رواية عمر الجارحي ومريم الفصل الثاني 2 بقلم القلم الذهبي
رغم الغضب الظاهري الذي أبداه عمر الجارحي، إلا أن عقله الفذ لم يتوقف عن التفكير بكلماتها الشريفة. جلس في مكتبه الفخم لساعات طويلة يراجع تقريرها العلمي، واكتشف بذكائه أن مريم على حق تماماً؛ وأن دمج علمها وأصالتها في ترميم المخطوطات يمنح المشروع قيمة أثرية حقيقية لا تقدر بمال في السوق الدولي. اتخذ قراره الحاسم فوراً، وأمر بتعيين مريم كـ رئيسة للجنة الفحص العلمي، ووفر لها مختبراً سرياً خاصاً مجهزاً بأحدث الوسائل لحماية المخطوطات الأصلية داخل قصر الجارحي الأثري العتيق.
بدأت مريم العمل بحماس ونقاء خالص، وكانت تقضي الساعات طويلة وهي تفحص الأوراق البالية بعناية فائقة وتزيل عنها غبار السنين بيدها النظيفة والعفيفة، بينما كان عمر يجد نفسه يختلق الأعذار يومياً لزيارة المختبر، مراقباً إياها بهدوء ووقار، متأثراً بـ نقائها وتفانيها الذي أنار ظلمات حياته الجافة.
لكن هذا النجاح السريع والتقارب غير المعلن أثار جنون "أمجد البحيري"، المنافس اللدود لعمر الجارحي في سوق البرمجيات. علم أمجد عبر جواسيسه أن مريم تحتفظ في المختبر بـ "مخطوطة النور" الأصلية، وهي وثيقة تاريخية نادرة تحوي تفاصيل وخرائط معمارية قديمة لأراضٍ شاسعة تحاول شركات دولية الاستحواذ عليها. خطط أمجد لمؤامرة دنيئة؛ وفي ليلة شتوية عاصفة، انقطعت فيها أنوار الميناء القريب ولف الضباب أركان قصر الجارحي، أرسل ثلاثة من رجاله المسلحين والملثمين لاقتحام المختبر وسرقة المخطوطة بدم بارد وتدمير الأبحاث.
كانت مريم تجلس بمفردها أمام طاولة الفحص تحت ضوء مصباح صغير، حين سمعت صوت تحطم زجاج النافذة العلوية بشكل مفاجئ. قبل أن تستوعب ما يحدث، حاصرها المسلحون، وتقدم أحدهم موجهاً سلاحه نحو صدرها قائلاً بنبرة خبيثة وقاسية: "سلمي المخطوطة الأصلية والأبحاث فوراً يا دكتورة مريم، وإلا ستكون هذه الليلة هي آخر ليلة في حياتكِ! نحن لا نمزح وسوقنا لا يرحم."
وقفت مريم بشموخ وكبرياء شاهق، ورغم الرعب الخفي الذي سرى في جسدها، إلا أن عزة نفسها ونقاء أصلها منعاها من التراجع. احتضنت المخطوطة بقوة إلى صدرها الشريف وقالت بصوت قاطع لم يهتز: "شرف أمانتي وحماية هذا التاريخ أهون عندي من حياتي! لن تلمسوا ورقة واحدة من هذه الأمانة ما دمتُ أتنفس. الموت بشرف أفضل بآلاف المرات من الخنوع لغدركم وبدمكم البارد!" ثارت ثائرة المسلح وتأهب للضغط على الزناد، وبدا أن الموت يطرق باب المختبر بـ قسوة.
