رواية عمر الراسني وياسمين الفصل التاسع والعشرين 29
ليس بغريب أن يفكروا هكذا؛ فبوابة منزل عائلة المطيري كانت مغلقة بإحكام، وياسمين واقفة عند المدخل بوجه مليء بالخيبة، وكان واضحًا أنها مثقلة بالهموم.
كان هذا مشهدًا جديدًا بعض الشيء.
"ولم أر السيد وائل أيضًا." ارتكزت ليلى على ظهر الكرسي، مسترجعة بصرها من الخارج.
كانت نبرة صوتها تحمل بعض الخفة.
يبدو أن وائل لم يعد بإمكانه حل هذه المعضلة، أليس كذلك؟
أطلق فارس صوت تعجب بلسانه، وقال: "ياسمين لا تستطيع حتى دخول الباب، من الواضح أن الأكاديمي غير راض تمامًا عنها. إذا كانت نيتها الحصول على طريق مختصر، هذا سببٌ أكبر يجعلهم يطردونها."
لم يكن يفهم.
كيف لها أن تندفع فجأة، وتعلن على الملأ أنها ستتقدم لامتحان الدراسات العليا تحت إشراف الأكاديمي؟
والان، لا تستطيع الدخول، ولا التراجع،
ابتسمت ليلى ببرود، وكأن الأمر لا يعنها: "من يعلم."
رغم كلماتها، كانت تدرك أن ما قاله فارس صجيح.
فياسمين لا تستطيع حتى الدخول، والأكاديمي لم يُعجب بمؤهلاتها العلمية.
لكن لأنها كانت قريبة من وائل، صدّقت أن بإمكانها فعل أي شيء تجرات على أن تحلم بالمستحيل: أن تتقدم للامتحان وكأنها تعرف كل شيء.
في نظر أولئك الذين يسعون وراء العلم بجدية، فإن موقف ياسمين العشوائي والمستهتر يثير النفور والانزعاج بشدة،
ألقى فارس نظرة على عمر وقال: "يبدو أنها في مأزق... هل نُظهر بعض الرحمة ونأخذها معنا؟" لكن عمر ظل منكبًا على شاشة الكمبيوتر، لا يكترث لبوابة منزل عائلة المطيري التي مرُّوا من أمامها، وقال ببرود: "هل ستنزل لتعطيها مقعدك؟"
كان واضحًا أنه لم يكن يريد اصطحابها على الإطلاق. •
سمعت ليلى نبرة عمر فابتسمت بسخرية: "فارس، أنت مخطئ. هي الآن مُحرجة بما فيه الكفاية، وذهابها معنا سيجعلها تشعر بالإحراج أكثر." شبكت ساقيها ورفعت حاجبها قليلًا. • أطلق فارس صوت تعجب بلسانه، وقال: "حقًا، أنت دقيقة الملاحظة." •
4
بعد ذلك، ذهبت ليلى إلى المستشفى
أما منيرة، بعد إنهاء معرضها الفني، عادت هي الأخرى إلى المستشفى، • لم ترد أن يواجه جسدها أي مشكلة، حتى لو لم يكن هناك ما يدعو للقلق عادة، كانت دائمًا تطلب من الممرضات فحصها.
ظل موضوع امتحان الدراسات العليا الذي ذكرته ياسمين على بال منيرة، حتى أنها سألت ليلى: "ما قصدها بحق؟ هل لديها أوراق خفية؟"
أجابت ليلى ببرود، وهي تضع حقيبتها على الأريكة: "لا أظن ذلك. اليوم، عندما تم طردها من منزل المطيري، بدا الأمر مهينًا للغاية."
ابتسمت منيرة بشكل ماكر: "يبدو أن كل ما قالته ياسمين كان مجرد كلام لتصنع لنفسها مظهرًا أمام الحضور. ربما يتغاضى وائل عن الأمر بسبب جمالها، لكن الأكاديمي لن يغفل."
كانت ليلى توافق على كلامها، فهي لم تكن تبالي بياسمين على الإطلاق؛ لم تكن حتى قادرة على الاقتراب من مستواها.
1
لكن ....
نظرت ليلى إلى منيرة، وقالت: "لوحاتك كلها بخير، أليس كذلك؟" • فهمت منيرة ما تعنيه.
رتبت صدر سترتها، وأجابت بلا مبالاة: "هذه قضية قديمة... جاء قد حل من من طيل، كيف
لها أن تعود من القبر لتلاحقني؟" •
لم تعلق ليلى.
ولم تقل المزيد.
فهي تعرف أن المعرض القادم بعد عدة أشهر هو الأهم. •
إذا نُظّم المعرض بنجاح وبصورة مبهرة، فلن تُستعاد فقط كل الأموال التي استُثمرت في شركة السهم، بل ستتمكنان أيضا من ترسيخ موطى قدم ثابت لهما تماما داخل دوائر النخبة.
أما عائلة الحليمي؟
فقد ازداد حالهم بؤسًا عامًا بعد عام.
ومن الأن فصاعدًا لن يكون بوسعهم إلا الوقوف بعيدًا، مكتفين بمشاهدة غبار خطاهن. •
خلال اليومين الماضيين، قضت ياسمين كل طاقتها في مراجعة الكتب.
عرف وائل وسارة أنها تستعد للامتحان، فحاولا إتمام أعمالهما دون إشغالها، لكنها لم تسمح لأنشطتها الشخصية أن تعرقل العمل في الشركة.
وعندما كان وائل على وشك الذهاب للقاء شريك تجاري لمناقشة الأعمال، اقترحت الانضمام لهم لمتابعة الأمور، كونها ستكون مسؤولة عن المشروع المقبل.
تحدثت مع الشريك بشكل سلس ومهني.
كان وائل ومن معه سيذهبون ظهرًا إلى مأدبة عمل.
وأما ياسمين، فلم تكن تستطيع شرب الكحول، وكان لديها أيضا بعض شؤون الشركة لتنجزها، لذلك لم تذهب معهم إلى الجولة الثانية.
طلبت سارة منها إحضار حلويات من مقهى قريب، فتوجهت ياسمين لشرائها.
المقهى المجاور لمنطقة التجارة الدولية كان مدحما دائما، فاضطرت للانتظار بعد طلبها عبر التطبيق.
وعندما دخلت رؤى ورات ياسمين، مرّت ببصرها عليها، وقالت بسخرية: "يا لها من مصادفة."
أدارت ياسمين عينيها نحوها ببرود ولم تكترث.
ثم لاحظت دخول سامي خلفها.
الذي ارتكزت نظراته على ياسمين، ثم اقترب بهدوء وسألها: "هل أنت هنا للقيام بشيء؟"
نظرت ياسمين نحو منضدة الطلبات لترى إلى أين وصل تجهيز طلبها.
لم تظهر أي رغبة في التفاعل معه.
ولم يتضايق سامي، وترك رؤى تطلب أولًا ما تريد.
ألقت رؤى نظرة على ياسمين، ومر في عينيها بريق من عدم الرضا والغيرة الحافدة، قبل أن تتجه أخيرا لتقديم طلبها على مضض
نظر سامي إلى باسمين محدقًا، بينما كانت يده الأخرى في جيبه، وقال: "سمعت أن شركة السهم في أوج نجاحها، وأن هناك العديد من نوايا التعاون القوية، ولا أحد سيرفض فرصة ربح، وشركة ألفا ومجموعة الدهري تخططان للدخول في محادثات معمقة معها."
نظرت ياسمين ببطء نحو وجه الرجل القاسي الملامح، اتضح أن الشركات التي كان يُشاع مؤخرًا أنها تسعى للتعاون العميق مع شركة السهم تشمل نور ومحمود.
رغم أنهما يعلمان تمامًا أن ليلى هي التي خرّبت زواجها.
يا له من أمرٍ مضحك!.
أخ تربّى معها منذ الصغر، لا تربطهما صلة دمويّة، لكنه أقرب إليها من أخيها البيولوجي.
وأب بيولوجي.
كلاهما يساند العشيقة التي خزبت زواجها.
ابتعدت ياسمين بنظراتها ببرود، وسمعت نداء استلام الحلوى.
لم تظهر أي نية للحديث أو التعبير عن موقفها.
وعندما حاولت المغادرة، خطا سامي خطوة طويلة ليعيق طريقها، وقال: "إذا لم ترغبي، يمكنك أن تخبريني بوضوح، فما زال هناك مجال للتفاوض."
ظلّت ياسمين بلا أي رد، فهي لم تعد تهتم بهذه الأمور، فأجابت عليه بكلمتين فقط: "افعل ما تشاء."
هيئة سامي التي كانت جذابة سابقًا توارت تحت العبوس، ثم أمسك بذراعها مباشرة، وخطف الهاتف الذي بيدها بسهولة بالغة.
لم تستطع ياسمين مجاراة سرعة حركته.
تغير وجهها تمامًا من الغضب وهي تحاول استرجاع هاتفها.
لكن سامي كان قد أسرع بالفعل إلى الاتصال برقم ما من هاتفها.
وفي تلك اللحظة، بدأ هاتفه الخاص في جيبه يرن.
حتى بالنسبة لياسمين، التي اعتادت أن تأخذ الأمور ببساطة، شعرت هذه المرة بالاستفزاز.
هذه هي شخصية سامي، عنيد، ومتبجح، وساخر إلى حد معين.
انتزعت هاتفها بسرعة، وعلت على وجهها ملامح البرود القصوى: "أرجو أن تتركني!" ظل سامي ممسكا بذّراعها.
لقد رأى مؤخرًا مظهر ياسمين الحاد هذا مرات عديدة، وأشعره ذلك بألم خفي، ألم تجاهله بداخله، فانعكس ذلك في نفسيته المتمردة، لتصبح ابتسامته أكثر برودا: "تغيّرين رقمك، ولا تخبريني؟"
ازداد وجه ياسمين برودة، وقالت ببرود ونفاذ صبر: "هل تعتقد أنك بهذه الأهمية؟"
ذُهل سامي للحظة، ثم تجمّع غضب باردّ في عينيه.
أما ياسمين، فلم يكن في نيتها أن تجادله أو تتفلسف معه، لذا سحبت ذراعها بوجه مكفهر وابتعدت.
1
وفي تلك اللحظة، سمعت خطوات عند الباب.
عندما رأى فارس الرجل والمرأة هناك، تحركت ملامحه قليلًا, ثم نظر بدهشة إلى عمر بجانبه:
"ياسمين تلك... كيف تتشابك حتى مع أخيها؟" ألقى عمر نظرة باردة.
كانت ياسمين قد تخلصت بالفعل من قبضة سامي.
ولم تول سامي أي اهتمام، بل استمرت في السير بلا تعابير، حتى عند مرورها بجانب عمر وفارس، لم تلتفت ولم تبادلهما نظرة، كأنها لا تعرفهما. •
ناهيك عن أن تلقي التحية عليهما.
اندهش فارس أكثر.
رأى سامي الاثنين، فتراجع عن أي انفعال، وابتسم بشكل متراخي، كنوع من التحية.
على بعد مسافة، حاول فارس أن يفهم النزاع بين سامي وياسمين، فنظر إلى عمر: "ماذا بينهما؟ هل تشاجرا؟ لقد تجاهلتك للتوا"
رن هاتف عمر.
نظر إلى الشاشة: كانت رسالة من ليلى على الوأتساب، تقول له إنه ليس بحاجة لشراء مشروبات مثلجة لها، فهي لا يمكنها شربها.
رد بعد ثانيتين ب"حسنًا".
ظل عمر يحدق في شاشة الهاتف دون رفع جفنه، وقال لفارس: "هل هذا مهم؟".
كان واضحًا من نبرته أنه لا يهتم البتّة.
كاد فارس أن ينفجر ضحكًا.
فهرع ليخبر مجموعة الدردشة بما راه. •
وأعاد سرد كلمات "هل هذا مهم؟" بطريقة حية مليئة بالتفاصيل.
لم يرد إياد.
أرسلت ليلى رمزًا تعبيريًا ضاحكًا، ثم أرسلت آخر يرفع إبهامه تعبيرًا عن الإعجاب.
1
عادت ياسمين إلى شركة الريادة، وسلمت الحلويات إلى سارة، دون أن تخبرها بما حدث.
أما تصرف سامي الاستبدادي في أخذ هاتفها، فلم يعجبها فحظرت ذلك الرقم على الفور. •
ثم شرعت مباشرة في مناقشة تفاصيل برمجة البرنامج مع سالم والفريق.
كان سيتم استخدام المشروع العسكري للإغاثة والكوارث والأمن، وحتى مع الاعتماد على الأنظمة القائمة والناضجة، فإن تحقيق تحسينات أو اختراقات عملية لن يكون سريعا، وسيستغرق البحث والتطوير وقتًا طويلا.
غالبا ما تجري الشركات من أجل ذلك تجارب وبحوث متكررة على مدى عدة سنوات.
ولكن بعد حساب بسيط، وجدت أنها تستطيع مع فريق شركة الريادة تقليص المدة، وجعلها تتراوج بين ستة إلى ثمانية أشهر، •
خارج نطاق العمل في المشروع، قضت ياسمين في هذه الفترة كل أوقات ما بعد الدوام في مطالعة الكتب.
وكانت كلمات الأكاديمي حازم صائبة: بعد مرور ثلاث سنوات، وحدوث الكثير من التغييرات، حتى لو كانت تقف في مكانة عالية دراسيًا في السابق، فإن الغرور الأعمى أمر غير مستحب.
يشغل الأكاديمي أيضًا منصب أستاذ في جامعة الجمال، لكنه في الواقع لا يملك مهام تدريسية كبيرة، إذ يتركز جهده على المشاريع البحثية في المعهد، وأقصى ما يفعله هو الإشراف على بعض طلاب الدراسات العليا من السنوات السابقة.
كانت جامعة الجمال واحدة من أرقى الجامعات في البلاد.
حين وقفت ياسمين أمام بوابة جامعة الجمال، وشاهدت الطلاب والمارة حول مركز الاختبار، شعرت وكأنها في عالم آخر، غريب ومغاير تمامًا.
كان وائل مصممًا اليوم على مرافقة ياسمين شخصيًا، وعند تزولها من السيارة، ربت على كتفها وقال: "أنت لها يا ياسمين، كان المعلمون سابقًا يتنافسون للحصول عليك، فلا تشعري
بالتوتر" •
كان قد أتى خصيصًا اليوم ليوصلها.
كان اليوم بمثابة نقطة تحول في حياتها.
قبل سنوات، تخلّت عن نفسها مبكزا، أما الآن، يمكنها أن تقف على المسرح الذي يخصها وحدها، وكان يأمل أن تكون كل خطوة من خطوات حياتها القادمة مليئة بالعزة والإنجاز.
لكن ياسمين لم تشعر بالتوتر، كل ما شعرت به هو تأثرٌ عميق. •
"هل أصحبكِ إلى الداخل؟" سألها وائل، نادرًا ما كان يظهر بهذا اللطف، فجامعة الجمال هي جامعته الأم، وقد حجز مسبقًا لدخول الحرم، تحسبًا لأن يدخل مع ياسمين إن شعرت بالتوتر.
هزت ياسمين رأسها بخفة، مبتسمة: "لستُ طفلة بعد الآن."
"حقًا أتيتِ؟"
فجأة, جاء صوت فارس من جانبهما، مفاجئا لهما.
رفعت ياسمين ووائل نظرهما، فوجدا سيارتين متوقفتين هناك. •
نزلت ليلى من سيارة عمر، وعندما رأت ياسمين، لم تتغير تعابير وجهها، لكن لمعت في أعماق عينيها لمحة من السخرية الخفية.
كان إياد حاضرًا أيضًا. •
وركز نظره على وجه ياسمين لفترة طويلة بدون وعي.
فقد كان يعرف أن ياسمين ستأتي اليوم للامتحان، ورغب فقط في أن يغامر ويأتي، ربما يلتقي بها.
وطبعًا، كان أيضًا يأمل أن تحقق ما تصبو إليه.
لاحظت ياسمين نظرته، فأوماً هو لها برأسه بهدوء، بتعبيرات وجهِ لطيفة.
ردّت عليه بتحية مؤدية مماثلة.
كان عمر منهمكًا في مكالمة مهمة، وعندما رفعت ياسمين رأسها، التقت عيناه بعينيها للحظة.
كانت ياسمين تعرف دائمًا مكانة ليلى في هذا الوسط.
ومن غير المستغرب أن يأتى الجميع إلى هنا ليشجعوها في مثل هذا اليوم المهم.
كأنها أميرة يحيطها الجميع بالحب والاهتمام، •
"سيد وائل."
لاحظ إياد استجابة ياسمين، فارتسمت ابتسامة على شفتيه، وقام بتحية وائل.
أما فارس، فلم يفهم شيلا: "سيد وائل، ألا تمانع هذا؟"
في رأيه، ياسمين تلعب لعبة خطيرة، وإذا فشلت، ألن تكون وصمة على سمعة شركة الريادة؟ ابتسم وائل ابتسامة مزيفة، وقال: "قدرة ياسمين على التعلم سريعة، ربما تُذهل الجميع."
ارتسم على وجه فارس تعبير يصعب وصفه، وفي النهاية ابتسم قليلاً وقال:"سيد وائل يبدو أنك تدلل ياسمين كثيرًا."
1
لم تكترث ليلى لياسمين.
وعندما انتهى عمر من المكالمة، ابتسمت بخفة، وقالت له: "أليس من المقرر أن تكون في رحلة عمل مفاجئة؟ لقد خصصت وقتك لترافقني، هل حدثت مشكلة في العمل بسبب ذلك؟" •
في الحقيقة، كان من المفترض أن يسافر عمر في السادسة صباحًا إلى مدينة الميناء.
لكنه أجل الرحلة خصيصًا لمرافقة ليلى في يوم امتحانها. •
"لا مشكلة." ردّ عمر وهو يضع هاتفه جانبًا.
لم تستطع ليلى كبح نفسها عن النظر إلى وجهه الوسيم لفترة من الوقت، ثم خفضت رأسها وابتسمت بخفة.
اقترب وقت الامتحان، فتوجهت ليلى للدخول إلى نقطة التفتيش.
وعندما مرت بجانب ياسمين، أطلقت عليها نظرة جانبية باردة.
ثم تقدمت بلا كلمة أمامها، كأن ياسمين بحاجة لأن تتعلم درس الواقع المرير!
كما أنها تحتاج لمعرفة الفرق بين الطموح الواقعي، والوهم.
وينطبق ذلك على هذا الامتحان، وعلى عمر أيضًا.
لم تهتم ياسمين بردة فعل ليلى.
وبمجرد أن لوّحت بيدها مودّعةً وائل، توجهت نحو باب الامتحان، ممسكة بهويتها وببطاقة الدخول.
تقدم عمر قليلًا لمرافقة ليلى، وعندما اقتربت ياسمين، كان عليهما المرور بجانب بعضهما.
لم تتوقف، وبدا عمر مسترخيًا، ووضع يده في جيبه بينما خفض بصره لينظر إليها.
ثم قال بصوت هادئ وصل إلى أذنها: "ياسمين، حظًا موفقًا."
8
لم يكن لدى باسمين وقتَّ طويل للاستعداد، لكن الوقت كان كافيًا لتغوص في كل كتاب يجب عليها مراجعته، لتعيد ترتيب كل ما ينبعي فهمه واستيعابه.
بالنسبة لها، كان الأمر سلسا، لا إجهاد فيه.
كانت تشارك ليلى نفس التخصص ونفس قاعة الامتحان.
قبل ثلاثين دقيقة من انتهاء الوقت، نهضت ياسمين وسلمت ورقتها وغادرت.
لاحظت ليلى تصرفها، وألقت عليها نظرة خاطفة، ثم هت رأسها كما لو كانت تعرف مسبقا النتيجة.
المادة الأولى كانت مادة تخصص، ومع ذلك قررت ياسمين إنهاء الامتحان مبكرا، مما يعني أنها لم تستطع الاستمرار. •
بالفعل، لم يكن عليها تضييع وقتها هكذا.
لم يكن يفترض بها أن تأتي اليوم أصلًا.
لكنها أصرّت على الحضور، لتتصنع وتتباهى أمام الآخرين.
أحيانًا، كان من الصعب على ليلى فهم طريقة تفكير ياسمين، لماذا عناء التظاهر بالقوة؟
ابتسمت ليلى بصمت، وهي تشد شفتيها قليلًا، وبدا أن لديها جوابًا أوضح الآن حول نتيجة هذا الامتحان.
بعد انتهاء ياسمين، كانت سارة تنتظرها عند الباب، وعندما خرجت ياسمين بهدوء وثقة، ابتسمت سارة ابتسامة عريضة، وقالت: "هيا! اليوم سأدعوك على وجبة كبيرة!" لم تكن ياسمين مهتمة بما يحدث مع ليلى.
وذهبت بهدوء لتناول وجبة مع سارة.
في الأيام التالية، امتحنت باقي المواد، واجتازت المقابلة بسلاسة نسبية.
كل ما تبقى هو انتظار النتائج، والتي ستظهر بعد أسبوع إلى أسبوعين. •
لم تشعر بالتوتر، بل كانت ممتنة لجسدها الذي لم يخذلها في هذه المرحلة الحرجة، وسمح لها
أن تنهي الامتحان بسلاسة، كانت هي المسؤولة عن القسم الرئسي لنظام المشروع الخاص بالإغائة والكوارث، والذي يتطلب متابعة طويلة المدى، بينما تركت باقي الأعمال الحالية ليقودها وائل.
5
وفي أوقات فراغها، بدأت التحضير لمشروع الطاقة الجديدة،
لكن بعد أن عاد وائل من لقاء مع العميل، جاء بخبر جديد: "شركة السهم تبحث أيضًا في مجال الطاقة الجديدة، حتى أنهم قابلوا السيد طارق، واتجاههم المستقبلي هو نفسه اتجاهنا، ومن غير المستبعد... " طرق وائل الطاولة بمجلد، وأضاف: "لدى عمر شبكة علاقات واسعة، سيساعدهم في تمهيد الطريق.
مع دعم عمر، لم تكن شركة السهم لتفتقر للعلاقات، وسيكون الطريق أمامهم سلشا جدًا.
أومات ياسمين برأسها، متأملة.
فهناك عقول نابغة داخل الشركة، وعمر جمع بقدراته أفضل المهندسين من داخل وخارج البلاد» ولديهم خطة مشاريع واعدة.
كما أنها سمعت شائعات الأيام الماضية تفيد بأن الكثيرين زاروا شركة السهم لمناقشة تفاصيل التعاون.
أغلقت ياسمين المخطوطة، وجهها هادى، لكن ملامحها حادة: "لنر من الأفضل."
نظر وائل إليها طويلا قبل أن يبتسم: "لا تزال ياسمين نفسها، روحها التنافسية لم تتغير، لم تعرف الخوف يومًا."
كان هذا يثير حماسه بشدة، هو متحمس لرؤية ما ستقدمه من إنجازات مبهرة.
3
عند الثانية ظهرا، تلقى وائل مكالمة خاصة، وقال: "اذهبي معي بعد قليل لاستقبال ضيف."
تساءلت ياسمين: "من؟".
أجاب وهو بلتفت إلى الساعة: "عاصم، أتصل وأبدى اهتماما بالتعاون في مجال الطاقة الجديدة، ويريد أن يتحدث معنا أولاً "
لم تكن ياسمين تعرف عاصم جيدًا.
رأته مرتين فقط.
لكنها شعرت، رغم أنه يبدو في شبابه، إلا أن طباعه مستقرة إلى حد ما، ولا يثير الضيق في النفوس.
عندما وصلا إلى غرفة الاستقبال، كان عاصم يجلس منتظرًا.
قوامه طويل ونحيل، وكأنه عارض أزياء، يشع بالحيوية والإشراق.
وقف وصافح وائل، ووقعت عيناه على وجه ياسمين مباشرة، فقال: "آنسة ياسمين، نلتقي مجددًا. "
أومات ياسمين برأسها بهدوء: "سيد عاصم، لا داعي للمجاملات، تفضل بالجلوس."
ارتعش طرف شفتيه، وجد أن طريقة قولها الجديّة ل"سيد عاصم" مثيرة للاهتمام إلى حد ما، فابتسم ابتسامة خفيفة. •
كان وائل قد عرف من مكالمته مع عاصم كل شيء عن خلفيته.
وعلم معلومات عنه فاجئته، فهو ممثل لمجموعة العصر للصناعات العسكرية، وتم استقدامه من الخارج كخبير إداري.
سأل وائل بدهشة: "كيف خطر في بالك التعاون مع شركة الريادة تقنيًا؟"
فوائل يعرف جيدا مكانة مجموعة العصر في البلاد.
لم يُصرح عاصم بأي نية شخصية، بل قال بكل هدوء: "أنا أتيت ممثلا عن السيدة قديرة من مجموعة العصر."
السيدة قديرة، وائل يعرفها جيدا..
إنها سيدة بارزة، لها سمعة مرموقة جدًا في هذا المجال.
"أما عني شخصيًا، فلقد كانت لدي فكرة عامة عن شركة الريادة أثناء وجودي خارج البلاد: وأنا معجب جدًا ببعض المشاريع والمنتجات التي طورتها يا سيد وائل، بل حتى قمت بدراسة موضوعية حولها. "
كان عاصم صادقًا جدًا في كلامه، لكن ياسمين نظرت مباشرة إليه، وسألته صراحة عن النقطة المحورية: "أظن أنك يا سيد عاصم قد سمعت مؤخرا بعض الشائعات حول شركتنا، وفي نظر الكثيرين، فإن شركة السهم تمتلك قنوات أكثر بكثير من شركة الريادة، فهل لديك يا سيد عاصم نية للتعاون مع شركة السهم؟"
لم تتجنب هذا السؤال.
فحتى سامي وعائلة الدهري أصبحوا في صف شركة السهم حين تداخلت المصالح.
قال عاصم وهو ينظر إليها بئبات: "نيتي الوحيدة هي شركة الريادة."
دهشت ياسمين: "ولماذا؟" •
حينما رآها عاصم تنظر إليه بفضول، ابتسم ابتسامة خفيفة، وقال بتلقائية: "أنا أعتمد على الانطباع والأحاسيس." •
حدَّقت به ياسمين مشككة.
هما بالتأكيد يتحدثان عن تعاون تجاري، فلماذا يبدو الأمر وكأنه موعد تعارف غرامي؟
حتى وائل شعر بالارتباك من هذا الأسلوب.
هل أصبح الشباب اليوم بهذه العفوية؟ •
4
سألت أخيرًا: "أنت أيضا درست هندسة الطيران يا سيد عاصم؟"
أجاب بعيون براقة، وبدون أي توتُر: "يمكنني التعريف بنفسي، تخرجت من جامعة كامبريدج، درست هندسة الطيران والإدارة المالية، وأنهيت الدكتوراه في الطيران." .
ذُهلت ياسمين.
اتضح أن من يجلس أمامها عبقريّ نادر.
والأغرب أنه لم يكن فيه أي لمحة تكبر.
"لا داعي لأن تقلقا. يمكننا الآن أن نبدأ بتعارف أساسي فقط، أما مسألة التعاون فستعتمد بطبيعة الحال على الترتيبات اللاحقة. أنا فقط أعبّر عن صدق نية مجموعة العصر ونيتي الشخصية."
لم يُرد عاصم أن يضع شركة الريادة تحت أي ضغط بسبب وجود دعم مجموعة العصر خلفه.
أومات ياسمين برأسها ببطء.
"لكن هناك نقطة بالغة الأهمية أيضًا " رفع عاصم حاجبيه قليلًا، وظهر في عينيه دفء مختلف
"لطالما سمعت أن يو إن الثاني قد طوّره أحد أشخاص شركة الريادة. كانت الشائعات سابقًا تقول إنه السيد وائل. في الحقيقة، السبب الذي جعلني أختار هذا المجال يعود جزئيًا إلى تأثير ذلك المطوّر علي... إنه قدوتي."
كان وائل قد أخذ للتو رشفة من الماء، فكاد يختنق بها. •
وبشكل غريزي، التفت لينظر إلى ياسمين، التي ما زالت تحافظ على هدوئها، وكأن الكلام لا يعنيها على الإطلاق.
5
كان عاصم يقول الحقيقة.
فلطالما ظلت حقيقة مطور مشروع يو إن الثاني أمرًا سريًا، حتى والده لم يفصح له عن أي شيء.
قبل خمس سنوات، ظهر يو إن الثاني فجأة في السماء، محدثًا صدمة كبيرة له.
فوالده كان لا بد أن يهتم بكل ما له علاقة بالشؤون العسكرية بسبب موقعه وعمله. بالنسبا لعاصم، كان يو إن الثاني كاول حب عاطفي له: لا يزال يضيء في قلبه حتى اليوم. •
وفي فئة "الاستطلاع والضرب"، كان هذا الدرون في الطليعة بلا منازع.
لكن...
تأكد مؤخرا أن المطور لم يكن وائل..
ابتسم وائل ابتسامة تحمل تفكّر، ورمى إلى ياسمين نظرة مليئة بالتلميح: "أنت ذو ذوق حاد يا سيد عاصم، لكن هذا الشخص ليس أنا" •
ثم اقترب منها، وأبتسم بشكل يوحي بالمزاج: "انظري إليه فقط، شاب أبيض البشرة، وسيم، معجب، شيء مؤثر حقًا." •
كانت ياسمين تعرف أنه يمزح فقط، فلم تعره اهتمامًا.
عاصم نفسه لم يكن ممن لا يستطيعون المزاج، وكان يعلم جيدا أن المطور ليس وائل، لذا قام وقال: "بالنسبة للتعاون، إذا سنحت الفرصة، آمل بشدة أن تتمكن شركة الريادة ومجموعة العصر من النظر في التعاون بينهما، أنا فقط أعبر عن نيتي، وشركة الريادة تختار حسب حاجتها." كان لبقًا، يعرف كيف يتصرّف، ويبدو صادقًا.
يكفي أنها مجموعة العصر، هذا لوحده يكفي لأن تضعها شركة الريادة في مقدمة خياراتها.
وفي داخلها، كانت ياسمين قد قدّرت الأمور بالفعل.
3
عاصم يعرف حدوده، وقال كل ما يجب قوله، لذا وقف وقال: "إذن لن أزعجكم، يمكنكم التفكير في الأمر أولا يا مديرة ياسمين، وسيد وائل ."
كانت هذه أول مرة له في شركة الريادة، فتأمل المكان قليلًا بلا وعي، ثم وقع نظره على المبنى الفني المقابل للنافذة.
توقف لحظة، ولاحظ وائل ذلك، فسأله: "ما الأمر؟"
أدرك عاصر الأمر فجأة، فأشار إلى المبنى المقابل وقال، دون أن يذكر شخصًا محددًا: "رأيت فجأة معرضًا فنيًا هناك، ووجدته مألوفا. قبل فترة كان هناك من أقام معرضًا في ذلك المكان ودعاني للحضور، لكنني شعرت أننا لا نملك علاقة تذكر، لذلك لم أذهب." •
هذا هو طبعه.
لا يهتم بمن لا علاقة له به، ولا يعرفه، ولا يرتبط به، فهو يرى أن ذلك مضيعة للوقت.
ولم يستطع هو أيضا أن يفهم الأمر.
كيف وصلّت إليه الدعوة أصلًا؟ •
وعندما سمعت ياسمين ذلك، ألقت نظرة إضافية على عاصم، بقدر من المفاجأة.
تساءلت ياسمين في نفسها، حتى هو تلقّى دعوة ليلى، ومع ذلك لم يذهب؟
عند هذه اللحظة، تغيّر تعبير وجه عاصم أخيرًا، وكاد بريق ابتسامته يتسلّل إلى عينيه دون أن يستطيع كبحه، وظهرت على وجهه بعض علامات الإعجاب والحماس، ثم اقترب ليربت على كتف عاصم: "أنت مميز يا سيد عاصم، لا تسير مع التيار، لا عجب أنك تتوافق جيدا مع شركة
الريادة!" •
كانت ياسمين تصنّف كل من لا يمنح ليلى أي اعتبار ضمن صف أصحاب الذوق والبصيرة، وفي قرارة نفسها، كانت قد صنّفت عاصم ضمنهم أيضًا.
لم يتوقف الأمر عند هذا، بل قام وائل شخصيًا بإيصاله إلى الطابق السفلي، معاملة خاصة
وحصرية.
رأت ياسمين أنه أمرّ مضحك.
كان مزاج وائل رائعًا، وقال لها بعد أن عاد: "ما انطباعك؟ أصبح لديك معجبٌ صغير من مجموعة العصر."
أغلقت ياسمين قلمها، وقالت: "هذا ما يُقال: ولكن إذا أرادت شركة السهم أن تعمل معنا في مشروع بنفس الاتجاه، فقد تتفاوض أيضًا مع مجموعة العصر، وكل شيء لم يُحسم بعد."
3
اعتقد وأئل أن هذا منطقى.
خاصة وأن عمر يقف خلف شركة السهم، ويمكنه التواصل مع كبار مجموعة العصر بسهولة، بالطبع، كانت ياسمين تأمل في التعاون مع شركة كبيرة مثل مجموعة العصر، والعمل بشكل.
مشترك على الابتكارات في مجال التكنولوجيا المتقدمة، فهذا سيؤدي طبيعيا إلى نتائج أفضل لكن، لا بد من انتظار يوم بدء إعداد المشروع والتوقيع الرسمي على العقد، حتى يظهر أثر هذا التعاون بالفعل
النية الصادقة لا تعبّر بالكلام فقط.
علاوة على ذلك، كان من الغريب أن تبادر شركة كبيرة وناضجة مثل مجموعة العصر وتأتي إليهم.
فالسوق مثل ساحة معركة، ومهما بدا عاصم صادقًا، كان على ياسمين أن تفكر في عدة احتمالات ولا تزال تشعر أن حماسة عاصم تلك...غريبة بعض الشيء، ما يستدعي المزيد من التدقيق والتفكير.
تم تقسيم فرق مختلفة لمتابعة المشروع.
وبصفتها المهندسة الرئيسة في شركة الريادة، كان على ياسمين أن تبذل جهدًا أكبر.
ومع اقتراب موعد عملية سامر، حاولت ياسمين إبطاء وتيرة العمل قليلا، مستغلة أي فرصة للذهاب إلى المستشفى لزيارته.
وربما بفضل خطة العلاج التي وضعها وسام، كان وضع سامر قد تحسن بشكل ملحوظ مؤخرا.
وسيكون لهذا فوائد أكبر للعملية.
سأل سامر، وهو بقشر لباسمين تفاحة ويقطعها إلى قطع صغيرة: "هل تعرفين ذلك الدكتور وسام؟"
رفعت ياسمين رأسها من الكتاب الموضوع على رجليها، وقالت: "قابلته عدة مرات فقط، لست قريبة منه."
ابتسم سامر: "الدكتور وسام هذا شخص لطيف، قليل الكلام، لكنه يزورني أحيانا ليتفقد حالتي، رغم أنه ليس طبيي المعالج، لكنه مسؤول جدًا. شاب ممتاز حقًا " •
ضحكت ياسمين وسكبت له كوب ماء: "ولماذا لم أرك تمدح الدكتور جواد من قبل؟" رفع الكوب، وقال بجدية: "أنا أمدحه وجها لوجه دائمًا. هذا الشاب النابه ذو الشفاه الوردية والأسنان البيضاء والمظهر النقي الأنيق، يستحق الثناء حقًا. سمعت من الممرضات أن الدكتور وسام لا يملك حبيبة، ويحافظ على نفسه، ويبدو أنه من أحد الأسر الكبيرة، وهذه الصفات حقًا نادرة!"
عقدت ياسمين حاجبيها بدهشة: "خالي، يبدو أن أنشطتك في وقت فراغك في المستشفى متنوعة، حتى أنك تتابع أخبار الآخرين،"
ضحك سامر ووخزها برفق على جبينها: "أيتها الشقيَّة، أتعلمين ما معنى الموارد النادرة؟"
فهي قد تطلّقت بالفعل.
ومع انشغالها الشديد في العمل، لابد من تعويض ملل وروتين العمل ببعض الإثارة في الحياة العاطفية، أليس كذلك؟ •
كانت ياسمين تفهم ما يقصده، لكنها لم تكن تفكر في هذه الأمور، وكانت على وشك نصحه بعدم القلق.
2
حينها، طرق أحدهم على باب الغرفة.
دخلت ممرضة جديدة.
كانت تحمل قطعة كعكة فاخرة.
قالت مبتسمة وهي تضعها على الطاولة: "هل أنتم السيد سامر والسيدة ياسمين؟"" نظرت ياسمين إلى الكعكة، وأومات برأسها قائلة: "من حضرتك؟"
أشارت الممرضة إلى الخارج: "أنا ممرضة سيدة من الطابق السفلي، أرسلت هذه الكعكة لتوزيعها عليكم, قالت إن ابنتها على وشك معرفة نتائج امتحان الدراسات العليا، فأرادت الاحتفال مسبقًا, فوزعت الكعكة على الجميع لتشاركوها فرحة المناسبة" •
تغيرت نظرة ياسمين بهدوء.
وفهمت فوراً أن منيرة وراء هذه المبادرة، كانت متأكدة بالفعل أن ليلى ستنجح، لكن هذا التصرف...
من الواضح أنه استعراض صارخ.
حاولت أن تخفي عن خالها وجدتها حقيقة أن عمر خانها مع ابنة منيرة، خشية أن يثير ذلك غضبهما ويؤثر على صحتهما المتدهورة.
لكن الآن، يبدو أن منيرة عمدت إلى إظهار هذه الحيل الصغيرة أمام أفراد عائلة الحليمي وكأنها تتفاخر بوجودها.
كان سامر مرتبكًا وغير مدرك لما يحدث، فوجد نفسه يطرح سؤالا: "في أي عائلة تحدث هذه المناسبة السعيدة؟"
"لا يهم، لا يمكننا قبول مثل هذه الأشياء مجهولة المصدر في المستشفى." لم تظهر على وجه ياسمين أي تعابير تقريبًا، واقتربت والتقطت الكعكة، ونظرت إلى الممرضة بنظرة باردة وقالت:
"من فضلك دلّيني على الطريق، سأذهب شخصيًا لأشكرها." •
تجمدت المرضة تحت نظر ياسمين.
ولم تجرؤ على الكلام، فأومات برأسها عدة مرات وخرجت من الغرفة.
نزلت ياسمين إلى الطابق السفلي.
كانت تعرف تمامًا منيرة موجودة في أي غرفة، فبعد كل شيء، كانت هي التي استولت على غرفة خالها التي قضى فيها سنتين، فتقدمت بثقة إلى الباب كأنها معتادة على الطريق.
1
سمعت ياسمين أصوات ضحك ومرح، من الداخل.
دفعت الباب ودخلت بوجه بارد كالثلج.
عندما التقت عينا منيرة وليلى بنظراتها، ابتسمت منيرة قائلة: "ياسمين، ماذا تفعلين هنا؟ جيد أنكِ أتيت، لماذا لا ننناولها معا؟"
رأت ياسمين أيضا عمر الذي كان يقف عند النافذة، أدار جسده قليلا لينظر إليها.
لكن نور لم تطل النظر إليه، ولم ترد على كلام منيرة. •
اقتربت من الكعكة الكبيرة بجانب منيرة وهي تحمل قطعة الكعك، وبوجه رصين هادى، أدخلت القطعة التي بيدها في مكانها على الصحن، ضاغطة عليها برفق.
وفي لحظة، دمرت ياسمين تلك الكعكة الجميلة والمثالية بلا مبالاة، والتي كانت مكتوبًا عليها كلمات التهنئة لليلى. •
تغيرت ملامج منيرة فجأة.
حتى ليلى عبست، وارتسم على وجهها عدم الرضا.
أليس لدى ياسمين أي ذرة من الأخلاق أو التربية؟
لا عجب أن عائلة المطيري لم تسمح لها حتى بدخول البوابة!
شصشء
لم تُظهر ياسمين أي مشاعر على وجهها تقريبًا، ثم استدارت نحو الرجل الذي كان واقفا هناك باردًا ومنعزلا، ينظر إليها بلا مبالاة، وقالت: "عمر، إما أن تغربا عن وجهي اليوم من هذا المستشفى، أو سأمزق عن حبيبتك قناع "الحبيبة الرسمية" البراق وأفضحها، حتى لا تستطيع البقاء في هذا الوسط. الخيار لك. "
8
كان صوت باسمين بارذا، واضحًا، كل كلمة تنطقها مشحونة بالبرود واللامبالاة، حتى في لحظة الغضب لم تفقد رباطة جاشها، ولم تصرخ أو تنهار، وكان هذا البرود الداخلى الهادئ يزرع رهبة فى القلوب.
كانت عيناها كأنهما مغطاتان بالثلج، تحدقان مباشرة في عمر أمامها.
تجاهلت تمامًا ليلى ومنيرة.
لم ترغب في الدخول في صراع معهما
لأنها كانت تعرف الحقيقة: كل شخص يتصرف بحسب ما يراه مناسبًا، ويُقتِم تصرفات الآخرين قبل أي خطوة، ولولا تدليل عمر الصامت لهما, لما تجرأت منيرة على هذا التصرف.
الماذا؟
لأن عمر حتى وإن كان صامتا، منحهن ثقة مائلة! •
هي فقط تقوم بمعالجة جذور المشكلة!
1
لم يتغير تعبير عمر، وتحت ذلك الهدوء كان يكمن تجاهل طويل الأمد اكتسبه عبر السنوات.
لم ينطق ببنت شفة.
وقفت ليلى، وأطبقت شفتيها، وقالت بسخرية: "ياسمين، ألم تعد لديكِ أدنى قواعد اللباقة؟"
كيف لها أن تأتي فجأة عندهم، وتثير الاضطرابات عمدًا؟
شحب وجه منيرة قليلًا، وكأنها ترى أن ياسمين تخلق ضجة كبيرة في مسألة بسيطة، وظهرت على وجهها جدية تحمل قدرًا من الاستياء: "الكعكة وزعت على الكثيرين، ربما أرسلت عن طريق الخطأ، ما الحاجة لإثارة هذا المشهد؟" •
كانت نظرات ياسمين ساخرة.
أصبحت هي الآن المخطئة؟
ارتسمت على شفتيها سخرية باردة: "بالخطأ؟ هل علي أن أكشف أنا أيضا 'عن طريق الخطأ هوية الآنسة ليلى؟" •
تحوّل وجه منيرة فجأة تمامًا، ومرت على وجهها لمحة من القسوة الباردة.
واصطبغت ملامح ليلى بالبرود.
كانت هذه المرة الأولى الي ترى فيها باسمين تَتصرَّف هكذا بلا أي رحمة.
بعض النظر عن التربية والهيبة، هل تعتقد حقًا أن تصرفها الصاخب هذا يمنحها أي بريق أو
احترام؟
9
ثم قال عمر أخيرًا بصوت هادى لا ينم عن انفعال: "هيا، لنخرج ونتحدث." لم يكن بالإمكان معرفة موقفه أو أفكاره.
تقدم بخطوات طويلة نحو الباب.
كأنه لم يزعج هدوء منيرة، وكأن كلماتها قد تجاوزت حد صبره.
لم تلقي ياسمين أي نظرة إضافية على منيرة وليلى.
وعندما وصلت إلى الممر، توقف عمر متكلًا على الحائط، وعيناه الداكنتان تحدقان بها من أعلى إلى أسفل.
قالت ياسمين ببرود: "ما تفكر فيه شأنك، أما أنا, فأريد فقط ما أريد. يجب أن تُنقل اليوم تلك الأم وابنتها إلى مستشفى آخر، لا يسمح لهن بإزعاج عائلتي، وإلا فلن أضع اعتبارا لكرامتكم."
يمكنها قبول أي شيء.
إلا أن يُمس أحد أفراد عائلتها، كان هذا خطها الأحمر.
وخاصة وأن منيرة كانت تعرف ما تفعل بالضبط.
كانت تعلم أن جدتها وخالها يكنان لها ضغينة شديدة، ومع ذلك تستعمل هذه الأساليب، لن تتسامج مع محاولتها الاقتراب من أفراد عائلتها بهذه النوايا.
نظر عمر إليها للحظة، ثم قال ببطء: "لم أركِ تغضبين هكذا من قبل."
حتى في حضور ليلى.
لم تظهر بهذا الحدة من قبل.
لم يحمل كلامه أي استجواب أو غضب.
بل بدا وكأنه مجرد مزاج عابر.
ومن لا يعرف القصة، قد يظن أنها مجرد دردشة عادية، وليس بعد أن قالت للتو لحبيبته أن
"تغرب" من هنا.
رفعت ياسمين رموشها، وعيناها تنبعث منهما البرودة: "أرجو أن تعطيني إجابة." لم تكن راغبة في مناقشته في أمورٍ لا تعنيه.
أما بالنسبة لشخصيتها....
فقد كانت في السابق لا تُظهر هذه القسوة أو الشراسة بهذا الشكل. فقد تربت منذ الصغر على أسس تربية البنات المحترمات، تعرف كيف تحافظ على هيبتها، وكيف تكون متحفظة، رقيقة وصامدة.
باستثناء روج التنافس التي تتمتع بها في الدراسة والعمل، نادرًا ما كانت تتصرف بهذا الشكل.
لكن عندما يتم التعدي على حدودها، يمكنها أن تُظهر حدة وقسوة علنية!
تأملها عمر لفترة، وبدا أن الجو بينهما أصبح أكثر ثقلًا.
رأى خطوط شفتيها مشدودة، وفجأة أجاب: "حسنًا، وأرجو أن تلتزمي بالاتفاق أيضًا."
فور سماعها الجواب، استدارت ياسمين وغادرت، دون أي تردد.
على الرغم من أنها فوجئت قليلًا لأنها أمرت عمر بأن "تغرب" ليلى وأمها عن وجهها، إلا أنه لم يبد أي اكتراث.
غير أن ذلك لم يكن مهمًا.
فهي قد حصلت على النتيجة التي كانت تريدها.
عادت مرة أخرى إلى غرفة سامر بلا أي أثر على وجهها، هادئة كما لو لم يحدث شيء.
سأل سامر وهو برقع رأسه من كتابه: "هل شكرتهم ؟"
أومات ياسمين برأسها: "نعم، شكرتهم"
أنزل رأسه وأكمل هو قراءة كتابه.
ولم يسأل أكثر.
قضت ياسمين بعض الوقت معه، للتأكد من عدم عودة أي شخص لإحداث مشكلة.
لم تكن تريد ترك أي ثغرة.
فمنيرة لم تكن نيتها من إرسال تلك الكعكة سليمة، ولذلك لم يكن أمامها خيار سوى طردهما، وإلا ستكون العواقب لا تُحمد.
في اليوم التالي.
بعد إنهاء عملها، اتصل بها رقم مألوف على الهاتف.
إرتسم العبوس على جبينها، وعرفت أن هذا الرقم يعود لكريم.
رغم أنها غيرت رقمها.
إلا أنه ما زال قد تمكّن من الاتصال بها.
فكرت ثانيتين فقط، ثم أجابت.
قال كريم بصوت رسمي كالمعتاد: "سيدتي، طلب مني السيد عمر إبلاغك بأن الأمر الذي أردته قد تم ترتيبه. "
رغم أن ياسمين لم تفهم سبب استمرار كريم في مخاطبتها بهذه الطريقة، إلا أنها لم تكترث لذلك.
أجابت باختصار: "علمت."
توقف كريم لثوان، ثم سأل: "هل تريدين أن أنقل أي شيء للسيد عمر؟"
أجابت ياسمين: "لا" ثم أغلقت الخط مباشرة، من دون أن تنتظر رده.
أدركت من هذا الاتصال أن معرفة عمر لمعلوماتها الشخصية ليس أمرا صعبًا عليه، إلا أنه مع ذلك لم يكن ليبادر هو بالاتصال بها بنفسه.
أما بالنسبة لهذا الاتصال...
لم تكن ياسمين لتظن بشكل عاطفي أن عمر قد بحث عمدا عن رقمها ليعرف وسيلة التواصل معها بل على العكس، كان هذا الاتصال وسيلة لإبلاغها وتحذيرها.
لقد تم إنجاز الأمور، وهو يتوقع منها الالترام بالاتفاق، ألا تضخّم قضية الطلاق، وألا تكشف عن هوية ليلى كمتدخلة في زواجهما.
كانت تعلم أن عمر دائمًا ما يفعل ما يقوله، لذا من المفترض أن تكون منيرة الآن قد نُقلت إلى مستشفى آخر.
لم ينطق عمر بأي كلام بلا جدوى طوال هذا كله.
الهدف كان واضحًا: منعها من الانفعال إلى درجة أن تتصرف بلا حساب، فتكشف كل أسرار ليلى، وأيضا خوفًا من أن تضايق منيرة.
هو شخص ذكي، لا يحب الدوران حول الأمور غير المجدية، ويتعامل مع الأمور بحسم وفعالية.
بعد إزالة هذه المخاطر، لم تعد ياسمين مضطرة لإضاعة وقتها على أشخاص لا علاقة لهم بها.
أما بالنسبة لمعرفته برقم هاتفها...
فلم يكن هذا الأمر يهمها كثيرًا، فهي لم تغير رقمها بدافع الغضب أو لتظهر شيئا لأحد, بل لأنها أرادت التخلص من الماضي وبدء حياة جديدة.
ولا يهمها إن كان يعرف رقم هاتفها أم لا.
وعلى أي حال، حتى لو عرف، هو لن يتعدى حدود المعرفة، فهو لن يبادر بالاتصال بها أو إزعاجها.
خلال فترة انتظار نتائج امتحان الدراسات العليا، لم تهدر ياسمين لحظة واحدة من وقتها.
من اللحظة التي علمت فيها أن شركة السهم ستشارك في مشروع يتعلق بالطاقة الجديدة، أدركت أنه لا بد أن يكون هناك تنافس بين الشركتين في بعض المجالات.
وبالطبع، كان عليها أن تسبق الجميع،
احتاجت إلى دراسة المواد الجديدة المختلفة، وإجراء مناقشات معمّقة مع شركات متعددة.
لقد زارت تقريبًا جميع الشركات المناسبة في منطقة التجارة الدولية.
في حوالي الساعة التاسعة صباحًا، انطلقت ياسمين من مقر شركة الريادة متجهة مباشرة إلى إحدى شركات مجموعة العصر القريبة.
كانت هذه المرة الأولى لها هناك، وعند وقوفها أسفل المبنى، رفعت رأسها لتتأمل ذلك المبنى الكبير، في المرة الأخيرة التى جاء فيها عاصم إلى شركة الريادة، كان قد درس إمكانية وجود تعاون تقني بينهم في مشروع الطاقة الجديدة، لتبادل الخبرات والأفكار، وكانت هذه فرصة جيدة بالطبع وبينما وقفت هكذا لحظاتٍ تتفكّر، رأت سيارة تتوقف أمامها.
نزلت ليلى من السيارة، واصطدمت عيناها بعيني ياسمين على الفور.
لكن كان هناك برود واضح في نظرتها.
وعندما نظرت إلى ياسمين، علت ملامحها حدة واضحة واحتقار لا يُخفى ظلت باسمين هادئة الوجه، لأنها تعلم أن نقل منيرة إلى مستشفى آخر أحرج تلك الأم وابنتها، وأثار استياءهما.
وفتاة مدللة كليلى، لم تستطع قبول هذا "الإذلال".
حتى لو كان قرار هذا عمر من أجل مصلحتهما، إلا أن موقفهما أمام ياسمين جعلهن يشعرن بالنقص، وهو ما أثار شعورهن بالاستياء والظلم.
أمرت ليلى مساعدها بنبرة متعالية بعد أن استدارت عن ياسمين وكأنها مجرد هواء: "اتصل بمساعد عاصم، وأخبره أننا وصلنا "
ثم خطت بحذائها ذي الكعب العالي ودخلت مبنى مجموعة العصر لم تتفاجأ ياسمين بهذا, من الطبيعي أن نسعى شركة السهم أيضا لافتناص الفرصة مع شركة عسكرية بهذا الحجم الكبير •
على الأغلب أتت لتلتقي بعاصم هنا.
لم تشغل ياسمين نفسها كثيرًا، فقررت أن تتابع أعمالها أولا، فهي بحاجة لمناقشة المواد المركبة من الياف الكربون المستخدمة في الدرونات مع أحد المديرين.
ولحسن الحظ، كان الطرف الآخر متعاونًا، وانتهى الحديث في نصف ساعة فقط.
وعندما خرجت مرة أخرى، مرت بجانب مجموعة العصر مجددًا، وألقت نظرًا جانبيًا إلى منطقة الانتظار في الردهة.
هناك، رأت مشهدا منيزا للاهتمام.
دخل عاصم من باب جاني غير بعيد، وقام أحد مساعديه بتذكيره بشيء، رفع رأسه ونظر إلى منطقة الانتظار حيث كانت ليلى تجلس.
بعد أن سمع من مساعده جملتين, اتجه نحو هناك.
وأثناء مروره، لمح ياسمين التي كانت تنتظر خارج المبنى، فابتسم لها بخفة من زاوية عينه دون تردد، وحيّاها بوضوح.
ترددت ياسمين للحظة، لم تتوقع أن يلاحظها عاصم من خلف الزجاج ويحييها هكذا.
كانت تحمل انطباعًا جيدًا عنه؛ إنه عبقري نادر، بل ويمتلك إرادة قوية تجاه شركة الريادة.
ولأن ياسمين عملت عدة سنوات في العلاقات العامة، كانت تعرف كيف تتصرف بأدب ولباقة.
فابتسمت بهدوء وردت بإيماءة رأس بسيطة.
لم تغفل ليلى عن حركة عاصم المفاجئة، فالتفتت نحو النافذة ورأت ياسمين تتفاعل معه بحرارة، فارتسم على جبينها التجهم.
سألت بدون أن تتغير تعابير وجهها: "هل أنت مقرب منها يا سيد عاصم؟"
عندما التفت عاصم ورأى أن ياسمين قد استدارت وركبت السيارة، أعاد نظره، وأشار بيده لليلى بالجلوس: "تفضلي بالجلوس، هل انتظرت طويلا؟"
لم يفسر سينًا، تاركا الموضوع يمر مرور الكرام.
بعد أن جلست ليلى، لمحت بعينيها الجانبتين سيارة ياسمين وهي تغادر.
وراودها شعور بأن ابتسامة ياسمين قبل قليل كانت تحمل نوعًا من التملق.
ربما بسبب دعوة عاصم لها للرقص في خطوبة سامي الأخيرة، فسرت ياسمين الأمر بشكل
خاطى.
وعندما مدت يدها لأخذ الملفات من مساعدها، ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة من الاستهزاء.
شعرت أن كل هذه المراوغات الصغيرة التي قامت بها ياسمين تجاه عاصم لم تحقق أي فائدة في النهاية.
لم تظهر ليلى أي انفعال، اكتفت بوضع يديها على ركبتيها، وقالت بأناقة: "لا بآس، جنت لأناقش معك يا سيد عاصم أحد المشاريع الأخبرة لشركة السهم، يمكنك الاطلاع عليه، وإذا وجدته مناسبًا، ربما نتوسع في النقاش لاحقًا."
لم يرفض عاصم الاطلاع.
فنفخص الملفات قليلًا، ثم أوما برأسه: "جيد جدًا. لقد سمعت كثيرًا عن شركة السهم مؤخرًا، وأفكارك في هذا المجال مبتكرة يا مديرة ليلى."
ابتسمت ليلى بخفة: "أتمنى لو يكون هناك تعاونّ بيننا، سيكون رائعًا أن تتطابق رؤانا، ألا ترى ذلك ممكنا؟"
أغلق عاصم الملفات وأعادها إليها، وقال بملامح مرتخية لا يمكن انتقادها: "أعتذر، لكن مجموعة العصر لدبها ترتيبات أخرى في الوقت الحالي."
ارتسمت على ليلى لمحة من الدهشة.
هل رفضها بالفعل؟ •
نظر إليها عاصم ببطء، وتحدث بهدوء: "تقييم الشركاء في مجموعتنا يتم بشكل شامل، ورأيي الشخصي لا يكفي. هناك خطط قائمة بالفعل، لذا يا مديرة ليلى، شكرًا لتعبك في القدوم إلى
هنا" ما لم تفهم ليلى ما هي تلك الخطط التي يتحدث عنها.
لكن معنى كلامه كان واضحًا، لذا قرّرت ألا تلاحقه بأسئلة إضافية.
بعد اندهاش قصير، أدركت سبب الأمر.
فعودة عاصم من الخارج لا تمنحه سلطة اتخاذ قرار بمشروع بهذا الحجم منفردًا. • وحتى لو كان ميالا للتعاون معها، فعليه الالتزام بخطط الشركة القائمة مسبقًا.
لم يكن يتجاهلها، بل كان صريحًا في شرح السبب والنتيجة.
أومات ليلى برأسها بلا تكلُّف: "لا بأس:" محافظة على أسلوبها الراقي دون تردد أو تشبث، وقالت وهي تنظر إليه: "أمل أن تتاح لنا فرصة للتعاون مستقبلًا."
نهض عاصم ونظر إلى ساعته: "إذن، صحبتك السلامة يا مديرة ليلى." ثم أمر مساعده بمرافقتها، دون أن يلمح إلى أنه قد اختار بالفعل شركة الريادة.
بدا منشغلاً، وبعد أن ودَّعها صعد إلى الطابق العلوي.
راقبت ليلى ظهره، ثم أعادت نظرها إلى مساعده، وراودها سؤال في قلبها.
لقد دعته سابقًا لحضور المعرض الفني ولم يرد عليها، أما الآن فقد ترك مساعده يرافقها إنه شخص محترم حقًا...
فلمانا لم يرد على رسالتها على الواتساب؟
كبتت أفكارها واستدارت للمغادرة، اليوم موعد إعلان النتائج، وقد حجزت مطعمًا لتأكل وتحتفل مع أصدقائها، كما رتبت لقاء مسبقا مع عمر •
كانت قد توقعت درجتها بالفعل، وكانت واثقة من أنه سيتم قبلوها.
3
عند المساء، وصلت ليلى إلى الغرفة الخاصة في المطعم ، حيث كان فارس و رفاقه قد وصلو الفعل .
اقتربت رنا منها، ملتقظة الفرصة للمزاح، وأمسكت بذراعها قائلة: "هيا، هل يمكننا الاطلاع على النتائج الآن؟" •
رفع عمر نظره نحوها حينها.
نظرت ليلى نحوه، وتوجهت مباشرة إليه، وجلست إلى جواره.
قال فارس وهو يمازحها: "كل هؤلاء يحتفلون بك، وأنت لا تهتمين إلا بعمر؟"
ابتسمت ليلى بخفة ولم تجب، مكتفية بالنظر إلى جانب وجه عمر برقة وحنان.
سألها عمر مائلا برأسه: "هل اطلعت على النتيجة؟"
بتسمت ليلى بهدوء: "نعم، 432، على الأغلب سيتم قبولي."
"حقا؟ مرتفعة هكذا؟" اندهست رنا أولاً، وزاد إعجابها بها.
فهي حقًا تجمع بين الجمال والذكاء.
أما إياد، فقد بدا غارقًا في التفكير.
ياسمين....
يا ترى ما حالها؟
ارتسم على وجه فارس التعجب: "حقًا يا ليلى، أنت متواضعة جدًا." وأضاف مبتسمًا مع نبرة مليئة بالدلالة: "العبقري يبقى عبقريّا، رغم قصر فترة التحضير، استطعت أن تحققي درجة عالية كهذه، فلا شك أن المركز الأول مضمون، أليس كذلك؟"
وبينما هو يتكلّم، ابتسم ابتسامة تحمل معنى خفيًا، وقال: "أنا فضولي جدًا... يا ترى كم حصلت ياسمين على درجة...؟"
كانت درجة ليلى بالفعل عالية جدل.
في ظل الوقت المحدود نسبنا، كان قرارها التقدم لامتحان الدراسات العليا تحت إشراف الأكاديمي حازم والحصول على درجة مرتفعة من المحاولة الأولى مستوئ مميزًا يضعها بلا شك في الصفوف المتقدمة.
كان توقعهم قريبًا من الواقع منذ البداية.
لم يكن هناك أي شك بأن ليلى ستنجح.
أما تلك "المنافسة" الأخرى، فلم تظهر أي مؤشر على تحركها.
فهل هناك حاجة للتخمين بشأن النتيجة؟
1
ارتسمت على وجه رنا دهشة خفيفة وهي تسأل: "باسمين؟ هل تقدمت أيضًا للامتحان؟"
تذكرت ليلى تصرف ياسمين عندما سلّمت أوراقها مبكرًا...
فأومات برأسها بلا اكتراث.
تجهمت رنا تلقائيًا.
كانت ترى أن الاجتهاد في التعلم أمر جيد، لكن ياسمين تتقدم للامتحان؟ كان انطباعها عن ياسمين دائمًا هي أنها الفتاة التي تدور حياتها حول شقيقها والمطبخ، وتقدمها للامتحان أمر متناقض تمامًا لشخصيتها!
هز فارس رأسه وقال: "مواد التخصص والرياضيات ليست شيئًا يمكن الاستخفاف به أو التهاون فيه. الابتعاد عن بيئة الدراسة ثم التقدم للامتحان هكذا فجاة... لا أدري هل قللت من شأن جامعة الجمال أم بالغت في تقدير نفسها."
2
أعلنت ياسمين سابقًا بتباه أمام الجميع عن دخولها الامتحان.
لو فشلت، ستصبح شركة الريادة محور حديث الناس وضحكهم خلال الوجبات والمناسبات. • حملت ليلى كوبها، وقالت برزانة: "لكل شخص أحلامه وطموحاته."
"الأذكياء عليهم التحرك بهدوء في أوقات عدم اليقين، حتى لا يجدوا أنفسهم في موقف محرج." هز فارس كتفه، وأضاف بتخمين: "ذهبت لتوي لأتفقد أخبار السيد وائل، كل شيء هادى هناك.
إذا كانت درجات باسمين جيدة، لكانت قد خرجت لتتباهى بها منذ زمن, فلماذا هي بهذا الهدوء؟" •
في رأيه، ربما ستختفي ياسمين عن الأنظار لبعض الوقت.
هل نتظاهر الآن بعدم حدوث شيء، وتخطط للتغاضي عن الموضوع تدريجيًا؟ وضع عمر كوب الشاي جانبًا، وألقى نظرة عابرة: "تبدو قلِقًا عليها كثيرًا." كانت كلماته غير حادة، وكأنها بلا اهتمام حقيقي بشؤون ياسمين.
هو لم يرغب في سماع أي تفاصيل إضافية عنها.
لاحظت ليلى موقفه، وابتسمت بخفة، غير متفاجئة.
هي تعلم أن سبب امتعاضه تجاه ياسمين يعود لأنها تجاوزت حدودها مع والدتها في المرة السابقة، وهو الآن لا يرغب في مناقشة الأمر.
فهم فارس أن عمر غير مهتم بما يخص ياسمين، فتنقل بذكاء إلى موضوع آخر: "هل تعرفين ترتيبك النهائي؟ هل ستنشره جامعة الجمال؟ هل وصل أي خبر من الأكاديمي؟"
أمسكت رنا بذراع ليلى، وقالت: "بالتأكيد ستكون في المركز الأول. هذا التخصص وهذه الدرجة...
لقد اطلعت على أعلى درجات الامتحانات السابقة وخطوط القبول، ونتيجتها تقريبا مطابقة لتلك الدرجات."
كانت رنا مهتمة جدًا بهندسة الطيران خلال العامين الماضيين، وعين أخيها ثاقبة للغاية، فقد أحضر لها زوجة الأخ المثالية كمعلمة ورفيقة نافعة، فبالطبع شعرت بسعادة غامرة!
لم تصل ليلى أي إشعارات رسمية من الجامعة بعد.
حتى الآن، لم يُعلن موقع الجامعة عن النتائج أو معلومات النقل الداخلي.
ولم يُحدد الترتيب بعد.
