رواية مروان وفاطمة الفصل التاسع 9 بقلم القلم الذهبي
الفصل التاسع: مواجهة تحت شمس الهوية
أشرقت شمس اليوم التالي بحرارة لافحة، وكأنها تعكس الأجواء المشحونة التي تنتظر قصر الغوري. صعد مروان وفاطمة من السرداب مع ساعات الصباح الأولى، يحملان المخطوطات الأثرية النادرة كمن يحمل كنزاً وطنياً لا يقدّر بثمن. كانت ملامح مروان قد تحولت تماماً؛ فلم يعد ذلك المهندس الذي يرى المباني مجرد أرقام، بل بات يملك نظرة حارس التاريخ، نظرة استمدها من عيني فاطمة وشغفها الشرس.
لم يكد طاقم العمل يستعد لبدء ترميم القاعة الكبرى بناءً على توجيهات فاطمة، حتى اقتحمت ساحة القصر الخارجية ثلاث شاحنات ضخمة تابعة لشركات المقاولات الفرعية التي يديرها عاصم بك. ترجل منها عشرات العمال يحملون معدات حفر ثقيلة وآلات ميكانيكية لا تُستخدم مطلقاً في المواقع الأثرية، يتقدمهم مهندس فظّ يُدعى "مدحت"، معروف بتنفيذ العمليات القذرة لصالح عاصم.
وقفت فاطمة في منتصف الساحة، وتيبس جسدها غضباً وهي ترى الآلات الثقيلة تستعد للدخول فوق الأرضية الحجرية المعتقة. صرخت بصوت قاطع هزّ جدران القصر: "توقفوا فوراً! ممنوع تقدم أي آلة حفر هنا! هذا الموقع خاضع للحماية الأثرية، ودخول هذه المعدات سيسبب اهتزازات تدمر الأساسات الفاطمية!"
تقدم المهندس مدحت بنبرة باردة وساخرة، ملوحاً ببعض الأوراق: "معذرة يا أستاذة، نحن لدينا أوامر مباشرة من عاصم بك، الشريك الأكبر في المجموعة، بعمل فحص عاجل وجرف للتربة في الساحة الخارجية لتسريع عملية البناء الحديث. تنحي جانباً ودعينا ننهي عملنا."
درع من لهب ونبل
قبل أن تنطق فاطمة بكلمة، تحرك مروان كـ الإعصار. وقف أمام مدحت مباشرة، وجسده الرياضي الطويل يشكل سداً منيعاً بين العمال وبين فاطمة والقصر. انتزع الأوراق من يد مدحت ومزقها بحدة رماها تحت أقدامه، وقال بصوت هادئ لكنه يحمل نبرة تهديد مرعبة تراجع على إثرها العمال خطوة إلى الوراء: "أوامر عاصم بك تبللها وتشرب ميتها يا مدحت! أنا المدير التنفيذي لهذا المشروع، وأنا من يملك الحق القانوني والتوقيع الرسمي هنا. أي عامل س يتقدم خطوة واحدة بأمر من عاصم، سأقوم بإبلاغ شرطة الآثار فوراً بتهمة التخريب العمدي لموقع تاريخي مسجل."
تغير وجه مدحت وارتجف قليلاً، لكنه حاول الاستقواء بنفوذ عاصم: "يا باشمهندس مروان، عاصم بك حذر من أن أي تأخير سيكلف الشركة ملايين كشرط جزائي، وهو يرى أن هذه 'الأحجار' لا تستحق تجميد أموال الشركة."
التفت مروان ونظر إلى فاطمة، التي كانت تنظر إليه بعينين مليئتين بالفخر والعشق؛ رأى في عينيها كل المعاني التي عاش حياته يفتقدها. أعاد نظره إلى مدحت وقال بكل نبل وقوة: "أخبر عاصم بك أن هذه 'الأحجار' هي هوية هذا البلد، وهي شرف هذه الشركة. وأخبره أيضاً.. أنني عثرتُ في السرداب على المخطوطات الأصلية لبناء القصر، والتي تثبت وجود شبكة قنوات مياه سرية تحت هذه الساحة بالذات. أي حفر عشوائي كان سيؤدي لكارثة وطنية وانهيار القصر بالكامل، وحينها لن يخسر عاصم ملايين فقط، بل سيقضي بقية حياته خلف القضبان بتهمة تدمير عمدي للآثار. خذ عمالك وآلاتك واخرج من هنا فوراً، وقبل أن يرتد إليك طرفك!"
لم يجد مدحت مفراً أمام قوة الحجة القانونية والتاريخية التي يمتلكها مروان، فأشار إلى عماله بالانسحاب فوراً، وتحركت الشاحنات خارجة من القصر وهي تجر أذيال الخيبة، مخلفة وراءها غبار الهزيمة لعاصم بك.
اعتراف تحت ظلال المقرنصات
عادت السكينة لتلف أرجاء قصر الغوري. تنفست فاطمة الصعداء، وشعرت بأن حمل العالم قد انزاح عن كتفيها بفضل الرجل الذي يقف أمامها. اقتربت من مروان بخطوات وئيدة، وكانت الشمس تنعكس على النقوش الذهبية للسقف، لتضفي على ملامحها رقة ساحرة.
قالت بصوت رقيق تملأه العاطفة الجارفة: "مروان.. أنا لا أعرف كيف أشكرك. لقد خاطرت بمستقبلك في الشركة وبمكانتك من أجلي ومن أجل هذا المكان."
التفت مروان إليها ببطء، وتلاشت كل حدة في ملامحه ليحل محلها عشق خالص لم يعد قادراً ولا راغباً في إخفائه. خطا خطوة إضافية نحوها، حتى باتت أنفاسهما المرتجفة تتقاطع مجدداً تحت ظلال المقرنصات الأثرية الكبرى. رفع يده برفق شديد، ولامس وجنتها الدافئة بأصابعه، وهمس بعمق ونبل هزّ كيانها: "من أجلكِ أنتِ يا فاطمة.. مستعد أن أخاطر بالعالم بأكمله. أنتِ لستِ مجرد مشرفة على مشروع؛ أنتِ الشراع الذي أعاد لمركبي التائه اتجاهه الصحيح. أنا لم أحمِ القصر اليوم لأنني أصبحت رجل آثار.. أنا حميته لأنني أحبكِ، ولأن كل حجر فيه شهد على ولادة روحي الجديدة بين يديكِ. أنا أحبكِ بـ عنادكِ، بـ كبريائكِ، وبكل لحن يعزفه قلبكِ."
اتسعت عينا فاطمة، ونزلت دمعة فرح ناصعة من عينيها، فمسحها مروان بابهامه بحنان بالغ. شعرت بأن العاصفة قد انتهت تماماً، وأن شراع اللوتس قد رسا أخيراً في ميناء دافئ لا يصله طمع عاصم بك ولا صخب العالم الخارجي. وقبل أن تنطق بكلمة اعترافها المتبادل، رنّ هاتف مروان بشكل مفاجئ.. وكان المتصل هذه المرة هو والده، رئيس مجلس الإدارة، وبصوت يملأه الغضب الشديد!
