رواية نبض الفهد ( حين يرتجف القلب ) الفصل السادس 6 بقلم نون
نبض الفهد بقلم نون
ظلّت كلماته معلّقة في الهواء كرصاصة توقّفت قبل أن تنغرس في لحمها.
إنتي الليلة دي دخلتي عرين الفهد برجليكي... ومفيش خروج منه أبداً.
لم تتحرّك كيان. ظهرها ملتصق بحافّة المكتب الزجاجي
ركبتاها مطويّتان أمام صدرها ويداه على جانبيها تغلقان كل منفذ للهروب.
كانت تشمّ رائحة عطره التي تتسلّل من ثنايا قميصه المبقّع بالدم.
.
.
أدركت أنه قادم من حرب حقيقية لا مجازية — وأنها الآن محاصرة مع مفترس لم يُنهِ بعد طقوس صيده.
لكن شيئاً ما تغيّر بداخلها.
قبل دقائق كانت تراه شيطاناً بلا قلب والآن بعد ما قرأته في ذلك الملف أصبحت تراه... لغزاً مؤلماً لا تملك مفتاحه.
رفعت وجهها المبلّل بالدموع ونظرت في عينيه مباشرة لأول مرة لم تنظر إليه بتحدٍّ ولا بخوف بل بشيء بينهما
قالت
— ليه ماقولتليش؟
جاء صوتها أضعف مما أرادته وأصدق مما توقّعته.
ضاقت عيناه لثانية
ثم اعتدل فهد في وقفته ببطء سحب يديه عنها وتراجع خطوة واحدة
أدار ظهره لها ومشى نحو النافذة. وقف هناك يضع يده على إطار الزجاج
الصمت بينهما كان كصخرة
قطع الصمت وقال
— لأن معرفتك كانت هتحطّك في خطر أكبر.
قالها بصوت أجشّ بلا التفاتة كأنه يتحدّث للجدران لا لها.
— اللي بيعرف أسرار الفهد يا كيان بيبقى قدامه طريقين
يا يفضل جوّه القفص تحت حمايته... يا ينتهي. أنا مكنتش عايزك تعرفي عشان عايزك تفضلي بعيدة عن الخط ده.
بس إنتي قررتي تفتحي الباب بإيدك.
نهضت كيان ببطء. ساقاها ترتجفان مسحت وجهها بظاهر يدها ووقفت في مكانها تحاول ترتيب العاصفة التي تهبّ داخل رأسها.
— عمّي... كان هيسلّمني لمين بالظبط؟
التفت فهد
— ناس لو وقعتي في إيدهم يا كيان مكنتيش هتفضلي كيان
كنتي هتبقي رقم في ملف وبعدين... و لا حاجة.
عمّك عليه ديون لمجموعة مافيا
اسمها الذئب الأسود
لمّا عجز يسدّد عرض عليهم حاجتين الأرض وإنتي
الارض جزء من الديون وانتى
عشان يضمنوا ولاء عمّك بالكامل ويجوّزوكي لكبيرهم إلياس كوستا يوناني الجنسية مطلوب في أربع دول.
أحسّت كيان بمعدتها تنقلب. استندت بيدها على حافّة المكتب كي لا تسقط.
— وإنت... عرفت إزاي؟
صمت فهد لثوانٍ ثم مشى نحو المكتب فتح الدرج السفلي بمفتاح من سلسلة مفاتيحه
وأخرج ظرفاً ألقاه على سطح المكتب أمامها.
— أبوك... المرحوم محمود الدمنهوري كان مهندس مدني شريف
— من الناس اللي لسّه بتشتغل بضمير في البلد دي.
اشتغل معايا في مشروع المنصورة الجديدة من خمس سنين كنت لسّه صغير في الشغل وهو كان الوحيد اللي عاملني كإنسان
مش كرقم في دفتر شيكات لمّا تعب ودخل المستشفى قبل ما يموت بأسبوع... بعتلي يطلبني.
توقّف فهد. حرّك فكّه كأنه يبتلع مرّاً.
— رحت المستشفى
مسك إيدي وقالي حرفياً يا فهد أنا عارف أخويا عاصم بيعمل إيه
يوم ما أموت هيبلع الأرض
ويضر البنت أنا مليش غيرها في الدنيا
اوعدني تحميها... حتّى لو هي نفسها مش هتفهم ليه
سكت لحظة ثم أكمل
— وعدته وفضلت أراقب عمّك سنة ورا سنة لحد ما بدأ ينهار ويلعب مع الكبار
ولمّا عرفت إنه وقّع الاتفاق مع كوستا... اشتريت كل ديونه في ليلة واحدة وحطّيته قدام خيار واحد
يجيبك ليا أنا... أو يدخل السجن
انزلقت دمعة على خدّ كيان.
— بابا... وصّاك عليا؟
لم يجب فهد لم يكن من النوع الذي يكرّر كلامه
استدار وذهب نحو الحمام الملحق بغرفته فتح الصنبور وغسل يديه
كانت كيان تراقب ظهره من خلال
— لاحظت كيف انقبضت عضلات كتفيه وكيف أمسك حافّة الحوض بقوّة كأنه يمنع نفسه من الانهيار.
فهد السيوفي لا ينهار هذا ما تعلّمه منذ كان في الخامسة عشرة حين مات أبوه غدراً وتركه وحيداً في عالم الذئاب.
بنى إمبراطوريّته من الصفر حجراً فوق حجر وبنى حولها أسواراً حتى نسي كيف يكون إنساناً
لكن وعده لمحمود الدمنهوري كان الخيط الوحيد الذي يربطه بما تبقّى من إنسانيّته.
خرج من الحمام ووجهه مبلّل بالماء وقد استعاد قناعه الصارم. نظر إليها وقال ببرود مُصطنع
— دلوقتي بما إنك عرفتي كل حاجة القواعد اتغيّرت
مفيش تمثيل ومفيش لعب إنتي في خطر حقيقي اللي حاول يدخّل الدرون النهارده ده مش حد عادى دى رجال كوستا
بيقولوا إن الأرض بتاعتهم وإنك كمان كنتي بتاعتهم وزواجك منّي بالنسبالهم إعلان حرب.
— وإنت كنت عارف إنك بتعلن حرب لمّا كتبت الكتاب؟
ابتسم فهد
— أنا يا كيان ماببدأش حروب... أنا بخلّصها.
-
في الساعة الثالثة فجراً كانت كيان مستلقية على سريرها في جناحها تحدّق في السقف العالي
كل خلية في جسدها مُنهَكة لكن عقلها يرفض الاستسلام للنوم.
كلّما أغمضت عينيها رأت وجه أبيها على سرير المستشفى وهو يوصي عليها رجلاً غريباً
رأت عمّها يوقّع على عقد بيعها كأنها قطعة أثاث قديمة
ورأت فهد وهو يمسح دمعتها بإبهامه — تلك اللمسة التي كانت أرقّ مما ينبغي لرجل بقسوته.
سمعت صوت خطوات في الممر الفاصل بين غرفتيهما
خطوات كأنه يحرس الممر بنفسه. توقّفت الخطوات أمام بابها لحظة ثم تابعت طريقها نحو غرفته.
أغمضت عينيها وشعرت بشيء غريب يتسلّل إلى صدرها
— ليس خوفاً ولا كرهاً بل شعور مُربك
في صباح اليوم التالي نزلت كيان مبكراً لأول مرة منذ وصولها
لم تكن تعرف لماذا استيقظت قبل الفجر ولماذا وقفت أمام خزانة الملابس الفاخرة التي تجاهلتها بالأمس
مدّت يدها ببطء واختارت فستاناً بسيطاً رمادياً ناعماً ليس بذخاً هكذا أقنعت نفسها.
نزلت الدرج لتجد
غرفة الطعام كانت مكتظّة بأربعة رجال بالبدل الرسمية يجلسون مع فهد حول طاولة مستطيلة عليها أوراق وخرائط وأجهزة لابتوب مفتوحة
كان عمر — صديق فهد ومدير أعماله — يتحدث بسرعة ويشير إلى خريطة مساحية.
توقّفت كيان عند عتبة الباب. لاحظها عمر أولاً ورفع حاجبيه بمفاجأة خفيفة ثم نظر لفهد
التقط فهد النظرة دون أن يرفع رأسه عن الأوراق.
— كمّل يا عمر.
— بقولك إن أرض التجمع اللي باسم كيان هانم مسجّلة في الشهر العقاري باسم والدها الراحل ومنقولة ليها بالميراث الشرعي.
مفيش أي حق قانوني لكوستا أو لمجموعته فيها بس المشكلة إن عاصم وقّع عقد بيع ابتدائي ليها قبل ما تشتري ديونه بأربع وعشرين ساعة بس
العقد مزوّر لأنه مش الوصي الشرعي بس في المحاكم الموضوع ده ممكن ياخد سنين
هنا رفع فهد رأسه أخيراً وقع بصره على كيان الواقفة في الباب.
لم تكن ترتدي ملابسها القديمة البسيطة
الفستان الرمادي كان يبرز رقّة ملامحها بشكل لم يتوقّعه
شعرها الكستنائي المتمرّد منسدل على كتفيها بدل ذيل الحصان الفوضوي.
لم تضع مكياجاً لكن وجهها كان يحمل جمالاً وعينيها البندقية الواسعتين محاطتين بهالات خفيفة أضافت إليهما عمقاً حزيناً.
لثانية — ثانية واحدة فقط — فقد فهد السيوفي تركيزه.
ثم أعاد بناء قناعه بسرعة مذهلة وقال بنبرة محايدة
— اقعدي يا كيان الكلام ده يخصّك.
جلست على الكرسي
أكمل عمر
— فهد، الخيار القانوني هياخد وقت واحنا مش عندنا رفاهية الوقت
كوستا بيتحرّك بسرعة عنده محامين في مصر وعنده ناس جوّه الحكومة
لو دخل القضية في المحكمة ممكن يقدر يجمّد الأرض بأمر قضائي وبعدها يبدأ ابتزاز حقيقي
فهد بهدوء وهو يميل للأمام
— طيّب وإيه الخيار التاني؟
تردّد عمر نظر لكيان نظرة خاطفة ثم أعاد بصره لفهد.
— إنك تحوّل ملكية الأرض باسمك إنت مباشرة بتوكيل من كيان هانم بصفتها زوجتك.
وبكده أي مطالبة من كوستا هتكون ضدّك إنت شخصياً
اشتعلت عينا كيان وقبل أن يتكلّم فهد قالت بصوت حادّ فاجأ الجميع
— لأ
التفت كل الرؤوس نحوها
عمر فتح فمه بذهول الرجال الأربعة تبادلوا نظرات مُحرَجة
أما فهد فقد أسند ظهره على الكرسي وشبك أصابعه أمامه ونظر إليها بعينين لا تكشفان شيئاً
— لأ إيه يا كيان؟
وقفت كيان ووضعت يديها على الطاولة
— الأرض دي الحاجة الوحيدة اللي سابهالي بابا مش هوقّع على تحويلها لأي حد
— لا ليك ولا لكوستا ولا لأي مخلوق على وش الأرض
بابا اشتغل تلاتين سنة عشان يسيبهالي ومش هسيب حد يشيل اسمي من عليها حتى لو الحد ده بيحميني
عمر نظر لفهد بقلق واضح متوقّعاً انفجاراً الرجال الأربعة حبسوا أنفاسهم
لكن فهد لم ينفجر بل فعل شيئاً لم يتوقّعه أحد في الغرفة
ابتسم.
ابتسامة خفيفة
لكنها كانت كافية لتجعل عمر يضيّق عينيه بذهول
— لأنه يعرف فهد منذ خمسة عشر عاماً ولم يرَ تلك الابتسامة إلا مرّات تُعدّ على أصابع اليد.
— سمعت الستّ بتقول إيه يا عمر؟ ابعت للمحامين يدوّروا على حلّ تالت
الأرض تفضل باسمها والحماية القانونية ليها
ثم نظر لكيان ببرود وعاد إلى صوته وقال
— اقعدي يا كيان مش كل ما تعترضي تقومي تقفي قدام الناس وتعملي خطبة
هنا مش كليتك
احتقن وجهها بالغضب لكنها ابتلعته وجلست
أدركت أنه احترم رأيها فعلاً لكنه يرفض أن يُظهر ذلك أمام أحد. كبرياؤه حصن لا تسقط منه لبنة أمام العيون.
بعد الانتهاء وخروج الجميع بقيت كيان جالسة في غرفة الطعام الفارغة
دخل فهد ثانياً جلس مقابلها ووضع أمامها هاتفاً محمولاً جديداً في علبته
— ده موبايلك الجديد الخط باسم الشركة ومشفّر بالكامل
تقدري تكلّمي زمايلك اللي محتاجاهم في موضوع مشروع التخرّج.
بس كل مكالمة بتتسجّل أوتوماتيك عند طارق — مش عشان أتجسّس عليكي عشان أحميكي لو حد حاول يوصلّك من بره.
مدّت يدها وأخذت الهاتف ببطء. أصابعها لامست أصابعه لثانية عابرة وكأن تيّاراً كهربائيّاً مرّ بينهما
— سحبت يدها بسرعة ووضعت واخذت الهاتف
— شكراً.
رفع حاجبيه بخفّة مفاجأة ساخرة
— أول مرة تقوليها من ساعة ما دخلتي البيت ده.
ابتلعت كبرياءها ونظرت في عينيه
— أنا مش بشكرك على الموبايل
أنا بشكرك على... اللي عملته عشان وعدك ل بابا..... حتى لو مكنتش فاهمة.
حتى لو لسّه مش متقبّلة إن حياتي اتقلبت في ليلة.
صمت فهد ثم نظر بعيداً عنها نحو الحديقة من خلف الزجاج.
— متشكرنيش يا كيان أنا مش بعمل حاجة عشانك أنا بوفّي وعدى
كلماته كانت كالسكّين حادّة
أراد أن يُبقي المسافة بينهما
أراد أن يقول لها لا تقتربي ولا تبحثي عن إنسانيّتي لأنها مدفونة في مكان لا أريد لأحد أن يحفر فيه.
لكن كيان
— التي ورثت عناد أبيها وذكاءه — لم تكن من النوع الذي يقبل الأبواب المغلقة.
— طيّب... أنا عايزة أسألك سؤال واحد وعايزك تردّ بصراحة.
نظر لها بحذر
— اسألي.
— لو مكانش بابا وصّاك... كنت هتسيبني لكوستا؟
السؤال ضربه في مكان لم يكن مستعدّاً له.
رأت عضلات فكّه تتقلّص وعروق يده تنتفخ وهو يقبض على حافّة الطاولة.
الصمت طال.
ثم نهض فجأة دفع كرسيّه للخلف ووقف بكامل هيبته
— أنا فهد السيوفي ما كنتش هسيب أي حد يتباع لحيوانات قدّامي سواء كان ابن حد وصّاني أو ابن أي حد تاني.
بس الفرق... إن بنت محمود الدمنهوري كنت هحرق الدنيا عشانها. والفرق ده... يكفيكي.
خرج من الغرفة تاركاً كيان وحيدة مع قلب
ينبض بإيقاع لم تعهده من قبل
ظلّت كلماته معلّقة في الهواء كرصاصة توقّفت قبل أن تنغرس في لحمها.
إنتي الليلة دي دخلتي عرين الفهد برجليكي... ومفيش خروج منه أبداً.
لم تتحرّك كيان. ظهرها ملتصق بحافّة المكتب الزجاجي
ركبتاها مطويّتان أمام صدرها ويداه على جانبيها تغلقان كل منفذ للهروب.
كانت تشمّ رائحة عطره التي تتسلّل من ثنايا قميصه المبقّع بالدم.
.
.
أدركت أنه قادم من حرب حقيقية لا مجازية — وأنها الآن محاصرة مع مفترس لم يُنهِ بعد طقوس صيده.
لكن شيئاً ما تغيّر بداخلها.
قبل دقائق كانت تراه شيطاناً بلا قلب والآن بعد ما قرأته في ذلك الملف أصبحت تراه... لغزاً مؤلماً لا تملك مفتاحه.
رفعت وجهها المبلّل بالدموع ونظرت في عينيه مباشرة لأول مرة لم تنظر إليه بتحدٍّ ولا بخوف بل بشيء بينهما
قالت
— ليه ماقولتليش؟
جاء صوتها أضعف مما أرادته وأصدق مما توقّعته.
ضاقت عيناه لثانية
ثم اعتدل فهد في وقفته ببطء سحب يديه عنها وتراجع خطوة واحدة
أدار ظهره لها ومشى نحو النافذة. وقف هناك يضع يده على إطار الزجاج
الصمت بينهما كان كصخرة
قطع الصمت وقال
— لأن معرفتك كانت هتحطّك في خطر أكبر.
قالها بصوت أجشّ بلا التفاتة كأنه يتحدّث للجدران لا لها.
— اللي بيعرف أسرار الفهد يا كيان بيبقى قدامه طريقين
يا يفضل جوّه القفص تحت حمايته... يا ينتهي. أنا مكنتش عايزك تعرفي عشان عايزك تفضلي بعيدة عن الخط ده.
بس إنتي قررتي تفتحي الباب بإيدك.
نهضت كيان ببطء. ساقاها ترتجفان مسحت وجهها بظاهر يدها ووقفت في مكانها تحاول ترتيب العاصفة التي تهبّ داخل رأسها.
— عمّي... كان هيسلّمني لمين بالظبط؟
التفت فهد
— ناس لو وقعتي في إيدهم يا كيان مكنتيش هتفضلي كيان
كنتي هتبقي رقم في ملف وبعدين... و لا حاجة.
عمّك عليه ديون لمجموعة مافيا
اسمها الذئب الأسود
لمّا عجز يسدّد عرض عليهم حاجتين الأرض وإنتي
الارض جزء من الديون وانتى
عشان يضمنوا ولاء عمّك بالكامل ويجوّزوكي لكبيرهم إلياس كوستا يوناني الجنسية مطلوب في أربع دول.
أحسّت كيان بمعدتها تنقلب. استندت بيدها على حافّة المكتب كي لا تسقط.
— وإنت... عرفت إزاي؟
صمت فهد لثوانٍ ثم مشى نحو المكتب فتح الدرج السفلي بمفتاح من سلسلة مفاتيحه
وأخرج ظرفاً ألقاه على سطح المكتب أمامها.
— أبوك... المرحوم محمود الدمنهوري كان مهندس مدني شريف
— من الناس اللي لسّه بتشتغل بضمير في البلد دي.
اشتغل معايا في مشروع المنصورة الجديدة من خمس سنين كنت لسّه صغير في الشغل وهو كان الوحيد اللي عاملني كإنسان
مش كرقم في دفتر شيكات لمّا تعب ودخل المستشفى قبل ما يموت بأسبوع... بعتلي يطلبني.
توقّف فهد. حرّك فكّه كأنه يبتلع مرّاً.
— رحت المستشفى
مسك إيدي وقالي حرفياً يا فهد أنا عارف أخويا عاصم بيعمل إيه
يوم ما أموت هيبلع الأرض
ويضر البنت أنا مليش غيرها في الدنيا
اوعدني تحميها... حتّى لو هي نفسها مش هتفهم ليه
سكت لحظة ثم أكمل
— وعدته وفضلت أراقب عمّك سنة ورا سنة لحد ما بدأ ينهار ويلعب مع الكبار
ولمّا عرفت إنه وقّع الاتفاق مع كوستا... اشتريت كل ديونه في ليلة واحدة وحطّيته قدام خيار واحد
يجيبك ليا أنا... أو يدخل السجن
انزلقت دمعة على خدّ كيان.
— بابا... وصّاك عليا؟
لم يجب فهد لم يكن من النوع الذي يكرّر كلامه
استدار وذهب نحو الحمام الملحق بغرفته فتح الصنبور وغسل يديه
كانت كيان تراقب ظهره من خلال
— لاحظت كيف انقبضت عضلات كتفيه وكيف أمسك حافّة الحوض بقوّة كأنه يمنع نفسه من الانهيار.
فهد السيوفي لا ينهار هذا ما تعلّمه منذ كان في الخامسة عشرة حين مات أبوه غدراً وتركه وحيداً في عالم الذئاب.
بنى إمبراطوريّته من الصفر حجراً فوق حجر وبنى حولها أسواراً حتى نسي كيف يكون إنساناً
لكن وعده لمحمود الدمنهوري كان الخيط الوحيد الذي يربطه بما تبقّى من إنسانيّته.
خرج من الحمام ووجهه مبلّل بالماء وقد استعاد قناعه الصارم. نظر إليها وقال ببرود مُصطنع
— دلوقتي بما إنك عرفتي كل حاجة القواعد اتغيّرت
مفيش تمثيل ومفيش لعب إنتي في خطر حقيقي اللي حاول يدخّل الدرون النهارده ده مش حد عادى دى رجال كوستا
بيقولوا إن الأرض بتاعتهم وإنك كمان كنتي بتاعتهم وزواجك منّي بالنسبالهم إعلان حرب.
— وإنت كنت عارف إنك بتعلن حرب لمّا كتبت الكتاب؟
ابتسم فهد
— أنا يا كيان ماببدأش حروب... أنا بخلّصها.
-
في الساعة الثالثة فجراً كانت كيان مستلقية على سريرها في جناحها تحدّق في السقف العالي
كل خلية في جسدها مُنهَكة لكن عقلها يرفض الاستسلام للنوم.
كلّما أغمضت عينيها رأت وجه أبيها على سرير المستشفى وهو يوصي عليها رجلاً غريباً
رأت عمّها يوقّع على عقد بيعها كأنها قطعة أثاث قديمة
ورأت فهد وهو يمسح دمعتها بإبهامه — تلك اللمسة التي كانت أرقّ مما ينبغي لرجل بقسوته.
سمعت صوت خطوات في الممر الفاصل بين غرفتيهما
خطوات كأنه يحرس الممر بنفسه. توقّفت الخطوات أمام بابها لحظة ثم تابعت طريقها نحو غرفته.
أغمضت عينيها وشعرت بشيء غريب يتسلّل إلى صدرها
— ليس خوفاً ولا كرهاً بل شعور مُربك
في صباح اليوم التالي نزلت كيان مبكراً لأول مرة منذ وصولها
لم تكن تعرف لماذا استيقظت قبل الفجر ولماذا وقفت أمام خزانة الملابس الفاخرة التي تجاهلتها بالأمس
مدّت يدها ببطء واختارت فستاناً بسيطاً رمادياً ناعماً ليس بذخاً هكذا أقنعت نفسها.
نزلت الدرج لتجد
غرفة الطعام كانت مكتظّة بأربعة رجال بالبدل الرسمية يجلسون مع فهد حول طاولة مستطيلة عليها أوراق وخرائط وأجهزة لابتوب مفتوحة
كان عمر — صديق فهد ومدير أعماله — يتحدث بسرعة ويشير إلى خريطة مساحية.
توقّفت كيان عند عتبة الباب. لاحظها عمر أولاً ورفع حاجبيه بمفاجأة خفيفة ثم نظر لفهد
التقط فهد النظرة دون أن يرفع رأسه عن الأوراق.
— كمّل يا عمر.
— بقولك إن أرض التجمع اللي باسم كيان هانم مسجّلة في الشهر العقاري باسم والدها الراحل ومنقولة ليها بالميراث الشرعي.
مفيش أي حق قانوني لكوستا أو لمجموعته فيها بس المشكلة إن عاصم وقّع عقد بيع ابتدائي ليها قبل ما تشتري ديونه بأربع وعشرين ساعة بس
العقد مزوّر لأنه مش الوصي الشرعي بس في المحاكم الموضوع ده ممكن ياخد سنين
هنا رفع فهد رأسه أخيراً وقع بصره على كيان الواقفة في الباب.
لم تكن ترتدي ملابسها القديمة البسيطة
الفستان الرمادي كان يبرز رقّة ملامحها بشكل لم يتوقّعه
شعرها الكستنائي المتمرّد منسدل على كتفيها بدل ذيل الحصان الفوضوي.
لم تضع مكياجاً لكن وجهها كان يحمل جمالاً وعينيها البندقية الواسعتين محاطتين بهالات خفيفة أضافت إليهما عمقاً حزيناً.
لثانية — ثانية واحدة فقط — فقد فهد السيوفي تركيزه.
ثم أعاد بناء قناعه بسرعة مذهلة وقال بنبرة محايدة
— اقعدي يا كيان الكلام ده يخصّك.
جلست على الكرسي
أكمل عمر
— فهد، الخيار القانوني هياخد وقت واحنا مش عندنا رفاهية الوقت
كوستا بيتحرّك بسرعة عنده محامين في مصر وعنده ناس جوّه الحكومة
لو دخل القضية في المحكمة ممكن يقدر يجمّد الأرض بأمر قضائي وبعدها يبدأ ابتزاز حقيقي
فهد بهدوء وهو يميل للأمام
— طيّب وإيه الخيار التاني؟
تردّد عمر نظر لكيان نظرة خاطفة ثم أعاد بصره لفهد.
— إنك تحوّل ملكية الأرض باسمك إنت مباشرة بتوكيل من كيان هانم بصفتها زوجتك.
وبكده أي مطالبة من كوستا هتكون ضدّك إنت شخصياً
اشتعلت عينا كيان وقبل أن يتكلّم فهد قالت بصوت حادّ فاجأ الجميع
— لأ
التفت كل الرؤوس نحوها
عمر فتح فمه بذهول الرجال الأربعة تبادلوا نظرات مُحرَجة
أما فهد فقد أسند ظهره على الكرسي وشبك أصابعه أمامه ونظر إليها بعينين لا تكشفان شيئاً
— لأ إيه يا كيان؟
وقفت كيان ووضعت يديها على الطاولة
— الأرض دي الحاجة الوحيدة اللي سابهالي بابا مش هوقّع على تحويلها لأي حد
— لا ليك ولا لكوستا ولا لأي مخلوق على وش الأرض
بابا اشتغل تلاتين سنة عشان يسيبهالي ومش هسيب حد يشيل اسمي من عليها حتى لو الحد ده بيحميني
عمر نظر لفهد بقلق واضح متوقّعاً انفجاراً الرجال الأربعة حبسوا أنفاسهم
لكن فهد لم ينفجر بل فعل شيئاً لم يتوقّعه أحد في الغرفة
ابتسم.
ابتسامة خفيفة
لكنها كانت كافية لتجعل عمر يضيّق عينيه بذهول
— لأنه يعرف فهد منذ خمسة عشر عاماً ولم يرَ تلك الابتسامة إلا مرّات تُعدّ على أصابع اليد.
— سمعت الستّ بتقول إيه يا عمر؟ ابعت للمحامين يدوّروا على حلّ تالت
الأرض تفضل باسمها والحماية القانونية ليها
ثم نظر لكيان ببرود وعاد إلى صوته وقال
— اقعدي يا كيان مش كل ما تعترضي تقومي تقفي قدام الناس وتعملي خطبة
هنا مش كليتك
احتقن وجهها بالغضب لكنها ابتلعته وجلست
أدركت أنه احترم رأيها فعلاً لكنه يرفض أن يُظهر ذلك أمام أحد. كبرياؤه حصن لا تسقط منه لبنة أمام العيون.
بعد الانتهاء وخروج الجميع بقيت كيان جالسة في غرفة الطعام الفارغة
دخل فهد ثانياً جلس مقابلها ووضع أمامها هاتفاً محمولاً جديداً في علبته
— ده موبايلك الجديد الخط باسم الشركة ومشفّر بالكامل
تقدري تكلّمي زمايلك اللي محتاجاهم في موضوع مشروع التخرّج.
بس كل مكالمة بتتسجّل أوتوماتيك عند طارق — مش عشان أتجسّس عليكي عشان أحميكي لو حد حاول يوصلّك من بره.
مدّت يدها وأخذت الهاتف ببطء. أصابعها لامست أصابعه لثانية عابرة وكأن تيّاراً كهربائيّاً مرّ بينهما
— سحبت يدها بسرعة ووضعت واخذت الهاتف
— شكراً.
رفع حاجبيه بخفّة مفاجأة ساخرة
— أول مرة تقوليها من ساعة ما دخلتي البيت ده.
ابتلعت كبرياءها ونظرت في عينيه
— أنا مش بشكرك على الموبايل
أنا بشكرك على... اللي عملته عشان وعدك ل بابا..... حتى لو مكنتش فاهمة.
حتى لو لسّه مش متقبّلة إن حياتي اتقلبت في ليلة.
صمت فهد ثم نظر بعيداً عنها نحو الحديقة من خلف الزجاج.
— متشكرنيش يا كيان أنا مش بعمل حاجة عشانك أنا بوفّي وعدى
كلماته كانت كالسكّين حادّة
أراد أن يُبقي المسافة بينهما
أراد أن يقول لها لا تقتربي ولا تبحثي عن إنسانيّتي لأنها مدفونة في مكان لا أريد لأحد أن يحفر فيه.
لكن كيان
— التي ورثت عناد أبيها وذكاءه — لم تكن من النوع الذي يقبل الأبواب المغلقة.
— طيّب... أنا عايزة أسألك سؤال واحد وعايزك تردّ بصراحة.
نظر لها بحذر
— اسألي.
— لو مكانش بابا وصّاك... كنت هتسيبني لكوستا؟
السؤال ضربه في مكان لم يكن مستعدّاً له.
رأت عضلات فكّه تتقلّص وعروق يده تنتفخ وهو يقبض على حافّة الطاولة.
الصمت طال.
ثم نهض فجأة دفع كرسيّه للخلف ووقف بكامل هيبته
— أنا فهد السيوفي ما كنتش هسيب أي حد يتباع لحيوانات قدّامي سواء كان ابن حد وصّاني أو ابن أي حد تاني.
بس الفرق... إن بنت محمود الدمنهوري كنت هحرق الدنيا عشانها. والفرق ده... يكفيكي.
خرج من الغرفة تاركاً كيان وحيدة مع قلب