رواية فهد وفجر الفصل السادس 6 بقلم القلم الذهبي
مرت الأسابيع التالية لحادثة الملف المزور كأنها حلم دافئ تلاشت معه كل قسوة وجفاء. في أروقة برج الرفاعي، ساد انسجام ونجاح غير مسبوق في إدارة الملف القانوني الدولي؛ فقد عملت فجر بـ جهد منقطع النظير، مستندة إلى ذكائها الفذ، لـ تسد كل الثغرات وتكشف التلاعبات المالية بالكامل، مما وفر على المجموعة ملايين الدولارات وضمن لها اندماجاً تاريخياً في السوق العالمية.
ولم يكن فهد بـ بعيد عنها؛ فقد كان يتابع خطواتها بـ عينين يملؤهما الفخر والاعتزاز. تلاشت غطرسته القديمة تماماً أمام نقائها وعنادها الشريف، وبات الجميع في الشركة يلاحظون كيف يلين الفهد الصارم وتشرق ملامحه بالدفء كلما التقت عيناه بـ عينيها العسليتين. لم يعد ذلك الرجل الجاف، بل تروضت قسوته أمام عذوبة وكبرياء "فجر" حياته.
وفي صباح أحد الأيام، تلقت فجر اتصالاً هاتفياً من مكتب فهد، تطلب منها السكرتيرة الحضور فوراً إلى الطابق العلوي، وتحديداً إلى قاعة الاجتماعات الكبرى الخاصة بـ كبار شركاء عائلة الرفاعي، وبحضور عميد العائلة، جده "إسماعيل باشا الرفاعي".
وجدت فجر نفسها تشعر بـ بعض التوتر؛ فـ عائلة الرفاعي معروفة بـ سطوتها وتمسكها بالفوارق الطبقية والاجتماعية في السوق. ارتدت حلة رسمية أنيقة ونظيفة باللون الأبيض العاجي يعكس نقاء روحها وكبرياءها، وحملت ملف التقارير النهائية للمشروع الدولي المكتمل، وتوجهت إلى القاعة مستعينة بـ شجاعتها المعتادة.
في محراب آل الرفاعي
عندما فتحت فجر باب القاعة الفخمة ذات الديكورات الكلاسيكية، وجدت طاولة اجتماعات مستديرة من الخشب الفاخر. يجلس في رأسها إسماعيل باشا، رجل وقور تظهر على وجهه علامات الحكمة الحادة والصرامة، وبجانبه والدة فهد وبعض كبار المستشارين، وعلى الجانب الآخر كان يجلس فهد بـ هيبته الطاغية، يرتدي حلة سوداء فاخرة، وابتسامة غامضة وهادئة ترتسم على شفتيه.
تنحنح الجد إسماعيل باشا، ونظر إلى فجر بـ نظرة فاحصة دقيقة تخترق الوجوه، ثم قال بصوت وقور وقوي: "أهلاً بكِ يا آنسة فجر. لقد اطلعتُ بـ نفسي على التقرير القانوني النهائي الذي صممتِ أركانه للمشروع الدولي. ولأكون صادقاً معكِ.. هذا العمل يفوق الوصف بـ مراحل، والحلول القانونية التي وضعتِها لـ سد الثغرات أصبحت الميزة الأولى التي جعلت الشركة الدولية توقع عقد الاندماج بـ شروطنا نحن. فهد حدثني كثيراً عن أمانتكِ المهنية وعن ذكائكِ الشجاع في مواجهة مؤامرة حامد السابقة."
تنفست فجر الصعداء، وشعرت بـ فخر كبير يسري في عروقها، وقالت بـ كبرياء ونبل: "شكراً لثقتك يا إسماعيل باشا. هذا واجبي تجاه مهنتي التي أحترمها، وتجاه العهد الذي قطعته على نفسي عندما دخلتُ هذه المجموعة."
هنا، وقفت والدة فهد، ونظرت إلى فجر بـ نظرة متعالية طفيفة، وقالت بنبرة باردة تحاول فرض البروتوكول: "العمل ممتاز والجميع معترف بـ هذا يا آنسة.. لكن فهد طلب هذا الاجتماع العائلي الطارئ ليخبرنا بـ أمر آخر تماماً لا يخص دفاتر الشركات ولا صفقات الاستحواذ. نحن عائلة لها أصولها، وفهد لم يعتد على اتخاذ قرارات مصيرية دون الرجوع إلينا."
إعلان الفهد تحت ضوء الشمس
التفتت فجر نحو فهد بـ دهشة وتساؤل، لـ تجده يقف ببطء وثبات من مقعده بـ هيبته الطاغية التي تأسر القلوب. تحرك بـ خطوات واثقة ونبيلة حتى وقف بجانب فجر مباشرة، وأمام عيون جده وأمه وبقية كبار العائلة، نظر إلى جده وقال بـ صوت قوي، جهوري، حاسم لا يقبل التراجع أو النقاش: "يا جدي.. ويا أمي.. أنا لم أجمعكم اليوم لأعرض عليكم تقارير الأرباح السنوية، بل جمعتكم لأعلن أمامكم وأمام العالم بأكمله عن أعظم قرار اتخذته في حياتي. أنا أطلب اليوم رسمياً يد الآنسة فجر السيوفي لتكون زوجتي، وشريكة حياتي، وسيدة اسم الرفاعي."
اتسعت عينا فجر بـ ذهول وصدمة، وشعرت بـ دقات قلبها تقفز بـ شدة لدرجة أنها شعرت بـ الدوار؛ فلم تكن تتوقع أبداً أن يقوم فهد بـ هذه الخطوة الجريئة وبهذه العلنية أمام كبار عائلته وصناع القرار في مجموعته.
تابع فهد، ونظر إلى فجر بـ عاطفة وعشق خالص تلاشت معه كل قسوة قديمة، وقال بنبرة مليئة بـ النبل والصدق: "فجر ليست مجرد مستشارة قانونية أنقذت صفقة من صفقاتنا.. فجر هي المرأة الوحيدة التي استطاعت بـ كبريائها وعنادها الشريف أن تفتح أبواب قلبي التي أغلقتها بـ الأقفال لسنوات. هي النقاء والبداية الجديدة التي شقت عتمة عالمي الجاف بـ براءتها وقوتها، وأنا لن أسمح بـ أن تخرج من حياتي بعد أن أضاءتها بـ النور."
ساد الصمت لثوانٍ حبست فيها الأنفاس، ثم لمعت عينا الجد إسماعيل باشا بـ تقدير كبير، ووقف وتوجه نحوهما بـ وقار، ووضع يده على كتف فهد ثم نظر إلى فجر بـ احترام بالغ وقال بصوت قوي: "لقد أحسنت الاختيار يا فهد.. فجر السيوفي تملك من الأخلاق والكبرياء الشريف ما يشرف عائلتنا قبل شركاتنا. الديون ممحاة من هذه اللحظة، والشركة ملك لها ولعائلتها.. وأهلاً بكِ كـ أميرة جديدة في عائلة الرفاعي يا ابنتي."
التفت فهد إلى فجر، وأمسك بيدها برفق وحنان بالغ لأول مرة، وهمس بعمق وعيناه تفيضان بـ الأمان: "فهل تقبلين بـ الفهد شريكاً لـ عمركِ يا فجر حياتي؟ أم أن عنادكِ الشرس سيستمر أمام الجد؟"
احمرت وجنتا فجر بـ خجل ساحر، وابتسمت بـ عذوبة وهي تنظر في عينيه اللتين تفيضان بـ الحب الصادق:
