رواية مروان وفاطمة الفصل الثامن 8 بقلم القلم الذهبي
الفصل الثامن: سراديب الماضي المؤجلة
تردد صدى تحطم الفخار في أرجاء القصر المهيب، حاملاً معه برودة مفاجئة سرت في المكان. تبادل مروان وفاطمة نظرة سريعة امتزج فيها القلق بالفضول الأثري. لم يكن مروان ليسمح بأن تتعرض فاطمة لأي خطر، فمسك بيده كشافاً ضوئياً قوياً كان بحوزة طاقم الهندسة، وتحرك بخطوات حذرة ونبيلة ليتقدمها نحو المدخل المؤدي إلى السرداب السفلي للقصر.
قالت فاطمة بنبرة خفيضة وهي تتبع خطاه بـ عنادها المعتاد: "مروان، احذر.. السلالم حجرية وقديمة جداً، ورطوبة القرون تجعلها زلقة. السراديب الفاطمية غالباً ما تحتوي على ممرات سرية لم تُثبت في الخرائط الحديثة لشركتكم."
التفت إليها مروان، وانعكس ضوء الكشاف على عينيه الحادتين اللتين ملأهما الدفء والخوف عليها: "ابقِ خلفي تماماً يا فاطمة. بعد مواجهة عاصم بك، لا أستبعد أن يكون هناك من يحاول العبث بالموقع لإفساد خطتكِ وإجباري على إقصائك."
نزلا درجات السلم الحجري الضيق ببطء، حيث كان الهواء يزداد ثقلاً برائحة التراب المعتق والمسك الجاف. ومع كل خطوة، كان ضوء الكشاف يزيح ستائر الظلام الخانق ليكشف عن أقواس حجرية ضخمة صمدت في وجه الزمن. وعندما وصلا إلى نهاية الممر، سلط مروان الضوء على الأرض، لتتضح الصورة أمامهما.
لم يكن هناك مخربون، بل كانت هناك قطة صغيرة مذعورة، ركضت بسرعة واختفت بين الشقوق بمجرد رؤيتها للضوء، تاركة خلفها بقايا جرة فخارية أثرية كانت مستقرة فوق رف خشبي تآكل بفعل الرطوبة وسقط أرضاً.
تنفست فاطمة الصعداء وضغطت برفق على ذراع مروان وهي تبتسم بـ عذوبة: "يبدو أن شبح القصر الصغير كان جائعاً فقط!"
مفاجأة في عتمة السرداب
لكن ضحكة فاطمة الخفيفة لم تدم طويلاً؛ فبينما كان مروان يحرك كشافه حول الجرة المحطمة، لفت انتباهه شيء غريب خلف الرف الخشبي المنهار. كان هناك تجويف داخل الجدار الحجري، تبدو في داخله حزمة من الأوراق الجلدية القديمة وبعض المخطوطات الملفوفة بعناية فائقة لحمايتها من الرطوبة.
اتسعت عينا فاطمة بشغف جارف، ونسيت كل خوفها. جثت على ركبتيها بـ مهارة المحترفين، وأخرجت من حقيبتها الصغيرة قفازات العمل البيضاء وفرشاة دقيقة. اقترب مروان وجثا بجانبها، حاملاً لها الإضاءة بـ إنصات وتركيز كاملين، وكأنه أصبح تلميذاً في محراب فنها.
بدأت فاطمة بـ لمسات ساحرة ورقيقة تزيل الأتربة عن المخطوطات، وقالت بصوت يرتجف من شدة التأثر والرومانسية: "مروان.. انظر! هذه ليست مجرد أوراق عادية. هذه خطط ومراسلات معمارية أصلية لبناء القصر نفسه، تعود للقرن السابع الهجري! ومكتوب في الهوامش بـ خط اليد تفاصيل دقيقة عن أساسات القصر وقنوات المياه السرية تحت الأرض التي تحميه من الانهيار."
تأمل مروان الأوراق، ثم نظر إلى وجه فاطمة الذي كان يشع بـ بريق ساحر تحت الضوء الخافت. شعر بـ جدار قلبه يذوب أكثر فأكثر أمام هذا الشغف الخالص. وضع يده برفق فوق يدها المقنعة بالقفاز، وقال بنبرة مليئة بالحب والنبل: "هذا يعني أننا نملك الآن الدليل القاطع الذي يحمي القصر.. عاصم بك كان يريد الحفر بآليات ثقيلة في الساحة الخارجية لبناء ملحق حديث، وإذا فعل ذلك دون معرفة قنوات المياه هذه، لكان القصر قد انهار بالكامل فوق رؤوسنا!"
رفعت فاطمة رأسها ببطء، والتقت أعينهما في تلك العتمة التاريخية الدافئة. قالت بنبرة رقيقة: "لقد أنقذنا القصر يا مروان.. الماضي أرسل لنا طوق النجاة في الوقت المناسب تماماً."
اقترب مروان منها، وهمس بعمق وشغف: "الماضي أرسلكِ أنتِ لتنقذي هذا المكان.. وتنقذيني أنا من نفسي يا فاطمة. هذا الاكتشاف سيجعل موقفنا أمام مجلس الإدارة والوزارة لا يقبل النقاش. عاصم بك لن يستطيع المساس بحجر واحد هنا، ولن يستطيع إبعادكِ عني بعد الآن."
نذر العاصفة في الخارج
بينما كان الحب والانتصار يملآن السرداب السفلي بـ دفء رومانسي غير مشروط، كانت خيوط المؤامرة تُغزل في الأعلى. فوق، في مكتب عاصم بك الفاخر بوسط المدينة، كان يجلس خلف مكتبه الزجاجي الضخم، وعيناه تلمعان بـ جشع وشر.
كان يمسك بالهاتف ويتحدث بنبرة قاطعة مع أحد مقاولي الهدم غير القانونيين: "اسمعني جيداً.. مروان متمسك بتلك الفتاة وبخططها الأثرية البطيئة، وهذا سيكلفنا ملايين. أريدك أن ترسل بعض العمال التابعين لك إلى الموقع غداً بحجة فحص التربة، وليقوموا بـ 'خطأ غير مقصود' يتسبب في تصدع أحد الجدران الخارجية غير الأثرية. إذا حدث ذلك، ستتدخل الوزارة وتعلن أن الموقع غير آمن، وسأجبر مجلس الإدارة على سحب المشروع من مروان وتحويله إليّ بالكامل.. هل فهمت؟"
أغلق عاصم بك الهاتف وابتسم بـ مكر، غير مدرك أن مروان وفاطمة قد عثرا للتو في السرداب على الخرائط التي ستجعل من خطته الانتحارية فخاً يقع فيه هو بنفسه.
