحراوي

الشرطة قالت حادث
بس أنا لقيت تقرير الميكانيكي اللي كشف العربية قبلها بيوم والميكانيكي ده اختفى بعد الحادث بأسبوع ومرجعش تاني.

التفت نصف التفاتة

أمي ماستحملتش دخلت في اكتئاب ماطلعتش منه

ماتت بعده بسنتين وحسام أخد الشركة والفلوس وأنا اتسابت ومعييش غير اسمي.

— فهد...

أنا مش بحكيلك عشان تتعاطفي معايا يا كيان.

قالها بحدّة لكنها لم تكن موجّهة لها كانت موجّهة لنفسه.......كأنه يُذكّر نفسه بقوانينه

بحكيلك عشان تفهمي حاجة مهمة أنا بنيت كل حاجة عندي

القصر ده والشركات دي والاسم ده من لا حاجة

اشتغلت في ورش وعلى محطّات بنزين وبعت حديد خردة لحد ما دخلت أول صفقة في عمري وأنا عندي تسعتاشر سنة

وكل يوم كنت بقول لنفسي
إنت لو وثقت في حد... هيعمل فيك زي ما حسام عمل في أبوك.

مشى نحوها ببطء لم يكن يمشي كالمفترس هذه المرة كان يمشي كرجل يسير على حافّة هاوية ويعرف أن الخطوة القادمة إمّا ستنقذه أو تنهيه

وقف أمامها
نظر لأسفل حيث تجلس هي على المقعد ترفع وجهها نحوه

عيناها مغرورقتان بدموع
دموع شخص يفهم الألم لأنه عاشه.

انحنى ببطء حتى أصبح وجهه في مستوى وجهها

ووضع يديه على مسندَي المقعد على جانبيها محاصراً إياها بجسده

لكن هذه المرة لم تشعر بالحصار بل بشيء آخر.

عشان كده يا كيان... لمّا بقول إن مفيش خروج من عرين الفهد مش عشان أنا عايز أحبسك.

عشان أنا عارف إن اللحظة اللي هتمشي فيها من الباب ده... هتبقي لوحدك بره ومفيش حد هيحميكي

عمّك خاين وكوستا مجنون والعالم بره السور ده ملوش أمان وأنا...

توقّف..... ابتلع بقيّة الجملة كأنها شظية في حلقه.

— وإنت إيه يا فهد؟

همست كيان والمسافة بين وجهيهما لا تتجاوز أنفاساً.

نظر في عينيها بعمق مؤلم

نظرة رجل يقف على حافّة اعتراف لم يقوله في حياته ويعرف أنه إن قاله لن يستطيع استعادته.

— وأنا... عجزت أبعد عنّك.

لمعت عيناها. شفتاها ارتجفتا. رفعت يدها ببطء ولمست خدّه بأطراف أصابعها.

تصلّب جسده بالكامل كأنه تلقّى رصاصة
لم يتحرّك
لم يتنفّس

آخر مرة لمسه أحد بهذه الطريقة كانت أمّه قبل عشرين عاماً.

— مش لازم تبعد.

قالتها كيان بصوت ارتجف فيه كل شيء
خوفها وعنادها وغضبها وشيء جديد لم تجرؤ على تسميته بعد.

أغمض عينيه لثانية
وحين فتحهما

رفع يده وأمسك يدها التي على خدّه

لم يُبعدها أبقاها مكانها وشبك أصابعه بأصابعها وأدار وجهه ليغرس شفتيه في راحة كفّها

— قبلة واحدة بطيئة ثقيلة كأنها ختم على وعد لم يُنطق.

شهقت كيان دقّات قلبها ارتفعت

ثم .... بقسوة مفاجئة ... أبعد يدها عن وجهه ونهض واعتدل بكامل طوله

أعاد بناء ملامحه الصارمة بسرعة مذهلة كجدار تهدّم وأُعيد بناؤه في ثوانى

— الكلام ده مش هيتكرّر يا كيان. أنا مش الراجل المناسب لحد.

وإنتي مش محتاجة واحد زيي في حياتك

أنا هحميكي وهرجّعلك حقّك وبعدها... كل واحد يمشي في حاله.

قالها وخرج بخطوات سريعة أسرع من اللازم لرجل يدّعي أنه مسيطر.

بقيت كيان وحدها
يدها التي قبّلها لا تزال معلّقة في الهواء
والمطر لا يزال يهطل

والنار تطقطق ودموعها تسقط أخيراً بلا مقاومة.

لكن هذه المرة لم تكن دموع ضحية

كانت دموع امرأة بدأت تفهم أن الوحش الذي حبسها في قصره

محبوس هو الآخر في قفص أكبر. وأنها ربما — فقط ربما — هي المفتاح الوحيد الذي يفتح ذلك القفص.


تعليقات