رواية مروان وفاطمة الفصل السابع 7 بقلم القلم الذهبي
الفصل السابع: ظلال في ممرات القصر
كانت شمس الصباح الجديد تشرق ببطء فوق أسطح القاهرة القديمة، معلنةً عن بدء مرحلة جديدة تماماً في حياة فاطمة ومروان. لم يعد الأمر مجرد إعجاب متبادل أو مشاعر ولدت في ليلة ممطرة، بل تحول إلى شراكة حقيقية؛ شراكة في العمل، وشراكة في نبضات القلوب. وبموجب رهان الصندوق الخشبي الذي ربحته فاطمة بجدارة، تسلمت رسمياً وبأوراق موثقة من شركة مروان الإشراف الكامل على الجانب الأثري والفني لمشروع ترميم "قصر الغوري".
في اليوم الأول للعمل الميداني، كان القصر الأثري يبدو مهيباً تحت أشعة الشمس. جدرانه الحجرية الضخمة، مشربياته الخشبية المتآكلة، وساحته الواسعة التي كانت يوماً تعج بالحياة، كلها كانت تنتظر لمسة تعيد إليها الروح. وصلت فاطمة مبكرة، ترتدي ملابس العمل الميدانية المريحة، وتحمل بيديها مخططات القصر وعدستها المكبرة، وكان قلبها يخفق بـ حماس لا حدود له.
لم يمضِ وقت طويل حتى وصل مروان. لم يكن يرتدي بذلته الرسمية المعتادة، بل قميصاً عملياً أزرق اللون، وارتسمت على وجهه ابتسامة دافئة بمجرد أن وقعت عيناه عليها. اقترب منها بخطوات واثقة، وقال بنبرة صوت خفيضة تحمل الكثير من الدفء: "صباح الخير يا حضرة المشرفة العامة. القصر بأكمله تحت أمركِ اليوم، والعمال ينتظرون إشارتكِ الأولى لبدء العمل. هل أنتِ جاهزة لقيادة هذه المعركة؟"
التفتت إليه فاطمة، وعيناها تلمعان بـ ذكاء وشغف: "صباح النور يا باشمهندس. أنا ولدتُ لأجل هذه المعارك. لكن تذكر.. القصر ليس ساحة بناء، بل هو مريض يحتاج إلى علاج دقيق. سنبدأ أولاً بفحص القاعة الكبرى وتدعيم الأعمدة الرخامية قبل أن نلمس أي جزء من الزخارف السقفية."
أومأ مروان برأسه إعجاباً وتفهماً، وبدأ الاثنان يتحركان معاً بين ردهات القصر وممراته الطويلة. كانت فاطمة تشير إلى كل زاوية، وتشرح بـ أسلوبها الروائي العذب تاريخ النقوش، وكيف أن الألوان المستخدمة صُنعت من مواد طبيعية قاومت الزمن لقرون. ومروان، الذي كان يرى المباني مجرد مساحات هندسية، وجد نفسه يستمع إليها بـ شغف وإنصات كامل، ليس فقط لأنه بدأ يتذوق الفن، بل لأنه كان يعشق الطريقة التي تلمع بها عيناها وهي تتحدث عما تحب.
ظهور العاصفة: عاصم بك
بينما كان الانسجام يملأ المكان، قطع هدوء القصر صوت خطوات حادة سريعة، تلاها صوت أجش ومتعجرف يأتي من المدخل الرئيسي: "أهلاً، أهلاً بالمهندس العبقري مروان! لم أكن أعلم أن مشاريع شركتنا الكبرى أصبحت تُدار بواسطة فتيات يمسكن بفرشاة تلوين!"
التفت مروان وفاطمة فوراً نحو الصوت. كان المتحدث هو عاصم بك، الشريك الأكبر لوالد مروان في الشركة العقارية، ورجل أعمال من الطراز القديم الجشع؛ لا يؤمن إلا بالربح السريع، ويرى أن ترميم الآثار هو "مضيعة للمال والوقت" وكان يفضل دائماً هدم مثل هذه الأماكن لبناء أبراج سكنية شاهقة.
تغيرت ملامح مروان فوراً، وتحولت الابتسامة الدافئة إلى نظرة حادة وصارمة كـ الجليد. تقدم خطوة للأمام ليحجب فاطمة بجسده تلقائياً، وقال بنبرة حازمة هزت ممرات القصر: "عاصم بك.. أهلاً بك. لكن اسمح لي أن أصحح لك جملتك. هذه الفتاة هي الأستاذة فاطمة، الخبيرة الأولى في ترميم المخطوطات والآثار، وهي المشرفة الفنية الرسمية على هذا المشروع بقرار مني شخصياً. وجودها هنا هو الضمان الوحيد لألا يتعرض القصر لأي مخالفة قانونية من وزارة الثقافة."
ضحك عاصم بك بسخرية، ونظر إلى فاطمة بنظرة تقليل من الشأن، ثم وجّه كلامه لمروان: "قرار منك؟ يبدو أن العاطفة بدأت تؤثر على حساباتك العقارية يا ابن الشريك العزيز! الوزارة تريد إنجاز المشروع في غضون شهرين، وجداولك الزمنية تشير إلى بطء شديد بسبب تفاصيل الأستاذة 'الفنية'. إذا تأخر المشروع، سنخسر الشرط الجزائي الذي يُقدر بالملايين. أنا لن أسمح لشركتنا بأن تخسر من أجل بضعة أحجار قديمة ونقوش لا قيمة لها في السوق!"
شعرت فاطمة بإهانة بالغة لرسالتها وعملها، ولم تنتظر أن يدافع عنها مروان هذه المرة. تنحت جانباً لتواجه عاصم بك مباشرة، وقفت بـ كبرياء وعناد لا ينحني، وقالت بصوت واضح ونبرة قوية ملأتها الثقة: "يا عاصم بك.. الأحجار التي تقول عنها 'لا قيمة لها' هي التي تمنح هذا البلد هويته، وهي السبب في أن شركتكم حصلت على هذا المشروع الضخم أصلاً. العمل الأثري يحتاج إلى دقة، والسرعة غير المدروسة التي تطالب بها قد تتسبب في انهيار سقف القاعة الأثرية بالكامل. وإذا انهار، لن تخسروا أموالاً فقط.. بل ستخسرون سمعتكم في السوق تماماً، وتتعرضون للمساءلة القانونية. أنا لا أهتم بجداول أرباحك، أنا أهتم بحماية هذا الأثر، والعمل سيسير وفق الأصول العلمية، ولن أسمح بـ لمسة واحدة تضر القصر."
صُعق عاصم بك من جرأة فاطمة وقوة ردها، واحمرّ وجهه غضباً. التفت إلى مروان وقال بنبرة تهديد واضحة: "يبدو أنك أحضرت متمردة إلى موقع العمل يا مروان. سأعطيك مهلة حتى نهاية الأسبوع لتعديل هذه الخطط، وإلا سأتدخل بصفتي الشريك الأكبر وأقوم بإلغاء عقود الترميم وتعيين طاقم عمل آخر يعرف كيف ينجز الأمور بسرعة.. وأنت تعرف جيداً أنني أستطيع فعل ذلك."
استدار عاصم بك وغادر القصر بغضب عارم، تاركاً خلفه سحابة من التوتر الثقيل التي غطت المكان.
مواجهة تحت السقف الأثري
ساد الصمت لعدة دقائق. كانت فاطمة تشعر بـ أنفاسها تتسارع من شدة الغضب والتحدي، بينما كان مروان ينظر إلى الأرض بعمق، يفكر في العواقب؛ فعاصم بك يملك نفوذاً كبيراً في الشركة بالفعل، وتهديده ليس مجرد كلام عابر.
اقتربت فاطمة من مروان، وقالت بنبرة خافتة يمتزج فيها العناد بـ القلق: "مروان.. إذا كان وجودي سيسبب لك مشكلة مع شركائك، أو يهدد خسارة شركتك للملايين، فأنا مستعدة للانسحاب. أنا أحمي الآثار، لكنني لا أريد أن أكون سبباً في تدمير عملك وعلاقتك بعائلتك."
التفت مروان إليها بسرعة، وعيناه تشعان بـ عاطفة جارفة وإصرار لم تره فيه من قبل. أمسك بكتفيها برفق، ونظر في عينيها مباشرة وقال بصوت دافئ وقاطع: "تنسحبين؟ أنتِ لا تعرفين مروان جيداً بعد يا فاطمة. أنا لم أحارب طوال حياتي لأبني اسماً في السوق لكي أسمح لرجل مثل عاصم بأن يملي عليّ قراراتي، أو يهدد الإنسانة التي غيرت حياتي."
صمت قليلاً، ثم تابع وعيناه تلمعان بـ حب ورومانسية بالغة: "لقد عشتُ سنوات طويلة أظن أن النجاح هو الأرقام والأرباح فقط، لكن معكِ أنتِ، تذوقتُ طعم الحياة الحقيقي وعرفتُ قيمة الروح والأصالة. معركتكِ لحماية هذا القصر أصبحت معركتي أنا أيضاً. لن يتغير أي تفصيل في خطتك الفنية، وسيسير العمل ببطء ودقة كما ترغبين. سأواجه عاصم، وسأواجه مجلس الإدارة بأكمله من أجلكِ ومن أجل هذا المكان."
تأثرت فاطمة بشدة بكلماته وشهامته، وشعرت بأن حب مروان لها أصبح درعاً يحميها من كل عواصف العالم الخارجي. ابتسمت بـ عذوبة، وقالت بصوت رقيق: "معاً إذاً؟"
ابتسم مروان، ومد يده ليشبك أصابعه بأصابعها بقوة وسط ساحة القصر: "معاً.. حتى النهاية يا فاطمة. والآن، دعنا نعود للعمل، فلدينا تاريخ كامل ينتظر منا أن ننقذه."
وفي تلك اللحظة، وبينما كانا يبتسمان لبعضهما، تناهى إلى مسامعهما صوت غريب قادم من السرداب السفلي للقصر، صوت يشبه تحطم بعض الفخار القديم.. وكأن هناك سراً آخر في القصر بدأ ينكشف، أو أن هناك من يتجسس عليهما في الظلام.
