رواية نبض الفهد ( حين يرتجف القلب ) الفصل التاسع 9 بقلم نون
بعد أربع ساعات.
في مكتب فهد بالشركة
كان فهد يجلس خلف مكتبه وأمامه تقرير مالي لم يقرأ منه سطراً واحداً. عمر جالس مقابله يتكلّم منذ عشر دقائق ويلاحظ أن فهد ليس موجوداً ذهنياً.
— فهد. فهد
— إيه؟
— أنا بكلّمك عن مناقصة المطار الجديد من ربع ساعة وإنت سارح في حتة تانية. في إيه؟
— مفيش. كمّل.
— لأ مش هكمّل. أنا عارفك من وإنت عندك عشرين سنة. أنا اللي كنت جنبك لمّا كنت بتنام في المخزن ورا الورشة. متقوليش مفيش. قولي في إيه عشان أعرف أساعدك.
نظر فهد لعمر نظرة طويلة. هذا الرجل هو الإنسان الوحيد على وجه الأرض الذي يسمح له بالاقتراب. ليس لأنه صديقه فحسب بل لأنه أثبت ولاءه حين كان فهد لا يملك شيئاً يستحقّ الولاء.
— كيان.
نطق اسمها وكأنه جمرة من فمه.
رفع عمر حاجبيه ببطء. ثم فهم. ابتسم ابتسامة خفية أخفاها سريعاً لأنه يعرف أن فهد سيقتله لو رآها.
— حصل حاجة؟
— لأ. ولا هيحصل. هي أمانة يا عمر. ابنة محمود الدمنهوري. أنا مش هلمسها. مش هقرب منها. هخلّص الموضوع مع كوستا وبعدين أطلّقها وأرجّعها لحياتها.
دى الخطة من الأول وهتفضل الخطة.
— بس؟
— بس إيه؟
اتّكأ عمر للأمام وقال بهدوء:
— بس إنت وقعت فيها. صح؟
صمت
— يا عمر...
— يا فهد. أنا مش هحكم عليك ولا هنصحك بحاجة إنت عارفها
بس خلّيني أقولك حاجة واحدة المرحوم محمود لمّا وصّاك عليها مقالكش احميها وبعدين سيبها.
قالك احميها. والحماية الحقيقية مش إنك تبعدها عنك. الحماية الحقيقية إنك تكون موجود جنبها. وأنت أحسن واحد يعرف الفرق ده.
هَمّ فهد بالردّ حين رنّ هاتفه المحمول. نظر للشاشة — رقم طارق.
أجاب.
— فهد باشا... عندنا مشكلة.
تغيّرت ملامح فهد فوراً. عاد الفهد. اختفى الرجل المتعب الذي يحكي عن مشاعره وحلّ محلّه المفترس.
— اتكلّم.
— عاصم الدمنهوري اتصل بكيان هانم. على الخط الجديد. المكالمة اتسجّلت.
الراجل بيقولها إنه عايز يشوفها وإنه نادم وعايز يصلّح اللي عمله. طلب منها تقنعك تسمحله يزورها في القصر.
تصلّب فك فهد.
— وهي ردّت بإيه؟
— قالتله... إنها هتفكّر.
أغلق فهد الخط وألقى الهاتف على المكتب بقوة كادت تكسر الشاشة.
عمر بحذر
— في إيه؟
— عاصم. الكلب بيرجع يلعب. ومش ممكن يكون بيتحرّك لوحده.
فتح فهد اللابتوب وطلب تسجيل المكالمة. استمع إليها بالكامل بينما عمر يراقب وجهه الذي يزداد قتامة مع كل ثانية.
صوت عاصم في التسجيل كان مختلفاً عن المرة الأولى. لم يكن مهتزّاً ولا مكسوراً. كان يتكلّم بنبرة مدروسة — كأن شخصاً ما لقّنه كل كلمة.
"كيان يا حبيبتي... أنا عمّك. أنا اللي ربيتك. أنا عارف إني غلطت بس كل واحد بيغلط. فهد راجل خطير يا بنتي وإنتي لسّه صغيرة ومش فاهمة هو بيعمل إيه.
خلّيني أشوفك وأشرحلك كل حاجة. أنا مش عدوّك أنا من الأهل الوحيد اللي فاضلّك
أوقف فهد التسجيل وقال بصوت هادئ مخيف:
— كوستا بيلعب بعاصم. عاصم هو الباب اللي هيدخل منه القصر.
— هتعمل إيه؟
— أجيب عاصم نفسه.
— تجيبه؟ فهد ده فخّ واضح
— الفخّ بيشتغل على الطرفين يا عمر. هو عايز يدخل عاصم القصر عشان يقرب من كيان.
وأنا عايز عاصم في القصر عشان أعرف إيه بالظبط اللي كوستا طالبه يعمله. الفرق بيني وبين كوستا
إنه فاكر إنه بيلعب شطرنج
وأنا بلعب شطرنج وقدّامي الرقعة بتاعته كمان.
نهض فهد وأزرر سترته وأصلح ياقة قميصه أمام المرآة المعلّقة في مكتبه. نظر لانعكاسه بعينين لا تعرفان الرحمة.
— اتصل بطارق. قوله يأمّن الجناح الشرقي كله ويزوّد الكاميرات الداخلية. ويجهّز أوضة الضيوف.
— عاصم هيقعد في القصر؟
— عاصم هيقعد في القصر تحت عيني لحد ما يوقع في غلطة. والغلطة جاية جاية يا عمر
الخاين مابيعرفش يمثّل كتير.
في القصر — بعد الظهر.
كانت كيان جالسة في المكتبة تعمل على مشروع تخرّجها حين دخل طارق وأخبرها أن فهد يريدها في الصالون.
نزلت لتجد فهد واقفاً في المنتصف يرتدي بدلته السوداء الكاملة
عاد القناع الكامل. نظر لها بنظرته الرسمية الباردة وكأن صباح المطر والاعتراف والقبلة على كفّها لم تحدث.
— عمّك اتصل بيكي النهارده.
تصلّبت كيان. ثم تذكّرت أن كل مكالماتها مسجّلة — هو أخبرها بذلك منذ البداية.
— أيوه. اتصل.
— وكنتي هتقوليلي ولا لأ؟
— كنت هقولك و مستنّيك ترجع.
نظر في عينيها يبحث عن أثر كذب. لم يجد. هذه الفتاة بكل عنادها المشتعل لا تعرف الكذب. ملامحها كتاب مفتوح لمن يعرف القراءة
— عمّك جاي هنا بكره.
— إيه؟
— أنا اللي طلبته. هيقعد ضيف عندنا يومين.
— ليه يا فهد؟ الراجل ده باعني. إنت نفسك عارف.
اقترب منها وخفض صوته
— بالظبط. هو باعك. واللي باع راجع يطلب بضاعته
وأنا عايز أعرف الطلب جاي من مين وعايز إيه بالظبط.
— إنت بتستخدم عمّي كطعم؟
— إنتى شاطرة.
— وأنا؟ أنا إيه في الخطة دي؟
سكت لحظة ثم قال بصوت أنعم مما أراد
— إنتي اللي فوق الخطة يا كيان. إنتي اللي الخطة كلّها عشانها.
ابتلعت كيان الغصّة التي صعدت في حلقها
نظرت في عينيه الداكنتين وبحثت فيهما عن الرجل الذي قبّل كفّها هذا الصباح
وجدته — مدفوناً تحت طبقات من الصرامة والتحكّم — لكنه موجود.
— طيّب. هلعب دوري. بس بشرط.
رفع حاجبيه. لم يعتد أحد أن يشترط عليه.
— عاوزة أنزل السوق.
— لأ.
مش خلصت كلام
— عاوزة أنزل السوق عشان أجيب حاجات لمشروعي. مكتبك الهندسي اللي بعته مش فاهم رؤيتي.
أنا محتاجة أزور الموقع بنفسي وأقيس وآخد عيّنات تربة. أنا مهندسة يا فهد مش رسّامة قاعدة على ورق.
— مفيش خروج من القصر.
— طيّب اخرج معايا.
فاجأته .... وفاجأت نفسها أيضاً. لكنها قالتها ولم تتراجع.
— ساعة واحدة.
إنت وأنا وطارق ومين ما تحبّ. ساعة واحدة أنزل فيها الأرض بتاعتي اللي في التجمع وآخد اللي محتاجاه وارجع
ده حقّي.
الأرض. أرض أبيها. هي لم تطلب التسوّق ولا النزهة بل طلبت أن تقف على أرض والدها وتلمسها بيديها.
شيء تحرّك في صدره مرة أخرى. ذلك النبض اللعين الذي يرفض أن يموت.
— ساعة واحدة.
— ساعة واحدة.
— بكره الصبح قبل ما عمّك يوصل. وهتمشي جنبي خطوة بخطوة. مش هتبعدي عني ولا سم واحد. فاهمة؟
— فاهمة.
— ولو حسّيت بأي حاجة غلط هتسمعي كلامي من غير نقاش ولا عناد ولا سؤال. فاهمة؟
— فاهمة.
— وهتلبسي واقي رصاص تحت هدومك.
— ...إيه؟
— فاهمة ولا مش فاهمة؟
نظرت في عينيه. رأت فيهما خوفاً حقيقياً عليها يحاول إخفاءه خلف الأوامر العسكرية.
— فاهمة يا فهد
في تلك الليلة لم تنم كيان.
جلست على سريرها تحتضن وسادتها وتفكّر في الصباح القادم
— ستقف على أرض أبيها وستقف بجوار رجل وعد أباها بحمايتها فحماها بطريقة مزّقت حياتها ثم بدأت ترمّمها قطعة قطعة.
في منتصف الليل سمعت خطواته في الممر.
هذه المرة لم تتوقّف أمام بابها. تجاوزته واتّجهت نحو غرفته.
لكنها سمعت شيئاً اخر بعد وقت
صوت. خافت. مكتوم. يشبه... أنيناً.
نهضت ببطء وفتحت بابها بشقّ بسيط. الممر مظلم. باب غرفته مغلق. لكن الصوت يتسلّل منه
أدركت أن فهد السيوفي — الفهد — الرجل الذي يرتعش لاسمه رجال الأعمال ورؤوس المافيا
— ينام الآن خلف ذلك الباب ويصارع كوابيسه وحيداً.
وضعت جبهتها على حافّة الباب وأغمضت عينيها. همست
— أنا هنا يا فهد.
في فيلا الإسكندرية — نفس الليلة.
كان كوستا يجلس أمام شاشة كبيرة تعرض بثاً مباشراً من كاميرا مراقبة مخفية — داخل قصر السيوفي.
الكاميرا كانت تُظهر ممرّ الجناح العلوي. ورأى كوستا كيان وهي تقف أمام باب فهد وتضع جبهتها عليه.
ابتسم ابتسامة باردة قاتلة.
رفع هاتفه واتصل.
— عاصم. خلاص. لقيت نقطة ضعفه الحقيقية
البنت مش مجرّد أمانة عنده... البنت حاجة تانية خالص.
وده يغيّر كل حاجة الخطة اتغيّرت يا عاصم. مش عايز الأرض بس عايز أكسر الفهد نفسه.
وعلى الطرف الآخر ابتلع عاصم ريقه بخوف وهمس بصوت مرتعش
— هو إنت عايز تقتله؟
ضحك كوستا ضحكة هادئة سرت في أوصال عاصم كسُمّ بطيء.
— لأ يا عاصم. القتل ده رحمة. أنا عايز أخد منه اللي حبّها... وأخلّيه يتفرّج.
في غرفته خلف الباب المغلق فتح فهد عينيه فجأة
لم يكن نائماً. لم ينم منذ ليلتين
سمع همسها من خلف الباب
أنا هنا يا فهد
أغمض عينيه مرة أخرى. وضع ذراعه على وجهه وتنفّس نفساً عميقاً مرتجفاً.
وللمرة الأولى منذ عشرين عاماً... شعر فهد السيوفي بشيء يشبه الأمان.
وهذا بالتحديد ما أرعبه أكثر
لأن الأمان يعني أن هناك شيئاً يخاف أن يخسره.
وفهد لم يخسر شيئاً لأنه ببساطة لم يملك شيئاً يستحقّ الخسارة.
حتى الآن.
في مكتب فهد بالشركة
كان فهد يجلس خلف مكتبه وأمامه تقرير مالي لم يقرأ منه سطراً واحداً. عمر جالس مقابله يتكلّم منذ عشر دقائق ويلاحظ أن فهد ليس موجوداً ذهنياً.
— فهد. فهد
— إيه؟
— أنا بكلّمك عن مناقصة المطار الجديد من ربع ساعة وإنت سارح في حتة تانية. في إيه؟
— مفيش. كمّل.
— لأ مش هكمّل. أنا عارفك من وإنت عندك عشرين سنة. أنا اللي كنت جنبك لمّا كنت بتنام في المخزن ورا الورشة. متقوليش مفيش. قولي في إيه عشان أعرف أساعدك.
نظر فهد لعمر نظرة طويلة. هذا الرجل هو الإنسان الوحيد على وجه الأرض الذي يسمح له بالاقتراب. ليس لأنه صديقه فحسب بل لأنه أثبت ولاءه حين كان فهد لا يملك شيئاً يستحقّ الولاء.
— كيان.
نطق اسمها وكأنه جمرة من فمه.
رفع عمر حاجبيه ببطء. ثم فهم. ابتسم ابتسامة خفية أخفاها سريعاً لأنه يعرف أن فهد سيقتله لو رآها.
— حصل حاجة؟
— لأ. ولا هيحصل. هي أمانة يا عمر. ابنة محمود الدمنهوري. أنا مش هلمسها. مش هقرب منها. هخلّص الموضوع مع كوستا وبعدين أطلّقها وأرجّعها لحياتها.
دى الخطة من الأول وهتفضل الخطة.
— بس؟
— بس إيه؟
اتّكأ عمر للأمام وقال بهدوء:
— بس إنت وقعت فيها. صح؟
صمت
— يا عمر...
— يا فهد. أنا مش هحكم عليك ولا هنصحك بحاجة إنت عارفها
بس خلّيني أقولك حاجة واحدة المرحوم محمود لمّا وصّاك عليها مقالكش احميها وبعدين سيبها.
قالك احميها. والحماية الحقيقية مش إنك تبعدها عنك. الحماية الحقيقية إنك تكون موجود جنبها. وأنت أحسن واحد يعرف الفرق ده.
هَمّ فهد بالردّ حين رنّ هاتفه المحمول. نظر للشاشة — رقم طارق.
أجاب.
— فهد باشا... عندنا مشكلة.
تغيّرت ملامح فهد فوراً. عاد الفهد. اختفى الرجل المتعب الذي يحكي عن مشاعره وحلّ محلّه المفترس.
— اتكلّم.
— عاصم الدمنهوري اتصل بكيان هانم. على الخط الجديد. المكالمة اتسجّلت.
الراجل بيقولها إنه عايز يشوفها وإنه نادم وعايز يصلّح اللي عمله. طلب منها تقنعك تسمحله يزورها في القصر.
تصلّب فك فهد.
— وهي ردّت بإيه؟
— قالتله... إنها هتفكّر.
أغلق فهد الخط وألقى الهاتف على المكتب بقوة كادت تكسر الشاشة.
عمر بحذر
— في إيه؟
— عاصم. الكلب بيرجع يلعب. ومش ممكن يكون بيتحرّك لوحده.
فتح فهد اللابتوب وطلب تسجيل المكالمة. استمع إليها بالكامل بينما عمر يراقب وجهه الذي يزداد قتامة مع كل ثانية.
صوت عاصم في التسجيل كان مختلفاً عن المرة الأولى. لم يكن مهتزّاً ولا مكسوراً. كان يتكلّم بنبرة مدروسة — كأن شخصاً ما لقّنه كل كلمة.
"كيان يا حبيبتي... أنا عمّك. أنا اللي ربيتك. أنا عارف إني غلطت بس كل واحد بيغلط. فهد راجل خطير يا بنتي وإنتي لسّه صغيرة ومش فاهمة هو بيعمل إيه.
خلّيني أشوفك وأشرحلك كل حاجة. أنا مش عدوّك أنا من الأهل الوحيد اللي فاضلّك
أوقف فهد التسجيل وقال بصوت هادئ مخيف:
— كوستا بيلعب بعاصم. عاصم هو الباب اللي هيدخل منه القصر.
— هتعمل إيه؟
— أجيب عاصم نفسه.
— تجيبه؟ فهد ده فخّ واضح
— الفخّ بيشتغل على الطرفين يا عمر. هو عايز يدخل عاصم القصر عشان يقرب من كيان.
وأنا عايز عاصم في القصر عشان أعرف إيه بالظبط اللي كوستا طالبه يعمله. الفرق بيني وبين كوستا
إنه فاكر إنه بيلعب شطرنج
وأنا بلعب شطرنج وقدّامي الرقعة بتاعته كمان.
نهض فهد وأزرر سترته وأصلح ياقة قميصه أمام المرآة المعلّقة في مكتبه. نظر لانعكاسه بعينين لا تعرفان الرحمة.
— اتصل بطارق. قوله يأمّن الجناح الشرقي كله ويزوّد الكاميرات الداخلية. ويجهّز أوضة الضيوف.
— عاصم هيقعد في القصر؟
— عاصم هيقعد في القصر تحت عيني لحد ما يوقع في غلطة. والغلطة جاية جاية يا عمر
الخاين مابيعرفش يمثّل كتير.
في القصر — بعد الظهر.
كانت كيان جالسة في المكتبة تعمل على مشروع تخرّجها حين دخل طارق وأخبرها أن فهد يريدها في الصالون.
نزلت لتجد فهد واقفاً في المنتصف يرتدي بدلته السوداء الكاملة
عاد القناع الكامل. نظر لها بنظرته الرسمية الباردة وكأن صباح المطر والاعتراف والقبلة على كفّها لم تحدث.
— عمّك اتصل بيكي النهارده.
تصلّبت كيان. ثم تذكّرت أن كل مكالماتها مسجّلة — هو أخبرها بذلك منذ البداية.
— أيوه. اتصل.
— وكنتي هتقوليلي ولا لأ؟
— كنت هقولك و مستنّيك ترجع.
نظر في عينيها يبحث عن أثر كذب. لم يجد. هذه الفتاة بكل عنادها المشتعل لا تعرف الكذب. ملامحها كتاب مفتوح لمن يعرف القراءة
— عمّك جاي هنا بكره.
— إيه؟
— أنا اللي طلبته. هيقعد ضيف عندنا يومين.
— ليه يا فهد؟ الراجل ده باعني. إنت نفسك عارف.
اقترب منها وخفض صوته
— بالظبط. هو باعك. واللي باع راجع يطلب بضاعته
وأنا عايز أعرف الطلب جاي من مين وعايز إيه بالظبط.
— إنت بتستخدم عمّي كطعم؟
— إنتى شاطرة.
— وأنا؟ أنا إيه في الخطة دي؟
سكت لحظة ثم قال بصوت أنعم مما أراد
— إنتي اللي فوق الخطة يا كيان. إنتي اللي الخطة كلّها عشانها.
ابتلعت كيان الغصّة التي صعدت في حلقها
نظرت في عينيه الداكنتين وبحثت فيهما عن الرجل الذي قبّل كفّها هذا الصباح
وجدته — مدفوناً تحت طبقات من الصرامة والتحكّم — لكنه موجود.
— طيّب. هلعب دوري. بس بشرط.
رفع حاجبيه. لم يعتد أحد أن يشترط عليه.
— عاوزة أنزل السوق.
— لأ.
مش خلصت كلام
— عاوزة أنزل السوق عشان أجيب حاجات لمشروعي. مكتبك الهندسي اللي بعته مش فاهم رؤيتي.
أنا محتاجة أزور الموقع بنفسي وأقيس وآخد عيّنات تربة. أنا مهندسة يا فهد مش رسّامة قاعدة على ورق.
— مفيش خروج من القصر.
— طيّب اخرج معايا.
فاجأته .... وفاجأت نفسها أيضاً. لكنها قالتها ولم تتراجع.
— ساعة واحدة.
إنت وأنا وطارق ومين ما تحبّ. ساعة واحدة أنزل فيها الأرض بتاعتي اللي في التجمع وآخد اللي محتاجاه وارجع
ده حقّي.
الأرض. أرض أبيها. هي لم تطلب التسوّق ولا النزهة بل طلبت أن تقف على أرض والدها وتلمسها بيديها.
شيء تحرّك في صدره مرة أخرى. ذلك النبض اللعين الذي يرفض أن يموت.
— ساعة واحدة.
— ساعة واحدة.
— بكره الصبح قبل ما عمّك يوصل. وهتمشي جنبي خطوة بخطوة. مش هتبعدي عني ولا سم واحد. فاهمة؟
— فاهمة.
— ولو حسّيت بأي حاجة غلط هتسمعي كلامي من غير نقاش ولا عناد ولا سؤال. فاهمة؟
— فاهمة.
— وهتلبسي واقي رصاص تحت هدومك.
— ...إيه؟
— فاهمة ولا مش فاهمة؟
نظرت في عينيه. رأت فيهما خوفاً حقيقياً عليها يحاول إخفاءه خلف الأوامر العسكرية.
— فاهمة يا فهد
في تلك الليلة لم تنم كيان.
جلست على سريرها تحتضن وسادتها وتفكّر في الصباح القادم
— ستقف على أرض أبيها وستقف بجوار رجل وعد أباها بحمايتها فحماها بطريقة مزّقت حياتها ثم بدأت ترمّمها قطعة قطعة.
في منتصف الليل سمعت خطواته في الممر.
هذه المرة لم تتوقّف أمام بابها. تجاوزته واتّجهت نحو غرفته.
لكنها سمعت شيئاً اخر بعد وقت
صوت. خافت. مكتوم. يشبه... أنيناً.
نهضت ببطء وفتحت بابها بشقّ بسيط. الممر مظلم. باب غرفته مغلق. لكن الصوت يتسلّل منه
أدركت أن فهد السيوفي — الفهد — الرجل الذي يرتعش لاسمه رجال الأعمال ورؤوس المافيا
— ينام الآن خلف ذلك الباب ويصارع كوابيسه وحيداً.
وضعت جبهتها على حافّة الباب وأغمضت عينيها. همست
— أنا هنا يا فهد.
في فيلا الإسكندرية — نفس الليلة.
كان كوستا يجلس أمام شاشة كبيرة تعرض بثاً مباشراً من كاميرا مراقبة مخفية — داخل قصر السيوفي.
الكاميرا كانت تُظهر ممرّ الجناح العلوي. ورأى كوستا كيان وهي تقف أمام باب فهد وتضع جبهتها عليه.
ابتسم ابتسامة باردة قاتلة.
رفع هاتفه واتصل.
— عاصم. خلاص. لقيت نقطة ضعفه الحقيقية
البنت مش مجرّد أمانة عنده... البنت حاجة تانية خالص.
وده يغيّر كل حاجة الخطة اتغيّرت يا عاصم. مش عايز الأرض بس عايز أكسر الفهد نفسه.
وعلى الطرف الآخر ابتلع عاصم ريقه بخوف وهمس بصوت مرتعش
— هو إنت عايز تقتله؟
ضحك كوستا ضحكة هادئة سرت في أوصال عاصم كسُمّ بطيء.
— لأ يا عاصم. القتل ده رحمة. أنا عايز أخد منه اللي حبّها... وأخلّيه يتفرّج.
في غرفته خلف الباب المغلق فتح فهد عينيه فجأة
لم يكن نائماً. لم ينم منذ ليلتين
سمع همسها من خلف الباب
أنا هنا يا فهد
أغمض عينيه مرة أخرى. وضع ذراعه على وجهه وتنفّس نفساً عميقاً مرتجفاً.
وللمرة الأولى منذ عشرين عاماً... شعر فهد السيوفي بشيء يشبه الأمان.
وهذا بالتحديد ما أرعبه أكثر
لأن الأمان يعني أن هناك شيئاً يخاف أن يخسره.
وفهد لم يخسر شيئاً لأنه ببساطة لم يملك شيئاً يستحقّ الخسارة.
حتى الآن.
العاشر من هنا