رواية نبض الفهد ( حين يرتجف القلب ) الفصل السابع 7 بقلم نون
مرّت ثلاثة أيام.
ثلاثة أيام من التوتّر والمسافات المحسوبة بنهم
والنظرات المسروقة التي ينكرها كلاهما.
كيان لم تعد تتشاجر معه عند كل جملة لكنها لم تخضع أيضاً.
أصبحت تنزل لتناول الإفطار والعشاء معه في صمت أغلب الوقت
أحياناً يتبادلان جملاً قصيرة
عن مشروع تخرّجها الذي أرسله فهد فعلاً لفريقاً هندسيّاً محترفاً لمساعدتها فيه
أو عن أخبار يسمعها من طارق عن تحرّكات كوستا.
لكن خلف كل ده كانت النار تتأجّج ببطء.
كيان بدأت تلاحظ تفاصيل صغيرة عن فهد
وهو كيف يترك فنجان شاي أمام بابها كل صباح
وكيف يأمر الطاهية بإعداد أكلات لم تذكرها أمامه لكنها كانت أكلات أبيها المفضّلة
— وكأنه يعرف عنها أكثر ممّا تتخيّل. كيف تتوقّف خطواته كل ليلة أمام بابها لثوانٍ قبل أن تتابع
وفهد بدأ يلاحظ أشياء أرعبته
كيف يبحث عنها بعينيه حين يدخل أي غرفة
كيف يشعر بارتياح غريب حين يسمع صوت ضحكتها الخافتة وهي تتحدّث مع زميلاتها في الهاتف
كيف صارت رائحة الياسمين التي تتبعها في كل مكان من القصر تقوده كالمسحور.
هو الذي لم تهزّه امرأة في حياته
— وقد مرّت عليه الكثيرات — بدأ يشعر بتصدّع في جداره الصلب وهذا الشعور كان يُثير فيه رعباً أكبر من أي تهديد خارجي.
في مساء اليوم الثالث حدث ما كسر الهدنة الهشّة بينهما
كانت كيان في المكتبة الملحقة بالقصر — مكتبة ضخمة بأرفف خشبية تصل للسقف
جلست على الأرض وأمامها أوراق مشروع تخرّجها مبعثرة وسمّاعة في أذنيها تستمع لموسيقى هادئة
كانت غارقة في رسوماتها الهندسية ولم تسمع الباب يُفتح
دخل فهد يبحث عن ملف توقّف حين رآها.
لم تلاحظه كانت منحنية على أوراقها
شعرها الكستنائي يتدلّى ليغطّي نصف وجهها وقلم رصاص بين أسنانها وإصبعها يتتبّع خطوطاً على الورق بتركيز مطلق.
وقف يراقبها
لأول مرة رآها بلا حصون ولا عناد ولا غضب.
كانت مجرّد فتاة في الثانية والعشرين
تحبّ الهندسة وتحلم بمستقبل سرقه منها عمّها ثم جاء هو ليسرق ما تبقّى — حتى لو كان يفعل ذلك لحمايتها.
شعر بشيء يتحرّك في صدره شيء دافئ يشبه النبض. نبض كان ميّتاً منذ سنوات.
هزّ رأسه بغضب من نفسه واستدار ليخرج لكن حذاءه أصدر صريراً خفيفاً على الأرضية.
رفعت كيان رأسها بمفاجأة سحبت السمّاعة من أذنيها.
— فهد؟
— كنت بدوّر على ملف... مش لاقيه.
— أي ملف؟
تردّد لثانية ثم قال
— مش مهم......كمّلي شغلك.
— استنّى.
وقفت ومشت نحوه
وقفت أمامه على بُعد خطوة واحدة
رفعت رأسها لتنظر في عينيه ورأى فيهما شيئاً لم يعتده
لا خوف ولا غضب بل فضول
— إنت ليه بتعمل كده؟
— بعمل إيه؟
— بتحميني وبتبعد عنّي
بتسيبلي شاي الصبح وبتمشي قبل بتبعت ناس تساعدني في مشروعي
وترفض إني أشكرك. بتقف قدام بابي كل ليلة وتمشي
إنت ليه بتعمل كل ده وبعدين تبصّلي وكأني غريبة عنك؟
كل كلمة قالتها كانت كطعنة دقيقة في دروعه.
— كيان...
— لأ .... أنا سكتّ تلات أيام دلوقتي أنا عايزة أفهم إنت وعدت بابا تحميني
تمام. بس اللي بتعمله ده مش مجرّد حماية
اللي بيحمي حد مش بيعرف أكلته المفضّلة ومش بيقف قدام بابه بالليل.
ضاقت عيناه وتقدّم نحوها خطوة كانت المسافة بينهما تتلاشى.
— بطّلي تحليل يا كيان. مش كل حاجة ليها معنى
— لأ. كل حاجة ليها معنى
إنت بس بتخاف تواجهه.
الكلمة الأخيرة كانت كالمطرقة. بتخاف.....
لم يُوصف فهد السيوفي بالخوف في حياته قطّ
الرجل الذي ترتعش منه إمبراطوريّات اقتصادية كاملة ويرتجف أمامه رجال في ضعف سنّه
— تقول له فتاة في الثانية والعشرين إنه خائف.
والمصيبة الحقيقية... أنها كانت محقّة.
تقدّم خطوة أخيرة. أصبح يلامسها تقريباً
أمسك ذقنها بأصابعه ورفع وجهها ليواجه عينيها مباشرة
الكهرباء بينهما كادت تُشعل الغرفة.
— أنا مابخافش من حاجة يا كيان
— كداب
قالتها بصوت أخفض من الهمس وشفتاها ترتجفان وعيناها تغرقان في عينيه المظلمتين
قلبها يدقّ بعنف لم تعرفه من قبل وجسدها يتمرّد على عقلها
نظر لشفتيها لثانية واحدة سقط القناع بالكامل ورأت في عينيه شخص خاماً مجروحاً وجائعاً.
ثم أغمض عينيه بألم وأبعد يده عن وجهها وتراجع خطوتين للخلف.
— روحي نامي يا كيان بكره يوم طويل.
استدار ومشى نحو الباب خطواته لم تكن ثابتة كعادتها.
قبل أن يخرج قالت بصوت مبحوح
— فهد...
توقّف بدون أن يلتفت.
— بابا كان صح إنه اختارك حتى لو إنت لسّه مش شايف ليه.
لم يردّ
خرج وأغلق الباب خلفه.
في الممر أسند ظهره على الحائط ووضع يده على صدره
قلبه كان يدقّ بجنون — إيقاع لم يسمعه منذ عقود.
همس لنفسه بصوت مبحوح
— يا ابن المجنونة يا فهد
إنت وقعت.
في نفس اللحظة على بُعد مئات الكيلومترات في فيلا على ساحل الإسكندرية
كان رجل أشقر ذو ملامح أوروبية حادّة يجلس في شرفة تطلّ على البحر
عيناه الرماديّتان باردتان كالزئبق وبين أصابعه سيجار كوبي يحترق ببطء
أمامه على الطاولة هاتف يعرض صورة التُقطت بكاميرا مراقبة
صورة لكيان وهي تنزل درج القصر في ذلك الصباح مرتدية الفستان الرمادي
ابتسم إلياس كوستا ابتسامة لا تصل لعينيه الخبيثة .. تناول هاتفاً آخر واتصل برقم
— عاصم... صديقي القديم. يبدو إن فهد بيستمتع بالهدية اللي كانت من نصيبي.... عايزك تعمل حاجة صغيّرة عشاني.
من الطرف الآخر جاء صوت عاصم مرتعشاً
— أنا خلاص يا كوستا... فهد سدّد الديون ومليش دعوة.
ضحك كوستا ضحكة هادئة أشبه بصوت ثعبان ينزلق على رخام.
— يا عاصم يا حبيبي... إنت فاكر إن ديون الفلوس هي اللي بتتسدّد؟
أنا عندي ديون من نوع تاني. عندي فيديو ليك وإنت بتوقّع
على شحنة دخلت ميناء دمياط
من سنتين..... فاكرها؟
لو الفيديو ده وصل للنيابة العامة... مش السجن اللي هيخوّفك
اللي هيخوّفك إن فهد السيوفي نفسه هيدفنك حيّ لمّا يعرف إنك كنت بتهرّب سلاح
صمت طويل.
— عايزني أعمل إيه؟
ابتسم كوستا وأطفأ سيجاره ببطء في المنفضة الكريستالية
— عايزك تفتحلي باب القصر من جوّه... وتجيبلي كيان.
ثلاثة أيام من التوتّر والمسافات المحسوبة بنهم
والنظرات المسروقة التي ينكرها كلاهما.
كيان لم تعد تتشاجر معه عند كل جملة لكنها لم تخضع أيضاً.
أصبحت تنزل لتناول الإفطار والعشاء معه في صمت أغلب الوقت
أحياناً يتبادلان جملاً قصيرة
عن مشروع تخرّجها الذي أرسله فهد فعلاً لفريقاً هندسيّاً محترفاً لمساعدتها فيه
أو عن أخبار يسمعها من طارق عن تحرّكات كوستا.
لكن خلف كل ده كانت النار تتأجّج ببطء.
كيان بدأت تلاحظ تفاصيل صغيرة عن فهد
وهو كيف يترك فنجان شاي أمام بابها كل صباح
وكيف يأمر الطاهية بإعداد أكلات لم تذكرها أمامه لكنها كانت أكلات أبيها المفضّلة
— وكأنه يعرف عنها أكثر ممّا تتخيّل. كيف تتوقّف خطواته كل ليلة أمام بابها لثوانٍ قبل أن تتابع
وفهد بدأ يلاحظ أشياء أرعبته
كيف يبحث عنها بعينيه حين يدخل أي غرفة
كيف يشعر بارتياح غريب حين يسمع صوت ضحكتها الخافتة وهي تتحدّث مع زميلاتها في الهاتف
كيف صارت رائحة الياسمين التي تتبعها في كل مكان من القصر تقوده كالمسحور.
هو الذي لم تهزّه امرأة في حياته
— وقد مرّت عليه الكثيرات — بدأ يشعر بتصدّع في جداره الصلب وهذا الشعور كان يُثير فيه رعباً أكبر من أي تهديد خارجي.
في مساء اليوم الثالث حدث ما كسر الهدنة الهشّة بينهما
كانت كيان في المكتبة الملحقة بالقصر — مكتبة ضخمة بأرفف خشبية تصل للسقف
جلست على الأرض وأمامها أوراق مشروع تخرّجها مبعثرة وسمّاعة في أذنيها تستمع لموسيقى هادئة
كانت غارقة في رسوماتها الهندسية ولم تسمع الباب يُفتح
دخل فهد يبحث عن ملف توقّف حين رآها.
لم تلاحظه كانت منحنية على أوراقها
شعرها الكستنائي يتدلّى ليغطّي نصف وجهها وقلم رصاص بين أسنانها وإصبعها يتتبّع خطوطاً على الورق بتركيز مطلق.
وقف يراقبها
لأول مرة رآها بلا حصون ولا عناد ولا غضب.
كانت مجرّد فتاة في الثانية والعشرين
تحبّ الهندسة وتحلم بمستقبل سرقه منها عمّها ثم جاء هو ليسرق ما تبقّى — حتى لو كان يفعل ذلك لحمايتها.
شعر بشيء يتحرّك في صدره شيء دافئ يشبه النبض. نبض كان ميّتاً منذ سنوات.
هزّ رأسه بغضب من نفسه واستدار ليخرج لكن حذاءه أصدر صريراً خفيفاً على الأرضية.
رفعت كيان رأسها بمفاجأة سحبت السمّاعة من أذنيها.
— فهد؟
— كنت بدوّر على ملف... مش لاقيه.
— أي ملف؟
تردّد لثانية ثم قال
— مش مهم......كمّلي شغلك.
— استنّى.
وقفت ومشت نحوه
وقفت أمامه على بُعد خطوة واحدة
رفعت رأسها لتنظر في عينيه ورأى فيهما شيئاً لم يعتده
لا خوف ولا غضب بل فضول
— إنت ليه بتعمل كده؟
— بعمل إيه؟
— بتحميني وبتبعد عنّي
بتسيبلي شاي الصبح وبتمشي قبل بتبعت ناس تساعدني في مشروعي
وترفض إني أشكرك. بتقف قدام بابي كل ليلة وتمشي
إنت ليه بتعمل كل ده وبعدين تبصّلي وكأني غريبة عنك؟
كل كلمة قالتها كانت كطعنة دقيقة في دروعه.
— كيان...
— لأ .... أنا سكتّ تلات أيام دلوقتي أنا عايزة أفهم إنت وعدت بابا تحميني
تمام. بس اللي بتعمله ده مش مجرّد حماية
اللي بيحمي حد مش بيعرف أكلته المفضّلة ومش بيقف قدام بابه بالليل.
ضاقت عيناه وتقدّم نحوها خطوة كانت المسافة بينهما تتلاشى.
— بطّلي تحليل يا كيان. مش كل حاجة ليها معنى
— لأ. كل حاجة ليها معنى
إنت بس بتخاف تواجهه.
الكلمة الأخيرة كانت كالمطرقة. بتخاف.....
لم يُوصف فهد السيوفي بالخوف في حياته قطّ
الرجل الذي ترتعش منه إمبراطوريّات اقتصادية كاملة ويرتجف أمامه رجال في ضعف سنّه
— تقول له فتاة في الثانية والعشرين إنه خائف.
والمصيبة الحقيقية... أنها كانت محقّة.
تقدّم خطوة أخيرة. أصبح يلامسها تقريباً
أمسك ذقنها بأصابعه ورفع وجهها ليواجه عينيها مباشرة
الكهرباء بينهما كادت تُشعل الغرفة.
— أنا مابخافش من حاجة يا كيان
— كداب
قالتها بصوت أخفض من الهمس وشفتاها ترتجفان وعيناها تغرقان في عينيه المظلمتين
قلبها يدقّ بعنف لم تعرفه من قبل وجسدها يتمرّد على عقلها
نظر لشفتيها لثانية واحدة سقط القناع بالكامل ورأت في عينيه شخص خاماً مجروحاً وجائعاً.
ثم أغمض عينيه بألم وأبعد يده عن وجهها وتراجع خطوتين للخلف.
— روحي نامي يا كيان بكره يوم طويل.
استدار ومشى نحو الباب خطواته لم تكن ثابتة كعادتها.
قبل أن يخرج قالت بصوت مبحوح
— فهد...
توقّف بدون أن يلتفت.
— بابا كان صح إنه اختارك حتى لو إنت لسّه مش شايف ليه.
لم يردّ
خرج وأغلق الباب خلفه.
في الممر أسند ظهره على الحائط ووضع يده على صدره
قلبه كان يدقّ بجنون — إيقاع لم يسمعه منذ عقود.
همس لنفسه بصوت مبحوح
— يا ابن المجنونة يا فهد
إنت وقعت.
في نفس اللحظة على بُعد مئات الكيلومترات في فيلا على ساحل الإسكندرية
كان رجل أشقر ذو ملامح أوروبية حادّة يجلس في شرفة تطلّ على البحر
عيناه الرماديّتان باردتان كالزئبق وبين أصابعه سيجار كوبي يحترق ببطء
أمامه على الطاولة هاتف يعرض صورة التُقطت بكاميرا مراقبة
صورة لكيان وهي تنزل درج القصر في ذلك الصباح مرتدية الفستان الرمادي
ابتسم إلياس كوستا ابتسامة لا تصل لعينيه الخبيثة .. تناول هاتفاً آخر واتصل برقم
— عاصم... صديقي القديم. يبدو إن فهد بيستمتع بالهدية اللي كانت من نصيبي.... عايزك تعمل حاجة صغيّرة عشاني.
من الطرف الآخر جاء صوت عاصم مرتعشاً
— أنا خلاص يا كوستا... فهد سدّد الديون ومليش دعوة.
ضحك كوستا ضحكة هادئة أشبه بصوت ثعبان ينزلق على رخام.
— يا عاصم يا حبيبي... إنت فاكر إن ديون الفلوس هي اللي بتتسدّد؟
أنا عندي ديون من نوع تاني. عندي فيديو ليك وإنت بتوقّع
على شحنة دخلت ميناء دمياط
من سنتين..... فاكرها؟
لو الفيديو ده وصل للنيابة العامة... مش السجن اللي هيخوّفك
اللي هيخوّفك إن فهد السيوفي نفسه هيدفنك حيّ لمّا يعرف إنك كنت بتهرّب سلاح
صمت طويل.
— عايزني أعمل إيه؟
ابتسم كوستا وأطفأ سيجاره ببطء في المنفضة الكريستالية
— عايزك تفتحلي باب القصر من جوّه... وتجيبلي كيان.