رواية فاتنة الوقح الفصل السادس 6 بقلم القلم الذهبي
الفصل السادس: خطوة في النور
مرت الأيام بعد حادثة الموقع بسلام، وتحولت أجواء العمل في مشروع منتجعات المنشاوي إلى سيمفونية من الانسجام والنجاح الإبداعي. كانت ندى تتحرك في الموقع كـ الفراشة الفاتنة، تضع لمساتها الساحرة على الحدائق والمساحات الخضراء، بينما كان جاسر يتابع خطى عملها بـ فخر واهتمام غير مسبوق، ولم تعد تفارق وجهه الحاد تلك الابتسامة الدافئة كلما التقت عيناه بـ عينيها. لم يعد ذلك الرجل الوقح الفظ، بل تروضت قسوته أمام كبرياء وعذوبة نقائها.
وفي صباح أحد الأيام، تلقت ندى اتصالاً هاتفياً من مكتب جاسر، تطلب منها السكرتيرة الحضور إلى مقر الشركة بـ ثياب رسمية لحضور اجتماع عائلي ومؤسسي هام جداً في الجناح الخاص بـ رئيس مجلس الإدارة، والده "عثمان باشا المنشاوي".
وجدت ندى نفسها تشعر بـ بعض القلق؛ فـ عائلة المنشاوي معروفة بـ سطوتها وتمسكها بالفوارق الطبقية. ارتدت حلة رسمية أنيقة باللون الأبيض تعكس نقاء روحها، وحملت ملفات التقارير النهائية للمشروع، وتوجهت إلى الشركة مستعينة بـ كبريائها المعتاد.
في محراب العائلة
عندما فتحت ندى باب قاعة الاجتماعات الخاصة، وجدت طاولة مستديرة يجلس في رأسها عثمان باشا، رجل وقور تظهر على وجهه علامات الحكمة والصرامة، وبجانبه والدة جاسر وشقيقته، وعلى الجانب الآخر كان يجلس جاسر بهيبته الطاغية، يرتدي حلة كحلية فاخرة وابتسامة غامضة ترتسم على شفتيه.
تنحنح عثمان باشا، ونظر إلى ندى بـ نظرة فاحصة دقيقة، ثم قال بصوت أجش وقوي: "أهلاً بكِ يا بشمهندسة ندى. لقد اطلعتُ على التقارير النهائية للمرحلة الأولى من المشروع، ولأكون صادقاً معكِ.. التصاميم تفوق الوصف، والحدائق التي تمسكتِ بها أصبحت الميزة التسويقية الأولى للمنتجع. جاسر حدثني كثيراً عن أمانتكِ المهنية وكيف كشفتِ مؤامرة طارق."
تنقست ندى الصعداء، وقالت بـ كبرياء ونبل: "شكراً لثقتك يا عثمان باشا. هذا واجبي تجاه مهنتي وتجاه الثقة التي منحتها لي شركتكم."
هنا، وقفت والدة جاسر، ونظرت إلى ندى بـ استعلاء طبقي طفيف، وقالت بنبرة باردة: "العمل ممتاز لا غبار عليه يا بشمهندسة.. لكن جاسر طلب هذا الاجتماع العائلي ليخبرنا بأمر آخر تماماً لا يخص دفاتر الشركة. نحن عائلة لها بروتوكول خاص، ولا نحب المفاجآت."
إعلان تحت ضوء الشمس
التفتت ندى نحو جاسر بـ دهشة وعدم فهم، لتجده يقف ببطء من مقعده. تحرك بخطوات واثقة ونبيلة حتى وقف بجانب ندى مباشرة، وأمام عيون عائلته بأكملها، نظر إلى والده وقال بصوت قوي، جهوري، لا يقبل التراجع أو النقاش: "يا أبي.. ويا أمي.. أنا لم أجمعكم اليوم لأعرض تقارير الأرباح، بل جمعتكم لأعلن أمامكم وأمام العالم بأكمله عن أهم وأعظم قرار اتخذته في حياتي. أنا أطلب اليوم رسمياً يد البشمهندسة ندى زهران لتكون زوجتي وشريكة حياتي واسمي."
اتسعت عينا ندى بـ ذهول وصدمة، وشعرت بـ دقات قلبها تقفز بـ شدة؛ فلم تكن تتوقع أبداً أن يقوم جاسر بـ هذه الخطوة الجريئة وبهذه السرعة أمام عائلته.
تابع جاسر، ونظر إلى ندى بـ عاطفة وعشق خالص تلاشت معه كل وقاحة قديمة، وقال بنبرة مليئة بالنبل: "ندى ليست مجرد مهندسة ناجحة.. ندى هي المرأة الوحيدة التي استطاعت بـ كبريائها وعنادها الشريف أن تروض وقاحتي وغروري، وتفتح أبواب قلبي التي أغلقتها لسنوات. هي الفاتنة التي أعادت لي إنسانيتي، وأنا لن أسمح بأن تخرج من حياتي بعد أن أضاءتها."
ساد الصمت لثوانٍ، ثم ابتسم عثمان باشا بـ وقار، ووقف وتوجه نحوهما، ووضع يده على كتف جاسر ثم نظر إلى ندى بـ احترام كبير وقال: "لقد أحسنت الاختيار يا جاسر.. ندى تملك كبرياءً وكرامة هما الثروة الحقيقية التي تحتاجها عائلتنا. أهلاً بكِ في عائلة المنشاوي يا ابنتي."
التفت جاسر إلى ندى، وأمسك بيدها برفق وحنان بالغ، وهمس بعمق: "فهل تقبلين بهذه الخطوة في النور يا فاتنتي؟ أم أن عنادكِ سيستمر؟"
احمرت وجنتا ندى بـ خجل ساحر، وابتسمت بـ عذوبة وهي تنظر في عينيه اللتين تفيضان بـ الأمان: "المرأة لا تنحني إلا لمن يقدر كبرياءها يا جاسر.. وأنا قبلتُ أن أكون شريكة عمرك."
