رواية مروان وفاطمة الفصل السادس 6 بقلم القلم الذهبي
الفصل السادس: زوايا الغموض والرهان الخفي
اتكأ مروان إلى الخلف، ونظر في عينيها بـ تحدٍّ رومانسي غازل كبرياءها: "أسبوع؟ هذا وقت طويل جداً بالنسبة لرجل أعمال مثلي يا فاطمة. ما رأيكِ في رهان؟ إذا استطعتِ فتحه في ثلاثة أيام دون إلحاق ضرر به، سأمنحكِ الصلاحية الكاملة للإشراف على ترميم قصر الغوري، ولن تتدخل شركتي في خياراتكِ الفنية مطلقاً."
اتسعت عينا فاطمة بـ مفاجأة، ولمعت فيهما شرارة التحدي الشرسة التي يعشقها مروان. تقدمت بجسدها قليلاً وقالت: "وإذا خسرتُ الرهان؟"
اقترب مروان بصوته، وأصبحت نبرته أكثر دفئاً وشغفاً: "إذا خسرتِ.. ستوافقين على دعوتي للعشاء في مكان حديث جداً وصاخب، وتسمحين لي بأن آخذكِ بعيداً عن جدرانكِ القديمة لليلة واحدة، لترى الدنيا بعينيّ أنا."
احمرّت وجنتا فاطمة بـ خجل حاولت إخفاءه خلف ابتسامة واثقة: "موافقِة على الرهان يا باشمهندس. والآن، اترك لي الصندوق، واخرج لتباشر إسمنت وزجاج شركاتك، لأنك ستخسر هذا الرهان حتماً."
على مدار اليومين التاليين، لم تكن فاطمة تنام إلا ساعات قليلة. تحول المحترف إلى ورشة عمل مكثفة. كانت تسهر تحت ضوء مصباحها الصغير، تضع المحاليل بـ قطرة العين على القفل النحاسي، وتنظف الزخارف بـ فرشاة دقيقة للغاية. لم يكن دافعها فقط الفوز بالإشراف على قصر الغوري، بل كان هناك دافع خفي أعمق: رغبتها في اكتشاف ماضي الرجل الذي بدأ يتسلل إلى أعماق قلبها، ومعرفة الأسرار التي شكلت شخصيته الصارمة.
وفي الليلة الثالثة، وبينما كانت عقارب الساعة تشير إلى منتصف الليل، وكان الهدوء يلف الحارة القديمة، سمعت فاطمة صوت "تكة" خفيفة وناعمة قادمة من القفل. حبست أنفاسها، ورفعت الغطاء الخشبي ببطء شديد.
انبعثت من الصندوق رائحة ورق قديم ومسك جاف. في الداخل، لم تكن هناك عقود ملكية أو صفقات مالية، بل كانت هناك رسائل حب قديمة مكتوبة بخط يد عربي بديع، متبادلة بين جده وجدته، وبجانبها ساعة جيب ذهبية متوقفة، وصورة فوتوغرافية قديمة بالأبيض والأسود لامرأة تشبه مروان في حِدة عينيها، لكنها تملك ابتسامة دافئة.
دمعت عينا فاطمة وهي تقرأ الأسطر الأولى من إحدى الرسائل، والتي تتحدث عن الشوق، وعن كيف أن الحب هو البناء الوحيد الذي لا تطاله يد الهدم أو الزمن. في تلك اللحظة، رنّ جرس المحترف، ودخل مروان. كان المطر يهطل بالخارج، وشعره مبتل قليلاً، وعيناه تبحثان عنها بـ لهفة لم يستطع إخفاءها.
نظر إلى الصندوق المفتوح، ثم إلى دموعها العالقة في رموشها. تقدم نحوها بـ خطوات مسرعة، واختفت نبرة التحدي ليحل محلها قلق حقيقي: "فاطمة.. ما الأمر؟ هل حدث شيء سيء؟"
هزت رأسها بـ نفي، ورفعت إليه الصورة والرسائل بصوت متهدج من العاطفة: "لقد فتحت الصندوق يا مروان.. وربحتُ الرهان. لكن الخسارة الحقيقية كانت ستكون لو أن هذا الصندوق ضاع أو فُتح بـ عنف. انظر.. جدك لم يكن يجمع العقارات، كان يجمع المشاعر. هذه الرسائل هي أصل عائلتك.. هذا هو التاريخ الذي كنت تحاول حذفه من حساباتك."
صمت مروان تماماً. أخذ الرسائل بـ يد مرتجفة، ونظر إلى خط جده، ثم إلى وجه فاطمة الذي كان يشع بـ حنان غامر في تلك اللحظة. شعر مروان بـ صدمة عاطفية إيجابية؛ فالمرأة التي أمامه لم تنقذ فقط صندوقاً خشبياً، بل أنقذت جزءاً من روحه وجذوره التي جففها صخب العمل والمال.
وضع الرسائل جانباً، واقترب منها حتى لم يعد بينهما سوى سنتيمترات قليلة. نظر في عينيها بـ عمق وشغف جارف، ولم يعد قادراً على كبح مشاعره أكثر من ذلك. أمسك بيديها بحنان دافئ وقال بصوت يرتجف عاطفة ونبلاً: "لقد فزتِ بالرهان يا فاطمة.. وفزتِ بقلبي أيضاً. لم أكن أعلم أن الماضي يحمل كل هذا الدفء، ولم أكن أعلم أنني كنت أبحث عنكِ طوال السنين الماضية بين الخرسانة والزجاج. قصر الغوري لكِ.. وحياتي كلها لكِ، إن قبلتِ بمهندس متمرد يحاول أن يتعلم العزف على أوتار قلبكِ."
ارتجفت أنفاس فاطمة، وشعرت بأن جدران المحترف القديمة تشهد على ولادة أعظم حكاية حب في حياتها، حكاية جمعت بين عناد الماضي ورومانسية الحاضر بـ لمسة ساحرة.
