📁 آخر الروايات

رواية فاتنة الوقح الفصل الثالث 3 بقلم القلم الذهبي

رواية فاتنة الوقح الفصل الثالث 3 بقلم القلم الذهبي


الفصل الثالث: تحت شمس التحدي

في صباح اليوم التالي، كانت أشعة الشمس الذهبية تلف موقع بناء المشروع الجديد في أطراف القاهرة. الموقع كان عبارة عن خلايا نحل بشرية؛ آلات ضخمة، مهندسون يتحركون بالمخططات، وعمال يرفعون الأعمدة. وسط هذا الصخب الصاخب والتراب، وصلت ندى زهران وهي ترتدي ملابس العمل الميدانية الأنيقة والعملية في آن واحد، ممسكة بمخططاتها وتصميماتها الورقية التي تدافع عنها كمن يدافع عن روحه.

لم تمر سوى دقائق معدودة حتى وصلت سيارة جاسر المنشاوي الفارهة. ترجل منها بهيبته المعتادة، لكنه استبدل بذلته الرسمية بقميص عملي أسود اللون برزت منه ملامحه الرياضية الحادة وعيناه اللتان تبحثان عن شيء واحد فقط في هذا الموقع الواسع: ندى.

تقدم جاسر بخطوات واثقة نحو النقطة التي تقف فيها ندى، وتأملها بنظرة سريعة امتزج فيها الإعجاب بالبرود المستفز، وقال بصوت جهوري: "صباح الخير يا بشمهندسة. أرى أنكِ وصلتِ مبكرة.. هل هذا الحماس لإثبات أن حدائقكِ الورقية تصلح للتطبيق على أرض الواقع، أم خوفاً من إلغاء العقد؟"

التفتت إليه ندى، ورفعت نظارتها الشمسية لتقابل عينيه الحادتين بـ كبرياء وعناد لا يتزعزع، وقالت بنبرة هادئة وقوية: "صباح النور يا جاسر بيه. حماسي نابع من احترامي لمهنتي وللتاريخ الذي أصنعه في كل مكان أضع لمستي فيه. الخوف كلمة لا توجد في قاموسي، وستبدي لك الأيام أن أرض الواقع تحتاج للون الأخضر والجمال أكثر من حاجتها للخرسانة الجافة التي تدير بها عقلك."

ابتسم جاسر ابتسامة دافئة وخفيفة، ارتسمت على شفتيه للحظة قبل أن تختفي وراء قناعه الصارم: "سأرافقكِ بنفسي اليوم في جولة الفحص الأولى للتربة والمساحات المحيطة بالبحيرة الاصطناعية. أريد أن أرى كيف ستترجمين كبرياءكِ هذا إلى أرقام ومقاسات دقيقة."

صراع الخطوات والأنفاس

تحرك الاثنان معاً في أرجاء الموقع الشاسع. كانت ندى تسير بخطوات ثابتة وثقة بالغة، تشير إلى الزوايا، وتشرح بأسلوبها العذب والذكي كيف سيتم تنسيق الأشجار لتوفير الظل الطبيعي وتقليل استهلاك الطاقة في المجمعات السكنية. كان جاسر يستمع إليها بإنصات كامل وتركيز لم يعتده موظفوه؛ لم يكن يراقب المخططات بقدر ما كان يراقب حركات يديها الرقيقتين، والطريقة الساحرة التي تلمع بها عيناها الفاتنتان وهي تتحدث عن عملها بشغف.

وعند الاقتراب من حافة المنحدر المؤدي إلى البحيرة الاصطناعية، حيث كانت الأرض غير مستقرة وبها بعض الحجارة اللينة، تعثرت قدم ندى فجأة بسبب انزلاق بعض الأتربة تحت حذائها.

حبست ندى أنفاسها وكادت أن تسقط، لكن في جزء من الثانية، امتدت يد جاسر القوية والقاطعة لتمسك بذراعها بحنان دافئ وأمان حاسم، جاذباً إياها نحو صدره ليمنع سقوطها. تلاقت أعينهما في تلك اللحظة القريبة جداً، وتوقفت الكلمات على شفتيهما. كانت أنفاس ندى المرتجفة تصطدم بملامحه الحادة التي تلاشت منها كل وقاحة أو غرور ليحل محلها قلق حقيقي وعاطفة جارفة شعر بها لأول مرة.

ثبتها جاسر على الأرض ببطء، ولم يترك يدها إلا بعد أن تأكد من توازنها تماماً، وقال بنبرة صوت منخفضة ودافئة غير معهودة فيه: "احذري يا ندى.. الأرض هنا لا ترحم المندفعين، وأنا لا أريد أن يصيب كبرياءكِ الشامخ أي خدش."

تراجعت ندى خطوة للخلف، ونبضات قلبها تتسارع بـ شدة، ليس فقط من أثر التعثر، بل من ذلك الدفء الغريب الذي شعرت به في حصار يديه. حاولت استعادة قناعها الصلب وقالت بصوت متهدج حاولت جعله متزناً: "شكراً لك يا جاسر بيه.. الأرض قد تكون غير مستقرة، لكن خطاي تعرف طريقها جيداً."

خيوط المؤامرة من بعيد

بينما كان هذا الدفء ينمو تحت شمس الموقع، كان هناك من يراقب هذا الاقتراب بـ عينين يملؤهما الحقد والشر. في الجهة المقابلة من ساحة العمل، كان يقف المهندس "طارق"، أحد مديري المشاريع القدامى في شركة المنشاوي، والذي كان يطمح دائماً في إبعاد أي شركة منافسة والاستيلاء على ميزانية الديكور لحسابه الشخصي بالتعاون مع موردين فاسدين.

تحدث طارق بصوت خفيض في هاتفه مع أحد أعوانه: "جاسر بيه يبدو مأخوذاً بـ هذه المهندسة الفاتنة، وقد وافق على خطتها بالكامل. إذا سار المشروع كما تريد، ستضيع علينا عمولات الملايين من صفقة الخرسانة الإضافية. أريدك أن تتلاعب في دفاتر استلام الشحنة الخاصة بنباتات وخامات شركتها غداً، لتبدو وكأنها خامات رديئة وغير مطابقة للمواصفات. دعنا نرى كيف سينقذها كبرياؤها عندما يتهمها جاسر المنشاوي بالاحتيال وتخريب المشروع."

أغلق طارق الهاتف بابتسامة مكرة، متوعداً بتهديم هذا الجسر الصغير من الثقة الذي بدأ يُبنى بين الفاتنة والوقح.



الرابع من هنا


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات