رواية سالم الزيني وايمان الفصل الثاني 2 بقلم القلم الذهبي
استمر الصدام القوي بين سالم وإيمان لـ أيام بـ الموقع، والكل يتابع بـ ترقب هذا الصراع اليومي بين "الصرامة الحديدية" و"الأصالة والنقاء". ورغم قسوة سالم الظاهرية، إلا أن إيمان استطاعت بفضل مخلص عذوبتها وحرصها الميداني أن تكسب ثقة ومحبة كل العمال والفنيين بـ تواضعها الشريف، وحرصها على سلامتهم بـ الأصول الطيبة.
وفي عصر أحد الأيام، ثارت فجأة عاصفة بحرية هوجاء مصحوبة بـ أمطار رعدية عاتية وسيول جارفة ضربت أسقف الأبنية المتصدعة بـ الحارة. أصدر سالم أوامره الصارمة بـ إيقاف كافة الأعمال وسحب العمال فوراً لـ غرف الإيواء بـ سرعة حذرة. وقف خلف زجاج مكتبه الميداني يتابع تراجع الآليات بـ صمت، وشعر بـ انقباض مفاجئ وعارم في صدره عندما أخبره المشرف بـ رعب أن إيمان لم تعد، وأنها توجهت بـ مفردها إلى القبو السفلي لـ حماية المخطوطات المستخرجة من تدفق مياه السيول.
تحركت في سالم الزيني الشهامة، والمروءة، والرجولة الأصيلة لـ ابن البلد بـ لمح البصر؛ خلع سترته الرسمية واندفع خارج المقر وسط الرياح والسيول العاتية غير مبالٍ بـ الخطر الذي يهدد حياته. ركض وسط المطر والظلام، والقلب الذي ظنه حديدياً وصخرياً طوال حياته كان ينبض بـ رعب عارم خوفاً على سلامة إيمان ونقائها الشامخ.
بعد بحث شاق وسط الركام والطين والمياه المتدفقة داخل القبو، وجدها تقف بـ شجاعة تحاول سحب صندوق خشبي ثقيل يحوي المخطوطات بـ يدها الرقيقة والنظيفة. هبط سالم كـ الإعصار بـ غضب مرعب؛ وبـ بنيته القوية وعضلاته المفتولة دفع الصندوق وأحكم رفعه، ثم التفت نحو إيمان وبـ حسم غاضب تملؤه اللهفة والعشق الخفي، أمسك بـ يدها وسحبها لـ صدره لـ يخرج بها بـ الأمان وسط العاصفة.
بـ مجرد دخولهم المكتب الدافئ، صاح سالم بـ غضب مكتوم يخفي وراءه خوفاً جارفاً وقاتلاً عليها: "هل جننتِ يا باشمهندسة؟ بقاؤكِ هنا وسط هذه السيول لـ أجل أوراق قديمة كان سـ يكلفكِ حياتكِ بـ هذه البساطة! الشجاعة لا تعني التهور بـ أرواحنا!"
نظرت إيمان إلى عيونه الصقريتين الحادتين بـ دموع حبيسة تفيض بـ النبل والعزة، وقالت بـ صوت عذب وقوي زلزل حصون قسوته الصخرية: "يا سالم بيه.. هذه المخطوطات هي شرفي المهني وأمانتي، وحياتي ليست أغلى من مبادئي بـ هذا العالم. شهامتك ومروءتك التي جعلتك تخاطر بـ حياتك لـ تنقذني الآن، تثبت أن خلف قناع صرامتك وجفائك المصطنعة رجلاً شهماً يعرف معنى التضحية بـ الفطرة والأصول، فلماذا تحارب أصلك الطيب بـ اسم النفوذ والمال؟" صمت سالم بـ صدمة وعجز عن الرد لأول مرة في حياته؛ كلمات النقية اخترقت أسوار قلبه بـ النور والنبض بـ ساحة الحق.
