رواية عمر الراسني وياسمين الفصل الثامن والعشرين 28
استعادت ليلى توازنها النفسي سريعًا، وسألت بتواضع: "لماذا تعتقد ذلك؟"
وضع جلال كوب الشاي جانبًا، وأبدى بعض الدهشة: "قدمت شرحًا وافيًا يا آنسة ليلى، هل يا تُرى كنت مخطئًا؟ ظننت أنك موظفة لدى السيد عمر، وتتكلمين نيابةً عنه."
رفع عمر نظره أخيرًا وابتسم بخفة: "ليست موظفتي."
كان هذا كل ما أجاب به.
دون أن يفسّر علاقتهما.
لم تنظر ياسمين إلى تلك الجهة.
لكنها كانت تعرف جيدًا أن عمر كان يمهّد ليلى الطريق للارتقاء في مجال الصناعات العسكرية.
وهذا أمرٌ سيتطلب جهدًا كبيرًا.
1
في هذا الوقت.
فُتح باب الغرفة، ووصل أكرم متأخرًا قليلًا.
دخل، وجالت عيناه حول الطاولة.
ولاحظ ياسمين جالسة بجانب والدها، حتى إن وائل اضطر أن يحرك نفسه قليلًا إلى الخلف.
رحّب الحاضرون بالوافد الجديد.
وانفصل ذهن ليلى عن وقع ما حدث للتو، وأومأت برأسها تحيةً إلى أكرم.
ما إن لمح جلال القادم، ارتسمت على محياه علامات الرضا، وأشار إلى المقعد بجانب وائل: "اجلس هنا."
كان المقعد قريبًا من ياسمين.
لم يعترض أكرم.
غير أنه لم يستوعب سبب إقامة هذه المأدبة اليوم بالذات.
سأله جلال: "أنت تعرف جميع الحضور هنا، صحيح؟"
تردد أكرم قليلًا، ثم ألقى نظرة جانبية على ياسمين، وقال: "يمكن قول ذلك."
ظلّت ياسمين هادئة، عيناها لم تتحركا، واستمعت بصمت.
لم تبادر بإلقاء تحية على أكرم.
لاحظ أكرم هذا وعقد حاجبيه قليلًا.
هل تتعمد أن تجهّم وجهها في حضوره؟
لم يلمح جلال الأجواء الغريبة التي سادت بينهما، فعلى الأقل جلوسهما معًا لتناول وجبة يوفر
فرصة لفهم أولي، وما دام الانطباع الأولي جيدًا، فكل شيء سيصبح سهلًا لاحقًا.
بدأ بعض رؤساء الشركات الآخرين الحديث.
وتبادلوا مع جلال الآراء حول الاتجاهات الكبرى في السنوات الأخيرة.
لكن ياسمين التي استيقظت مبكرًا بعد ليلة طويلة من المناقشات الأكاديمية في منزل المطيري، شعرت بصداع وخمول جسدي، أصبحت حالتها الصحية أسوأ مؤخرًا.
رأت أن جلال والآخرون يتناقشون في أمور عملية، ولم ترغب في أن يؤثر وضعها على سير الاجتماع.
فقالت بهدوء لوائل: "سأذهب لأتنفس بعض الهواء في الخارج."
ألقى وائل نظرة على وجهها الشاحب، وقال بقلق: "هل أرافقك؟"
ربتت ياسمين على كتفه بخفة: "لا داعي، عليك البقاء هنا."
نهضت بهدوء، ولم تقطع حديثهم.
إلا أن موقعها داخل الغرفة كان بعيدًا عن الباب، لذا كان عليها المرور بين عدة أشخاص للخروج.
حاولت تقليل شعور الآخرين بوجودها، لتجنب إزعاجهم.
وفي ذلك الوقت بالذات، دُفع الباب، ودخل النادل بعربة نحاسية تحوي حساءً ساخنًا، واصطدمت به فجأة.
لم يتوقع أي أحدٍ ظهور شخصٍ فجأة.
فزع النادل وقال: "عذرًا، انتبهي!"
بسبب ضيق المكان الشديد، سارعت ياسمين إلى الانحراف جانبًا، خوفًا من أن يحرقها القدر النحاسي الذي يتصاعد منه البخار.
لكن في تلك اللحظة العابرة، وأثناء ابتعادها إلى الجانب، اصطدم خصرها وبطنها بحافة الطاولة اصطدامًا غير خفيف.
أثار ما حدث بعض الانتباه في الداخل.
غير أن ياسمين لم تعد تكترث بشيء؛ فقد أمسكت ببطنها الذي اجتاحه ألم حاد، وشحب وجهها فجأة، بينما أخذ العرق البارد يتصبب منها.
امتدّ الألم الحاد من موضع الإصابة التي اصطدمت بها، كأنه موجة جارفة أغرقتها بالكامل، فلم تعد قادرة على الحفاظ على مظهرها المعتاد كـ "شخص طبيعي".
أخذ العالم يدور أمام عينيها، وبدأ وعيها يتلاشى.
وفي اللحظة التي عجزت فيها تمامًا عن المقاومة وكادت تفقد وعيها، دوّى خلفها صوت بارد حاد: "اذهب وأحضر السيارة."
ثم اندفع نحوها شخص مسرع، حملها بين ذراعيه حملًا أفقيًا قبل أن ينهار جسدها، واندفع بها خارج الغرفة الخاصة...
حدث كل شيء بشكل مفاجئ.
وعندما أدركت ليلى ما يحدث.
نهضت فجأة من مكانها، ووجهها مليء بالارتباك والدهشة وهي تحدق في ذلك الشخص الذي اختفى عند الباب...
وليست هي فقط.
حتى من كانوا حول الطاولة الكبيرة توقفوا لثوانٍ معدودة، وكأن عقولهم شُلّت، ولم يسمعوا سوى صوت النادل الذي بدا مرعوبًا، لونه شاحب، وهو يردد بتوتر: "عذرًا عذرًا... لم أنتبه..."
استوعب أكرم الأمر متأخرًا.
لقد حدث اضطراب في جسد ياسمين.
لكنهم لم يروا ما أصابها بالضبط.
كان كل شيء سريعًا جدًا.
وعندما لاحظ الأمر، كانت ياسمين منحنية من شدة الألم، أصبح جسدها ضعيفًا بالكامل.
والأهم...
الشخص الذي حمل ياسمين واندفع بها خارج الغرفة..
كان عمر !
بينما لم يستطع أحد استيعاب ما يحدث.
كان عمر قد أخذها إلى السيارة ليوصلها إلى المستشفى.
استجمع وائل وعيه.
لكنه رأى فقط أن ياسمين كانت على وشك الإغماء، ولم يشاهد سبب ذلك.
احمرّ وجهه، ومع شعوره بالقلق الشديد، خاطب جلال: "عذرًا، يبدو أن ياسمين ليست على ما يرام، إذا لم تمانع، هل يمكن أن نؤجل الموعد إلى يوم آخر؟"
أجاب جلال بقلق: "لا بأس، اذهب سريعًا للاطمئنان على الآنسة ياسمين."
لم يكن يتوقع أن يكون رد فعل عمر هو الأسرع عند وقوع الحادث.
أومأ وائل برأسه، ثم غادر مسرعًا.
نهض أكرم أيضًا بشكل غريزي، وصار وجهه أكثر جدية، ونظر إلى ليلى التي لم تظهر أي تعبير على ما حدث، وقال: "آنسة ليلى، أنذهب لنرى ماذا حدث؟"
فعمر كان حبيبها.
وكان من الطبيعي أن تذهب لترى الوضع.
أطبقت ليلى شفتيها، لم تظهر أي مشاعر على وجهها، وأومأت فقط بهدوء، ولم تغضب من هذا الحدث المفاجئ.
ودّعت جلال بأدب، ثم خرجت مع أكرم.
عندما حمل عمر ياسمين إلى السيارة، شعرت بألمها يخف قليلًا.
وعند الوصول إلى أقرب مستشفى من المطعم، نزل عمر وفتح الباب ليحملها مرة أخرى.
استجمعت ياسمين بعض قوتها، ووجهها شاحب للغاية، ورفعت يدها لتصده، وقالت بحدّة: "سأمشي بنفسي."
بدت ملامح عمر باردة.
ظل عمر صامتًا، ونظر إليها بعينين غامقتين، دون أن يظهر أي شعور.
نزلت ياسمين وهي تمسك بطنها المتألم.
وما إن وطئت قدماها الأرض، حتى خارت قواهما قليلًا.
لم يتفوّه عمر بكلمة واحدة، ولم يلتفت إلى رغبتها، وانحنى وحملها مرة أخرى دون أن يبال بـ تغير وجهها أو فقدانها السيطرة ومحاولتها ضربه على كتفه.
بدا وكأنه لا يشعر بالألم.
لقد أرهقها الألم حتى أفقدها القوة، فكل محاولاتها كانت بلا جدوى، ولم يكن من المستغرب أن يزداد شحوب وجهها وقسوة ملامحها.
5
أوصلها عمر إلى قسم الطوارئ.
سرعان ما جاءته ممرضة: "ضع المريضة هنا."
عبس عمر وهو يضعها على السرير.
سرعان ما وصل طبيب الطوارئ، ففحص حالة ياسمين، وسأل وهو يطهر يديه: "هل أنت من ذوي المريضة؟"
ظل عمر باردًا، لم يجب على هذا السؤال، وقال بهدوء: "لديها ألم في البطن، اصطدمت بزاوية الطاولة، هل من الممكن أن يكون قد حدث تمزق في المبيض؟"
أصبح الطبيب أكثر جدية: "هذا ممكن، يجب إجراء الفحص."
انحنى الطبيب ليضغط على بطنها.
تصبّب العرق من ياسمين، لكنها عضّت على أسنانها، ونظرت بوجه بارد إلى عمر، وقالت: "شكرًا لك، لا داعي لبقائك هنا الآن، سأدع وائل يأتي..."
لم ترغب أن يرى عمر حالتها المتدهورة والمحرجة، خاصة بعد أن وصلت علاقتهما إلى هذا الحد.
كرامتها لا تسمح لها بإظهار أي ضعف أمامه، ولا تحب على الإطلاق أن تنخرط في علاقة متشابكة بلا معنى مع زوجها السابق!
نظر إليها عمر وقال: "ياسمين، من يُعاند بلا داعٍ يكون أحمقًا."
كانت هذه المرة الأولى التي تسمعه فيها ياسمين يقول كلامًا حادًا بهذا الشكل.
حتى وإن لم يظهر على وجهه أي تعبير، ولم تكن نبرته ساخرة.
إلا أن كلماته كانت تصيب أذنها كالإبر.
لم يكلّف عمر نفسه بالكلام معها أكثر.
فاستدار وتوجّه إلى الخارج لينتظر هناك.
تاركًا مساحة للطبيب للعمل.
لم ترغب ياسمين في الجدال معه.
وبدأ الألم يخف تدريجيًا.
نظرت بوجه شاحب إلى الطبيب وقالت: "أنا أعرف مشكلة جسدي، لا حاجة للفحص المفصل."
لقد اصطدمت فجأة بمنطقة متورمة في بطنها، ما أثار ألمًا حادًا مفاجئًا.
لكن الطبيب نظر إليها بجدية: "حالتك غير طبيعية قليلاً، يجب التأكد من عدم وجود نزيف في البطن."
أغمضت ياسمين عينيها.
كانت تدرك جيدًا أن السبب يعود إلى أن سرطان الرحم يجعلها تعاني من آلام دائمة، وزادت الضربة التي تلقتها من حدة الألم في بطنها.
لكن بما أن الأمر قد حدث، فالفحص هو الحل الأفضل.
همست بصوت ضعيف: "حسنًا، لكن يرجى التواصل معي مباشرة عند صدور أي نتيجة فحص، الشخص في الخارج ليس له علاقة بي، لا داعي لإخباره."
لم يعر الطبيب الأمر اهتمامًا خاصًا، وأجرى التصوير المقطعي والتحاليل الدموية الشاملة.
وبما أن قسم الطوارئ مزدحم، فقد يستغرق الأمر بعض الوقت للحصول على النتائج.
ظل عمر جالسًا بجانب سريرها على مقربة، بلا أي نية للكلام.
كان يراقب حالتها بين حين وآخر.
ثم وصل وائل مسرعًا.
كان يلهث من شدة العجلة، وعند رؤية وجه ياسمين الشاحب صار وجهه قاتمًا: "هل الأمر خطير؟ ماذا حدث؟"
هزت ياسمين رأسها، وحاولت تهدئته بصوت ضعيف وهي تتحمل تعبها: "لا بأس، اصطدمت قليلاً فحسب."
سرعان ما وصل أكرم وليلى أيضًا.
لكن لم تكن لدى ياسمين أي رغبة في إظهار ود لهما.
فحالتها الصحية سيئة، ولا تريد إضاعة طاقتها عليهما.
كانت تعرف أنهما لم يأتيا لأنهما قلقان عليها.
بل لأن عمر موجود، ومن باب المجاملة فحسب.
نظرت ليلى إلى ياسمين الممددة على السرير ببرود، ثم لم تقل شيئًا، وذهبت مباشرة إلى جانب عمر: "عمر، ماذا قال الطبيب؟"
رفع عمر رأسه، ورد بوجهه البارد بلا تعبير: "النتيجة لم تصدر بعد."
لم تتابع ليلى الكلام.
فهي لم تكن متأكدة من حالة ياسمين الحقيقية.
هل اصطدام بسيط يصل لدرجة إدخالها الطوارئ؟
كان أكرم مذهولاً قليلاً.
فوجه ياسمين كان شاحبًا جدًا.
لكن باستثناء هذا، الأمر الأكثر إثارة للدهشة بالنسبة له...
كان عمر.
كان هو نفسه الشخص الذي حمل ياسمين وأسرع بها إلى المستشفى.
سرعته وحسمه ورد فعله الكبير، كل شيء بدا طبيعيًا...
نظر أكرم إلى عمر وكأنه يريد أن يسأله شيئًا: "سيد عمر."
فرفع عمر عينيه، ونظراته الباردة جعلته يفهم فورًا.
ربما لأنه كان يجلس قريبًا من ياسمين.
ثم نظر إلى ليلى، حبيبة عمر.
فرأى أنها متسامحة، ولم تظهر أي شعور بالغيرة أو الاستياء.
وذلك لأن إنقاذ حياة شخص ما أهم من كل هذا.
ظل أكرم يشعر أن هناك شيئًا غير طبيعي في تصرف عمر عندما حمل ياسمين، لكنه لم يستطع تفسيره بعد.
لم يهتم عمر بما يفكر فيه أكرم، ونظر إلى ياسمين على السرير.
حين وصل وائل، بدا أن ياسمين بدأت تخفف من حذرها تجاهه.
قالت ياسمين لوائل: "وائل، قم بإخراجهم، أريد الجلوس في هدوء مع نفسي."
لم ترغب في التعبير عن امتنانها لهم.
ولا التظاهر بالود.
فهي تعرف جيدًا أن هؤلاء الثلاثة لم يأتوا بدافع القلق الحقيقي عليها.
لذا تحدثت دون تحفظ.
لم تنظر إليها ليلى، وقالت مباشرة لعمر: "إذا لم يكن الأمر خطيرًا، فدعنا لا نزعجها أكثر، لنغادر الآن."
نظر عمر إلى ياسمين ببرود.
لم يستعد وجهها لونه الطبيعي بعد. حتى مع المكياج الخفيف، كان التعب والإنهاك غير المألوفين ظاهرين عليها بوضوح.
قطب حاجبيه، لكنه وقف على قدميه.
عرف وائل أن ياسمين لا تريد رؤية أي شخص غير مرغوب فيه، ورغم قلقه على حالتها، ابتسم وقال لهم: "لا تقلقوا، سأبقى مع ياسمين هنا، سأدعوكم لاحقًا لتناول وجبة تعبيرًا عن امتناننا."
كانت نيته واضحة بإبعادهم.
حرص أكرم على أن يحافظ على ماء وجه وائل، ونظر إلى ياسمين وقال: "حسنًا، إذا احتجتِ لأي مساعدة، أخبرنا يا سيد وائل."
هو أيضًا شعر أن وجودهم هنا غير مناسب.
وعلى الأغلب أن ياسمين تشعر بعدم الراحة بعد كل تلك الفحوصات.
همس عمر بصوت خافت: "حسنًا."
ثم لم يعد ينظر إلى ياسمين، واستدار للخروج.
لم يظهر أي قلق أو تردد عميق.
رأت ليلى ظهره وائل ، فابتسمت قليلاً.
كانت مخطئة في تقدير الموقف.
فعمر تصرف فقط بدافع الإنسانية لمساعدتها.
تبعته للخارج.
قبل أن يغادروا، نظر أكرم إلى ياسمين، التي كانت قد أغمضت عينيها، لم يلتفت لموقفها، واكتفى بالقول: "أتمنى لك الشفاء العاجل."
شعرت ياسمين بالارتياح بعد رحيلهم.
لكن وجه وائل صار قاتمًا، وسألها: "كيف أصبح الأمر خطيرًا هكذا؟ ماذا قال الطبيب؟"
رأت ياسمين قلقه، وكادت الكلمات تختنق في حلقها.
"لا بأس، اصطدمت فقط." قالت قبل أن تتبين كيف ستعترف له بحقيقة الأمر.
فبمعرفتها لشخصيته، هي تعلم أن وائل سيصر على علاجها بدلاً من متابعة مشروع شركة الريادة.
على الأقل، شعرت أنها قادرة على التحمل قليلاً، وما دامت غير مضطرة، لم ترغب في إثارة القلق بين الجميع.
خاصة مع اقتراب عملية خالها، وعدم قدرة جدتها على احتمال صدمة مرضها.
عندما شعرت ببعض التحسن، قالت لوائل: "اشترِ لي بعض الماء لو سمحت."
لم يتردد وائل، وذهب للبحث عن متجر قريب.
بعد فترة وجيزة، وصل الطبيب كما توقعت ياسمين.
كان يحمل نتائج الفحوصات، ونظر إليها عابس الحاجبين: "شكل رحمك غير طبيعي، هناك انتفاخ موضعي وتورم، لكن لا يوجد نزيف، هل لاحظتِ أي أعراض غريبة مسبقًا؟"
أدركت ياسمين أن الطبيب أصبح لديه شكوك.
لكن بالنسبة لهم، من أجل التأكد من التشخيص، سيطلبون من المريض إجراء فحوصات أكثر تفصيلاً، ليتم التقييم بشكل شامل.
قالت بثبات: "أنا مصابة بالسرطان."
تفاجأ الطبيب بهدوئها، فقالت: "الاصطدام سبب التورم، تعامل معه وفقًا لذلك."
أما بالنسبة للسرطان، فلذلك اتجاه علاج منفصل.
استعاد الطبيب هدوءه، لكنه ظل جادًا: "ستحتاجين للبقاء ليلة واحدة بالمستشفى لتلقي السوائل المضادة للعدوى والالتهاب."
سحبت جسدها الواهن متجهة بسرعة لإنهاء إجراءات الدخول إلى قسم الطوارئ والإقامة بالمستشفى.
عندما عاد وائل، نظرت إلى الساعة وقالت: "يمكنك العودة الآن يا وائل، ستأتي جدتي لتجلس معي."
يكون من المناسب ان يعتني ان هو بها، فقال: "سأجعل سارة تأتي، لأن جدتك كبيرة في السن."
ابتسمت ياسمين وهزت رأسها: "لا بأس، قال الطبيب إنه مجرد ألم في البطن، المحاليل ستفي بالغرض، لا داعي للقلق."
أراد وائل أن يقول شيئًا.
لكن ياسمين لم تمنحه فرصة، وأبعدته عن المكان.
وصلت الممرضة لتعطيها المحاليل الوريدية.
مع غروب الشمس، تلقت ياسمين اتصالاً من جدتها: "يا صغيرتي، أنتِ في المستشفى؟"
تفاجأت: "كيف عرفتِ؟"
أجابت الجدة بقلق: "أتى عمر اليوم، وأخبرني سائقه إنكِ مريضة، ماذا حدث؟ هل الأمر خطير؟"
دلكت ياسمين صدغها وطمأنتها: "لا شيء، مجرد ألم حاد في البطن، أنا الآن بخير."
لم تطمئن الجدة، وقالت: "سأرسل عمر ليعتني بكِ، لا تخافي."
تغير تعبير ياسمين قليلاً، وقالت: "جدتي، لا حاجة، أصبحت بخير بالفعل."
لكن الجدة قالت: "يا ابنتي، متى ستستفيدين من زوجكِ إذا لم يكن الآن؟"
لم تستطع ياسمين تغيير رأي الجدة.
بعد فترة قصيرة من إنهاء المكالمة، سُمع طرقٌ على الباب.
وعندما نظرت ياسمين، رأت عمر وهو يدخل حاملاً علبة طعام حافظة للحرارة.
لم تتوقع ياسمين أن يصل بهذه السرعة.
لم تكن تعرف حتى كيف علم في أي غرفة تتواجد في المستشفى.
نظر عمر إليها، وقال: "ماذا قال الطبيب؟"
عرفت أن وجوده هنا هو نتيجة معرفة جدتها، مجرد تصنع للضرورة.
قطبت حاجباها، ولم تجب، وأشارت إليه بالخروج: "لا داعي لقدومك، جدتي لن تعرف."
لم يكترث لكلماتها، بل خطى نحو سريرها بساقيه الطويلتين، وألقى نظرة على المحاليل الوريدية: "كم علبة تحتاجين بعد؟"
عبست ياسمين.
واضح أنه لم يكن ينوي الالتفات إلى كلامها.
خفض رأسه ونظر إلى وجهها الشاحب، وكانت آثار المرض ظاهرةً بوضوح عليها: "هل تحملتِ الكثير من أعمال شركة الريادة بمفردك؟"
ثم قال ببرود: "ألا تريدين أن تنظري في المرآة لترى حالتكِ الآن؟"
كلامه قاسي، نصفه ساخر، نصفه نقد جاف.
أثناء حديثه، فتح علبة الطعام، وأخرج بعض الأطباق ووضعها على الطاولة بجانبها، وأعطاها الملعقة في يدها: "تناولي شيئًا، الطعام كله خفيف المذاق."
لم تنظر ياسمين إلى الطعام سوى نظرة خاطفة، لم تلمسه، كانت ضعيفة جدًا الآن، لدرجة التعب من مجرد الكلام، فقالت: "هذا شأني، لا علاقة لك يا سيد عمر."
كانت تذكره فقط بمكانتهما وعلاقتهما الحالية.
عندها رفع عمر بصره لينظر إليها.
لم ينكر.
ولم يزد في الكلام.
ساد صمت ثقيل.
4
لكنه لم يتأثر ولم يحاول الجدال معها، فقام ليملأ كوبًا بالماء من آلة الشرب ووضعه في مكان بجانب سريرها، بحيث يمكن ليدها أن تصل إليه بسهولة.
وضبط سرعة المحلول الوريدي، لتجنب تورم يدها بسبب السرعة العالية.
كل هذا بدون أن ينطق بكلمة واحدة.
كان تصرّفه غاية في العناية واللطف، لكن ياسمين لم تسمح لنفسها بأن تظن أن في قلبه مكانٌ لها، أو أنه يهتم بها.
منذ الأيام الأولى لزواجهما، كان عمر شخصًا دقيقًا في كل شيء، لا حصر لما يقوم به من أمور من هذا النوع، وأدبه الراقي جعله يبدو وكأنه يولي الجميع اهتمامًا بالغًا وعناية فائقة.
والنساء بطبيعتهن عاطفيات، فهن يلتقطن الحب في أدق التفاصيل، ويبحثن عن علامات تُثبت لهن أنهن مميزات ومحبوبات، فتغرقن أحيانًا في تفاصيل صغيرة لا تُذكر، وتستسلمن بكل ما أوتين من قوة.
هي غرقت بهذه التفاصيل لثلاث سنوات.
لكنها بعد سنوات من الصدمات، أدركت أن تصرفاته يمكن أن تكون بلا حب.
"لا داعي لبقائك، يمكنك الرحيل." لم ترغب ياسمين في بقائه، فجاء صوتها يفيض بالبرود والجفاء.
نظر إليها عمر مرة واحدة، لم يحاول إقناعها بتناول الطعام، وعاد إلى الأريكة: "اعتبري أنني غير موجود."
عبست ياسمين.
نظرت إليه، كان قد أمسك حاسوبه المحمول وبدأ العمل.
لم ينوِ الالتفات لكلماتها.
أطبقت ياسمين على شفتيها، وأكملت طرد الرجل بلا مجاملة: "سأخبر جدتي أنك قد مررت، فلا تقلق بشأن ما قد أقوله لها."
"حسنًا، فهمت." أومأ عمر برأسه دون أن يرفع بصره، كانت ملامحه الدقيقة هادئة بلا أي اضطراب، كان يرد على كلامها أثناء نقره على لوحة المفاتيح، لكنه لم يعبّر عن أي فعل يوازي كلامه.
بخلاف ذلك، خيم صمت بارد ومتحفظ على المكان من كلا الطرفين.
لم تفهم ياسمين طريقة تفكيره.
حقًا أنها لم تكن لديها أي شهية للعشاء الذي جلبه معه.
كما أن جسدها ضعيف في الأساس، ولم تملك طاقة لتضيّعها معه.
اعتبرته مجرد هواء، واستدارت لتستلقي وظهرها مواجهًا له.
أن يرحل أم لا هو أمر يعود له، وإذا أراد أن يكون حارسًا للباب، فهذه حريته.
لم تعد تلقي له بالًا.
في ساعات الليل المتأخرة، ارتفعت حرارتها، وكانت نصف واعية، تشعر بعدم الارتياح.
لكنها سرعان ما غرقت مرّة أخرى في النوم.
مع بزوغ فجر اليوم التالي.
كان ذهنها في حالة ضبابية.
وشعرت بأن هناك ممرضة جاءت لتتفقدها.
عندما فتحت عينيها، وجدت الممرضة قد أزالت الإبرة بالفعل.
جلست، ولاحظت أن سترة عمر وحاسوبه المحمول موضوعين على الأريكة المقابلة.
قطبت حاجبيها مستغربة: كيف لم يرحل بعد؟
أو لأنها لم تستحمل أن عمر حملها؟
في تلك اللحظة، أتى صوت عمر من خارج الغرفة، هادئًا وجليديًا: "ما حالتها بالضبط؟ متى يأتي الطبيب المناوب في قسم الطوارئ المسؤول عن حالتها؟"
سألته الممرضة: "من حضرتك بالنسبة للمريضة ياسمين؟"
صمت لوهلة، ثم أجاب ببرود: "زوجها."
كان صوت عمر هادئًا وثابتًا، دون أي نبرة مختلفة.
ووصل واضحًا إلى أذن ياسمين.
حتى أنها كادت تتوقف عن الحركة للحظات من الدهشة.
خارج الغرفة، حدقت الممرضة بدهشة في هذا الرجل الوسيم ذو الملامح البارزة والجاذبية الفريدة، ولم تستطع بعض الممرضات الشابات إلا أن تلتفتن لمشاهدته.
خفض عمر عينيه نحوها وقال: "أحتاج للتواصل مع الطبيب الذي كان مسؤولاً عنها البارحة، هل يمكن أن تخبريني متى يبدأ دوامه بالضبط؟"
قسم الطوارئ يعمل بنظام ورديتين، وفي أوقات الانشغال يكاد لا يُعثر على أحد.
كان لا يزال غير مدرك لتفاصيل حالة ياسمين.
بينما كانت الممرضة على وشك الرد، فُتح باب الغرفة.
وقفت ياسمين عند الباب، وجهها شاحب قليلاً، وتعبيرها يوحي بالبرود.
حدقت مباشرة في عمر، وعندما سمع الأخير صوتها، رفع بصره نحوها، وقال بملامح هادئة وواضحة: "استيقظتِ؟ هل تشعرين بأي ألم؟"
كان هو أول من بادر بالسؤال.
كانت ملامحه متزنة تمامًا، وعيناه تجوبانها بنظرة شامل.
مما جعل ياسمين تتوقف عن طرح سؤالها الذي كادت تنطق به.
أرادت أن تسأله لماذا أجاب بأنه "زوجها"؟
1
لكن سرعان ما لاحظت الهاتف في يد عمر، وكانت الشاشة تظهر مكالمة جارية... والاسم الظاهر للمتصل هو "الجدة".
كان يتحدث في الهاتف مع الجدة في هذه اللحظة.
شعرت ياسمين وكأن حلقها قد انسد تمامًا.
أدركت حينها سبب إجابته بذلك، فالجدة هي التي اتصلت للسؤال عن حالتها، والممرضة صادفت أن سألته عن صلته بها.
لذا أجاب بهذا الشكل.
أطبقت ياسمين شفتيها الشاحبتين ببطء، وقالت: "أفضل بكثير الآن."
على الطرف الآخر، أبدت الجدة قلقها لبضع كلمات.
وشعرت ياسمين باهتمامها بها، فأجابت برفق.
حتى انتهى الاتصال.
بعد أن أنهت المكالمة، تغيرت ملامح وجه ياسمين من الرقة والوداعة إلى البرود، ولم تنظر إلى عمر، بل قالت للممرضة: "أنا الآن بخير بشكل عام، سأقوم بإجراءات الخروج بعد قليل."
وأضافت بوضوح: "هو ليس زوجي."
لم تكن تعرف لمن وُجهت هذه الكلمات.
ثم استدارت وعادت إلى سريرها، تاركة الممرضة مذهولة.
ولم تستطع إلا أن تُلقي نظرة إلى عمر، الذي كان هادئًا تمامًا، وكانت ملامحه خالية من أي شعور، باردة إلى حد الغموض، بحيث لا يُمكن لأحدٍ أن يلمح أحدَ أي مؤشر لمزاجه.
دخل عمر الغرفة ووضع هاتفه في جيبه.
بينما كانت ياسمين تشرب الماء.
توقف عند الحائط يراقبها، وقال بصوت هادئ كمن يقدم لطفًا عابرًا لشخص غريب: "ألا تريدين التواصل مع الطبيب مرة أخرى؟"
حدق في وجهها: "يبدو وجهك شاحبًا جدًا."
رفعت ياسمين رأسها لتقابل عينيه العميقتين والمعقدتين: "سيد عمر، أشكرك على إيصالي إلى مستشفى في الوقت المناسب، لكن رجاءً، لا تَقُل أي شيء قد يجعل الآخرين يسيئون فهم علاقتنا مستقبلاً."
كانت كلماتها صريحة وواضحة، تذكره بحقيقة أنهما قد تطلقا.
ومن المضحك أن ياسمين، طوال تلك السنوات من الزواج، لم تُسمع منه كلمة واحدة تعترف بمكانتها كزوجته.
وبعد الطلاق، سمعته يقول بفمه إنه زوجها.
ربما كانت جديّة مظهرها وكلامها السبب في أن عمر نظر إليها بصمت طويل.
ثم بعد فترة، تحركت شفتاه بلا شعور، وقال: "حضّري نفسك، سأوصلك إلى المنزل."
لم يَعُد يناقش معها الموضوع الذي دار قبل قليل، وهكذا تجاوزا الموضوع بصمت متبادل، دون أن يُجبرها على الاستمرار في مراقبته والتحديق فيه.
ردت ياسمين وظهرها نحوه: "لا تتعب نفسك، يا سيد عمر."
لم يقل أي شيء.
وسمعت صوت خطواته تختفي تدريجيًا.
غادر عمر.
ولم تتأثر ياسمين كثيرًا، وسرعان ما أعادت ترتيب نفسها.
لقد اعتادت على حمل كل شيء بمفردها، مهما كانت العواصف أو الألم شديدًا، كانت تستطيع إعادة ضبط نفسها بسرعة، حتى بعد أن شعرت بالأمس أنها ربما تموت.
بعد دفع الرسوم وإتمام الإجراءات.
نزلت ياسمين إلى الأسفل، لترى عمر يقف على مقربة يدخن، ولم يغادر، ويبدو أنه لاحظها، فرفع بصره نحوها.
انعقد حاجباها، ثم رأته يطفئ سيجارة لم تشتعل إلا قليلاً، طولها لا يتجاوز طول ظفره، ويتجه نحوها يسألها: "هل سيأتي أحد ليأخذكِ؟"
أجابت وهي تتجاهل نظره: "نعم."
"حسنًا."
أومأ برأسه، ومع ذلك، بقي في مكانه، كخدمة مرافق صامت، يقف معها حتى وصول من سيأخذها.
لم تتحدث ياسمين، وحركت نفسها جانبًا قليلاً.
5
بعد لحظات قليلة، توقفت سيارة سارة، وعندما رأت عمر اكفهر وجهها، لكنه استعاد نعومته حينما نظرت إلى ياسمين: "ياسمين، اصعدي، لنعد إلى المنزل."
صعدت ياسمين دون أن تودّع عمر، لم ترغب حتى في إضاعة طاقتها على قول كلمة "وداعًا".
صعدت إلى السيارة.
فضغطت سارة مباشرة على دواسة الوقود، وانطلقت.
وقف عمر في مكانه، ولم تتغير ملامحه الراقية.
أشعل سيجارة أخرى، وعندما جاء السائق ليأخذه بالسيارة، التفت وألقى نظرة سريعة نحو المستشفى.
5
في الطريق، قدمت سارة الإفطار لياسمين، وقالت أثناء قيادتها: "تناولي شيئًا أولاً، قال وائل إن عليكِ تستريحي عدة أيام، لا تسرعي بالعودة للعمل، الصحة أهم شيء، فالجسد الصحي هو ما يمكّن المرء من الكفاح بجدية أكبر، أليس كذلك؟"
لم تكن ياسمين جائعة، لكنها شربت قليلًا من حليب الصويا المحلى لتخفف قلق سارة: "حسنًا."
كانت سارة قلقة جدًا عليها، فسألت بجدية: "قال وائل إن معدتك تؤلمك، كيف وصلت الأمور إلى هذا الحد؟ ماذا قال الطبيب؟"
"إنه أمر بسيط." كانت ياسمين تعرف أن سارة ستظل قلقة لليالي عدة، فحوّلت انتباهها بإطعامها قطعة من الفطائر المحشوة.
لم تفكّر سارة كثيرًا، وسرعان ما تشتت تفكيرها فورًا.
لكن فجأة تلقت ياسمين رسالة على الواتساب.
وسام: "آنسة ياسمين، مرحبًا، أنا ووسام، هناك بعض المشاكل في خطة السيد سامر العلاجية، ونحتاج لمناقشتها مع الأسرة، هل لديك وقت اليوم؟"
كانت ياسمين ما زالت تشعر أنها متوعكة، لكن وسام وافق على مساعدتها في وضع خطة العلاج، فكان لزامًا أن يتم الأمر وفقًا لوقته هو.
أجابت: "حسنا، سأذهب الآن."
طلبت من سارة التوجه إلى المستشفى المعني.
وعند الساعة العاشرة صباحًا، قابلت ياسمين وسام في مكتبه.
وفي اللحظة التي رفع فيها رأسه، توقف لحظة بخفة.
وألقى نظرة متأنية على ياسمين دون أن يثير فيها أي شعور مزعج: "آنسة ياسمين، هل أنتِ بخير؟"
لم تضع ياسمين أي مكياج اليوم، وبعد دخولها المستشفى فجأة البارحة، بدا عليها التعب والمرض بوضوح كامل.
قالت بأدب: "الحمد لله، لا بأس الآن."
سكب وسام الماء لهما، ثم سأل: "هل أُجريت الفحوصات؟"
أجابت سارة نيابة عنها: "ذهبت إلى الطوارئ البارحة، قالوا إنها آلام حادة بالبطن."
أومأ وسام بتفكير.
فخبرته الطويلة في الطب جعلته يلاحظ أن نحافة ياسمين غير طبيعية.
فكر قليلًا، ثم دعا الدكتور جواد ليشرحا لها معًا خطة علاج سامر بالتفصيل.
وثقت ياسمين به بالطبع.
فوسام أحد أبرز خبراء الأورام الموصى بهم من قبل المستشفيات للمرضى.
بعد الانتهاء من النقاش، لم تعد تزعجه بمسائلها.
أوصلهما هو والدكتور جواد إلى الخارج، وقبل أن يغادرا، قال بهدوء، بحذر وذوق: "آنسة ياسمين، تبدين مرهقة جدًا، أنصحك بإجراء فحص شامل آخر."
بعد ما قامت به ياسمين لمساعدته سابقًا، حتى ولو لم يكن فعلها من باب المعروف، بل لأسبابها الخاصة، لكن النتيجة واحدة، لذا كان حريصًا على تنبيهها.
دُهشت ياسمين قليلاً، ثم قالت بهدوء: "شكرًا، سأفعل."
راقبها وسام وهي تغادر مع سارة.
ثم غاص في تفكير عميق.
لاحظ الدكتور جواد أنه ظل ينظر في نفس الاتجاه لفترة طويلة.
فسأله: "في ماذا تفكر؟ هل أنت على معرفة جيدة بالآنسة ياسمين؟"
عاد وسام إلى الواقع، ومسح حاجبه الطويل بأصابعه، وأخفى أفكاره داخله قائلًا: "ربما أنا أبالغ في التفكير."
أطاعت ياسمين وائل.
فأخذت قسطًا من الراحة في المنزل لبضعة أيام.
لم يحدث لها من قبل أن تصل حالتها إلى حد دخول الطوارئ.
لم ترغب أن تتطور الأمور إلى ما هو أسوأ.
لكن رغم أن الراحة في المنزل أمر جيد، لكنها لم تبقَ ساكنة.
فقد خصصت ثلاث ساعات يوميًا للعمل على تصميم مفاهيمي وتحليل احتياجات المشروع العسكري.
فالمشروع يتطلب تعاون الفريق بأكمله بشكل متزامن، ولا يمكن أن يتوقف أو يتأثر التقدم الطبيعي بسبب مشكلة شخصية تخصها.
وخلال ذلك كانت تجري الاجتماعات المهمة عبر الإنترنت مع وائل.
لضمان أن تكون كل مرحلة خالية من أي خطأ.
في تلك الفترة، اتصلت بها جدتها للاطمئنان على حالتها، وسألتها إذا كان عمر يعتني بها جيدًا.
فهمت ياسمين أن عمر أخبر جدتها بأنه يرافقها يوميًا.
لكنها منذ اليوم الذي خرجت فيه من المستشفى لم تتواصل معه.
وبالطبع هو أيضًا لا يملك رقمها.
لم تكشف الحقيقة، فأجابت بكذبة: "نعم."
اطمأنت الجدة وأعطتها بعض التعليمات قبل إنهاء المكالمة.
أصبحت ياسمين قادرة على التعامل بهدوء مع مثل هذه "المراجعات المفاجئة".
ولم يكن يتطلب الأمر جهدًا.
وإذا تعافت من مرضها ستصمد خلال العام المحدد في الاتفاقية.
وإذا لم تتعافى...
فالموت سيحل كل شيء.
بعدها تلقت رسالة على الواتساب من إياد: "سمعت أنك مريضة، هل تشعرين بتحسن الآن؟"
ليس من الغريب أن يسمع أخبارها، فهو ضمن نفس دائرة عمر وليلى.
لكنها شعرت بالريبة، لم تتوقع أن يراسلها ويهتم بها بهذا الشكل، فهما لا يتواصلان عادة.
فهل وراء هذه الرسالة أمر آخر؟
بالرغم من أنها كانت لديها شكوكها، لكنها لم تسأل، وردت بعبارة شكر مختصرة دون الخوض في تفاصيل.
في فترة الظهيرة، اتصل بها حازم.
نظرًا لأن دخولها الطوارئ حدث فجأة، ومع حضور الكثير من الناس في العشاء، لم يكن بالإمكان إخفاء الأمر.
سأل بجدية: "ما الذي حدث؟ سألت وائل ولم يخبرني كثيرًا."
حاولت ياسمين أن تمرر الأمر قائلة: "لا بأس، مجرد حادثة صغيرة."
أطلق حازم همهمة باردة، وقال: "سمعت أن عمر حملك وخرج بك؟ لم يخبرني وائل بذلك، لكن وصلني الأخبار."
كان الأمر صادمًا جدًا وغير متوقع.
ما الذي يعنيه هذا أصلاً؟
صمتت ياسمين لحظة، ثم اعترفت بأمانة: "في الواقع، لقد تطلقنا بالفعل."
صمت حازم للحظة، وشعر بمزيج من الدهشة والحسرة.
ثم قال على الفور: "من الجيد أنك تطلقت منه، من الآن فصاعدًا ركزي على نفسك جيدًا."
"أما بخصوص امتحان الدراسات العليا، نظرًا لما قمتِ قبل عدة سنوات من إنجاز في يو إن الثاني، وتوصيتي لك بالإعفاء من الامتحان التمهيدي، جهزي مستنداتك، وعندما يحين الوقت اذهبي مباشرة للامتحان النهائي، اعتبريها مجرد تجربة عملية."
دهشت ياسمين.
ولم يمنحها حازم فرصة للسؤال، إذ أنهى المكالمة مباشرة.
كما هو معتاد، ذلك الرجل العجوز عنيد بطبعه الغريب.
كان دخولها امتحانات الدراسات العليا مفاجأة سعيدة لها.
لو اتبعت الخطوات المعتادة، سيكون عليها الانتظار لعام آخر.
لكن ياسمين تذكرت ليلى، التي يبدو أنها تخطط أيضًا لدخول الامتحان.
أما كيف كانت ترتب للأمر، فلم تكن تعرف شيئًا.
لم تُكثر ياسمين من التفكير في الأمر؛ فما يخطط له الآخرون يظل شأنهم هم.
هي فقط أرادت أن تنجز كل ما ترغب به، على أكمل وجه.
وعلى الأقل، ألا تندم على أي شيء.
قام وائل بإجبار ياسمين على أن تأخذ إجازة لخمسة أيام.
وبفضل ذلك، استعادت بعض طاقتها.
وفي يوم الثلاثاء، عادت إلى مكتبها لمواصلة العمل.
في الساعة العاشرة صباحًا، جاء سالم إلى مكتبها وقال: "مديرة ياسمين، فريق شركة السهم جاء لمشاركتنا في اجتماع مفاهيمي لمشروع الإغاثة والكوارث."
أومأت ياسمين برأسها: "هل السيد وائل ومن معه لم يعودوا بعد؟"
"لا، سألتُ، سيأتون بعد نصف ساعة تقريبًا."
لم تتردد ياسمين، قامت متجهة إلى قاعة الاجتماعات مباشرة.
وعند وصولها، رأت ليلى جالسة على الأريكة تتفحص الملفات، برشاقة وهدوء يليقان بخبرة وكفاءة عالية، وعندما سمعت الصوت رفعت رأسها، فرأت ياسمين، وبدا على وجهها جفاء خفيف لا يخلو من برودة.
لكن ياسمين لم تهتم بمزاج ليلى.
وأخذت ملفاتها وجلست في الصف الأمامي مباشرة.
لم تنظر ليلى إليها، بل قالت لسالم الذي أتى معها: "ألم يعد السيد وائل بعد؟"
لم يفهم سالم ما تعنيه، فأجاب: "نرجو منك الانتظار يا مديرة ليلى، سيبدأ الاجتماع الساعة العاشرة والنصف."
ردت ليلى ببرود وهي تتصفح الملفات: "ألم يترك السيد وائل أو السيد مازن أحدًا في شركة الريادة لتولي إدارة الأمور؟ المشروع لا يحتمل أدنى خطأ، وإذا بقي شخص لا تساعده صحته على العمل، وقد يغمى عليه في أي لحظة، فربما يؤدي ذلك إلى تعطل سير العمل أو سوء التعامل مع الأمور."
كانت لا تزال تحتفظ بشيء من الشك تجاه مسألة إغماء ياسمين ودخولها قسم الطوارئ.
كيف لها أن تفقد الوعي لمجرد اصطدامها بشيء؟
هل كان مجرد حادث؟ أم تمثيل؟
لكن يا للأسف...
هي ليست لديها نزعة للتمثيل مثل ياسمين.
2
تغيرت تعابير وجه سالم، ونظر إلى ياسمين بتلقائية.
رفعت ياسمين رأسها بهدوء، وهي تعلم أن ليلى تشير في تعليقها إلى حادثتها السابقة في المأدبة، لكن هل كان الأمر بسبب قلقها من أن ضعف جسدها قد يؤثر على المشروع حقًا؟
قالت ياسمين بصوت هادئ وثابت، غير غاضبة لكن حازمة: "إن كانت لديكِ أي اعتراضات يا آنسة ليلى، فيمكنكِ أن ترسلي شخصًا آخر للتفاوض؛ فنحن في شركة الريادة كذلك لا نحب من يخلط بين العمل ومشاعر الشخصية."
عبست ليلى دون وعي، واختفت ابتسامتها المعتادة الناعمة: "شركة الريادة شركة ضخمة، لكن يبدو أنها ليست حكيمة بما يكفي في إدارة الموظفين والأمور، فهذه المناقصة عسكرية، ألا يعد الاكتفاء بشخص هامشي للتغطية تهورًا؟ شركة السهم ليست مجرد رأس مال ساذج، ولا تريد أن تنجر لمخاطر أو تتكبد خسائر."
لقب "المديرة ياسمين" المزعوم، الذي حصلت عليه بالمال فقط...
هل تظن حقًا أنه يمنحها القدرة على إدارة الأمور بمفردها؟
4
احمر وجه سالم من الغضب ما إن سمع هذا الكلام، وكان على وشك الكلام، لكن ياسمين ابتسمت بهدوء، موجهة له إشارة بالتراجع.
فهم سالم، فتراجع ببطء على مضض.
لم تعد ياسمين تنوي التهاون مع سخريتها وتلاعبها بالكلمات.
كانت نظرتها جليدية وساخرة، حادة بحيث لا ينجو أحد من ملاحظتها، وقالت موجهةً كلامها نحو ليلى: "عمر أسس لكِ هذه الشركة بماله أثناء زواجنا، وإذا كنتِ خائفة من الخسارة، فأستطيع أن أساعدكِ في تخفيف مشقتكِ، وأن أرفع قضية لاستعادة الشركة، فتفقدين منصبكِ كرئيسة، ولن تضطري للانشغال بكل هذه المشكلات بعد الآن، ما رأيكِ، آنسة ليلى؟"
12
ساد الصمت في قاعة الاجتماعات الواسعة، لدرجة أن وقع إبرة كان سيُسمع بوضوح.
ارتسمت لحظة من الدهشة على وجه ليلى المعتاد على الرقة والهدوء، وواجهت عيني ياسمين الهادئتين الباردتين مباشرة، دون أي هامش للتراجع.
بعد فترة، هدأت تعابير وجه ليلى.
لقد أحسنت بالفعل تقييم شخصية ياسمين.
ففي مثل هذه المشاريع الكبيرة، تُقحم الخصومات الشخصية مع العمل، بل وتستخدم مثل هذه الحيل البائسة للحفاظ على ما تسميه "كرامتها"؟
اتكأت ليلى على ظهر الكرسي.
فقدت الرغبة في الكلام، وشعرت فجأة بأن عدم حصول ياسمين على مقابل لمشاعرها أمر مثير للشفقة بعض الشيء.
ما الذي يمكنها أن تتجادل أو تتشاجر بشأنه معها بعد الآن؟
1
وفي تلك اللحظة، التقت عين ياسمين بالعيون السوداء الحادة والساكنة للرجل عند الباب، الذي كان يراقبها بصمت، وأفكاره غير واضحة.
كان عمر واقفًا هناك، خلفه وائل.
لم تتوقع ياسمين أن تصطدم به بشكل مباشر في هذا الوقت الحرج.
ظلت عيون ياسمين باردة كالثلج، والتقت بنظراته، بلا خوف أو تراجع، لم تكترث لما يمكن أن يفكر فيه.
إلا إذا كان عمر، بدافع الشفقة تجاه ليلى، سيواجهها الآن مباشرة، وحينها فستُفضح علاقتهما، وغير ذلك، حتى لو كان غير راضٍ في داخله، فلن يجدي ذلك نفعًا!
بدت تعابير وائل مليئة بالدهشة والتفكير، فقد استوعب لتوه كلام ياسمين الجريء.
هذه الفتاة قد أصبحت عنيدة وقوية جدًا، ومن يزعجها يمكن أن يتأذى.
لو لم يكن الأمر منافيًا للذوق العام، لصفّق لها بحرارة وهتف إعجابًا!
تظاهر وائل بعدم المبالاة وقال: "ما الأمر؟" ثم دفع الباب أولاً، في إشارة للترحيب بعمر: "سيد عمر، تفضل بالدخول."
لم يظهر على عمر أي انفعال، وحرك بصره ببطء من وجه ياسمين، بينما التفتت ليلى إليه.
بدا على وجه ليلى شيء من العجز الذي يصعب وصفه، وفي النهاية تصرفت بلباقة ولم تقل شيئًا، واكتفت أن قالت: "عمر، تعال واجلس معي."
جلس عمر بجانبها بصمت، وقال بنبرة هادئة: "حسنًا، استكملوا الاجتماع، دعاني فارس لتناول الغداء بعد الاجتماع، لنتوجه معًا بعد انتهائه." ولم يرد على "التهديد" اللاذع الذي أطلقته ياسمين قبل قليل.
ابتعدت ليلى فورًا عن الأجواء المتوترة التي خلقتها ياسمين، ولم تعر كلامها أي اهتمام.
فلو كانت ياسمين تملك القرار عن عمر، لما احتاج الأمر إلى أن تنتظر حتى اليوم.
ابتسمت ليلى بخفة وقالت بلكنة حميمية: "حسنًا، أنا أيضًا أوشكت على الانتهاء، شكرًا على قدومك لمرافقتي."
رد عمر بهدوء.
أما ياسمين، فلم تلتفت إليهما ثانية.
ورأت الموقف كله مضحكًا إلى حد ما.
رجل مثل عمر، يُدار يومه بدقة، يخصص وقتًا لمرافقة ليلى فقط ليحميها أثناء تواجدها في شركة الريادة، خوفًا من أن تتعرض لأي أذى.
يحرسها عن قرب... ويضعها في موضع عناية فائقة في قلبه.
لم تؤثر فيه كلماتها السابقة.
كما أنها لم تقلق من أن يقول عمر إنه قد طلّقها بالفعل، ولم تعد تملك الحق في التدخل هكذا.
وعلى أي حال، فقد تحقق هدفها بالفعل: إحراج ليلى، وتحذيرها بأن تعرف حدّها وتتوقف، وتذكيرها أيضًا بأن هويتها لا يمكن أن تُكشف للعلن.
وفي أثناء ذلك.
همست ياسمين لوائل: "هل يمكن أن يستمع عمر لمحتوى الاجتماع أيضًا؟"
أجاب وائل بهدوء: "حاليًا، عمر هو من قام بترتيب نخبة الإدارة الداخلية لشركة السهم، وهو أيضًا نصف مالك الشركة، لذا في الحقيقة يمكنه الحضور."
عبست ياسمين قليلاً، لكنها لم تقل شيئًا آخر.
ولم تلتفت طوال الاجتماع إلى الطرف المقابل لها.
كان الاجتماع مجرد اجتماع مفهومي، تم فيه اتباع الإجراءات الضرورية، ولم تُناقش أي تقنيات جوهرية.
واستمر الاجتماع نحو ساعة، ولم تُبدِ ليلى أي اعتراض.
بل عندما رأت بعض المهندسين الرئيسيين في شركة الريادة، قامت بهدوء للتحدث معهم وتبادل الخبرات في بعض المسائل المهنية.
على الرغم من شعور ياسمين بأن شركة الريادة تتخذ أحيانًا قرارات غريبة في اختيار بعض الأشخاص.
إلا أنها لم تكن لتُقلل من شأن بقية المهندسين في الشركة؛ فكل واحد منهم يعد موهبة نادرة.
رتبت ياسمين ملاحظاتها.
ولم تهتم بحال ليلى.
ثم قامت متجهة نحو الخارج.
عندما مرت بجانب عمر، استدار ونظر إليها رافعًا حاجبيه قليلاً: "هل تشعرين بتحسن في جسدك؟"
كانت أول جملة صادرة منه تحمل القليل من الاهتمام.
لكن نبرته لم تكن لينة بأي شكل.
توقفت ياسمين، ونظرت إليه بوجه بارد، وقالت: "أنت تريد أن تسأل عن كلامي الذي هدّدت فيه ليلى، فلماذا تلتف حول الموضوع؟"
طرق عمر بأصابعه على سطح الطاولة، لم ينكر شيئًا، بل ظل يحدق بها.
لم تحب ياسمين هذا الوضع، ولا أسلوبه الغامض الذي يوحي بأنه إلى جانب ليلى، فهو يزعج صفوها.
قالت بصوت أكثر برودًا: "اطمئن، لا وقت لدي الآن للتعامل معك، ولكن لاحقًا قد لا يكون الأمر كذلك."
طالما لم يزعجها، فلن تتصرف ضده.
كانت واثقة أن عمر سيفهم رسالتها.
حينها، نهض عمر، ومكّنه طوله من النظر إليها من علٍ، وعينيه نصف مغمضتين، وارتسمت ابتسامة خفيفة على شفاهه الرقيقة، وهو يقول: "يبدو أن طباعك قد نضجت."
بعد ثانيتين أضاف: "كما تشائين."
كانت ابتسامته لا تحمل برودة ولا دفئًا.
تجعل من الصعب فهم ما يدور في قلبه.
لكنها بدت لياسمين كأنها تقول لها: "حاولي ان استطعت."
6
اقترب وقت الظهر.
وكان من المقرر أن تخرج مع وائل لتناول الطعام.
وقالا إنهما سينزلان مع عمر وليلى إلى الأسفل.
ليجدوا فارس قد أوقف سيارته على الجانب.
نظر فارس إلى ياسمين بابتسامة ودعوة مرحة: "مديرة ياسمين، سيد وائل، لماذا لا نتناول الغداء معًا؟ لقد دعوت بعض الأصدقاء اليوم."
نظرت إليه ياسمين بهدوء، وقالت: "حسنًا، إلى أين سنتوجه؟"
تجمد وجه فارس، وتوقف عن الابتسام.
كان مستغربًا.
فلطالما كانت ياسمين تعتذر عن الدعوات بلطف، وتقول: "لا بأس، استمتعوا أنتم بوقتكم."
أما الآن, فبدأت توجّه له الكلام بشكل حاد...
تجاهلت ياسمين صمته، واتجهت نحو السيارة.
جاملهم وائل بشكل سطحي، مبتسمًا: "لن ننزعجكم، حتى لا تشعر الآنسة ليلى بعدم الراحة، كان من الممكن أن تخسر الشركة!"
ثم التفت وابتعد.
6
عبست ليلى بصمت.
كانت تعلم أن وائل يشير إلى كلام ياسمين حول إمكانية استعادتها للشركة عبر رفعها قضية.
متى أصبح وائل يلجأ إلى هذا النوع من المزاح بلا سبب يُذكر؟
أما فارس فلم يفهم المغزى، ولم يقل عمر شيئًا.
بعد صعودهم السيارة، قالت ليلى لفارس: "هل أنت متفرغ يوم الجمعة؟ تعال لحضور معرض والدتي الفني."
اندهش فارس: "تم الانتهاء من التحضير بهذه السرعة؟"
ابتسمت ليلى، ونظرت بلطف إلى عمر، ثم قالت: "عمر ساعدها كثيرًا، هذه هي المرة الأولى التي تعقد فيها والدتي معرضًا بعد عودتها إلى الوطن، وهو حدث سعيد جدًا، وحالتها الصحية تحسنت، لذلك يجب أن تأتي لتشجيعها."
فكر فارس: "في هذه الحالة، يجب دعوة بعض الشخصيات البارزة لتعزيز سمعتها."
أومأت ليلى: "هذا ما كنت أفكر فيه، سأدعو بعض الأشخاص الذين أعرفهم أولاً."
أخرجت هاتفها وتصفحت الواتساب، فبعد عودتها إلى الوطن، تعرفت برفقة عمر على العديد من الشخصيات البارزة في الأوساط ذات الصلة.
بعد إرسال الدعوات، رأت بعض الأشخاص الآخرين المناسبين، بينهم أكرم، مازن، إياد، وأيضًا...
عاصم الذي أضافته لقائمة أصدقائها منذ فترة قريبة.
فكرت قليلاً، ثم اختارتهم جميعًا، وحررت نص الدعوة وأرسلته.
1
على مدى اليومين الماضيين، كانت ياسمين مشغولة بشكل شبه مستمر.
فقد أبلغها الأكاديمي فجأة أنه يمكنها دخول الامتحان النهائي مباشرة، وكان عليها أن تراجع المواد بسرعة.
وحتى مع ثقتها بالنجاح، لم تكن لتتصرف بعشوائية، فأعادت قراءة الكتب اللازمة في أوقات
فراغها، فبعد كل شيء، لقد ابتعدت عن هذه البيئة الدراسية لسنوات عديدة، لذا كان عليها أن تبذل القليل من الجهد، فلا يوجد نجاح يتحقق بلا جهد.
لم تكن لتهدر هذه الفرصة الممنوحة لها من الأكاديمي.
كانت عازمة على تقديم أفضل ما لديها.
يوم الجمعة، عقدت ياسمين سلسلة اجتماعات مكثفة مع وائل وعدد من مهندسي القسم التقني.
ناقشوا خلاله أنظمة الطيران والتحكم والطاقة والملاحة، وأجروا تقييمات دقيقة للمخططات.
وبمجرد حلول الظهر، حضر السيد طارق من قسم الطاقة الجديدة.
بعيدًا عن المشروع العسكري، كانت ياسمين تعمل على مشروع آخر، وقد ناقشت مع السيد طارق المفهوم العام، وأبدى الأخير حماسًا شديدًا لمتابعة المشروع.
وبعد الاتفاق، قال وائل بأدب: "هل تناولتِ الغداء، يا سيد طارق؟ إن لم تمانع، يمكنك تجربة مطعم شركة الريادة."
ابتسم السيد طارق وهو يلوح بيده: "لدي بعض الأمور في الجوار، ربما في المرة القادمة."
رفع وائل حاجبيه: "إذن سأوصلك للطابق السفلي."
ضحك السيد طارق مجددًا قائلاً بأدب: "لا داعي، المكتب أمام مبنى شركة الريادة مباشرة، سأعبر الشارع فقط."
رفعت ياسمين رأسها، لكنها لم تسأل أكثر.
أشار السيد طارق مباشرة إلى مبنى في مقابل المبنى: "هناك معرض فني، تمت دعوتي لحضوره."
نظرت ياسمين ووائل نحو المبنى.
فرأيا ازدحامًا شديدًا وسيارات فارهة متوقفة أمام البوابة.
وكان الجو العام مفعمًا بالحركة.
سأل وائل بفضول: "ما نوع الفعالية التي تقام هناك؟"
ابتسم السيد طارق وهو يعلّق: "إنه معرض أقامته والدة المديرة ليلى، ويُقال إنها مشهورة قليلاً في الخارج، وهذا أول معرض لها بعد عودتها للوطن، وقد تمت دعوتي للحضور."
نظرت ياسمين عبر الزجاج، وارتسمت في عينيها موجات من المشاعر.
تراجعت ابتسامة وائل قليلاً: "الآنسة ليلى تملك كل تلك الهيبة؟"
رد السيد طارق بابتسامة تفيد أن هناك ما لا يعرفه: "ربما الآنسة ليلى ووالدتها السيدة منيرة ليستا بتلك الهيبة، فهما مجرد امرأتين عاديتين من خلفية فنيّة في المدينة، لكن السيد عمر ذو نفوذ كبير، وقد أُرسلت بعض الدعوات باسم الآنسة ليلى، لكن معظمها كان باسم السيد عمر، لابد أنه أراد أن يزيد من مكانة حماته المستقبلية، فمن قد لا يرد على الدعوة؟"
وأضاف: "سمعتُ أن والدتها تعرض عشرة لوحات فقط للبيع في كل معرض تقيمه، وسيتم التبرع بالعائدات كاملة لجمعية خيرية، وهذا يعزز موقفها في مدينة النور."
لم يطل السيد طارق بالكلام أكثر، واكتفى بالاعتذار: "نلتقي لتناول الغداء لاحقًا، سأذهب أولاً."
1
رافقه أحد الأشخاص إلى الطابق السفلي.
وسرعان ما أُرسلت إلى شركة الريادة عدة بطاقات دعوة.
كانت من المعرض في الجهة المقابلة.
ألقت ياسمين نظرة سريعة.
إحدى البطاقات تدعو أفراد شركة الريادة، وأخرى... تدعو عائلة الحليمي.
كانت الدعوة مخصصة لجدتها وأقاربها، لكنها أُرسلت، مع ذلك، إلى شركة الريادة أيضًا.
تغيّر وجه وائل: "يا للمصادفة! فالمعرض بالضبط مقابل مبنى شركة الريادة! ألهذه الدرجة يريدون التفاخر به أمامنا؟"
الناس يتوافدون عنده ذهابًا وإيابًا، بكل هذا الصخب والظهور المبالغ فيه.
لمن كل هذا العرض؟
كما أنهم أرسلوا لها الدعوات خصيصًا؟
كانت ياسمين تعرف الحقيقة؛ هناك العديد من مراكز المعارض الشهيرة في مدينة النور، ولم يكن هناك أي سبب يجعلهم يختارون المركز المقابل لشركة الريادة بالتحديد، هذا بالإضافة إلى الدعوة التي كادت تصل إلى جدتها...
هذه ليست مصادفة، بل استفزاز مقصود.
أرادوا أن يجعلوها تشاهد بعينيها كيف يلمعون على أطلال ما تركته والدتها، كيف يصبحون لامعين ومبهرين، وكذلك...
كيف يحسّن عمر من سمعة خصوم عائلتها.
3
"ويبدو أن هناك إعلام أيضًا." وقف وائل عند النافذة يراقب، وقال: "إذا اشتهرت، وانتشرت أخبارها، فسيتضاعف شأن عائلة السويدي أضعافًا."
ظلت ياسمين تحدق في الدعوة بهدوء.
كانت مطبوعة عليها صور بعض اللوحات، معتمدة في تكوينها على تركيبات والدتها، رجاء.
ارتفع صدرها وانخفض قليلاً.
لكنها أجبرت نفسها على كبت تلك الغصة.
في معرض عائلة الصيفي الأخير، كانت قادرة على اقتناء إحدى لوحات منيرة لمقارنتها بلوحات والدتها، لكن عمر تدخل فجأة ومنعها من ذلك.
والآن تقف منيرة وليلى تحت أضواء الشهرة، يحيط بهما البريق من كل جانب...
هل كان هذا المعرض مُعدًا مسبقًا، أم أنه مجرد رد فعل من قبل السيد عمر على "التهديد والتحذير" الذي وجهته لحبيبته؟
مزقت ياسمين الدعوة إلى نصفين، وألقت بالقطع في سلة المهملات.
وقالت لوائل: "وائل، لنعد الآن لبرمجة النظام." لم تكن تنوي أن تضيع وقتها ومشاعرها على هذا الأمر، فالأمور التي لا يمكن تغييرها أو التحكم بها لا جدوى من الغرق فيها، ولن تجني سوى إثارة غضب داخلها بلا طائل.
ليس الأمر أنها لم تفكّر في تمزيق هالة الفنانة الشهيرة التي تحيط بمنيرة.
لكن محاولتها الوحيدة أجهضت بقوة من قبل عمر.
ألقى وائل نظرة قلقة على ياسمين، فحتى من زاوية المتفرّج، كان الوضع يثير الغضب.
لم تلتفت ياسمين إلى النافذة مرة أخرى.
وانكبّت على عملها بهدوء، مصممة ألا تؤخر نفسها لأي سبب كان.
مع غروب الشمس.
أنهت ياسمين مراجعة الأكواد الخاصة بنظام الطيران مع سالم وفريقه.
رغم أنها كانت لا تزال ترى الهيبة الأمخيطة بالمبنى الفني المقابل عندما ترفع رأسها بلا وعي.
لكنها لم تُظهر أي تعبير على وجهها.
انتهى الدوام، ولم تشأ ياسمين قيادة السيارة؛ لذا تطوّعت سارة لتقودها نيابةً عنها.
وانتظرتها على الرصيف.
نظرت إلى هاتفها، ثم قالت لجدتها قمر إنها ستعود لتناول العشاء معها.
بيب بيب...
جذب صوت صافرة سيارات في الشارع انتباهها.
رفعت عينيها لتشهد حشدًا خارجًا من مطعم فرنسي قريب.
بينهم إعلاميون وعدد من رؤساء الشركات الذين كانت تعرفهم.
كانت ليلى ومنيرة مركز الاهتمام، كأنهما محاطتان بالنجوم.
بينما كان عمر وفارس ومازن متواجدين بجانبهما.
وربما بسبب قرب المسافة، استطاع عمر أن يرى ياسمين ما إن رفع عينيه.
سأل أحد رؤساء شركات صناعة الطيران ليلى: "سمعتُ أن الأكاديمي حازم سيحضر اليوم أيضًا، أليس كذلك؟ ألم يأتِ؟"
ابتسمت ليلى بهدوء وثقة: "لم يأتِ اليوم، فمكانته الأكاديمية مميزة، وهو مشغول في معهد البحوث، لذلك لم أدعه. لكني مؤخرًا أستعد لدخول برنامج الدراسات العليا للأكاديمية، وإذا نجحتُ وأصبحتُ طالبة لديه، سيكون لدي سبب مشروع لمضايقته قليلاً."
كانت منيرة في غاية الفرح، حتى تليف الكبد الحاد لم يخف بهجتها. أحيطت بالمحتفلين بها فور خروجها من المستشفى، وتحسّنت حالتها كثيرًا، وبدت في كامل أناقتها كسيدة نبيلة، وقالت مبتسمة: "ليلى ذكية منذ صغرها، والأكاديمي يقدرها كثيرًا، لكنها متواضعة جدًا، حتى لو كانت متأكدة من النجاح، فهي تأخذ كل شيء على محمل الجد."
اندهش السيد طارق من كلامها: "سمعتُ أن السيد حازم لم يقبل طلابًا منذ زمن طويل، هل يعني ذلك أن هناك مكانًا محجوزًا خصيصًا لها؟"
نظر مازن إلى ليلى بإعجاب لفترة قبل أن يقول: "من الممكن، فالآنسة ليلى أكملت دراستها العليا في الخارج، والأكاديمية دائمًا تراقب المواهب الواعدة."
عند سماع هذه الكلمات، ابتسمت ياسمين بخفّة.
لاحظ فارس وجود ياسمين على مقربة، وقال لعمر بصوت منخفض: "تمت اليوم دعوة شركة الريادة، ولم يأتِ أحد منهم، هل مكانة ياسمين في الشركة كبيرة إلى هذا الحد؟"
نظر عمر نظرة عابرة إلى تلك الهيئة النحيلة الممشوقة.
رأت منيرة أيضًا ياسمين.
فابتسمت فورًا وسلمت: "ياسمين يا للمصادفة! لماذا لم تأتي اليوم لتلقي التحية؟ كنتُ أفكر بإرسال لوحة لكِ لتأخذيها إلى المنزل وتعلقيها."
لم تتوقع ياسمين أن تخاطبها مباشرة.
ومعى كلامها هذا...
جالت عينيها عليها بنظرة باردة خالية تمامًا من أي دفء أو ودّ يُذكر.
لكن يبدو أن منيرة لم تلاحظ برودتها، فابتسمت بود قائلة: "هل هناك سبب لعدم قدومكِ؟ هل يكلفونكِ في شركة الريادة بالكثير من الأعمال؟ أظن أنكِ ذكية، يمكنكِ أن تدرسي أكثر مثل ليلى لتطوير نفسكِ، هذا سيكون مفيدًا لكِ. لكن ليلى درست في أفضل الجامعات بالخارج، لذلك حظيت بتقدير الأكاديمي، أما أنتِ يا ياسمين... يمكنكِ البدء من الأساس، فلا يوجد وقت متأخر أبدًا."
رغم تعبيرها الودي، كانت نظراتها وسلوكها يحملان غطرسة واحتفارًا واضحًا كالشمس.
كل شيء كان تلميحًا غير مباشر بأن تعليمها وانطلاقتها أقل مرتبة من ليلى.
وسيلة غير مباشرة للمقارنة والانتقاص.
بدأ استفزازها وشعورها بالفخر جليًا اليوم.
التفتت ياسمين ببطء نحو منيرة، ونظرت إليها مباشرة، وقالت بصوت هادئ: "هل تقصدين أن مقعد الدراسات العليا عند الأكاديمي، محفوظ فعليًا للآنسة ليلى؟"
كان صوت ياسمين هادئًا مستقرًا.
كأنها تلقي جملة عابرة في حديث عادي.
لا يُرى فيها أي حدّة.
لكن ابتسامة منيرة تجمدت لا إراديًا لثانية. كان السؤال حادًا أكثر مما ينبغي؛ إذ بدا أن أي إجابة قد تكون خاطئة.
حتى ليلى انقبضت ملامحها قليلاً، ومع ذلك لم تُبدِ أي نية للرد على ياسمين.
فسواء تقدّمت لامتحان الدراسات العليا أم لا، وسواء كان مقعد الأكاديمي حازم محفوظًا لها أم لا، فياسمين لا علاقة لها بكل هذا.
إذن، ما الداعي لأن تعبأ بكلام شخص من جاهل بالمجال؟
كان عمر يعبث بولاعة معدنية بين أصابعه، ثم أدار رأسه قليلاً، ناظرًا إلى جسد ياسمين النحيل القائم في نسيم الليل.
لكن مازن ألقى عليها نظرة إضافية وقال: "ولماذا تسألين عن هذا؟ أليس معروفًا أن الأكاديمي لم يقبل طلابًا منذ سنوات؟ والآنسة ليلى لم تمضِ على عودتها إلى البلاد مدة تُذكر، ومع ذلك فُتح المقعد، أليس الأمر واضحًا؟"
عندها ابتسمت منيرة وقالت: "لا بأس ليلى تفضل أن تنجح بقدراتها هي حينها يكون الأمر أكثر استحقاقًا."
قالت ياسمين بهدوء: "حسنا... إذن، هل يعلم الأكاديمي بهذا الأمر؟" نظرت إليهم، وقد زاد النحول في ملامحها، حتى إن عينيها اللتين كانتا رقيقتين في الأصل بدتا الآن أكثر حدّة: "هل قال إنه يرغب في قبول الآنسة ليلى؟"
كانت تضغط خطوة بعد خطوة.
وكأنها لن تتراجع حتى تحصل على جواب قاطع.
لأنها كانت تعلم جيدًا أن منيرة ومن معها لا يستطيعون إعطاء هذا الجواب.
تلاشت ابتسامة منيرة تدريجيًا وقالت ببرود: "يبدو أنكِ مهتمة جدًا بشؤون ليلى يا ياسمين."
حينها، التفت فارس والآخرون جميعًا للنظر إليها.
حتى إن السيد طارق وعددًا من المديرين، الذين كانوا يقفون على مقربة، أخذوا يتأملونها بفضول.
1
شدّت ياسمين ياقة معطفها قليلاً، ولم يتغيّر تعبيرها: "لستُ مهتمة... لكن المصادفة الطريفة هي أني..."
توقفت لحظة، ثم قالت بهدوء: "أنوي أيضًا التقدم لامتحان الدراسات العليا عند الأكاديمي حازم."
ما إن انتهت كلماتها، حتى ساد صمتٌ ثقيل، صمتٌ يمكن معه سماع سقوط إبرة.
عندها فقط أظلمت عينا عمر قليلاً، وترك نظره يستقر عليها.
أما ليلى ومنيرة، فتبدلت ملامحهما دون سيطرة.
عبست ليلى فورًا تقريبًا.
ما هذا الكلام المجنون الذي سمعته للتو؟
فتح فارس فمه بدهشة، وسكت لحظة طويلة قبل أن يهمس غير مصدّق إلى عمر: "هل... جُنّت ياسمين من الغضب؟ كيف تجرؤ على قول شيء كهذا؟"
وأمام كل هؤلاء؟
لمجرد أن تنافس ليلى... تتبجّح بهذا الشكل؟
حتى مازن أصابه الذهول.
لم يستطع استيعاب الأمر.
هل تدرك ياسمين حقًا أي مكانة يحتلها الأكاديمي حازم في البلاد؟
أن يتقدّم أحد لامتحان الدراسات العليا أمر طبيعي.
لكن أن تختار ياسمين تخصص هندسة الفضاء، وأن يكون هدفها أن تصبح طالبة لدى الأكاديمي حازم، الأول في هذا المجال داخل البلاد؟
5
في تلك اللحظة،
أيقنت منيرة تمامًا أن ياسمين في الواقع جاهلة بلا علم.
فمن أجل منافسة ابنتها، تجرأت حتى على إطلاق مثل هذا الكلام الفارغ.
تماما كأمها... طموحها يفوق السماء!
استعاد مازن رباطة جأشه وقال غير مصدق: "ياسمين، لقد تعلّمتِ الأساسيات فقط لبضعة أشهر مع السيد وائل، فهل تظنين حقًا أنكِ تستطيعين تحقيق نجاح دفعة واحدة؟"
في تلك اللحظة، كان إياد قد وصل لتوه من جهة المطعم، وسمع جزءًا من الحديث.
توقف في مكانه، ونظر إلى ياسمين بعينين متّقدتين.
الآخرون لا يعرفون، لكنّه كان قد خمّن بالفعل أن ياسمين شاركت فعليًا في تطوير مشروع شركة الريادة الأخير، وبما أنها تقول إنها ستتقدّم لدراسات العليا لدى الأكاديمي حازم، فربما...
تكون واثقة من النجاح حقًا.
تمتم السيد طارق بجانبهم: "لا يبدو أنها تمزح... أليست الآنسة ياسمين موهوبة أصلا؟"
أجاب إياد بخفوت: "نعم."
لكن السيد طارق كان ما يزال يحدّق في المشهد أمامه بحيرة، لا يفهم لماذا كانت ردة فعل فارس ومازن على خبر امتحانها مبالغًا فيها إلى هذا الحد، فلم يسمع إجابة إياد الخافتة.
وفي تلك اللحظة
دوّى صوت بوق سيارة مرتين عند الطريق.
كانت سارة قد وصلت بسيارتها.
ألقت ياسمين نظرة باردة كالثلج على الحاضرين، ولم يخطر ببالها أصلاً أن تعبأ بهذه التشكيكات.
ثم ألقت نظرة عابرة على منيرة، قبل أن تتجه بعينيها إلى ليلى وتقول بهدوء: "وأنا أيضًا فضولية جدًا، أريد أن أعرف في النهاية... هل هذا المقعد حقًا تركه الأكاديمي من أجلكِ؟"
لم تلتفت ياسمين إلى تعابير ليلى التي اسودّت فجأة.
استدارت بخفة، وصعدت السيارة.
كانت سارة تنظر إلى أخيها الأحمق هذا فيزداد غيظها، فتعمدت أن تضغط على دواسة الوقود بقوة، لتنفث سحابة كثيفة من الدخان، قبل أن تنطلق بالسيارة مبتعدة.
ومع أن الحادثة مرت ظاهريًا دون ضجيج، إلا أنها غرست شوكة خفية في قلوب الحاضرين.
خفضت ليلى عينيها لحظة تفكر.
كانت تظن أن ما حدث لا بد أنه بسبب معرض الرسم الذي افتتحته عائلتها اليوم؛ ربما استفز ذلك المشهد المترف ياسمين.
لذلك أطلقت تلك الكلمات الجريئة بلا خجل.
مجرد استعراض فارغ للقوة.
فهل هذا تخصصٌ يمكن لأي شخص أن يدرسه متى شاء؟ أو أن يتقدّم لامتحانه متى أراد؟
هل تظن أن الأمر سهل وبسيط إلى هذا الحد؟
أصدر فارس صوت تذمّر خافت، ثم نظر إلى ليلى، وقال: "يبدو وكأنكِ تعرضتِ لاستفزاز متعمد... ما رأيكِ؟"
اقتربت ليلى عندها من عمر، وقالت بنبرة هادئة: "حبّها للعلم أمر حسن، لكن أن تتفوه بمثل هذه الكلمات الكبيرة أمام هذا العدد من الناس، دون أن تفكر في الإحراج الذي قد تواجهه إن فشلت... فهذا في الحقيقة تصرف غير حكيم."
لم تكن تولي الأمر أهمية حقيقية.
وفي أعماقها كان هناك قدر من الازدراء.
لكنها التفتت إلى فارس وسألته: "هل كانت هكذا دائماً؟ تطمح إلى ما لا تقدر عليه؟"
تلعثم فارس للحظة، وألقى نظرة لا إرادية على عمر الذي كان مطرقاً بعينيه، لا يُعرف فيما يفكر.
2
أما عمر نفسه، فلم يبدُ أنه أخذ هذه المسرحية على محمل الجد أصلاً.
بل إنه لم يلتفت حتى إلى الاتجاه الذي غادرت فيه ياسمين.
لم يظهر على وجهه أدنى رد فعل.
ربما كان يستخف بكلامها أيضاً.
ياسمين في السابق...
كانت شخصاً هادئاً لطيف الطباع، ولم تكن بهذه الحدّة أبداً.
حتى هو شعر أن تصرفها اليوم كان اندفاعياً بعض الشيء، فكيف سينتهي هذا الأمر لاحقاً؟
في الحقيقة، لم يكن هناك حاجة حتى للتفكير في النتيجة!
لذا غيّر الموضوع ببساطة: "ألم تقولي إنك دعوتِ السيد أكرم والبقية؟ لم يأتوا اليوم."
توقفت ليلى لحظة، ثم قالت: "نعم، قال إنه اضطر للسفر في مهمة عاجلة، لكن تهنئته وصلت."
أما عاصم...
فقد أُرسلت له دعوة ضمن رسالة جماعية.
لكنه لم يرد.
ربما كان مشغولاً ولم يرها.
لا يمكن أن يكون قد تجاهل الرد عمداً ليبدو مميزاً.
...
كانت سارة قد فهمت تقريباً ما جرى.
ضربت المقود بيدها وهي تسخر: "يبدو أن ليلى واثقة تماماً من أنها ستنجح، لذلك تجرأت والدتها على إطلاق تلك التصريحات الغامضة حول موقف الأكاديمي، أمام هذا الجمع الكبير من الشخصيات البارزة في المجال."
منيرة هذه المرأة...
تسلقت من القاع، وأصبحت بارعة في استغلال كل فرصة لتلميع اسمها والارتقاء بنفسها.
تبني لنفسها هالة من المجد.
فتحت ياسمين نافذة السيارة قليلاً، وتركت الريح تعصف بوجهها وهي تضيق عينيها.
في الحقيقة، لم تَقُل كلماتها تلك بدافع الغضب من معرض الرسم، ولا من منطلق الرغبة في إثبات ذاتها للآخرين.
كل ما في الأمر أنها تعرف جيداً كيف يقارن الناس بينها وبين ليلى.
وكيف أن هذه المقارنة ترفع ليلى دائماً إلى مكان أعلى.
كما كانت تعرف أيضاً ما الذي تفكر فيه منيرة.
وما النتيجة التي تريدها هي وابنتها.
قالت أمام الجميع إنها ستتقدم أيضاً لامتحان الدراسات العليا لدى الأكاديمي، ليس لإثبات قدراتها، بل لوضع تلك الأم وابنتها في موقف حساس، مستغلة غموض تصريحاتهما حول "إعجاب الأكاديمي" و "المقعد المخصص لليلى"، لدرجة أن كبار الشخصيات في المجال ظنوا أن ليلى حتماً ستكون بجانب الأكاديمي حازم.
لكن مع تدخلها العلني الآن، سيصبح الأمر مختلفاً.
فلو لم تنجح ليلى لاحقاً، فلن تجد وجهاً تحفظ به ماءها، وسيكون إحراجها أشدّ.
ياسمين لم تحب يوماً الجدالات العقيمة، فهي بلا معنى، بل تفضل ضرب جوهر المسألة مباشرة.
وبما أن الأم وابنتها تحبان الأضواء، فستساعدهما على جعل هذا المشهد أكثر صخباً وارتفاعاً.
أما بالنسبة لموجة السخرية الحالية...
فهي ليست ليلى.
ليس لديها وقت لتغرق في مثل هذه الأوهام.
النتيجة هي الشيء الوحيد الذي يهمها.
عادت ياسمين إلى دار الجدة قمر القديم.
كانت السيدة العجوز في حالة جيدة، نشيطة ومبتهجة، وحضرت عدة أطباق، كلها مما تحب ياسمين.
أثناء حديثها، تراكمت أطباق الطعام على الطاولة كجبل صغير.
ابتسمت ياسمين بخفة، ورغم شُحّ شهيتها عن السابق، لكنها لم تتجاهل عناية الجدة قمر بها؛ فحرصت على تناول كل شيء بقدر استطاعتها.
بعد الطعام، جلست معها لتتبادل الحديث لفترة وجيزة.
ثم استقرت في مكانها.
أخرجت الكتب التي تنوي قراءتها خلال اليومين القادمين، واستغرقت في قراءتها مجدداً.
لم تضيع دقيقة واحدة من وقتها.
كانت منظمة في كل شيء، وكفؤة في الدراسة، وعندما تسنّى لها وقت فراغ، كانت تكرسه لمراجعة أوراق البحث.
كان حازم يتفقد تقدمها من حين لآخر.
ما جعل ياسمين أكثر حرصاً على المثابرة.
كان مشروع الإغاثة والكوارث يحتاج وقتاً لإعداد خطة متكاملة.
لذلك حتى أوقات فراغها كانت مشغولة بالكامل.
وبحلول يوم الاثنين، بعد مناقشة تصميم الهيكل الميكانيكي، دخلت سارة إلى مكتب ياسمين حاملة زجاجة ماء غازي مثلج.
ألقت نفسها على الأريكة، شربت نصف الزجاجة لتخفف من غضبها، ثم بدأت تتحدث: "كان الأمس يوم نهاية أسبوع، كان هناك حفل عشاء، وعائلة الكرمي دُعيت للمشاركة. خمني من رأيت؟ ليلى ووالدتها. بدأتا الآن بالتردد على الحفلات الراقية، لتفرضا نفسيهما بين النخبة!"
رفعت ياسمين رأسها، وتركت القلم وقالت بهدوء: "لم تخلقي أي خلاف، صحيح؟"
أشارت سارة إلى نفسها: "أنا هادئة جداً، لكن ما أدهشني هو مدى دقة عمر... إقامة معرض خاص لمنيرة، ودعوته لكبار الشخصيات بنفسه، والآن هذه الدعاية لعائلة السويدي... حقاً كل شيء مدروس بعناية."
وبينما تقول ذلك، أرت ياسمين الحساب الرسمي للمؤسسة الخيرية.
في معرضها هذا، عرضت منيرة عشرة لوحات للبيع، وبيعت بمبلغ إجمالي يزيد على خمسمائة ألف، وكل الأموال تم التبرع بها.
ألقت ياسمين نظرة خاطفة ثم عادت لتنظر بعيداً، لكنها أدركت في الوقت نفسه أن منيرة بارعة
في استغلال الفرص لتوسيع سوقها، وتحقيق أكبر قدر ممكن من الفائدة لنفسها.
سألت: "هل تُباع لوحاتها بشكل خاص؟"
هزت سارة رأسها: "لا، منيرة تتبع أسلوب الرفاهية الآن، تجعل نفسها فنانة مشهورة، لا تبيع لوحاتها إلا خلال المعارض، وقد أعلنت عن معرض جديد بعد ستة أشهر... كل ذلك يرفع من قيمتها."
هذه المرة تبرعت بكل العائد بلا استثناء.
وفي غضون ستة أشهر، عندما يُفتتح المعرض التجاري الحقيقي وتزداد شهرتها، سيضمن ذلك للأم وابنتها أرباحاً طائلة.
"حتى شركة السهم تبدو الآن في أوج مجدها. صديق لي في الوسط أخبرني أن بعض الشركات بدأت تطرق أبوابها للتعاون... ومن يعلم كيف سيحاولون بعد ذلك فرض سيطرتهم على شركة الريادة؟"
3
خفضت ياسمين نظراتها، عاقدة حاجبيها في تفكير عميق.
هذه المرة، قام عمر بدعم الأم وابنتها بشكل لافت، مضيفاً ثقلاً على مكانتهن في أعين الجميع، حتى لم يجرؤ أحد على الاستخفاف بهن.
كما أنه أقام معرضاً فنياً لمنيرة، ليفتح لها أبواب التعارف مع النخبة، واستُخدمت التبرعات لتعزيز سمعة الأم وابنتها، ولرفع مكانة شركتهما شركة السهم على مستوى البلاد، لتصبح منافسة حقيقية لشركة الريادة.
واصلت ياسمين توقيع الوثائق بهدوء، دون أن تبدي أي انفعال: "لا بأس، العلاقات والموارد مهمة، لكن جودة المشروع أهم. التركيز على الذات أفضل من محاولة السيطرة على الآخرين."
هذا هو ما تعلمته بعد مرضها.
الطاقة والوقت محدودان، والأشياء التي تحمل معنى حقيقياً هي التي تستحق أن تنشغل بها.
أما الخلاف القديم لوالدتها مع منيرة.
فلم تكن تنوي قلب الصفحة بعد، رغم أن عمر كان قد حاول من قبل منعها، لكنها كانت تعرف
أنها ستجد فرصة لاحقاً للحساب.
بعد الظهر، دعاها الأكاديمي حازم لمناقشة أوراق البحث.
كان وائل منشغلاً بإحدى المناسبات الاجتماعية، فقادت ياسمين السيارة بنفسها.
استقبلها حازم وهو يلوح لها بيده قائلاً: "كيف هي مراجعتك؟ لم يتبقَ سوى أقل من أسبوعين للامتحان، سيمر الوقت كلمح البصر."
ابتسمت ياسمين بتواضع طبيعي، كانت هادئة حتى وهي واثقة: "سأبذل جهدي."
تنهد حازم وهو يضع يديه خلف ظهره ببرود: "لقد توقفتِ عن الدراسة لثلاث سنوات، وفي كل عام يظهر جيل متفوق جديد... لا تهملي، وإذا لم تنجحي، فلا تحرجي نفسك."
ضحكت ياسمين بخفة مطبقة شفتيها: "أحرج نفسي؟ هذا مخيف... من الأفضل ألا أدخل الامتحان أصلاً."
صرخ الأكاديمي فجأة، وهو يضرب برفق على رأسها ببعض المخطوطات: "أيتها الفتاة!"
انحنت ياسمين برفق، ولم تحرك رأسها، وعيناها ما زالت ملتويتين بابتسامة: "اطمئن، إن لم أنجح، فلن أذكر أبداً أنني كنت أتبع توجيهاتك."
كان حازم يعرف بالطبع أن ياسمين لن تواجه مشكلة، لذا كان مطمئناً عليها.
وكان ما يفعله من ضغط مجرد تحفيز للحفاظ على شعورها بالإلحاح لتستمر بالاجتهاد، وهو أمر مفيد لها.
قدمت زوجته السيدة غادة الفاكهة والشاي الساخن لياسمين بابتسامة، ووبخت زوجها: "كل يوم تتحدث عن ياسمين، والآن بعد أن وصلت، توقف عن التفاخر، وتحدث بشكل طبيعي!"
خفضت ياسمين رأسها، وابتسمت بخفة.
كعادته، كان العجوز صارماً، وكلما تعلق الحديث بالمجال المهني أصبحت كلماته حادة كالسيف، فلم تجرؤ ياسمين على الرد، واكتفت بالجلوس مطيعة تستمع إليه بتركيز.
في منتصف اللقاء.
أعطاها بعض المراجع والأوراق لتطلع عليها، وأعطاها أيضاً واجباً يتعلق بالمشروع البحثي الجاري في المعهد.
وطلب منها تحليل البيانات.
لكنها في المنتصف شعرت بالدوار والإرهاق، فأبلغته بأنها ستخرج قليلاً لتستنشق الهواء.
كان نسيم الربيع في مدينة النور بارداً بعض الشيء.
كان دماغها مشغولاً بالبيانات المعقدة التي تصفحتها للتو.
تجوّلت قليلاً حول منزل عائلة المطيري.
كانت هذه المنطقة السكنية تضم العديد من المنازل الفاخرة.
سمعت ياسمين صوت محرك سيارة يقترب من الطريق المجاور.
رفعت رأسها لترى سيارة بنتلي سوداء.
ألقت ياسمين عليها نظرة عابرة فقط ثم خفضت رأسها مجدداً، غارقة في التفكير في بيانات النظام التي قرأتها للتو.
5
لكن من داخل السيارة، كان ركابها مذهولين برؤية ياسمين واقفة عند بوابة منزل عائلة المطيري.
استدار فارس ليلقي نظرة على عمر وليلى خلفه، وقال بدهشة: "لماذا تُركت ياسمين واقفة عند بوابة منزل المطيري؟"
هل شعرت ياسمين بأنها لا تستطيع التراجع بعد كلماتها الجريئة عن دخولها امتحان الدراسات العليا، فجاءت لتتقرّب من الأكاديمي، ثم انتهى بها الأمر إلى هذه الحالة؟
رفع عمر نظره عن شاشة الكمبيوتر، وألقى لمحة نحو الخارج.
وجد ياسمين واقفة عند البوابة، يديها متقاطعتان على صدرها، ورأسها منخفض، لم يعلم ما الذي تفكر فيه، لكن بدت عيناها مثقلتين بالهموم، وكأنها غارقة في مشكلات لم تُحل.
لاحظت ليلى تعبيرها المهموم، وشرود ذهنها.
ابتسمت ابتسامة خفيفة دون صوت، متوقعة هذا المشهد.
لا تزال كلمات ياسمين الجريئة قبل أيام عن امتحان الدراسات العليا تحت إشراف الأكاديمي راسخة في ذهنها...
والآن، تراها واقفة هكذا وحيدة عند بوابة منزل عائلة المطيري، وكأنهم رفضوا استقبالها.
فارس، الذي لا يملك القدرة على كتمان مشاعره، تفاجأ وقال على الفور: "هل هذا يعني أن عائلة المطيري لم تعترف بياسمين... وأنها طُردت؟"
______________
