رواية فهد وفجر الفصل الثالث 3 بقلم القلم الذهبي
في صباح اليوم التالي، دخلت فجر إلى برج الرفاعي الشاهق بكامل أناقتها المهنية البسيطة وعزيمتها الصلبة. كانت ترتدي حلة رسمية سوداء مدمجة بقميص أبيض ناصع، حاملةً حقيبتها المليئة بالأوراق والمراجع القانونية. توجهت إلى الطابق الخمسين، لـ تجد السكرتيرة "سميرة" بانتظارها، والتي وجهتها بـ برود طفيف نحو مكتبها الجديد.
كان المكتب ملحقاً بـ جناح فهد الخاص؛ يفصل بينهما جدار زجاجي ضخم معتم بـ ضغطة زر، مما يتيح لـ فهد مراقبتها دون أن تراه هي إن أراد. كان مكتبها واسعاً وفخماً، وفي منتصفه طاولة خشبية سوداء عليها جهاز حاسوب حديث وبجانبه رزمة ضخمة جداً من الملفات ذات الأغلفة الحمراء.
لم تمر سوى دقائق حتى فُتح الباب الداخلي ودخل فهد. كان يرتدي قميصاً رمادياً داكناً وربطة عنق سوداء، وعيناه تحملان ذلك البرود الصارم الذي يفرضه على الجميع. وقف أمام مكتبها، ونظر إلى رزمة الملفات ثم إليها، وقال بنبرة صوت عميقة وجافة: "صباح الخير يا بشمهندسة.. أقصد يا آنسة فجر. أتمنى أنكِ نمتِ جيداً بالأمس، لأن الأيام القادمة لن تعرف الراحة. هذه الملفات التي أمامكِ تحتوي على كافة العقود والتقارير المالية للشركة الدولية التي نعتزم الاندماج معها. هناك تلاعب غير مرئي وضياع في الأرباح يُقدر بـ الملايين، ولم يستطع أكبر المحامين في شركتنا تتبع أثره القانوني. أمامكِ أسبوع واحد لـ قراءة كل ورقة وتقديم تقرير مبدئي.. هل ما زلتِ عند تحديكِ؟"
رفعت فجر عينيها العسليتين بـ كبرياء ونبل، وابتسمت بـ ثقة قائلة: "صباح النور يا فهد بيه. أسبوع كثير جداً على قراءة هذه الأوراق.. سأعطيك التقرير المبدئي خلال ثلاثة أيام فقط. أنا لا أهاب الحبر والدفاتر، وكما قلت لك، جئتُ إلى هنا لأعمل وأحمي عائلتي، وليس للتنزه."
ضيق فهد عينيه بـ إعجاب خفي حاول إخفاءه خلف قناعه الجليدي، وقال: "سنرى يا فجر.. الأفعال هي من تتحدث هنا، وليس الكبرياء." ثم التفت وعاد إلى مكتبه، تاركاً إياها في مواجهة عاصفة الأوراق.
