رواية فاتنة الوقح الفصل الثاني 2 بقلم القلم الذهبي
الفصل الثاني: شباك النفوذ
لم تكن ندى تعلم أن خروجها بـ كبرياء من قاعة اجتماعات شركة "المنشاوي" سيكون بداية لعاصفة لم تحسب لها حساباً. عادت إلى مكتبها الصغير بوسط المدينة، وحاولت استجماع هدوئها والتركيز في بقية مشاريعها، لكن صورة عيني جاسر المنشاوي الحادتين ونبرة صوته المستخفة كانت تلاحقها. كانت تعلم أن مواجهة رجل بـ نفوذه وقسوته لن تمر مرور الكرام، لكنها لم تندم لحظة على تمسكها بكرامتها وأمانتها المهنية.
في اليوم التالي، تلقت ندى صدمة غير متوقعة. اتصل بها أحد أكبر الموردين الذين تتعامل معهم شركتها منذ سنوات، وقال بنبرة يملؤها الحرج والأسف: "بشمهندسة ندى.. أنا آصف جداً، لكنني مضطر لإلغاء توريد الخامات والنباتات النادرة لمشروعكِ الحالي. لقد وصلنا عرض ضخم وشروط حصرية من مجموعة 'المنشاوي'، ولا يمكننا المخاطرة بخسارتهم كعميل أساسي."
قبل أن تستوعب ندى الأمر، توالت الاتصالات؛ اعتذار من مقاول تنفيذ، وتأجيل من شركة شحن، وكأن هناك يداً خفية تحرك السوق بأكمله لـ خنق شركتها الصغيرة وعزلها. لم يكن الأمر يحتاج إلى ذكاء لتعرف من يقف وراء هذه اللعبة القذرة. إنه جاسر.. ينفذ تهديده بـ وقاحته المعهودة ليرغمها على الانحناء.
امتلأت عينا ندى بـ دموع الغضب، لكنها سرعان ما جففتها بـ عناد شرس. ارتدت سترتها الرسمية، وحملت حقيبتها، وقررت مواجهة الإعصار في عقر داره.
مواجهة في برج الغروب
وصلت ندى إلى مقر شركة المنشاوي، وتوجهت مباشرة إلى الطابق الأخير حيث مكتب المدير التنفيذي. حاولت السكرتيرة منعها قائلة بارتباك: "يا فندم، الباشمهندس جاسر في اجتماع مغلق، لا يمكنكِ الدخول دون موعد!"
لكن ندى لم تستمع إليها، ودَفعت باب المكتب الضخم بـ حزم ودخلت. كان المكتب يطل على القصر بأكمله عبر واجهات زجاجية عملاقة، وكان جاسر يجلس خلف مكتبه الفخم، يمسك بـ كأسه من القهوة السوداء. لم يبدُ عليه المفاجأة، بل ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة ومتهكمة، وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة تماماً.
أشار للسكرتيرة بيده لتغادر وتغلق الباب، ثم التفت إلى ندى، ونظر إليها بـ تأنٍّ، يتأمل جمالها الفاتن الذي زاده الغضب بريقاً، وقال بنبرة صوت خفيضة مستفزة: "أهلاً يا بشمهندسة ندى. ظننتُ أن القضاء هو الذي سيكون بيننا كما قلتِ بالأمس.. ما الذي أتى بكِ إلى مكتبي الصاخر؟ هل أدركتِ أخيراً أن الكبرياء لا يدفع الفواتير؟"
تقدمت ندى نحو مكتبه بخطوات ثابتة، ووضعت يديها فوق سطح المكتب الخشبي، لتنظر في عينيه مباشرة دون خوف، وقالت بصوت واضح يرتجف بـ شدة وكبرياء: "أنت رجل وقح يا جاسر بيه! تستغل نفوذك ومالك لـ محاربة شركة صغيرة لأن صاحبتها رفضت أن تكون مجرد أداة لتنفيذ أفكارك العقيمة؟ تظن أنك عندما تقطع عني الموردين والمقاولين سآتيكِ باكية لأطلب السماح؟ أنت مخطئ تماماً.. أنا جئتُ هنا لأقول لك في وجهك إنني لن أنحني، ولن أتنازل عن تصميمي، وإذا دمرت شركتي، فسأبني غيرها، لكنني لن أبيع كرامتي لرجل يظن أنه يملك البشر."
اقتراب الخيوط
لم يتحرك جاسر من مقعده، ولم يتغير هدوؤه المستفز. وقف ببطء، ودار حول مكتبه ليصبح واقفاً أمامها مباشرة، على بُعد خطوة واحدة. كانت أنفاس ندى المتسارعة تتلاقى مع نظراته الحادة كـ الجمر.
انحنى قليلاً ليصبح بمستوى عينيها، وقال بنبرة دافئة لكنها تحمل خطورة حقيقية: "أنا لا أحاربكِ لأنكِ رفضتِ أفكاري يا ندى.. أنا أفعل هذا لأنكِ أول امرأة تجرؤ على النظر في عينيّ بـ هذا التحدي الشرس. أنتِ تظنين أنني وقح، وأنا أرى أنني عملي. السوق لا يرحم الضعفاء، وأنا أردتُ فقط أن أريكِ حجم العالم الذي تتحدينه."
صمت قليلاً، وتأمل رقة وجهها الفاتن بـ إعجاب خالص حاول كبته، ثم تابع بنبرة غامضة: "العقد بيننا ما زال قائماً، والتصميم الذي قدمتِهِ.. وافق عليه مجلس الإدارة بالأمس بعد أن أعدتُ دراسته ووجدتُ أنكِ كنتِ على حق في بعض النقاط. الموردون سيعودون للعمل معكِ من الغد، وبـ شروط أفضل.. ليس لأنكِ جئتِ بـ غضبك، بل لأنني قررتُ أن أمنحكِ فرصة لإثبات نفسكِ في موقع العمل الحقيقي. غداً سننزل معاً للموقع.. وأريد أن أرى إن كان عملكِ بـ قوة لسانكِ وكبريائكِ."
تراجعت ندى خطوة للخلف، وشعرت بـ ارتباك غريب أمام هذا التحول في أسلوبه؛ فـ جاسر لم يتراجع، بل غير طريقة اللعب ليجعلها قريبة منه وفي موقع العمل تحت إشرافه المباشر.
نظرت إليه بـ حذر وقالت: "سأكون في الموقع غداً يا جاسر بيه.. وسأثبت لك أن الجمال والأصالة هما ما يمنحان الحياة قيمة، وليس فقط لغة الأرقام الصماء."
استدارت وغادرت المكتب، بينما ظل جاسر واقفاً يتأمل أثرها، وعيناه تشعان بـ شغف جديد؛ لقد أدرك أن هذه الفاتنة لن تكون صيداً سهلاً، وأن ترويض كبريائها سيكون أعظم وأجمل معركة يخوضها في حياته.
