رواية فاتنة الوقح الفصل الخامس 5 بقلم القلم الذهبي
انقشاع الضباب
لم يستغرق الأمر سوى نصف ساعة في مكتب الإدارة المتنقل داخل الموقع لكي تظهر الحقيقة كاملة ناصعة كأشعة الشمس. جلس جاسر خلف مكتبه وعيناه الحادتان تراقبان شاشة العرض التي نقلت تسجيلات كاميرات المراقبة عند البوابة الخلفية للموقع، بينما كانت ندى تقف بجانبه بـ كبرياء وثبات، والمهندس طارق يقف في الزاوية يتصبب عرقاً وقد تلاشت كل ذرة من غطرسته المصطنعة.
أظهرت الصور بوضوح سيارة نقل صغيرة تابعة لطارق وهي تدخل في الفجر، وتفرغ الصناديق التالفة لدمجها مع شحنة ندى. أوقف جاسر العرض بـ حسم، والتفت نحو طارق بـ نظرة جليدية صارمة تجمدت لها الأنفاس في الغرفة، وقال بصوت منخفض وثقيل يحمل هيبة مرعبة: "تظن أنك ذكي يا طارق؟ تظن أنك تستطيع اللعب في موقعي وتشويه سمعة مهندسة شريفة لتمرير صفقاتك المشبوهة؟ حركتك الغبية هذه كلفتك مستقبلك المهني بالكامل في السوق."
تعلثم طارق وحاول استعطافه: "جاسر بيه.. أرجوك، أنا أعمل في مجموعتكم منذ سنوات.. كانت زلة وثوق.."
قاطعه جاسر بـ نبرة قاطعة هزت جدران المكتب: "انتهى الكلام. حسابات الشركة ستقوم بـ تصفية مستحقاتك بعد خصم قيمة التلفيات، والآن تخرج من هذا الموقع فوراً، وإذا رأيت وجهك في أي مشروع يخص عائلة المنشاوي مرة أخرى، سيكون مكالمتي القادمة مع النائب العام. اخرج!"
خرج طارق يجر أذيال الخيبة والندم، مغلقاً الباب خلفه، ليعود الهدوء لـ يلف المكان مجدداً.
لحظة صدق خلف الزجاج
التفت جاسر ببطء نحو ندى. خلع سترته العملية، ورماها فوق المقعد، ثم اقترب منها خطوتين حتى أصبحت المسافة بينهما قريبة جداً. كانت عيناه السوداوان تفيضان بـ عاطفة جديدة تلاشت معها كل وقاحة غاشمة.
نظر في عينيها الواسعتين اللتين ما زال فيهما بريق التحدي، وقال بنبرة صوت دافئة ومنخفضة تحمل اعتذاراً غير مباشر لم يعتده أحد من جاسر المنشاوي: "أنا آصف يا ندى.. آصف لأنني سمحتُ لـ للحظة شك أن تدخل بيننا، ولأنني وضعتُ كبرياءكِ في موضع تساؤل. لكنكِ أثبتِ لي اليوم أنكِ لستِ فقط مهندسة موهوبة، بل أنتِ امرأة بـ مائة رجل، تملك من الشرف والأمانة ما يفتقده نصف رجال الأعمال في هذا السوق."
تأثرت ندى بـ كلماته بشدة، وشعرت بـ غصّة الغضب تذوب بداخلها ليحل محلها نبض مضطرب. رفعت رأسها بـ اعتزاز، وقالت بصوت رقيق لكنه متزن: "أنا لا أحتاج لشهادة من أحد لـ أعرف من أنا يا جاسر بيه. لكنني سعيدة لأن الحقيقة ظهرت، ولأنك أدركت أن كبريائي ليس قناعاً، بل هو أصلي وهويتي التي لا تباع ولا تشترى."
ابتسم جاسر ابتسامه ساحرة ودافئة، واقترب خطوة إضافية، حتى كادت أنفاسه تلامس وجهها الفاتن، وهمس بـ نبل وعمق شديدين: "لم أعد أناديكِ بـ 'بيه' بعد اليوم.. من الآن أنا جاسر فقط بالنسبة لكِ. لقد عشتُ سنوات أظن أن السيطرة هي التي تمنح الرجل هيبته، لكنني أمام عنادكِ الشرس وعزتكِ، أجد نفسي راغباً في التنازل عن كل أسلحة السيطرة. أنتِ فاتنة.. غيرتِ بـ براءتكِ وقوتكِ كل قواعد عالمي الجاف."
احمرت وجنتا ندى بـ خجل ناعم، وأنزلت عينيها لثوانٍ قبل أن ترفعهما مجدداً بـ ثبات أملته دقات قلبها المعترفة بـ الحب: "والعالم الجاف يحتاج لـ لمسة رقة لكي يحيا من جديد يا جاسر."
