رواية نبض الفهد ( حين يرتجف القلب ) الفصل الثالث 3 بقلم نون
أُغلق الباب الضخم للقصر خلف المأذون وعمها عاصم وكان صوت إغلاقه يشبه المطرقة التي أعلنت الحكم النهائي عليها.
نظرت كيان إلى الباب لثوانٍ ابتلعت غصة مريرة في حلقها ثم التفتت لتواجه مصيرها.
كان فهد يقف على بُعد خطوات منها يضع يديه في جيبي بنطاله يراقبها بصمت مميت.
كانت عيناه السوداوان تفترسان ملامحها بدقة
يقرأ كل ارتعاشة في جسدها النحيل وكل شرارة غضب في عينيها.
كسر فهد حاجز الصمت بخطواته البطيئة صوت حذائه يرن على الأرضية
حتى وقف أمامها مباشرة. كان فارق الطول والتكوين الجسدي بينهما مرعباً
شعرت وكأن جداراً من النار يحاصرها
فهد بصوت أجش يحمل نبرة سيطرة خالصة
دلوقتي... اللعبة خلصت وعمك خد اللي هو عاوزه وهرب.
إنتي بقيتي على ذمتي يا كيان وفي بيتي. وأنا بيتي له قوانين واللي بيكسرها... بكسره
رفعت كيان ذقنها
ورغم دقات قلبها التي تكاد تمزق ضلوعها من الخوف
إلا أن كرامتها أبت الخضوع. نظرت مباشرة في عينيه وقالت بصوت صارم
إنت اشتريت حتة أرض وورقة عند المأذون... بس مش معنى كده إنك اشتريتني.
أنا مش جارية عندك يا فهد بيه أنا هنا غصب عني وهفضل أعتبر نفسي مسجونة لحد ما أخرج من هنا
اغرورقت عيناها بالدموع لكنها منعتها من السقوط بقوة إرادة أذهلته.
ضيق فهد عينيه ولمعت فيهما نظرة إعجاب خفية سرعان ما طمسها بغروره المعتاد.
فجأة رفع يده وقبض على فكها بأصابعه القوية — ليس بقسوة تؤلمها بل بإحكام يمنعها من الهروب من نظراته.
وبمجرد أن تلامست بشرتها الناعمة مع أصابعه
سرت قشعريرة مكهربة في جسديهما في آنٍ واحد. اتسعت عينا كيان بصدمة
بينما قبض فهد فكه بقوة محاولاً تجاهل هذا الشعور الغريب الذي اقتحم حصونه.
همس فهد بالقرب من وجهها وصوته كفحيح الأفعى
طولة اللسان دي تقصيها وإنتي واقفة قدامي
أنا لو عاوز أعاملك كجارية كنت عملت كده من غير ما أكتب كتابي عليكي.
إنتي هنا (حرم فهد السيوفي) يعني احترامك من احترامي... بس لو فكرتي تعانديني
أو تخرجي عن طوعي هتشوفي وش الفهد اللي عمك كان بيترعش منه من شوية مفهوم؟
أرادت أن تصرخ في وجهه لكن الكلمات هربت منها أمام تلك الهالة المرعبة التي تحيط به.
نفضت يده عن وجهها بقوة وتراجعت خطوة للخلف
أشار فهد بيده ببرود تام
اطلعي فوق الجناح اللي على اليمين ده هيكون أوضتك
كيان بشك وأوضتك إنت فين؟
ابتسم فهد بسخرية جانبية أربكت نبضها
ماتخافيش أوي كده أوضتي في نفس الجناح بس مقفولة عليا
أنا مبقربش من حاجة مش برضاها... ويوم ما هقربلك هتكوني إنتي اللي بتطلبي ده
احمرت وجنتاها من الغضب والخجل معاً وهتفت باشمئزاز
ده في أحلامك مستحيل أطيق لمسة منك
استدار فهد ليعطيها ظهره وقال ببرود وهو يهم بالانصراف إلى مكتبه
هنشوف يا بنت الدمنهوري هنشوف
في جناح كيان
ركضت كيان على الدرج حتى وصلت إلى الجناح المخصص لها. دخلت وأغلقت الباب خلفها
لتنزلق بظهرها على الباب حتى جلست على الأرض. هنا
بعيداً عن نظراته انهارت حصونها وانفجرت في بكاء مرير
بكت على أبيها الذي تركها وعلى عمها الذي باعها وعلى مستقبلها الذي أصبح بين يدي هذا الشيطان البارد
لكنها بعد دقائق مسحت دموعها بعنف ووقفت
تجولت في الجناح الذي كان يضاهي جناح الملوك فخامة ألوانه تتأرجح بين الأبيض والرمادي الفاتح.
نظرت إلى نفسها في المرآة الطويلة وقالت بصوت خافت
مش هتكسر يا فهد... مش كيان اللي تعيش مكسورة
في مكتب فهد (بالطابق السفلي)
كان فهد يجلس على مقعده الجلدي في غرفة المكتب المظلمة لا يضيئها سوى مصباح صغير فوق المكتب.
فك أزرار قميصه العلوية وتنهد بضيق غير معتاد.
رائحتها... التي تنبعث منها لا تزال عالقة في أنفاسه وتحديها له أثار فيه غريزة الصياد القديمة.
أمسك بمفتاح صغير من جيبه وفتح الدرج السري في مكتبه. أخرج ملفاً قديماً
وكانت الصفحة الأولى تحتوي على صورة لرجل بملامح طيبة يقف بجوار فتاة صغيرة تضحك. (كانت هذه كيان في طفولتها مع والدها الراحل).
مرر فهد إصبعه على صورة والدها وتغيرت ملامحه القاسية لتصبح مزيجاً من الألم والصرامة وهمس لنفسه بصوت خافت
بنتك في حمايتي يا أستاذ محمود... زي ما وعدتك قبل ما تموت.
عاصم كان هيبيعها هي والأرض للمافيا
كان لازم أعمل كده عشان أبعدها عنهم حتى لو التمن إنها تكرهني وتشوفني شيطان... أنا هبقى الشيطان اللي بيحرسها
أغلق فهد الملف وفي تلك اللحظة رن هاتفه المحمول برقم مجهول.
أجاب فهد ببرود ألو؟
جاءه صوت من الطرف الآخر يتحدث بلهجة ذات لكنة أجنبية
لعبتها صح يا فهد واتجوزت البنت عشان تاخد الأرض... بس إنت عارف إن الأرض دي بتاعتنا إحنا
ومش هنسيبها... ومادام البنت بقت مراتك يبقى إنت دخلتها في دائرة النار معانا
اغتمت عينا فهد بغضب وزمجر بصوت جعل الدماء تتجمد في عروق المتصل
لو حد فيكم فكر بس يقرب من شعرة من كيان أو يلمس شبر من الأرض... هحفر قبره بإيدي
ابعدوا عن طريقي أحسنلكم
أغلق الخط وألقى الهاتف على المكتب
أدرك أن الحرب الحقيقية لم تبدأ بعد وأن هذه المتمردة الصغيرة النائمة في جناحه العلوي
أصبحت نقطة ضعفه الوحيدة في عالم لا يرحم.