رواية عمر الراسني وياسمين الفصل الثلاثون 30
كانت واثقة أنها في أمان، لكنها أرادت التأكد.
أومات برأسها: "سأتصل بمكتب القبول لأستفسر."
أرادت معرفة متى سيرسل الأكاديمي حازم إشعار قبولها.
تجهم إياد قليلًا.
ادرجات ليلى تجاوزت حد القبول بفارق كبير، أما عن ياسمين...
فكان القلق يساوره.
وفعلا، اتصلت ليلى بالمكتب فورًا.
وعندما سمعت الرد، تجمدت تعابير وجهها لحظة، وارتسم على وجهها التجهم، ثم سألت لتتأكد: "أنا... الثانية؟" •
شعرت بالدهشة الشديدة.
حتى فارس صُدم عندما سمع هذا
ليلى الثانية؟ •
ترتيبها الثاني بهذه الدرجات العالية؟
ألقى عمر نظرة جانبية.
وبعد أن أنهت ليلى المكالمة، بدا وجهها جادًا ومتوترًا.
7
وجد فارس صوته أخيرا: "ما الأمر؟ ماذا قالوا؟ هل تأكدوا من عدم وجود خطأ؟"
فدرجاتها بالفعل تعد درجة عاليةً جدًا في تخصص صعب، وهناك من حصل على درجات أعلى من ليلى!
"نعم، تأكدت فقط من الترتيب.
تعقدت ملامح ليلى، مزاجها الذي كان على يقين بالنجاح انقلب فجأة تمامًا, حتى أنها لم تستطع منع وجهها من الاكفهرار، وشعرت بالدهشة وعدم التصديق.
2
نظر إياد فجأة إليها، وكأن شيئا خطر له في ذهنه: "هل أفصحوا عن الدرجة التي حصلت على المرتبة الأولى في الامتحان؟ وهل قالوا من هو صاحبها؟"
رفع عمر رموشه الطويلة، وأجاب ببرود: "لا أظن أنهم سيفصحون عن ذلك" كل شيء يعتمد على النشر الرسمي بعد مراجعة الجامعة.
ضمّت ليلى شفتيها وقالت: "بالضبط، لم يُكشف شيء."
ثم تنفست بعمق قبل أن تقول بصوت مشحون بالتعقيد: "قالوا إن الأكاديمي حازم قد حدّد من سيقبل في الدراسات العليا, لكن... ليس أنا."»
18
رغم أن المشرفين يأخذون نتائج الاختبارات التحريرية والمقابلات معا في الاعتبار، كانت ليلى واثقة من أن مزاياها كافية.
حتى لو كان هناك شخص آخر بدرجة أعلى.
إلا أن إنجازاته لم تكن لتتفوق على خبرتها العملية، بما في ذلك العمل في شركات عالمية ضمن قائمة الخمسمائة شركة الكبرى، والمشاركة في مشاريع ضخمة، وكذلك العمل حاليا في شركة السهم الرائدة في مجال الأجهزة، فضلًا عن خبرتها في الدراسة في أرقى الجامعات في خارج البلاد.
لكن الفرصة لم تكن لها...
لم تستطع فهم السبب!
تأمل إياد صامتًا للحظة طويلة.
ولم يعلق لاحظ عمر صمته، ونظر إليه، وسأل بلا مبالاة: "ما الأمر؟"
تذكر إياد إشادة قيس، كبير مهندسي مجموعة النصري، بياسمين، وكذلك منصبها كمسؤولة مشروع شركة الريادة، ومع النظر لتطورات الموقف الحالية....
ارتسمت على وجهه دهشة خاطفة، سرعان ما كتمها، وأمسك كوب الشاى بإحكام، وشعر بخففان قلبه يتسارع بلا صوت،
ظهرت في ذهنه فرضية جريئة، كادت أن تجعل الدم يتدفق إلى رأسه بغزارة.
رفع رأسه ليلتفي بعيني عمر الداكنتين العميقتين، اللتين كانت تحملان قليلا من الاستفسار.
نظرت كل من ليلى وفارس إليه.
كبح إباد نخمينه، وقال بهدوء: "الأمر يفوق التوقع... من يصل إلى الامتحان النهائي لجامعة الجمال غالبًا هم القلة الأفضل بعد منافسة شرسة، عادة درجاتهم فوق 400 نقطة."
حتى ليلى شعرت بالضغط، ماذا كانت الدرجة التي حصل عليها صاحب الترتيب الأول؟ وعندما سمعت ذلك، شدّت حاجبيها أكثر.
تأمل عمر هاتفه بلا اكتراث، ولم يرد عليه.
بينما ظل فارس يفكر: "هل هناك فائز غير متوقع آخر؟ يبدو أن الأكاديمي قبل الأعلى ترتيبًا، وربما ستعلن الجامعة القائمة قريبًا."
حاولت ليلى تهدئة أعصابها، وقالت: "أريد أن أحاول مرة أخرى."
نظر عمر إليها برأس مائل.
لم تضيع وقتًا، وفكرت بسرعة، ثم قالت: "بعد يومين، سيكون حفل افتتاح شركة السهم، أود دعوة الأكاديمي للحضور، وعندها يمكنني مناقشته وجها لوجه، وربما يفتح لي مقعدا إضافيًا
للدراسات العليا."
لم تكن مستعدة للتخلي عن الفرصة.
وإلا لما كلفت نفسها العناء كل هذا الوقت.
في الوقت نفسه، كانت تريد أن تعرف من هو هذا المتفوق المفاجئ، وكم درجته بالضبط لو كان تفوق عليها بفارق قليل فقط...
فإن إنجازاته لن تكون أفضل منها، فلماذا لا يختارها الأكاديمي؟ أو يمنحها مقعدًا إضافيًا؟ لكن، مكانة الأكاديمي حازم لم تكن عادية، ودعوته لمقابلتها لم تكن سهلة.
وضع عمر كوب الشاي، وعيونه هادئة لا تكشف شيئًا: "سأتولى دعوته."
1
لم يمض على إطلاق منتجات شركة الريادة الجديدة شهر كامل، وما زال هناك الكثير من الأعمال اللاحقة التي يتعين إنجازها.
يوم الجمعة، كانت شركة الريادة ستعقد حفلا لإطلاق المنتجات الجديدة، إلى جانب إجراء تعديلات على الاستراتيجية التسويقية ومتابعة الحملات الترويجية، لذا كانت الأعمال التي يجب التحضير لها كثيرة.
انشغلت ياسمين بعملها إلى أن جاء المساء، حين حضرت سارة ووائل يستعجلانها أن تتحقق من نتائج الامتحانات، وحينها فقط تذكّرت هذا الأمر.
في الواقع، لم تكن قلقة؛ فقد حسبت تقريبًا درجاتها بعد انتهاء المقابلة والامتحانات الكتابية، وظنت ان النتيجة ستكون ضمن ما توقعت، ولن تختلف كثيرًا.
لكن حين ظهرت الدرجات النهائية، ابتسمت ياسمين، فقد كانت النتيجة كما توقعت.
أما سارة فغطت وجهها بيدها وأطلقت صرخة من الدهشة: "469! ياسمين، أنتِ بحق ساحرة!" هل كان هذا المستوى ممكنًا بعد أن غابت عن بيئة الدراسة لاكثر من ثلاث سنوات؟
خصوصًا وأنها تقدمت لامتحان جامعة الجمال، الذي كانت صعوبته وتنافسه الشديد يشبهان ساحة معركة بين العباقرة، ومع ذلك استطاعت ياسمين ان تتفوق على هؤلاء العباقرة بفارق عشرات الدرجات!
9
تنفس وائل الصعداء، وفي الوقت ذاته لم يستطع كتم إعجابه: "لو أتيح لك مزيد من الوقت للتحضير، لربما لم تكن هذه الدرجة النهاية.
هناك عباقرة يثيرون الغيرة، أما أنتِ فتنتمين إلى مستوى آخر تمامًا؛ مستوى لا يجرؤ المرء حتى على مقارنته، بل لا يسعه إلا أن يبتعد عنه متحاشيًا."
"رغم أنني في ذلك الوقت حصلت على القبول المباشر للماجستير والدكتوراه، إلا أنني لو خضت الامتحان فعلا، ومع صعوبة تخصصنا هذه، فحتى لو بذلت أقصى ما لديّ من جهد، أخشى أنني ما كنت لأتجاوز 455."
وكاد وائل يتخيل بالفعل مشهد والده؛ كيف سيغمره الفرح حين يرى نتيجة ياسمين، ثم يلتفت إليه في اللحظة التالية، مشيرًا إلى جبينه، ويشرع في توبيخه من رأسه حتى أخمص قدميه.
كل درجة فرق كانت بمثابة فاصل واضح.
وموهبة ياسمين النادرة جعلت كل من حولها يشعرون بالهزيمة.
ومع ذلك، كانت نتائجها متوقعة إلى حد كبير.
بعد التواصل مع الأكاديمي حازم، تأكدوا من المقعد المتاح للدراسات العليا.
ابتسمت سارة، وضربت كتف وائل بخفة: "بما أن ليلى أقصيت، فهي على الأرجح الآن تتلوَى قلقا وتحاول بجنون ان تعرف من هو الشخص الذي أطاح بها."
ضحك وائل وهو يفكر في خطة: " في معرض يوم الجمعة، لندع والدي ليحضر. "
فهمت ياسمين على الفور نيته ...
ثم ابتسمت بخفة، موافقة على الفكرة.
في أيام التحضير السابقة، كان قسم التسويق مشغولا بالاستعدادات.
وحين اكتملت الاستعدادات.
وصلت ياسمين إلى المكان، كان عدد من الحاضرين من داخل المجال قد بداوا في الوصول، إلى جانب بعض وسائل الإعلام الشريكة أما وائل فقد لاحظ أمرًا جديدًا: "شركة السهم تقيم اليوم مراسم افتتاحها، وهناك أيضًا ضجة كبيرة."
ولم تكن مجرد ضجة.
فقد حضر العديد من المسؤولين الحكوميين لقص الشريط، وكانت الفعالية على أعلى مستوى من الفخامة.
كانت جميع الشركات حريصة على توطيد علاقتها بعمر، لذا حضر ممثلوها لتقديم تهانيهم.
بينما كانت ياسمين تتفقد محتوى جدول المؤتمر دون رفع رأسها، قالت بهدوء: "بعد أن تستقر الشركة على مسارها الصحيح، هذه الفعاليات ضرورية لزيادة الشهرة وجذب العملاء."
لكن الأمر هو أن اختيارهم اليوم نفسه للفعالية كان شيئًا مثيرًا للاهتمام.
ضحك وائل بخفة بعد أن لاحظ هذا الأمر أيضًا: "تُقام اليوم فعاليتان كبيرتان للشركتين في آن واحد، وكان الأمر، صار منافسة غير مصرحة على النفوذ والعلاقات."
كان هذا أمرًا مآلوفًا بين تلك الشركات التنافسية.
من الطبيعي أن تغير الشركات اتجاهها مع الريح وتتصرف وفق مقتضى اللحظة.
فالأمر كله في النهاية رهين بالمصالح.
والجميع يكتفي بالمشاهدة والترقب
"السيد وائل، المديرة ياسمين." جاءهم صوت من الجانب.
التفتا نحوه، ليجدا شخصًا لم يكن في الحسبان.
كان إياد قد اقترب بالفعل، وتوقف بصره على وجه ياسمين لثانيتين، كأنه يتفحص ملامحها ويقرأ حالتها.
قالت ياسمين بدهشة: "السيد إياد؟ لم تذهب اليوم إلى مراسم افتتاح شركة السهم؟"
بل حضر إلى شركة الريادة؟
حتى وائل تفاجا.
فالعلاقة بين إياد وعمر وثيقة، وعمليًا هم على نفس خط ليلى وجماعتها، لذا كان من المفاجئ أنه بدلا من حضور مراسم قض الشريط في شركة السهم، جاء إلى حفل إطلاق منتجات شركة الريادة ليُظهر دعمه.
"لقد قلت حينما زرت عائلة الصيفي، إن اهتمامي بشركة الريادة كبير، وأرغب في إقامة تعاون معها. اليوم جئت لأتعرف أكثر، أعتذر عن الحضور دون دعوة." كان إياد يدرك أن هذا القرار الذي اتخذه اليوم قد يكون بالغ الأهمية.
رفعت ياسمين حاجبها، بينما استوعب وائل الأمر سريعًا، فكر في رد مناسب بصفته مديرًا، وقال بابتسامة: "كيف تقول هذا؟ حضورك يعتبر دعمًا كبيرًا لشركة الريادة، بالطبع مرحَبٌ بك."
كان الاختيار هذه المرة لصالح شركة الريادة أمام شركة السهم.
بل وحدث ذلك بالرغم من أن علاقتهم مع ليلى وشركتها جيدة، لذا كان وائل سعيدًا بهذا الطعنة الصغيرة التي وجهها إياد إليها.
وبينما كان الحديث جاريًا، حدثت حركة مفاجئة أمامهم.
وصل حازم.
دهشت وسائل الإعلام لدى رؤيتها لحازم، فوجود شخصية كبيرة من عالم البحث العلمي كان بمثابة مفاجأة سعيدة غير متوقعة.
وجهوا الكاميرات نحوه على الفور، رغم أن موعد المقابلة لم يحن بعد، وآدار فريق شركة الريادة الأمور في المكان بحنكة، فأصبح الحضور مرتبًا، ولم يتدافع أحد بشكل فوضوي أو عشوائي.
وصل حازم إلى ياسمين بمرافقة مساعديه.
وعندما وقع نظر إياد عليه، تجمدت ملامحه لحظة، وعاودت الفكرة التي لطالما راودته تتصاعد في ذهنه.
"الأكاديمي حازم." حيًا إياد حازم بكل احترام، مع بعض التقدير الداخلي، ثم قال بنبرة هادئة: "لقد أفرغت جدولك، وحضرت اليوم أيضًا."
تعرف حازم عليه وأوما برأسه، رغم وجود العديد من الحاضرين والإعلام، وقال بثقة:
"جئت لأرى طالبتي."
9
في تلك اللحظة، ارتجفت عيناه
فجأة بقوة، وتوجّهت نظرته بسرعة نحو ياسمين التي ظلت هادئة منذ البداية.
حقًا إنها هي...
1
في شركة السهم، حضر بعض المسؤولين الحكوميين.
لم تجد ليلى وقتًا للراحة، وعمر لا يزال في اجتماع، ولن يتمكن من الحضور إلا بعد انتهائه.
أما فارس، فوجد فرصة للحضور والمساعدة.
نظر إلى الساعة، وقال: "متى قال عمر إنه سيصل؟"
تأكدت ليلى مجددًا، ثم اجابت: "قال بعد حوالي عشرين دقيقة."
ثم سألت: "ماذا عن إياد؟ لماذا لم يحضر اليوم؟"
كان فارس يفكر في الأمر: "سأسأله لاحقًا ."
ربما انشغل بالشركة.
"هل قال عمر متى تم تحديد موعد اللقاء مع الأكاديمي حازم؟"
عبست ليلى قليلا: "الثلاثاء بعد الظهر، وقال إنه لا داعي لدعوة الاستاذ حازم لحضور الحفل، لذا لم يذكر الأمر له، فقط دعاه لمقابلته بشكل معتاد."
لم تعرف ليلى خطة عمر.
لكنها اعتقدت أن الأكاديمي لا يحب الظهور في المناسبات العامة على الأغلب، ولهذا لم يحدد موعدًا في هذه المناسبة.
فكّر فارس: بما أنه وافق على مقابلة ليلى، فربما ليس من الصعب أن يضيف مقعدًا آخر لها.
"شركة الريادة أيضًا تقيم حفلا لإطلاق منتجاتٍ جديدة، وبالصدفة اختاروا نفس اليوم مع شركتنا، لا أدري ما الهدف من هذا التحدي."
كان هو قد عرف ذلك للتو ايضًا، ووجد الأمر مثيرًا للاهتمام.
رفعت ليلى حاجبها، لكنها لم تعر الموضوع اهتمامًا، بل قالت: "لقد دعوت عددًا من كبار الشخصيات، والحكومة أيضًا أرسلت ممثلين لدعم تطوير صناعة شركة السهم.
حضورهم وضع الأساس للشركة بالفعل، وشركة الريادة قد لا تستطيع مجاراة شبكة العلاقات هذه خصوصًا وأن عمر سيحضر لدعم شركة السهم.
وافق فارس على رأيها، وابتسم بسخرية وهو يهز كتفه، ثم اخرج هاتفه ليرسل رسالة لإياد يساله.
"عذرًا على التأخير."
وصل أكرم، وأرسل هدية تهنئة مع مساعده.
أنهت ليلى حديثها السابق، وقالت له بابتسامة خفيفة: "شكرًا لك يا سيد أكرم على حضورك."
تلقى أكرم الدعوة قبل أيام.
وبما أنه لم يستطع حضور المعرض الفني الأخير، أراد الحضور لدعمهم هذه المرَّة.
خصوصًا وأن مستقبل شركة السهم واعد، وكان هو أيضًا ينظر إليها بعين التعاون المستقبلي، آملا أن تتيح هذه المشاريع فرضا افضل للنمو والتطور.
كان على وشك الكلام مع فارس الذي كان ينظر إلى هاتفه، لكنه لاحظ أن تعابير وجهه تغيرت فجاة.
رفع عينيه من هاتفه نحو ليلى، وظهر التعقيد في وجهه: "الأكاديمي حازم... ذهب إلى شركة الريادة."
تغيّرت ملامح ليلى فور سماعها ذلك
"وفوق ذلك..." أظهر فارس شاشة هاتفه لها.
وكان أكرم قريبًا منهما، فاطلع على المحتوى بوضوح، وتقلصت حدقة عينه فجأة.
نشرت بالفعل تحديثات حية من مؤتمر إطلاق شركة الريادة في صفحة الأصدقاء عند فارس، يظهر فيها حازم واقفًا بجانب ياسمين.
وعند رؤية نص المنشور...
تغير وجه ليلى بالكامل، وصدمت.
"بعد أربع سنوات، يعود الأكاديمي حازم لاستقبال طلاب، والاختيار وقع على ياسمين من شركة الريادة، شرف لي أن أشهد هذا!"
سكتت ليلى طويلًا وامتلأت ملامح وجهها الجميل، المصقولة بعناية، بالتوتر والضيق.
حدقت في ذلك المنشور في صفحة الأصدقاء، تقرأ كل كلمة بحذر واحدة تلو الأخرى، لتتأكد من صحة الخبر.
ياسمين... هي الطالبة التي قبلها الأكاديمي حازم؟
بدا هذا الأمر غير معقول لها، لدرجة أنها شعرت بالدوار.
"ماذا يعني هذا؟" كان أكرم أول من نطق، حاجباه متشابكان وعيونه تحمل الدهشة: "متى أصبحت طالبة الاكاديمي حازم؟"
كانت علاقة الأكاديمي حازم بوالده طيبة، لذا عرف أكرم منذ الصغر قيمة الأكاديمي حازم في المجال البحثي الوطني.
كل طالب من طلابه له صيت عالمي ، فكيف لياسمين أن تتخطى الجميع ، وتصل إليه بهذه البراعة المفاجئة؟
"لا بد أن هناك خطأ." استجمع فارس وعيه، وأخفى طبيعته المرحة المعتادة، وقال
بدهشة: "كل هؤلاء العباقرة في امتحان جامعة الجمال، ومع ذلك، كان المكان من نصيب ياسمين وحدها؟"
14
كان عقل ليلى مرتبكًا.
لكن عبارة فارس "هزمتكِ ياسمين"
أثارت لديها شعورًا بالانزعاج.
أطبقت شفتيها بصمت، وصمتت لوقت طويل.
فكّرت أنه ربما هناك خطأ ما.
"ذهاب الأكاديمي حازم إلى شركة الريادة لحضور إطلاق المنتجات الجديدة أمر مفهوم، فالسيد وائل هو ابنه الوحيد، وظهوره كضيف شرف أمر طبيعي، لكن الحديث عن أن ياسمين هي الطالبة التي قبلها الأكاديمي حازم... قد يكون مجرد خطأ أو شائعة. "
هكذا فسر فارس الوضع بعقلانية.
فالجامعة لم تنشر بعد قائمة الطلاب المقبولين.
وبالإضافة لذلك، فإن ياسمين مجرد ربة المنزل، كانت تدور حياتها حول المطبخ، وأثارت المشاكل لتتطلق من عمر قبل أن تنتقل من شركة الأفق الأزرق إلى شركة الريادة، وتكتسب بعض الخبرة والمعرفة بعد أشهر قليلة برفقة وائل.
من كان يظن ان مثل هذه المرأة يمكن أن تتجاوز كل هذه العقبات وتحلق بهذه السرعة؟
3
استعاد أكرم رباطة جاشه بعد دهشته، وقال: دعونا نراقب الموقف، لا داعي للعجلة."
ثم أخذ يواسي ليلى قليلًا.
لقد سمع أثناء وصوله من بعض الناس أن ليلى حصلت على 432 درجة في الامتحان النهائي، وهي نتيجة متقدمة جدًا في هذا المجال، ويبدو أنها كانت مرشحة قوية لتكون آخر طالبة يقبلها الأكاديمي حازم.
وعلى أساس أعلى الدرجات السابقة ، كان من المتوقع أن تكون الأولى، لكن الشائعات تقول إن الاختيار وقع على ياسمين... من الواضح أن هناك خطأ ما، لكنهم لم يعرفوه بعد.
هدَّأت ليلى نفسها، وأومأت برأسها بهدوء: "شكرًا، أعلم ذلك. سالتقي بالاكاديمي حازم عصرًا، وساتأكد شخصيًا. لا حاجة لأن يضلّلنا الآخرون بالشائعات."
هذه المعلومات الموجودة في صفحة الأصدقاء لم يتم التأكد منها بعد، ولن تسمح لنفسها بالارتباك.
حتى لو كان شخص آخر، فمن المستحيل أن تكون ياسمين.
نظر أكرم إليها برهة.
ثم انحنى برأسه قليلا في تفكير عميق.
شعر بأن هناك شيء غريب، كيف يمكن لمثل هذه "الشائعات" أن تولد أصلًا؟
كبح فارس دهشته السابقة، وأرسل رسالة في المجموعة.
"حدث شيء غريب، يقولون إن ياسمين هي الطالبة الجديدة للأكاديمي حازم، لحسن الحظ لم يؤثر ذلك على ليلى، ما زال علينا التحقق."
-"@عمر، ما رأيك في هذا الأمر؟"
-"@إياد، ما الذي كنت مشغولاً به اليوم؟ لم تحضر بعد."
لم يرد إياد.
انتظر عمر لحظة قبل أن يرد: "نعم، أعلم."
"أخبر ليلى أن تأتي إلى المقهى القريب من شركة الريادة بعد الانتهاء من أعمالها."
لم يرد على فارس مباشرة.
وبدا الرد غامضًا.
حاول فارس مجددًا: "هل أنت مشغول الآن؟ هل ستأتي لاحقًا؟"
لكن عمر لم يرد.
واحتار فارس من رده هذا.
عبست ليلى بعد أن علمت، مُخمَّنة أن هناك على الأرجح طارئ، مهم لدى عمر دفعه لتغيير خططه فجاة.
بفضل المكانة والنفوذ الذي يتمتع به عمر، حضر اليوم إلى شركة السهم عدد لا بأس به من كبار الشخصيات في المجال، وكان الحدث على قدر كبير من الهيبة.
أما سبب تواجد الاكاديمي حازم في شركة الريادة، ففهمت ليلى أنه بسبب وائل.
لكن مسألة ذلك الطالب ...
كانت ليلى تتلهف لمعرفة الحقيقة، عاجزة عن الانتظار.
لكن فجاة اقترب منها ليث، وقال لها: "مديرة ليلى، لدى المسؤولين الحكوميين أمر عاجل يستدعي رحيلهم أولا، وبقي ثلاثة فقط سيبقون حتى النهاية."
عبست ليلى.
كانت على دراية بأن الحكومة مشغولة بمهامها، ومع ذلك، فهي تعرف أن الجهات الرسمية تولي
دعمًا كبيرًا لكل ما يتعلق بالتكنولوجيا، وترسل ممثلين وفق الأصول لمساندة نمو الشركات
وتطورها.
وجودهم اليوم في الفعالية أمر محمود، حتى لو اضطروا للانسحاب لاحقًا، لذا لم تعترض، وقالت: "حسنًا، لا باس. تاكد ان يتم ترتيب أمر بقية الحضور، لا تهملوا أحدًا، نشقوا تصويرهم مع وسائل الإعلام بشكل لائق."
1
حضر اليوم في شركة الريادة عدد كبير من الضيوف لحضور إطلاق المنتجات الجديدة.
المشروع الذي أطلق في بداية العام كان محليًا، وأرسلت شركات من مختلف المقاطعات ممثلين عنهم للحضور.
وكان حازم حاضرًا لدعم شركة الريادة شخصيًا.
لطالما اختفى عن الأنظار، لذا كان انتشار خبر حضوره سريعًا.
وأحدث صدمة كبيرة في الأوساط.
ولم يكن حازم متحفظًا في الرد على الاستفسارات.
فعندما ساله احد عن سبب حضوره، قال رغم صرامته المعتادة: "جئت لأرى إنجازات طالبتي."
وكان معظم الحاضرين على علم بانتهاء الامتحانات النهائية لجامعة الجمال.
جعلت هذه الجملة الكثيرين يبدون مندهشين، وأنظارهم تقع على ياسمين بدهشة ممزوجة بالاحترام.
والمفاجأة الكبرى أن الأكاديمي حازم هو من عرَّف بها بنفسه!
3
هذه المعاملة، لا شك، تُعد أمرًا لم يسبق له مثيل!
وكان إياد شاهدًا على كل هذا.
لقد سمع من قبل المهندس قيس في الشركة يتحدث عن ياسمين، وكانت عيناه حينها مليئتين بالإعجاب والتقدير.
وكان يعلم أيضًا أن ياسمين شاركت بجدية في مشاريع شركة الريادة.
لكن، لم يكن ليتخيل أبدًا أن تتمكن ياسمين، في مواجهة مباشرة مع ليلى، من التفوق عليها، بل وتصبح طالبة الأكاديمي حازم، وتحظى بكل هذا الاهتمام.
واليوم، رأى كل هذا بعينيه...
ظل مصدومًا هكذا، لقد ثبت أن ياسمين حقًا تمتلك القدرة لنيل تقدير الأكاديمي!
بينما كانت ياسمين غير مدركة لما يدور في خلد إياد، وصلت هدايا تهنئة خاصة بإطلاق المنتجات.
جاءت من مجموعة العصر.
أرسلوا عدة نماذج عرض للمنتجات الجديدة لشركة الريادة، مصنوعة خصيصًا من ألياف الكربون وأحدث المواد العسكرية المتقدمة.
عند لمسها، أدركت ياسمين جودة المواد وندرتها، وكيف أنها دمجت أحدث التقنيات.
قال ممثل مجموعة العصر بأدب: "قام السيد عاصم بطلب صناعة هذه الهدايا خصيصًا، ليهنئكم بمشروع شركة الريادة الناجح. لقد سافر إلى مدينة الخليج مؤخرًا، لذا لم يتمكن من الحضور، لكن هذه الهدايا تعوض عن ذلك."
في الحقيقة، لم تكن هناك حاجة لتقديم هدايا في حفل الإعلام اليوم.
لكنها فهمت.
هذه ليست مجرد هدايا، بل تعبير عن التقدير والنية الحسنة من السيد عاصم ومجموعة العصر.
هذه المجموعات من النماذج المصممة خصيصًا لمنتجات شركة الريادة الجديدة من الدرونات، صُنعت من أرقى المواد الخاصة ذات المستوى العسكري، ليست من المواد العادية، وهذا يدل على صلابة القوة الحقيقية لمجموعة العصر في هذا المجال، ويكشف عن دهاء وبراعة فكرهم في التصميم.
"من فضلك بلّغ السيد عاصم بالشكر نيابة عن شركة الريادة." طلبت ياسمين من أحدهم أن يأتي للترتيب.
كما رتبت حضور الأشخاص التابعين لمجموعة العصر.
ثم جاء وائل وقال: "حضر بعض المسؤولين الحكوميين المعنيين بتطوير الصناعات التكنولوجية، وهم الآن يتحدثون مع والدي، لنذهب بعد قليل لنتعرّف عليهم، ونلتقط صورة جماعية."
وافقت ياسمين.
فهي تدرك أن هؤلاء القادة جاءوا خصيصًا لدعم الأكاديمي حازم.
وهذا أيضًا يبرز أهمية شبكة العلاقات البشرية داخل الشركة، فهو يسهم بشكل أكبر في الترويج والتوسع.
كانت هذه القاعة كبيرة جدًا، والإجراءات المطلوبة فيها كثيرة.
من المتوقع أن يستمر الحفل نحو ساعتين.
حضر الأكاديمي، وقد طلبت وسائل الإعلام عشر دقائق لإجراء مقابلة معه تتعلق بالصناعة.
خلال انتظار ياسمين لانتهاء حازم، صعدت للطابق العلوي لتناول دوائها قبل أن تعود.
وحينما كانت على وشك الذهاب إلى حازم، اقترب منها فجأة مساعدها وهمس في أذنها: "مديرة ياسمين، السيد عمر من شركة الأفق الأزرق قد وصل..."
توقفت ياسمين فجأة، وقالت: "أين هو؟"
هل انتهت مراسم شركة السهم بالفعل؟
أجابها مساعدها: "ذهب لمقابلة الأكاديمي حازم، قال إن لديه موعد معه اليوم."
كان هناك بعض الحضور المتبقين في المكان، وكانت سارة اليوم تتولى الإشراف على الحدث، وقد ودّعت بالفعل بعض الأصدقاء من داخل المجال الذين تفرّغوا للحضور.
أومأت ياسمين برأسها وقالت: "حسناً، سأذهب لأرى."
لم تفهم سبب حضور عمر إلى حفل إعلان شركة الريادة، لكنها لم تعتقد أنه جاء للدعم أو المجاملة، فاليوم شركة السهم أيضًا لديها حدث كبير، وكيف يمكنه أن يدعم المظهر العام لها إن كان غير حاضر فيها؟
بخليط من الحذر والشك، توجهت ياسمين إلى المصعد.
عندما فُتحت أبواب المصعد، رأت حازم وعمر بداخله بالفعل.
رفع عمر نظره إليها، وقال وعيناه هادئتان: "مبروك."
هذه التهنئة... هل هي لمناسبة إطلاق منتجات شركة الريادة، أم لشيء آخر؟
حرّكت ياسمين عينيها بعيدًا، ولم ترد عليه.
ثم نظرت إلى حازم.
وقف حازم ويده خلف ظهره، وألقى عليها نظرة واحدة، بدا راضيًا عن هدوئها وعدم تأثرها بحضور زوجها السابق، فهكذا تستطيع أن تركّز على اللحظة.
ثم قال: "سأتحدث مع السيد عمر بعد قليل، انتظراني أنتِ ووائل حتى أنتهي."
تعجبت ياسمين قليلًا.
هل يريدها الأكاديمي أن تكون جزءًا من حديثه...؟
هي لم تكن مهتمة بالموضوع الذي ينوي عمر محادثته فيه كثيرًا، لكنها همست لحازم: "هل سيكون هذا مناسبًا؟"
ظلّت ملامح عمر مسترخية، وعندما سمع كلامها، ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة وقال بهدوء: "لا مانع، تعالي معنا."
لم يمانع أن ترافقهما.
لم تستطع ياسمين إلا أن تلقي عليه نظرة.
وفي تلك اللحظة، أدركت ياسمين نية عمر الحقيقية اليوم، فهو لم يأتِ لأنه مهتم بفعالية شركة الريادة، بل كان هدفه الأكاديمي حازم، وعلى الأرجح من أجل ليلى.
ربما قد علم مسبقًا أن الأكاديمي حازم اختارها كطالبته.
1
خارج المصعد، كان بعض المدراء الذين حضروا من شركات أخرى لم يصعدوا بعد إلى سياراتهم، وقد رحبوا بحرارة بحازم مرة أخرى، ونظروا إلى عمر وياسمين معًا.
لم يتلاقى نظر الاثنين، وكأن هناك حدود غير مرئية بينهما.
لكن أثناء السير مع حازم، كان كل منهما على طرف، يمينًا ويسارًا، ورغم عدم وجود أي تواصل خاص بينهما، لم يكن هناك شعور بالجفاء قد يُلاحظ من النظرة الأولى.
تفاجأ بعض الناس.
لم يستطع أحد كبار المديرين، الذي بدا كبيرًا في السن قليلًا، كبح فضوله، فسأل: "هل السيد عمر والآنسة ياسمين على علاقة عاطفية؟"
ارتسمت تجعدات دقيقة بين حاجبي ياسمين، غير مبالية، رغم أنها لم تُحب هذا الافتراض، لكنها فهمت سريعًا أن الحاضرين جميعهم قدموا إلى مدينة النور من مناطق مختلفة، ولا يعرفون تفاصيل الأمور التي تحدث فيها.
ثم أضاف أحدهم مازحًا: "تبدوان متناسقان معًا حقًا وأنتما تقفان بجانب بعضكما البعض!"
سمع حازم ذلك، فعقد حاجبيه مستنكرًا.
أين هو هذا التناسق؟
يبدو أن هذا الشخص بحاجة لتغيير نظاراته المكبّرة!
رفعت ياسمين رأسها برزانة، وقالت بنبرة هادئة لتقطع الشك باليقين: "يبدو أنكم فهمتم الأمر خطأ، نحن لسنا على معرفة شخصية وثيقة."
لم تمنح هذا الافتراض فرصة للتفاقم.
اندهش الحاضرون.
ثم ألقى عمر نظرة قصيرة عليها، وبعد لحظة، أجاب بهدوء شديد: "بالفعل، لسنا مرتبطين."
فتغيرت تعابير وجوه الحاضرين قليلًا إلى خجل واعتذار.
حين خرجا للتو، تصرف السيد عمر بكل أدب ورقي، ففتح الباب للمديرة ياسمين بشهامة.
أما المديرة ياسمين فلم ترمش ولم تبادله حتى أي كلمة شكر.
كأن العلاقة بينهما مألوفة لدرجة لا تستدعي أي مجاملة شكلية.
وبينما أدرك الجميع أنهم بالغوا في افتراضاتهم، طويت تلك المحادثة ببساطة.
وبما أن بعض الحاضرين كانوا مستعجلين للذهاب إلى المطار، تكفلت ياسمين بترتيب مرافقين حتى أوصلوهم إلى سياراتهم.
2
انتبهت ياسمين إلى النظرات الموجهة إليها من مكان قريب.
رفعت بصرها لتجد ليلى واقفة على مقربة، وملامحها تحمل بعض الاستياء.
على الأرجح سمعت تعليقات الأشخاص القلائل السابقة عن كونها هي وعمر "في علاقة عاطفية" وكم يبدوان "متناسقين جدًا".
لكن يبدو أن نفي عمر لعلاقتهما قد هدّأ من حدة تعابير وجهها، فلم تعد متوترة.
لم تهتم ياسمين بما قد تفكر به.
2
اقتربت ليلى.
سأل عمر بهدوء: "أيها الأكاديمي، هل يمكن أن نذهب إلى مكان هادئ لنتحدث؟"
نظر حازم إلى ليلى، وقال: "لا حاجة لذلك، قل ما لديك هنا مباشرة."
لمعت الدهشة في عيني ليلى.
يريدهم أن يتحدثوا واقفين هكذا؟
لم تشعر بالراحة في هذا المكان الصاخب، المليء بالمتطفلين.
بعد أن انتهت مراسم افتتاح شركة السهم، اضطرت ليلى إلى الحضور مسرعة لمناقشة مسألة مقعد طالب الدراسات العليا.
وكان عليها الحضور إلى مقر شركة الريادة، حيث كان اليوم مناسبة مهيبة بشكل خاص، تدافع الحشود ذهابًا وإيابًا، يتبادلون التحيات والكلمات العابرة في كل حين، وبجانب كل ذلك، كانت ياسمين حاضرة أيضًا.
أن تُجبر على المجيء إلى هنا جعلها تشعر بعدم الارتياح، لكن لم يظهر شيء على وجهها.
نظرت حولها ثم قالت: "أيها الأكاديمي، اعتذر لشغلي لبعض وقتك اليوم، لدي بعض الأسئلة وأود سماع إجابتك."
نظر إليها حازم بعينين حادتين، وقال: "أنت تريدين السؤال عن مسألة الدراسات العليا، أليس كذلك؟"
انتصب ظهر ليلى، وأومأت برأسها: "لقد علمت أنك قد اخترت طالبًا بالفعل... هل يمكنني السؤال..."
"إنها ياسمين."
22
أجاب حازم بحزم، كلماته قصيرة لكنها تحمل سلطة جعلت قلب ليلى يخفق من الدهشة.
كان يعلم تمامًا ما يدور في ذهن ليلى، ولم يكن ليدور معها في الكلام.
تجمّدت تعابيرها للحظة، كل يقينها بأن الأخبار مجرد إشاعات انهار أمام الحقيقة التي تواجهها مباشرة، مما جعل تعبيرات وجهها تكاد تفقد توازنها.
لو كان الطالب الذي اختاره الأكاديمي هو من احتل المرتبة الأولى حسب أقاويل مكتب القبول، لما أبدت كل هذا الاندهاش.
أما أن تكون ياسمين قد تقدمت عليها مستغلة علاقاتها، فهذا ما لم تتقبله!
لم تكترث ليلى أصلاً بمعرفة درجات ياسمين، فلو كانت درجات ياسمين مثيرة للإعجاب حقًا، لما احتاجت حتى للسؤال، فهي متأكدة أن ياسمين لن تفوت فرصة التفاخر بها!
ألقى عمر بنظره بخفة على وجه ياسمين الهادئ البارد، كأن الأمر لا علاقة له بها، ولم تتدخّل في الحوار بين حازم وليلى.
لم ترفع جفنًا، رفعت يدها فحسب لتلقي نظرة على ساعتها.
وكأنها غير راضية عن تضييعها الوقت معهما.
لاحظت ليلى هذا التصرف، وزادت برودة عينيها.
هل هي تتعمد استعراض هيبتها أمام الأكاديمي حازم؟
استدركت ليلى عقلها سريعًا، وقالت بصوتها المعتدل، محاولة السيطرة على المشاعر: "أيها الأكاديمي حازم، منذ عودتي إلى الوطن، كنت دائمًا أهدف للعمل والسعي نحو مسارك وإرشادك. نتائجي في الامتحانات كانت من بين الأعلى بلا جدال، فهل لي أن أعرف السبب... لماذا لم تخترني، بل اخترت ياسمين؟"
حتى أنها أرادت أن تسأله: بأي حق تأخذ ياسمين هذا المقعد؟
مجرد محاباة لوائل؟
نظر إليها الأكاديمي حازم مباشرة، عيناه تتفحصها من أعلى إلى أسفل: "آنسة ليلى، هل أتيتِ إلى اليوم بدافع الاستياء أم عدم الرضا؟"
كانت كلماته حادة كالسكين، لدرجة أن ليلى شدّت على شفتيها، وامتلأت حنجرتها بالتوتر.
ألقى الأكاديمي حازم نظرة على عمر الذي لم يُظهر أي موقف، وارتسمت على وجهه لمحة من الاستياء.
كيف لم يلاحظ أن عمر قام بدور الوسيط، ورتب هذا اللقاء ليتيح لليلى فرصة المنافسة؟
ثم قال في النهاية بصوت بارد: "إذا أردتِ جوابًا، سأقولها لكِ بصراحة، لقد اخترت الأفضل. ربما عليكِ أن تكوني أكثر تواضعًا في هذا الجانب."
22
صُدمت ليلى للحظة.
لم تصدّق أنها نالت مثل هذا التقييم المقارن.
اختار الأفضل...
هل يقصد بالأفضل... ياسمين؟
هل فهمت الكلمة بطريقة خاطئة؟
هي تعلم أن اختيار الطالب يمكن أن يعتمد على المعايير الشاملة، لا على الدرجات فقط، لكنها تتساءل: هل ياسمين حقًا تستحق هذه الأفضلية؟
سرعان ما هدأت ليلى نفسها، وقالت بإخلاص: "أنا لا أنوي تغيير قرارك، لك الحق في الاختيار. هدفي هو الإسهام في تقدم التكنولوجيا لدى وطني، لذا أريد فقط طلب فرصة إضافية لمقعد آخر. لن آخذك، ولن أمنح أحدًا في الخارج أي مجال للشك."
لو كان المقعد الوحيد سيذهب لطالبة جاهلة مثل ياسمين، فلابد أن يثير هذا شكوكًا كثيرة! لكن حتى لو كانت لديها كل الشكوك حول ما إذا كان اختيار ياسمين شرعيًا أم لا، فهي لا تستطيع ذكر هذا الأمر مباشرة أمام الأكاديمي حازم.
فبعد كل شيء، إذا كان الأكاديمي حازم قد استثناها من كل القيود، واختارها حفظًا لكرامة ابنه وائل، دون النظر إلى مستواها وكفاءتها، فلن يكون من الحكمة أن تُثير الخلاف الآن، في هذه اللحظة الحرجة التي تحتاج فيها إلى كسب فرصة إضافية منه، فتغضبه منها.
فقط إذا منحها الأستاذ مقعدًا إضافيًا، ستبين له الفرق الحقيقي بينها وبين ياسمين.
4
فهمت ياسمين على الفور المغزى من كلام ليلى؛ إنها لا تعترف بها، ولا تريد حتى التحدث معها.
وضع الأكاديمي حازم يديه خلف ظهره، ونظر إلى ليلى بصرامة، دون أن يضيع وقتًا في اللف والدوران: "المقعد كان محجوزًا لياسمين من البداية حتى النهاية، ولم أضع أحدًا آخر في الاعتبار مطلقًا."
لم تكن ياسمين تتوقع أن حازم سيجيب بتلك الإجابة الحاسمة. رفعت بصرها تنظر إلى ملامحه الجادة بجوارها، ثم شعرت فجأة كأنها محاطة دون أن ثُدرك، برعاية صامتة غير مشروطة.
كان ذلك إحساسًا نادرًا ما خبرته من قبل.
8
ارتسمت على وجه ليلى ملامح الدهشة، وقد فاض ذلك من عينيها.
كانت تلك العبارة قاطعة إلى حدٍ بعيد.
زعزعت كل ما كانت قد أعدّته في ذهنها من أفكار.
وأيقظت في داخلها شعورًا بالحرج يصعب وصفه.
لقد أتاحت لياسمين فرصة رؤية لحظة رفض الأكاديمي لها...
6
نظر عمر إلى ياسمين، ومرّ في عينيه وميض من شعورٍ فريد من نوعه، قبل أن يقول بصوتٍ ما يزال تابتا: "بما أنك، يا حضرة الأكاديمي، تفضل شخصا آخر، ولا تنوي حاليًا قبول مرشحين إضافيين، فلن نلح عليك."
بدا على ليلى بعض الضيق، ومال لون شفتيها إلى الشحوب.
رمقت ياسمين بنظرة معقّدة، تسرّب منها شيء يشبه السخرية المرة.
إلا أنها كانت تدرك الموقف جيدًا، فلم تجرؤ على قول المزيد.
التقت عينا حازم بعيني عمر؛ هذا الشاب عميق التفكير، ومتماسك على نحو لافت، كان حريضًا في هذا اللقاء إلى حدًّ بعيد، ولم يترك اي ثغرة، وقد بذل جهدًا واضحًا حين علم بوجوده في شركة الريادة، فجاءه بنفسه، دون أي تكبّر، بل بوعي تام لحدود الموقف.
غير أنّه ...
لم يكن موفّقًا في الحكم على الأشخاص!
"سيد عمر، من الأفضل أن تعودا الآن!" لم يقل حازم سوى هذه الجملة، ثم استدار وانصرف.
أما ياسمين، فلم تمنحهما حتى نظرة عابرة.
بل تبعته برشاقة.
فخوض جدال مع من ينظر إليها من زاوية حكم مسبقة لم يكن سوى مضيعة للوقت.
الأجدر بها ان تكرّس وقتها لما يخصها هي.
كانت تنوي التحدث مع الاكاديمي حازم حول نظام التحكم بالطيران والرقاقات اللذين بدأت تقود فريقًا للعمل عليهما قبل نهاية العام، فهي تطمح إلى دفع تكنولوجيا الدرونات في البلاد إلى مستوى أعلى، وتحتاج الآن إلى مناقشة علمية مع الأكاديمي.
2
أطال عمر النظر لظهرها قبل أن يزيح بصره ببطء.
أما ليلى، فبقيت ملامحها متوترة.
فقد اعتادت منذ صغرها أن تسير كل أمورها بسلاسة، حتى أنها كانت تلقّب دومًا ب"ابنة القدر المدللة".
غير أنها اليوم...
خسرت أمام فتاة ...
تدعي التميز العلمي؟
"ما الوضع؟ هل تم الأمر؟" سأل فارس وهو يقترب على عجل.
خفض عمر بصره قليلا وقال بهدوء:"الأكاديمي حازم رفض."
تفاجا فارس: "لماذا؟ ومن اختار إذًا؟
"ياسمين." قالت ليلى، محاولةً ضبط نبرة صوتها، وهي تنطق الاسم.
تجمّد فارس للحظة، وكأن تفكيره انقطع فجأة، ثم قال بدهشة: "... حقًا هي؟!"
كان فارس حائرًا إلى حدٍّ عجز معه عن الفهم، فراح يضع يديه على خصره ويذرع المكان جيئة وذهابًا:"لا بد أن هناك شيئًا غير طبيعي! هل ضغط السيد وائل عليه ليتجاوز القواعد ويقبلها؟ حتى لو لم يقبلكِ، فالأجدر أن يختار الاول في الامتحان النهائي، أليس كذلك؟"
كيف يمكن أن يختار ياسمين بمستواها السيء هذا ؟
4
تنفست ليلى بعمق، ودلكت صدغها المتألم، ثم قالت ببرود: "نعم، لا نعلم التفاصيل، لكن يبدو أن ياسمين تجاوزت الحد الأدنى من الدرجات، وإلا لما كان هناك مجال حتى لأي تدخل، حتى لو ترجاه السيد وائل."
ربما ياسمين... بالكاد تجاوزت الحد الأدنى بصعوبة.
مجرد خط رفيع يفصلها عن القبول، مما جعل فرصة اختيار الأكاديمي لها ممكنة.
كان هذا التخمين قائمًا على الوضع الظاهر، ولم تجد تفسيرًا سوى أنّها
بالكاد تجاوزت درجة القبول.
إن كانت كذلك، فالفارق بينها وبين ليلى كبير، على الأقل عشرات الدرجات، بل إنها لا تقترب منها أصلا.
ولا تزال لا تستحق أن تقارن بها.
"هل كان هذا أسلوب الأستاذ دائمًا؟ ألا يخشى أن يتهمه الناس بالظلم؟"
أحس فارس أن هذا الأمر غير منطقي.
أجابته ليلى بعد أن هدأت تمامًا: "ما يقال من الخارج يظل كلامًا خارجيًا. في النهاية، العلاقة الأبوية لا يمكن أن تتصدع لمجرد أنه لم يقدم المساعدة."•
شعرت ليلى فجأة بأنها قد تخلّصت من ذلك الشعور المزعج الذي كان يلازمها منذ لحظة رفض الأكاديمي لها أمام ياسمين.
حتى وإن كانت ياسمين لا تعرف إلا القليل، فإن معرفتها لا تتجاوز حدود القشور؛ فقد رافقت وائل وتعلّمت على يده لزمن طويل، ولم يكن، لديها أي إنجاز يُذكر، سوى ذاك المشروع الذي أدرج اسمها عليه في شركة الريادة قبل عام.
لقد اجتازت فقط الحد الأدنى في الامتحان النهائي لجامعة الجمال، ومع أن جامعة الجمال ثعدّ تجمعًا للعباقرة، إلا أن هناك فرق بين العباقرة أنفسهم، وإن كانت ياسمين تجاوزت فقط خط القبول، فإن الفارق بينها وبين ليلى لا يقل عن أربعين درجة على الأقل.
وكل درجة من هذا الفارق تمثل مسافةً هائلة، وحتى لو مُنحت ياسمين عشر سنوات إضافية، فلن تتمكن من اللحاق بها.
حتى لو أصبحت ياسمين طالبة لدى الأكاديمي حازم، فستظل في نظرها مجرد فتاة تدَّعي التميز العلمي، لا تستحق أن تُؤخذ على محمل الجد!
7
قال فارس وهو يهز رأسه: "فجأة شعرت أن وضعكِ ووضع ذلك الطالب الأول في الامتحان النهائي محزنٌ حقًا... حصلتما على أعلى نتيجة، لكنها لا تؤهَلكما إلا للقبول عن طريق التحويل. "
عندما تذكّرت ليلى أمر الطالب الأول ، شعرت فجأةً بشيء من التوازن والارتياح.
غير أن ذلك الطالب الأول الذي سُلب منه مقعد الدراسات العليا على يد ياسمين، لم تكن درجاته معروفة بعد، لكن ليلى رجَحت أن تكون قريبة من درجاتها.
إذ إن أعلى الدرجات كل عام تدور ضمن هذا النطاق.
ربما لا يفصل بينهما سوى درجتين أو ثلاث.
ستنشر جامعة الجمال قائمة القبول لاحقًا، ستعود لتلقي نظرةً عليها لا حقًا.
تنهد فارس، ثم التفت إلى عمر قائلًا: "بقبول الأكاديمي حازم لياسمين، أظنها ستكون آخر مرة يقبل فيها طالبًا، غالبًا فعل ذلك مراعاة لابنه. وبما أنه كان قد قرر مسبقًا التوقف عن قبول طلاب جدد، فقد أضافها بشكل استثنائي. لكن هذا لا يعني أنه سيهتم بتعليمها بعمق، فطلاب السنوات الماضية كانوا جميعًا من نخبة النخبة، ركائز الوطن. إن لم تستطع ياسمين مجاراة ذلك المستوى من الشدة، فلن تكون سوى صاحبة لقب شكلي، لا تُحدث أي تأثير يُذكر."
3
خفض عمر عينيه، ولم يبدُ مهتمًا كثيرًا بهذا الأمر، ثم نظر بهدوء إلى ليلى وسألها: "هل لديكِ أي مشرف آخر تفضلينه؟"
أطبقت ليلى شفتيها قليلًا.
ودخلت في تفكيرٍ عميق حول هذا السؤال.
1
بعد الانتهاء من ضغط التحضير للامتحان وإطلاق المنتج الجديد، لم تعد ياسمين قادرة على تحمّل هذا الكم من الإرهاق، فلم تُجبر نفسها على الصمود بل اخذت اجازة ليومين لتستعيد طاقتها.
راجعت الوقت، ثم حجزت موعدًا للجلسة الثانية من العلاج الكيماوي بعد أيام.
عليها الآن أن تحافظ على قوتها.
فهي تدرك أنها إن لم تفعل، فلن تتحمل آثار العلاج الجانبية.
كانت شركة الريادة في هذين اليومين تعجّ بالحيوية، وقد تلقّت العديد من الاتصالات من شخصيات بارزة في المجال.
أحدث خبر انضمامها كطالبة لدى حازم ضجةً خفيفة.
وجاء كثيرون لتقديم التهاني.
حرص وائل على عدم إزعاجها، فتولى بنفسه الرد على المكالمات، واستقبل التهاني نيابةً عنها.
سألت ياسمين عن الموعد الذي ستقوم فيه جامعة الجمال بإعلان المقبولين، لكن لم يكن هناك موعد محدد بعد.
فلم تعد تهتم بالأمر.
منذ دخولها شركة الريادة، لم تكتف بالعمل على المشاريع، بل شاركت أيضًا في أبحاث مع وائل حول تطوير نظام التحكم بالطيران ورقائق الطيران.
قبل يومين، واصلت الحديث مع الأكاديمي حتى ما يقارب منتصف الليل.
وذلك منحها آفاقًا أوسع، فالأمور التي كانت تشعر فيها بشيء من العجز والتعقيد، اصبحت فجاة واضحةً وجليّة.
بعد عودتها إلى شركة الريادة، عقدت اجتماعًا مع قسم التقنية.
فالأساس في اي مشروع، هو نظام التحكم بالطيران والرقائق.
هاتان التقنيتان لم تشهدا تطورًا يُذكر منذ سنوات في مجال الدرونات، والتكنولوجيا المستخدمة محليًا متشابهة كلها.
أرادت كسر هذا الجمود، وإعادة البناء من جديد، وافتتاح جيل جديد من التقنيات الأكثر تطورًا. ... تقنيات خاصة بشركة الريادة، محميّة ببراءة اختراع.
وفي الوقت نفسه، جاء وائل بخبر جديد: "ليلى وجدت مشرفًا جديدًا..
. إنه قدير الحربي، أحد أوائل تلامذة أبي."
كانت ياسمين تعرف قدير.
إنه من أول دفعة من طلاب الدكتوراه لدى حازم، ومن أوائل من رافقوه في الأبحاث والدراسة، وها هو اليوم يشغل منصبًا داخل معهد البحوث، ويُعد من الصف الأول من كبار الخبراء في البلاد.
بالنسبة لليلى، كان هذا افضل خيار متبق لها بعد أن اضطرت للتخلي عن حازم.
قال وائل بصراحة لافتة: "أن تجد طريقا نحو الأستاذ قدير... هذا يدل على أن ليلى ذكية، ما زالت قادرة على الاندماج مع المعهد. وأظن أن عمر على الأرجح لعب دورًا كبيرًا في هذا. "
لم ترفع ياسمين عينيها عن شاشة الحاسوب، كانت الأكواد المعقدة تنعكس في حدقتيها، بينما أصابعها تواصل النقر دون توقف: "مع وجود عمر خلفها، يكاد لا يكون هناكء شيء صعب عليها."
ربما لا مفرّ من أن يلتقيا مستقبلًا أثناء دراستهما في أروقة المعهد.
1
أطلق وائل ضحكة خفيفة، وقال وهو يهز كتفيه: "الفارق بينكما يبلغ 37 درجة في الامتحان النهائي...
كان امتحان القبول هو فرصتها الوحيدة لتصبح على قدم المساواة معكِ. لقد بذلت كل ما تستطيع تتسلل إلى هذا العالم، وفي النهاية ستدرك، بعد كل ذلك الجهد، أنها لم تلمس حتى عتبة ما وصلتِ إليه."
بل وأكثر من ذلك، فمنافسة ليلى معها ليست سوى وهم.
لقد حققت ياسمين أعلى درجة في تاريخ هذا التخصص.
درجةً قد تجعل أي مؤسسة تعليمية تتباهى بها.
لو كانت تدير رئيس الجامعة نفسه، لا بتسم الأخير بفخر وقال إن إدارتها مبهرة.
عسى أن تتمكن ليلى في المستقبل من تحمّل الفارق حين تُكشف الحقائق.
3
طالت نظرة ياسمين إلى الشاشة بدون كلام، ثم توقفت يدها عن الحركة، وانعقدت ملامحها فجأة في جدية.
ظنّ وائل أن شيئًا ما قد حدث، وهمّ بالاقتراب، لكنها نهضت فجأة وقالت بحزم: "اجمع قسم التقنية فورًا، لقد انتهيت من تطوير نظام التحكم بالطيران الجديد، سنبدأ الاختبار والتحقق الآن."
تبدّل وجه وائل في لحظة، وظهرت عليه ملامح الدهشة.
ثم سارع إلى استدعاء جميع مهندسي قسم التقنية.
منذ أن دخلت ياسمين شركة الريادة ، كانت، بعيدًا عن المشاريع الجارية، منغمسة في تطوير هذا النظام الجديد، وبعد أشهر من الصقل والتجريب، وصلت أخيرًا إلى النسخة النهائية.
كانت الشركة بكامل جاهزيتها.
وخلال اليومين التاليين، قادت ياسمين الفريق لإجراء اختبارات
متكررة على النظام الجديد.
وفي النهاية، تم تأكيد أن نسبة استقراره وصلت إلى 99.99%، ما يعني أنه جاهز للاستخدام في جميع الدرونات عالية المستوى.
بل ويمكن أيضًا تحديث الأنظمة الحالية، ليمنح منتجات الشركة قفزة نوعية حقيقية.
هذا النظام تقنية رائدةً فريدةً على مستوى البلاد!
بل إنه تقنيةُ ثوريةُ تُحدث نقلةً نوعية!
أعاد تعريف الحدود التقنية وغيّر قواعد اللعبة.
بادرت وائل فورًا إلى التقدّم بطلب تسجيل براءة الاختراع، وعقد اجتماعًا مع مكتب البراءات، وكان على ياسمين، بصفتها المخترعة، أن توقّع باعتبارها "المخترع الأول".
7
كاد هذا الإنجاز الكبير أن يكسر النمط القائم محليًا.
وسيسهم في دفع التطوّر التقني داخل البلاد إلى وتيرة متسارعة.
قالت ياسمين بهدوء لوائل أثناء مناقشتهما تحسين الأنظمة الخاصة بالدرونات: "لنقم بتحسين نظام التحكم في الطيران لجميع المنتجات التي أطلقتها شركة الريادة مؤخرًا، مع ضرورة إطلاق حملةٍ دعائية مرافقة."
لم يكن لدى وائل أي اعتراض، بل كان ما يزال في حالة من الدهشة والذهول، لقد دفعت ياسمين، وحدها، تطور الصناعة بأكملها خطوةً إلى الأمام!
كاد وجهه أن يتخشّب خلال هذين اليومين من كثرة الابتسام، وقال: "ببراءة الاختراع هذه، تتفوق شركتنا على أكثر من 90% من الشركات التقنية بما لا يقل عن خمس سنوات من حيث سرعة التطوير، والآن
أصبح لنا اليد العليا في هذا المجال.
أما ياسمين، فقد شعرت بأن عبئًا كبيرًا قد انزاح عن صدرها.
كانت سارة مسؤولة عن إطلاق حملة الترويج للتقنية الجديدة، مع التركيز على الجوانب الثورية
والتقنية.
1
وكما هو متوقع ...
لم يمضٍ أكثر من ساعة على إعلان شركة الريادة، حتى اهتزّ الوسط بأكمله.
انهالت الاتصالات على الشركة بشكل هائل.
حتى شعر وائل وكانه يواجه "مشكلة سعيدة".
لكن هذه الاتصالات، دون استثناء، كانت تطلب التعاون، أو الحصول على ترخيص لاستخدام التقنية.
وكانت ياسمين قد توقعت هذا السيناريو.
فأي شركة لا تريد ان ثدفن في المنافسة، عليها أن تتحرك بسرعة، إما بالحصول على فرصة للتعاون، أو بشراء الترخيص، معتمدَةً على براءات شركة الريادة المتقدّمة
لانتزاع حضّتها في السوق.
وإلّا فلن يكون مصيرها إلا التخلّف عن الركب.
والتخلف... يعني الخروج من ساحة المنافسة تمامًا.
3
وخلال أيام قليلة، نجحت شركة الريادة في أن تصنع اسمها مرتين.
مرة عبر حصول ياسمين على مقعد طالب الدراسات العليا الوحيد عند حازم، ومرةً أخرى عبر ثورتها التقنية التي قلبت موازين الصناعة.
وصلت الأخبار أيضًا إلى جلال.
وقد اندهش بشدة من أن شركة الريادة أطلقت فجاة قنبلة تقنية بهذا الثقل.
لكن بعد أن تأمَل الأمر جيدًا، وجد أن وجود موهبة بحجم ياسمين، وهي من الكفاءات المصنفة ضمن أسرار الدولة، يجعل كل ما حدث منطقيًا ومبررًا.
أجرى جلال اتصالا بأكرم قائلًا: "أنت على علم بما حدث في شركة الريادة، اليس كذلك؟ إذا أردتَ نثبيت سلسلة الصناعة الخارجية لهذا العام، فعليك أن تقتنص هذه الفرصة، وأن تذهب إلى شركة الريادة لتتحدث مع المديرة ياسمين جيدًا."
كان أكرم على دراية تامة ببراءة الاختراع الثورية التي قدمتها شركة الريادة.
فسأل متحيرًا: "لماذا علي التحدث مع ياسمين تحديدًا؟" أليس وائل هو المدير صاحب القرار هناك؟ لماذا رشحها له والده؟
لكن جلال، نظرًا لوضع ياسمين السري الذي لم يُكشف بعد، والتزامًا بالتعليمات العليا، لم يستطع أن يوضح الحقيقة حتى لابنه، فاكتفى بالتلميح: "استمع لي فقط، تقوية علاقتك مع المديرة ياسمين لن يكون فيه إلا الخير لك."
عاد أكرم إلى وعيه ببطء، لكن ملامحه كانت معقدة، وقال بتردد: " سأحاول يا أبي.
صرخ جلال على الفور: "تحاول؟ إن لم تنجح، فلا داعي لأن تبقى في هذا المجال! تقنياتنا متاخرة، ولو أردتم تطوير هذا النظام الجديد الذي قدمته شركة الريادة، فستحتاجون، بحسب المستوى المحلي، إلى خمس سنوات على الأقل من الجهد المتواصل. وحين تنتهون، ستكون شركة الريادة قد وصلت إلى مستوى آخر لا يمكنكم لمسه أصلًا! ليس أمامك خيار آخر."
نعقَدت ملامح أكرم، ومنذ أن علم بهذا الأمر اليوم، لم يبرح الألم رأسه، وقال بصراحة: "لكن... لديّ خلاف سابق مع شركة الريادة. لقد رفضوا التعاون معي في المرة الماضية."
1
كانت هذه هي نقطة ضعفه الحقيقية.
هو يدرك تمامًا أنه إن لم يقتنص هذه الفرصة الآن، فلن يكون هناك أي مجال للمنافسة مستقبلا.
فشركة الريادة خلال الأشهر الماضية كانت في تطوّر لا يتوقف.
تفاجأ جلال: "خلاف؟"
لم يكن يعلم بهذا الأمر من قبل.
تردد أكرم في ذكر السبب، فلو علم والده أنه تشاجر مع امرأة، فقد يُحاسبه حسابًا شديدًا.
"لا شيء... سأحاول." ثم أغلق الهاتف، واستند إلى الطاولة، ووجهه لا يبدو على ما يرام.
الآن وقد هبت العاصفة في المجال، لم يعد لديه أي خيار.
عليه، بكل ما أوتي من قوة، أن ينجح في الحصول على فرصة التعاون!
1
وكانت شركة السهم قد تلقّت هذا الخبر أيضًا.
علمت ليلى بالأمر بعد أن انتهت من أحد الاجتماعات.
توقفت في مكانها لوقتٍ طويل، تحاول استيعاب ذلك التحديث الصادم في نظام التحكم بالطيران الخاص بشركة الريادة.
بدا عليها الذهول لفترة طويلة.
لقد تجاوزت شركة الريادة كل التوقعات!
فما فعلته يُشبه امتلاكها لمفاصل الصناعة ذاتها، إما أن تتمكن باقي الشركات من تطوير نظام مشابه خلال فترة قصيرة، أو أن يتم إقصاؤها من السوق بالكامل!
وكانت تدرك جيدًا.
أن التقنية التي قدّمتها شركة الريادة، قد سبقت غيرها بما لا يقل عن خمس سنوات.
شركة السهم... أصبحت في موقف سلبي تمامًا.
تغيّرت ملامح ليلى بالكامل.
ففي غضون أيامٍ قليلة فقط، خسرت مقعدها كطالبة لدى حازم، وتلقّت ضربة أخرى قاسية من شركة الريادة التي فرضت سيطرتها بتقنية سبقتهم بسنوات، حتى إن شركة السهم أصبحت مثل الكثير من الشركات الأخرى أمام خيارين لا ثالث لهما: إما شراء براءة الاختراع بأسعار باهظة، أو الخروج من المنافسة تمامًا.
فجأةً، شركة السهم على وشك أن تُستبعد من صفّ المنافسين على يد شركة الريادة.
بل أصبحت مضطرة لطلب براءة الاختراع من شركة الريادة فقط للحفاظ على بقائها...
وهذا لم يكن ما تريده أبدًا.
2
تنفست ليلى بعمق، وحاولت استعادة هدوئها، ثم دخلت مكتبها واتصلت بعمر.
ما إن أجاب حتى قالت، وهي تطبق على، شفتيها: "عمر، هل، علمت بما حدث مع شركة الريادة؟"
"نعم، أعلم."
"هل يمكنك أن تقدم لي بعض النصائح؟ أشعر أني غير قادرة على تقييم الوضع الان."
شعرت فجأة أنّ هذا الوضع يقيّد خطاها ويجعلها في موقف بالغ الصعوبة.
أجاب عمر بصوتٍ هادئ وثابت: "هذه المرة مختلفة عن أي منافسة سابقة. شركة الريادة تمتلك تقنية قادرة على قلب هذه الصناعة بالكامل. وإن لم يظهر خلال فترة قصيرة نظام منافس، فليس أمامك إلا طريق واحد."
ثم أكمل حديثه "عليك أن تخفضي من كبريائك، وتذهبي بنفسك إلى شركة الريادة."
شدّت ليلى قبضتها.
باختصار...
عليها أن تذهب إليهم، وتطلب المساعدة.
عندما علمت ياسمين بأن أكرم كان بالفعل في بهو الطابق الأرضي لمبنى شركة الريادة، لم ترفع حتى جفنها.
فأخبار تحركات شركة السمو كانت تصلها بشكل أو بآخر، وكان واضحًا ان اكرم في مرحلة توسيع أعماله، وأن دخوله إلى سلسلة صناعة الدرونات سيجعله، لا محالة، يعتمد على نظام التحكم بالطيران الجديد الذي ابتكرته.
أما وائل، فكان أكثر حسمًا، إذ أمر مساعده مباشرة: "أبلغ السيد أكرم أنني لست موجودًا، واطلب منه المغادرة. "
كان يتذكر جيدًا كيف كان اكرم قد قيّم ياسمين من قبل، تقييمًا مشوبًا بالتحيز وسوء الفهم، ولم تكن شركة الريادة ترحب بمن يستفيد منها ثم يقابلها بالجحود.
لم تُبدِ ياسمين أي اعتراض.
3
نزل المساعد إلى الطابق الأرضي، ولمَا راى اكرم واقفا هناك منذ وقت، ابتسم وقال بلطف: "سيد أكرم، للأسف السيد وائل غير موجود حاليًا، أعتذر لقدومك دون فائدة.
قطب أكرم جبينه فورًا، وسأل: "متى سيعود تقريبًا؟"
أجاب المساعد بوجه ثابت: "هذا ليس في نطاق ما يمكن أن أعرفه، أعتذر."
لم يعد هناك ما يحتاج اكرم إلى تفسيره.
لو لم تكن شركة الريادة متحيزة ضده، لكانت أخبرته بأن يأتي في وقتِ آخر، أما أن يُقابل بهذه الطريقة، ومع علمهم بأن هذه الحجة لن تنطلي على أحد، فلم يهتموا إطلاقًا.
لم يكلفوا انفسهم حتى عناء التظاهر.
تبدّلت ملامح أكرم إلى الجدية.
وقبل أن يقول شيئًا اخر، جاءه صوت ليلى من خلفه: "سيد أكرم؟" التفت، فإذا به يرى ليلى. خفّت حدّة ملامحه قليلًا وقال: "مديرة ليلى، جئت أيضًا لمناقشة أمر براءة اختراع نظام التحكم
بالطيران؟"
أجابت بهدوء: "نعم، فشركة الريادة دفعت تطوّر هذا المجال، وأصبح استخدام هذا النظام أمرًا لا غنى عنه."
نظرت إلى المساعد الذي لم يغادر بعد، وقالت: "أرجو أن تبلغ السيد وائل أنني أرغب في التحدث معه."
حين رأى المساعد ليلى، اقترح بلطف: "السيد وائل غير موجود، لكن المديرة ياسمين في الأعلى. هل ترغبين في حجز وقتٍ معها؟"
هذا ...
تغيّرت ملامح ليلى في لحظة، وانعقد حاجباها بقوة، وامتلا وجهها بحدة واضحة.
هل يعني هذا إنه إذا لم يظهر وائل، عليها أن تتوسل للقاء ياسمين؟
ما أبدع هذه الحيلة!
هل هذه محاولة متعمّدة لإذلالها؟
ما الذي تملكه ياسمين من صلاحيات في شركة الريادة أصلا؟
مجرد استثمار مالي حصلت به على موقعها، لا أكثر.
لا شك أن ياسمين تعمدت اليوم أن تجعل المساعد يقول لها الكلام، لتفرض هيمتنها.
قالت ببرودٍ بعد أن جزمت بأن ياسمين اليوم تتعمّد التظاهر واستعراض الوجاهة: "لا داعي لذلك ، الأمر مهم، وأريد التحدث مباشرة مع السيد وائل. "
تريد إجبارها على التوسل طلبًا للقاء ، فإذا تمّ اللقاء فعلا، فربما تتذرّع بأيّ ذريعة لتتدلّل وتناور!
ابتسم المساعد بهدوء وقال: "إذن، يا مديرة ليلى، يمكنك المغادرة، فالسيد وائل لن يقابلك."
13
بدا عليها الارتباك هذه المرة.
أما أكرم، فلم يخف دهشته، كيف يُقال هذا الأمر بهذه الصراحة؟
ألا يراعون أي اعتبارات اجتماعية؟ • أوما المساعد باحترام خفيف لهما ثم صعد إلى الأعلى.
عندها فقط.
أدرك أكرم الحقيقة، شركة الريادة تتعمّد اليوم إغلاق الباب في وجوههم.
ولا شك أن وائل موجود في الأعلى.
لكنهم يدفعون ليلى لطلب مقابلة ياسمين، فما الهدف من ذلك؟ إنه تجاهلٌ كامل للمجاملة والأعراف !
قال اكرم أخيرًا: "مديرة ليلى، ربما من الأفضل أن نغادر. يبدو أن شركة الريادة لن تستقبلنا اليوم."
أدرك أكرم جوهر الأمر؛ فشركة الريادة اليوم لم تعد كما كانت، بل تغير حالها جذريًا، وأمسكت بمفاتيح هذا المجال، ولم يعد هناك سبيل للتعامل معها أو التحكم بها.
أطبقت ليلى شفتيها، ثم أطرقت قليلًا وقالت: "لا بأس، في هذا المجال، لا أحب خلط الأمور الشخصية بالعمل. وحتى لو كانوا بتعمدون فعل هذا، فلا بد من إيجاد طريقة أخرى."
5
و أرهق هذا الأمر أكرم أيضًا وأصاب رأسه ببعض الصداع، ومع ذلك قال:
"أنتِ متسامحة يا آنسة ليلى."
أما هو، فقد بدأ يدرك أن ياسمين على الأرجح كانت تنتقم من ليلى، فبعد أن رفضها عمر، صبت غضبها على ليلى.
وذلك بالفعل يدلّ على ضيق أفقها.
بل إن وائل أيضًا ترك ياسمين تتصرّف على هواها؟
"سيد أكرم، ألقاك لاحقًا."
لم تصرّ ليلى على مقابلة وائل، ثم أومأت برأسها في وقار، وانصرفت دون أن تزيد كلمة.
احتفظت بكبريائها، غير آبهة بمحاولة ياسمين المتعمّدة لإهانتها.
2
وقف أكرم يراقب ظهرها لوهلة.
تم رفع بصره نحو مبنى الشركة الذي لم يُسمح له بالدخول إليه.
رغب هو أيضًا أن يستدير ويرحل دون اكتراث بشركة الريادة.
لكن الواقع لم يسمح له بذلك؛ فإن لم يشتر براءة الاختراع، فهو بذلك يختار الانسحاب من هذا السوق.
عند هذه الفكرة.
ازدادت ملامحه قتامة.
لم تمكث ليلى طويلًا في شركة الريادة، كانت تدرك تمامًا أن وائل لا يرغب في مقابلتها، بسبب نفوذ ياسمين عليه، وأن الانتظار لن يجدي نفعًا.
لكن إن لم تستخدم شركة السهم نظام التحكم بالطيران الذي طورته شركة الريادة، فإنها ستتأخر حتمًا، وربما تُسحق تمامًا تحت موجة التطور التقني.
كانت فضولية أيضًا ...
كم عدد العباقرة داخل شركة الريادة فإلى جانب وائل، هل هناك عقول أخرى خفية، مبدعة إلى هذا الحد؟ • فمثل هذا النظام المتقدم لا يمكن أن يصدر عن شخص عادي.
ما إن جلست في السيارة، حتى ألقت نظرة جانبية نحو مبنى شركة الريادة، واكتست ملامحها ببرودة خفية شيئًا فشيئًا.
3
ثم أخرجت هاتفها واتصلت بعمر.
استغرق عمر وقتًا قبل أن يرد، قالت حينها ليلى بلا حيلة وهي تسند جبينها: "عمر، لم يقابلني السيد وائل . قالوا لي إن أحدد موعدًا مع ياسمين، وأعتقد أنها لن تقابلني، ربما فقط يريدون إبقائي في حالة انتظار."
كانت ترى هذا الأسلوب تافه، ولا يبعث لديها سوى الازدراء.
أجاب عمر بصوتٍ هادئ: "حسنًا، عودي أولاً."
ضغطت ليلى شفتيها وقالت: "في هذه الحالة ... لا أظن أنني استطيع فعل شيء.
ما دامت شركة الريادة تحمل ضغينة ضدها، وما دامت ياسمين موجودة، فإن الحل لن يكون سهلا.
لم يكن عمر متفاجئًا مما حدث أيضًا ، وأدرك ما تشعر به ليلى من حرج، لذا قال بهدوء: "نعم، دعينا نبحث عن حل آخر."
في أسفل المبنى، لم تكن ياسمين ووائل على علم بتفاصيل ما جرى، إلا بعد عودة المساعد وإخبارهما بما حدث.
رفعت ياسمين حاجبيها بدهشة خفيفة نحو المساعد.
بينما ضحك وائل قائلًا: "يا له من ذكاء، يا مساعد عباس! هذه الحركة نستحق مكافاة. "
عبارة "هل ترغبين في حجز وقت مع المديرة ياسمين؟" كفيلة بإثارة غضب ليلى لفترة طويلة.
9
لم تستطع ياسمين أن تكبت ضحكتها.
فهي لم تكن تقصد استهدافها بشكل شخصي.
لكن الزائرون الذين يأتون إلى شركة الريادة كُثُر.
وأصبحت شركة الريادة اليوم في موقع القيادة.
ورغم ذلك، لم تكن تنوي احتكار المجال. فالقوة التكنولوجية هي في جوهرها قوة دفاعية للوطن، ولو أمكن تطبيق نظامها على نطاق واسع، فسينعكس ذلك إيجابًا على العديد من الجوانب، ويدعم تطوّر الدولة التقني، ويُسهم في دفع الاقتصاد وتعزيز القوة العلمية والتكنولوجية ككل.
ولهذا، فهي مستعدة لبيع براءات الاختراع لعدد كبير من الشركات.
لأن نظام التحكم في الطيران هذا ليس الحدّ الأقصى لما يمكنها تقديمه، فهو وإن كان ذا أثرِ تحفيزيّ على المجال، إلا أنّها قادرة، على تطوير تقنياتٍ أعلى وأعمق.
وحتى بيع براءات الاختراع لن يُلحق أيّ ضرر بشركة الريادة، بل على العكس، ستكون فوائده أكبر من أضراره، إذ سيعزّز شهرة الشركة على الصعيدين الوطني والدولي،
كما يساهم في الارتقاء بالتقنيات المحلية إلى مستوى أعلى.
وقد يصل دخل شركة الريادة من براءات الاختراع سنويًا إلى أكثر من مليار.
1
وعندها، وباستثناء عددٍ محدود من الشركات التقنية ذات القدرات المماثلة، فإن معظم شركات تكنولوجيا الدرونات، وحتى صناعة الطيران ستعتمد على نظام شركة الريادة، ومن الطبيعي أن تحتفظ الشركة ببعض أوراقها، فتظهر جانبًا وتُخفي آخر، وبذلك تظل دائمًا في طليعة هذا المجال.
وقبل الظهيرة بقليل.
عاد رقم كريم للظهور على هاتف ياسمين مرة اخرى.
تنفّست ياسمين بعمق وهي تتأمل ذلك الرقم، ثم لم تستطع أن تمنع حاجبيها من الانعقاد.
لقد جرّبت تغيير الرقم، ولم ينفع.
حتى الحظر لن يكون كافيًا؛ فإن أراد الطرف الآخر التواصل معها، فسيجد في النهاية طريقه للاتصال بها بأي وسيلة.
ظلّ الهاتف يرنّ قليلًا.
قبل أن تلتقطه أخيرًا، وتقول ببرود:"ما الأمر؟"
على الطرف الآخر، لم يُبدِ كريم أي انزعاج من نبرة صوتها الفاترة، بل أجاب بهدوء متزن: "هل لديكِ وقت هذا المساء؟ طلب مني السيد عمر أن أبلغك، بأن مستندات أسهم شركة طموح الراسني تحتاج إلى تقديم نسخة إضافية للجهات الرقابية، ويلزم توقيعك عليها. هل يمكنك
الحضور؟"
كانت ياسمين تقلب بعينيها بيانات الاختبارات التي أجريت مؤخرًا على الدرونات الخاصة بشركة الريادة، فأجابت: "يمكنك إرسال العقد لي عبر خدمة التوصيل السريع، سأوقع عليه ثم أعيده إليكم."
لكن كريم ردّ فورًا: "قال سيد عمر إن الأمر ليس بهذه البساطة. إن لم يتوفر لديك الوقت، يمكنه أن يطلب من الجدة، الوكيلة عن حقوق هذه الأسهم، التوقيع.
توقفت يد ياسمين فجأة.
وانفلتت في عينيها برودة واضحة، ثم قالت: "أبلغه ألا يزعج جدتي. سآتي بنفسي قبل الظهر."
رد كريم: "حسنًا، سأنقل الرسالة."
ثم أغلقت الخط.
1
لم تكن تنوي أن تسمح لعمر أو غيره بالاقتراب من عائلتها، فهما قد تطلّقا بالفعل، وهي لا تريد أن يظهر عمر أمام جدتها مرة أخرى.
أما مسألة أسهم شركة طموح الراسني، فهي شركة كبرى، ولذلك فإن إجراءات الموافقة فيها معقدة، وتحتاج إلى بعض الوقت لإتمام التعديلات.
ولابد لها ان تتعاون خلال الإجراءات في هذه المرحلة.
أنهت ياسمين أعمالها، ثم توجهت إلى شركة الأفق الأزرق.
وكانت موظفة الاستقبال على ما يبدو قد أبلغت مسبقًا، فأخذتها مباشرة إلى المصعد.
وصلت إلى غرفة الاجتماعات في مكتب الرئيس التنفيذي.
كان عمر بانتظارها، رفع بصره عندما دخلت، وقال: "اجلسي."
ثم انحنى قليلا إلى الوثائق أمامه، وأصدر تعليماته بهدوء إلى قسد السكرتارية: "أحضروا فنجان شاي بالأعشاب."
لكن ياسمين لم تجلس إلى جانبه، بل اختارت مقعدًا منفصلًا مقابله، وقالت مباشرة: "لا داعي للشاي، أعطني العقد. "
رأى عمر حزمها، فأغلق الملف الذي كان بين يديه، ودفعه نحوها برفق عبر الطاولة: "بعض الإدارات تحتاج إلى نسخة. وبعد التقديم، سيتم إتمام الموافقة خلال نصف شهر تقريبًا."
أخذت ياسمين العقد، وتفحصته سريعًا، نفس نسخة حقوق ملكية
الأسهم السابقة، دون أي تعديل، فوقعت اسمها دون تردد. • ثم أغلقت غطاء القلم، ونهضت على الفور.
"هل نتناول الغداء معًا؟" سألها عمر، وقد ألقى نظرة على ساعته قبل أن يرفع عينيه نحوها.
لكنها لم تلتفت إليه إلا بنظرة جانبية: "إن كنت ستتحدث عن طلب شركة السهم لبراءة نظام الطيران الخاص بشركة الريادة، فلا داعي لقول شيء."
لم تُجامله أو تدر حول الموضوع.
بل سدّت الطريق عليه مسبقاً.
فاليوم رفضت ليلى، وها هو عمر يدعوها إلى العشاء، لكنّها لم ترَ بينهما ما يبرّر الجلوس بهدوء على مائدةٍ واحدة.
نظر إليها عمر مطولًا، مدركا حدّة موقفها، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وقال: "لن أتدخل في قرارات شركة الريادة، ولن أتوسط لصالح شركة السهم، لا داعي للقلق." •
لكنها ردّت بهدوءِ مذكرةً إياه: "سيد عمر، بالنسبة لي، لا مجال هنا بيننا لأيّ مجاملةٍ أو اعتبارٍ شخصي."
كانت هذه الجملة تعبّر عن موقف حازم، فأطال عمر النظر إليها هذه المرّة.
ولم يجادها حول هذا الرد.
ثم قال بصراحة وهو ينظر إليها: "إنجازات شركة الريادة الأخيرة لافتة للنظر... يبدو أنكم تحتفظون بخبير استثنائي."
ثم تابع مبتسمًا دون انتظار ردها: "لم آتٍ لإقناعك بمنح الترخيص لشركة السهم، لكنني أود التفاوض معك، شركة طموح الراسني ترغب في شراء براءة نظام التحكم بالطيران من شركة الريادة. يمكنك أن تفكّري في الأمر."
في الواقع، لم تتفاجا ياسمين كثيرًا.
فشركة طموح الراسني التي يديرها عمر تُعدّ من الأوائل في هذا المجال، ومع كونها في قلب موجة التوجّه التقني في الصناعة، فمن الطبيعي أن تنخرط معهم.
كما أنها تمتلك حصة في تلك الشركة، ما يعني أنها، من جهة، تجني عوائد من شراء عمر للبراءات، ومن جهة أخرى تحصل على أرباحها من التوزيعات داخل شركة طموح الراسني.
لكنها اكتفت بحمل حقيبتها وغادرت ، وقالت قبل أن تنصرف: "يرجى منك يا سيد عمر اتباع الإجراءات المعتادة لطلب موعد مع شركة الريادة للقاء والتفاوض."
6
لن تمنحه أيّ تساهل خارج الإطار الرسمي.
فلم يعد بينهما اليوم أيّ علاقة يمكن استغلالها.
وإن صح الظن، فإن هدف عمر اليوم هو نظام التحكم في الطيران الخاص بشركة الريادة، غير أنّه دعاها للتفاوض في مقر شركة الأفق الأزرق، إنه حقًا يخطط بدقة.
أما شركة طموح الراسني، فإن رغبت في الحصول على البراءة، فهي لا تعارض البيع، إذ إن ذلك في صالحها من جهة، ولأن هذه الشركة تحافظ دومًا على التعاون مع الجهات العليا، بوصفها شريكًا موثوقًا.
غير أنّ طلبات شراء البراءات تزايدت خلال هذين اليومين، ولو تمّت الموافقة عليها تباعًا، فإن دور عمر لن يحين إلا بعد فترة، وعليه أن يتحلى بالصبر وينتظر دوره، إذ لن تمنحه أيّ فرصةٍ لتجاوز الصفّ.
في تلك اللحظة، دخل كريم حاملًا فنجان الشاي بالأعشاب، ليصادف ياسمين وهي تخرج في طريقه.
مرت بجانبه دون أن تلقي عليه حتى نظرة، ثم غادرت المكان مباشرة، دون أن تلتفت خلفها.
تفاجأ كريم، ثم نظر إلى عمر، وألقى نظرة على فنجان الشاي في يده، مترددًا:
"سيد عمر... هذا ...
كان عمر جالسًا على الأريكة دون حركة، يعبث بمفاصل أصابعه بهدوء ، ثم قال ببرودٍ خافت: "أفرغه."
1
بعد ذلك، أعلنت شركة الريادة عن توقيع عدد من الصفقات مع الشركات المناسبة.
وكانت رسوم الترخيص مرتفعة بطبيعة الحال، إلى جانب الحاجة إلى تجديدها سنويًا.
وفي اليوم التالي.
تلقّت ياسمين اتصالا من حازم.
"اطلعتُ على النظام الجديد. حسنٌ، إنه مقبول... لكن لا يزال يحتاج إلى تطوير. لا تظني أن هذا الإنجاز عظيم إلى هذا الحد، فالتكنولوجيا تتطور يوميًا، وعليكِ أن تضعي على نفسكِ ضغطًا مستمرًا."
شدّت ياسمين أعصابها قليلًا، فمنذ أن أصبحت رسميًا طالبة لديه، بدأت تشعر بثقل قادم من هويته كمشرف".
قالت بهدوء: "حسنًا، فهمت."
ثم أضاف: "هل لديكِ وقت غدًا؟ تعالي لتناول الطعام في المنزل، وسنناقش التفاصيل."
فأجابت بطاعة: "حسنًا."
1
في اليوم التالي.
قاد وائل السيارة بنفسه، وأوصل ياسمين إلى منزله.
لكن عندما دخلا، اكتشفا أن الصالة لا يوجد فيها حازم فحسب...
بل أيضًا جلال و أكرم، وقد كانا في زيارة له.
دخلت ياسمين دون أن يتغيّر في ملامحها شيء، وألقت التحية على حازم، ثم سلّمت على جلال قائلة: "مرحبًا."
ركز أكرم بصره عليها، ورآها تمرّ أمامه، كما لو أنه لا وجود له على الإطلاق.
كانت لا تزال تتجاهله.
عبس جلال قليلًا بصمت.
فحتى أمام والده، لم ثُبدِ ياسمين له أي مجاملة زائفة أو تكلّف.
قال حازم وهو يلوّح بيده: "الطعام جاهز، فلنجلس."
ألقى وائل نظرةً ذات مغزى نحو ياسمين.
وقد بدا المشهد مثيرًا للاهتمام.
كانت ياسمين قد قيّمت الموقف في داخلها، ولم تُظهر أيّ انفعال على وجهها.
بعد أن جلس الجميع، رفع وائل عينيه مبتسمًا وقال موجها كلامه إلى أكرم: "سيد أكرم، أنت هنا أيضًا؟"
كانت هذه العبارة، في اذن اكرم، كأنها سخرية خفية.
فمن الواضح أن وائل كان يعلم تمامًا سبب حضوره.
أخذ حازم حينها كأسًا صغيرًا من الخمر، وقال بهدوء: "حدث هذان الشابان عن أمر الجيش."
أوما جلال، ثم التفت إلى ياسمين وقال بلطف: "يا آنسة ياسمين، نظرًا لأهمية إنجاز شركة الريادة، فإن الجهات العليا تولي هذا المشروع اهتمامًا كبيرًا. وستعتمد بعض درونات الجيش على هذا النظام، لذا جئنا اليوم لمناقشة الأمر معك."
أومأت ياسمين، وأجابت دون تردد: "لا مشكلة، ستتعاون شركة الريادة بالكامل."
وبعد أن انتهوا من مناقشة الأمر، تردد جلال قليلا، ثم قال: "هذا النظام واسع الاستخدام، وستحتاج الكثير من الشركات لبراءه هذا النظام للبقاء في السوق. هل يمكنني أن أسأل... ما السبب وراء رفض شركة الريادة بيع الترخيص لشركة السمو؟"
لم يكن يقصد أن يضعها في موقف محرج.
إذا كان لدى شركة الريادة اعتبارات معقولة تخصها، فسيتقبل الأمر، ويجعل أكرم يبحث عن حلَّ آخر.
أما إن كان السبب هو ما ارتكبه أكرم سابقًا، فإنه اليوم سيحل هذا الأمر بنفسه.
لم يُعلّق وائل، بل نظر إلى ياسمين.
كانت ياسمين تدرك أن جلال رجل ذو مكانة رفيعة، ومع ذلك جاء بنفسه ليقابلها، وهذا دليل على صدق نيته.
قالت بهدوء وثبات: "يبدو أن السيد أكرم لم يخبرك؟"
قطب جلال حاجبيه في حيرة: "أحب أن أسمع التفاصيل منكِ." في تلك اللحظة، شحب وجه أكرم أكثر، شعر حينها بإهانة غير مرئية تدوسه ببطء.
4
هذه المرأة التي كان ينظر إليها بازدراء من قبل.
ها هو الآن مضطر أن يسعى للحصول على موافقتها...
من الواضح أن شراء براءات شركة الريادة يعني دفع المال لها، ومع ذلك، عليه ان يرى ما إذا كانت الشركة سترغب أصلًا في قبول هذا المال!
جعله هذا الأمر يشعر بالضيق بلا انقطاع.
ففي نهاية المطاف، وائل هو صاحب شركة الريادة.
أيعقل أن وائل بات اليوم يُدلَل ياسمين لدرجة أنه فوّض لها سلطة القرار في مسألة بهذا الحجم؟
5
لكن ياسمين لم تنظر إليه حتى، بل قالت لجلال بهدوء، معبرة عن موقفها: "ترخيص شركة الريادة يمكن أن يُباع للسيد أكرم بالطبع، ولا داعي لان تشعر بالحرج، لكن بشرط ..."
عندها فقط ألقت ياسمين نظرة
باردةً عابرة نحو أكرم، وقد اسودّت ملامحه تمامًا.
وقالت بنبرة لا تقبل التراجع: "أن يقدّم السيد أكرم اعتذارًا رسميًا لي."
___________
الحادي والثلاثون من هنا
