📁 آخر الروايات

رواية فهد وفجر الفصل الخامس 5 بقلم القلم الذهبي

رواية فهد وفجر الفصل الخامس 5 بقلم القلم الذهبي


ساد صمت خانق في مكتب فهد الرفاعي، صمت كان يسبق العاصفة التي أوشكت أن تطحن كل شيء. الأوراق المزيفة تناثرت فوق المكتب الزجاجي كأدلة إدانة قاطعة، وعينا فهد تحولتا إلى جمرتين من الغضب العارم؛ فقد شعر لثوانٍ أن قناعاته تهدمت، وأن الفتاة الوحيدة التي سمح لنفسه بالانبهار بنقائها وكبريائها لم تكن سوى جاسوسة محترفة جاءت لتنقذ عائلتها على حساب اسمه ونفوذه.

أما فجر، فقد شعرت بـ الأرض تدور من تحت قدميها. الصدمة جعلت جسدها يرتجف للحظة، لكن كبرياءها الشامخ، ذلك العناد الشرس الذي يسري في دمائها، سرعان ما انتفض لـ يرفض هذا الهوان. نظرت إلى حامد بـ احتقار شديد، ثم التفتت ببطء نحو فهد، ورأت في عينيه نظرة وقحة وجارحة يملؤها الشك الظالم.

تقدمت فجر خطوتين نحو مكتبه، ولم تسمح لدمعة واحدة أن تنزل من عينيها العسليتين اللتين اشتعلتا بـ كبرياء وعزة نفس لا تلين، وقالت بصوت هادئ، هدوءاً غريباً يحمل قوة مرعبة هزت أركان الغرفة: "فهد بيه الرفاعي.. النفوذ والمال قد يمنحانك القدرة على التحكم في مصائر الشركات، لكنهما أبداً لا يمنحانك الحق في طعن شرفي وأمانتي بـ هذه البساطة المستفزة! أنا ابنة عائلة السيوفي، وعائلتي لو كانت تبحث عن الغش والخداع لتنقذ نفسها، لما جاءت ابنتهم لتقف في عرينك بـ وضح النهار وتتحداك بـ لغة القانون والعمل الشريف."

التفتت نحو حامد، وأشارت بسبابتها نحو الملف المزور بـ شجاعة بالغة وقالت: "هذا الملف الذي تتبجح به يا أستاذ حامد ليس أكثر من لعبة قذرة ورخيصة! أنا باحثة قانونية، وأعلم تماماً أن نظام الأمن في هذا البرج يسجل كل شاردة وواردة. هذه الأوراق المزعومة لم تدخل حقيبتي، ولم يخطها قلمي، وإذا كان فهد بيه ذكياً كما يدعي السوق، فلن يكتفي بـ ورقة ملقاة على مكتبه ليصدر حكمه الإعدامي على سمعة امرأة شريفة!"

ثورة الفهد وتراجع حامد

خطا فهد خطوات بطيئة ونبيلة وثقيلة نحوهما، كان طوله الفارع وبنيته القوية يلقيان بظلال من الرهبة في المكان. وقف أمام فجر مباشرة، وصدره يعلو ويهبط بـ أنفاس متلاحقة. نظر في عينيها الواسعتين اللتين لم تترددا أو تهربا من نظراته الحادة، بل واجهتاه بـ صدق مرعب يزلزل الجبال. في عالم فهد، كان الكاذب يرتبك، لكن فجر كانت تقف كـ أميرة لا تنحني أمام العاصفة.

التفت فهد فجأة نحو ابن عمه حامد بـ نظرة جليدية صارمة تجمدت لها الأنفاس، وقال بنبرة صوت منخفضة للغاية لكنها كانت تحمل تهديداً يقطع الأنفاس: "حامد.. أنت تقول إن أمن المعلومات هو من عثر على هذا الملف في مكتبها؟"

ارتبك حامد لثوانٍ، وتلعثم في الكلام، وحاول استعادة غطرسته قائلاً: "نعم يا فهد.. نعم، الأمن فتش الأدراج بـ أمر مني بعد الشكوك في تسريب البيانات.. نحن نحمي المجموعة!"

أشار فهد بيده بـ حركة قاطعة وصارمة نحو شاشة العرض الكبيرة المعلقة على الحائط، وقال بصوت هادر كالرعد جعل حامد يتراجع خطوة للخلف: "إذن، لنستدعِ مدير الأمن الآن، ولنفتح تسجيلات الكاميرات السرية الموجهة نحو باب مكتب الآنسة فجر على مدار الأربع وعشرين ساعة الماضية! إذا رأيتُ فجر وهي تخرج بـ أي أوراق سرية، فـ سأحاسبها بـ نفسي. ولكن.. إذا رأيتُ شخصاً آخر يتسلل إلى مكتبها في غيابها ليزرع هذا الملف، فـ أقسم بـ اسم آل الرفاعي أن الفاعل لن يخرج من هذا البرج إلا إلى النيابة العامة بـ تهمة التزوير وتدمير ممتلكات الشركة!"

انقشاع الحقيقة وسط الضباب

تحول وجه حامد إلى الشحوب التام، وبدأت حبات العرق تظهر على جبينه؛ فهو لم يكن يعلم أن فهد يضع كاميرات سرية إضافية لا يعلم عنها أحد سوى رئيس مجلس الإدارة. تراجع حامد نحو الباب وقال بـ نبرة متوترة ومصطنعة: "فهد.. يبدو أنني تسرعت في الحكم.. ربما هناك سوء تفاهم من الأمن.. سأذهب بـ نفسي لأتأكد من الأمر.."

"مكانك!" صرخ فهد بـ صوت قوي هز أرجاء المكتب، وجعل حامد يتسمر في مكانه لا يجرؤ على الحراك.

خلال دقائق معدودة، حضر مدير الأمن وتم تشغيل التسجيلات بـ دقة. وظهرت الصورة ناصعة كأشعة الشمس؛ في تمام الساعة الثامنة من مساء أمس، وعندما غادرت فجر مكتبها لدقائق، تسلل أحد الموظفين التابعين لـ حامد ووضع الملف الأحمر في درجها بـ سرعة وخوف.

أغلق فهد الشاشة، والتفت نحو حامد وعيناه تقطران بـ قسوة مرعبة، وقال بـ نبرة صوت ثقيلة وصارمة: "حسابك معي لن يكون هنا يا حامد.. من هذه اللحظة، أنت مجمد عن كافة الصلاحيات في مجلس الإدارة، وملفك بالكامل مع الموظف المرتشي سيحال إلى التحقيق القانوني فوراً. اخرج من وجهي قبل أن أرتكب حماقة تندم عليها طوال حياتك!"

خرج حامد يجر أذيال الخيبة والندم، مغلقاً الباب خلفه بـ عنف، ليعود الهدوء لـ يلف المكتب مجدداً، لكنه كان هدوءاً محمل بـ مشاعر مختلفة تماماً.

اعتذار الفهد الناعم

التفت فهد ببطء نحو فجر. خلع سترته العملية ورماها فوق المقعد بـ إحباط من نفسه، ثم اقترب منها بـ خطوات نبيلة وحانية حتى أصبحت المسافة بينهما قريبة للغاية، كادت أنفاسه تلامس وجهها الفاتن. كانت عيناه السوداوان تفيضان بـ ندم عميق وعاطفة جديدة تلاشت معها كل وقاحة غاشمة.

نظر في عينيها العسليتين اللتين ما زال فيهما بريق العزة، وقال بنبرة صوت دافئة ومنخفضة تحمل اعتذاراً نادراً لم ينطق به فهد الرفاعي طوال حياته: "أنا آصف يا فجر.. آصف لأنني سمحتُ لـ لحظة شك واحدة أن تدخل بيننا، ولأنني وضعتُ كبرياءكِ الشريف في موضع تساؤل. لكنكِ أثبتِ لي اليوم، للمرة الألف، أنكِ لستِ مجرد باحثة قانونية ذكية، بل امرأة بـ مائة رجل، تملك من الشرف والنقاء ما يفتقده نصف هذا السوق بـ رجاله ونفوذه."

تأثرت فجر بـ كلماته العميقة بـ شدة، وشعرت بـ غصة الغضب تذوب بداخلها لـ يحل محلها نبض مضطرب دافئ بدأت تتلمسه بين جدران قلبه القاسي. رفعت رأسها بـ اعتزاز وقالت بصوت رقيق لكنه متزن: "أنا لا أحتاج لشهادة لـ أعرف من أنا يا فهد بيه. لكنني سعيدة لأن الحقيقة ظهرت في النور، ولأنك أدركت أن كبريائي ليس قناعاً للتجارة، بل هو أصلي وهويتي التي لا تباع ولا تشترى."

ابتسم فهد ابتسامة ساحرة دافئة أذابت جليد ملامحه، واقترب خطوة إضافية وهمس بـ نبل وعمق شديدين: "من اليوم.. سقطت كلمة 'بيه' بيننا يا فجر.. من اليوم أنا فهد فقط بالنسبة لكِ. لقد علمتني عيناكِ اليوم أن القوة الحقيقية ليست في السيطرة على الآخرين، بل في احترام من يستحق الاحترام. أنتِ الفجر الذي أضاء عتمة عالمي الجاف."



السادس من هنا

مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات