رواية انا المتيم بك وتيني الفصل الثالث والعشرين 23 بقلم مريان
الفصلُ الثالثُ و العشرُون بعنوان
" أنَا الـمُتَـيَّمُ بـكِ وتـينـي"
لا تنسوْا ذِكْرَ اللّه و الصلاة و السلام علىٰ رسول الله.
ٱدعوا لجدو بالرحمة و المغفرة رجاءًا.
لا تنسوْا الدعاءَ لإخواننـا فـي غزة و فلسطين من دعواتكم..إخواننا حالتهم سيئة جدًا فالدعاء الدعاء الدعاء و المقاطعة يا إخوتي.
لا تنسوني من دعواتكم أثابكم الله بها خيرا.
قراءة ممتعة بإذن الله.
بسم الله نبدأ...
صـلّـوا علىٰ رسولِ الـلّـه
___________________________________
تركبُ جواره سيارته و الإبتسامة علىٰ وجهها و بينما ينشغلُ هو بالقيادة قال
: ساكتة ليه؟ مش طبيعتك.
_قصدك إني رغّاية؟
عبثت الإبتسامة علىٰ وجهه و هو ينظر للطريق و قال
: لا بس سكوتك بيقلقني.
_متقلقش مش عاملة مصايب.
إنحدر بالسيارة و قال بتلك الإبتسامة العابثة
: ما أنتِ خلصتيهم و أنتِ صغيرة.
نظرت له بشرزٍ و قالت
: مش هرد عليك.
إبتسم و سادَ الصمتُ حتّى قال
: الڤيلا بدأت تتبني.
_ ڤيلا إيه؟
رد ببساطة
: الڤيلا بتاعتنا.
تعجبت قائلة
: بتاعتنا إزاي؟
_اللي هنتجوز فيها يا ماريان.
إرتجفت أطرافها و هي تتخيل ذلك كانت
تظنّ أن الزواج إنتهىٰ عند عقد القرآن بل إنها ليست مستعدة نهائيًا للزواج الآن.
إبتسمت بإرتعاشٍ تقول
: بجد هي فين؟
تعجّب من صوتها لـٰكنه قال و هو ممعن النظر بالطريق
: اللي جنب ڤيلا معاذ.
_بجد؟ يعني العمال اللي كانوا هناك دول
كانوا بيبدأوا ف الڤيلا بتاعتنا أنا كنت مستغربة
و كنت هسأل علىٰ موضوع العمّال ده بس
إستغربت يعني إحنا هنكون جنب إسراء و معاذ؟
_اه حسيت إن ده هيفرحك فاخترت الأرض اللي جنبهم.
إبتسمت بتهذّبٍ تقول
: فعلًا حاجة جميلة أوي ميرسي بجد يا آدم.
و بداخلها تحاولُ إخفاء خوفها من القادم.
توقفت السيارة فهبط و إتجه يفتح لها باب السيارة فابتسمت له و هبطت.
أمسك يدها مما جعلها ترتجف و سارت جواره و هي يقوم بشراء ما جاءا لأجله.
إنتهىٰ و أخذها يشتري لها بعض الأشياء.
خرجا معًا و هما يضحكان حتّى وقعت عيونها علىٰ أحدهم يلوّح بيده ناحيتها و علىٰ ثغره إبتسامة شرّ.
ما إن رأته إرتجف قلبها و تحرّك بؤبؤ عينيها بخوفٍ و زادت رجفتها و هي تتمسك بيدِ آدم.
شعرَ برجفتها فنظرَ لها ليجد وجهها شاحِبًا فقال
: مالِك يا ماريان؟
إرتعشت أصابعها و هي تشير له و شفتيها ترتجف
: هو هو هنا شوفته.
تعجّب من حالتها فقال
: مين يا ماريان ده؟
إرتجفت بين يديه و هي تشير لنقطة
: رامي هناك أهو.
نظر لمكان يديها فلم يجد أحدًا فنظرَ لها يقول
: مفيش حد يا ماريان.
هبطت دموعها و زادت رجفتها و هي تقول
: هو و الله شوفته صدقني يا آدم كان هنا و كان بيبصلي أنا خايفة.
تعجّب من حالتها و آلمه مشهدها هكذا فضمّها لصدره قائلًا
: طب إهدي يا ميرو متعيطيش رامي مش موجود خالي حابسه في المخزن أصلًا.
زادت دموعها و هي تنظر له بإنكسارٍ
: و الله كان هنا أنا مش مجنونة يا آدم صدقني.
دموعها و كلماتها كالنار التي تنزل علىٰ فؤاده.
زاد من ضمّه لها و هو يقول بصدقٍ
: و الله مصدقك لو الدنيا كلها كذبتك أنا مصدقك يا ماريان.
6
سيطرت عليها حالة الخوف بالكاد كانت تقف و هي تتذكر نظرته لها و إبتسامته الغريبة التي ترىٰ فيها الرعب.
ما زالت تتذكر ذلك اليوم و كأنه لم يمضِ عليه سوىٰ سويعاتٍ قليلةٍ.
تتذكر ضربه الموحِش و إقترابه منها تتذكر حجابها الذي مزّقه و خصلاتها التي كرهت لمسها لفترةٍ من لمساته و جسدها الذي لم تزول منه اثار الجروح حتّى اليوم.
1
نظرت حولها بتيهٍ و هي ترىٰ الناسَ ينظرون لها فعادَ لها مشهد الرجال الذين كانوا معه ينظرون لها و يكبلونها ليسهل له الثأر منها.
يثأرُ من أرّق الكائنات تلك التي تخشىٰ علىٰ الجميع و تخشىٰ دموعهم ذاقت يومًا عُذّبَت به بأبشعِ الطُرق خُطّ على جسدها، وحُفر في ذاكرتها.
إتسعت عينيها بخوفٍ و هي ترىٰ همسات الناس حولها و وضعت يدها علىٰ فمها تكتمُ شهقاتها و ما شعرت بحركة آدم و هو يسيرُ بها ناحية سيارته.
فتحَ الباب و وضعها بالداخل و استدار ليركب هو الآخر.
جلسَ جوارها يضع رأسها علىٰ صدره و يحرّك يده برفقٍ علىٰ ظهرها لكي تهدأ.
_كان هنا و الله كان هنا مش عايزة يحصل فيا كدا تاني متسبونيش عشان خاطري.
حالة الذعر التي مسّتها غريبة.
نظرَ لها بعينين صادقتين
: عمري كله فداكِ يا ماريان عمري ما أخلي حد يلمسك لو عمري كان التمن بس مشوفش نظرة الخوف في عيونك.
7
حالتها لم تسمح لها بالردّ ربما قلّت رجفتها قليلًا و لـٰكنه رأىٰ الحتف ما زال يسكنُ بعيونها.
_بصيلي يا ماريان..أنا جنبك و مش هسيبك إهدي كدا و خُدي نفس بالراحة.
فعلا ما قاله و هي تحاول الهدوء فأخرجَ لها إحدىٰ زجاجات المياه يقول
: خدي إشربي و إهدي.
همست بشفتيْن مرتعشتيْن
: مش قادرة.
فتحَ الزجاجة و رفعها بيده نحوَ فمِها و هو يقول
: معلش حاولي.
إرتشفت قطراتٍ قليلةٍ جدًّا و أبعدت الزجاجة
و هي تبتلعُ المياه بصعوبة و كأن الأشواك بحلقها.
أعادت رأسها للخلفِ و ما زالت شاردة فسألها و هو يحرّك يده علىٰ رأسها برفقٍ
: تنزلي تتمشي شوية ولا نرجع؟
همست بنبرة خافتة و عينيها شادرة و قالت كـ طفلةٍ تبحثُ عن الأمان في حُضن والدها
: عايزة بابا رجعني عنده.
وافقَ علىٰ طلبها و عادَ بها و هو طوال الطريق يحاول إخراجها من حالتها تلك و لـٰكن لا فائدة.
____________________________________
توقفت السيارة أمام المنزل فـ فتح الباب يهبط منها و توجّه ناحيتها يفتحُ الباب لها و لـٰكن ما جعله يتعجّب أنها ما زالت شاردة حتّى أنها لم تعي أنهم وصلوا.
_ماريان!
نظرت له و للمكان حولها فعلمت أنهم وصلوا.
هبطت من السيارة برفقته و سارت جواره كـ جسدٍ و لـٰكن روحها ظلّت عند تلك الصورة التي حُفِرَت بذهنها و ذاكرتها ظلّت عند ذلك اليوم
شعر آدم أنها ليست هنا، رغم خطواتها التي تسير بجانبه، ورغم وجهها الهادئ، لكن شيئًا ما كان غائبًا أو بالأحرىٰ، شيئًا ما كان ثقيلًا على روحها.
توقّف بها فجأة و هو يمسك يديها و نظرَ لعينيها التي أصبحت كالمتاهة.
متاهة من الألم، من الذكرى، من الخوف الذي لا يزال ينهش داخلها بصمت.
نظرَ لعينيها قائلًا
: ماريان إحنا هنا في الواقع كل اللي حصل ده في الماضي و عدّى بفضل الله يبقى ليه نرجع نفكر فيه إحنا وراكِ و في ضهرك و يوم ما حد يفكر يلمس شعرة منك يبقىٰ الموت أهون له من اللي هيشوفه إيه يعني شوفتيه؟ عايزك قوية تثبتيله إنك مش خايفة لأن الخوف لشخص
وحيد أما أنا معاكِ معاكِ ضد أي حاجة في
الدنيا تزعلك حاولي تتخطي يا ماريان.
لمست الدفء في حديثه و لم تجبه فقط اكتفت بالنظر إليه، وعيناها تلمعان بدموع لم تأذن لها بالسقوط، كأنها تخشى أن تنهار إن أفلتتها.
تنهّد بثُقلٍ يعلمُ أن النسيان ليسَ سهلًا و ما مرّت به لن تستطيع تخطّيه بسهولة.
سارَ جوارها و عقله عند ذلك الذي ظهرَ لها؟
أيعقل أنه كان هناك بالطبع؟
كيف؟ و هو بالفعل حُبِسَ بذلك المخزن الذي يخصّ خاله؟
أقسم بداخله أنه لو كان هُنا بالفعل و مجرد محاولته لإخافتها ستجعله يذيقه من نفسِ الكأسِ الذي أذاقه لها بل الأحرىٰ أنه سيذيقه الأسوأ.
ضغط على يده بقوةٍ وكأنّه يقسمُ علىٰ نفسه عهدًا أن تكون ماريان بأمانه، أن تبرأ روحها من كل ذلك العذاب، وأن تضحك ذات يوم ضحكة كاملة، بلا خوفٍ يتربّص لها.
إقتربَ معها من أبيها الذي نظرَ لها متعجِّبًا من حالتها التي بدَت عليها خلاف ما كانت عليه
و هي ذاهبة.
نهشَ القلقُ بقلبه و هو يرىٰ رجفتها تلك فـ فتحَ ذراعيه لها لتقترب ناحيته و تحتضنه بشدّة و هي ترتجف.
نظرَ ناحية آدم قائلًا
: إيه اللي حصل؟ مَرْيَانْ مالها؟
نظرَ له بعينيه أن يصبرَ قليلًا فزادَ إضطراب يوسُف و قلقه.
نظرَ لها خالها يحاول تهدأتها قائلًا
: مالِك يا ميرو؟ إوعي يكون الواد ده عملك حاجة.
لـٰكنها لم تردّ فقط ظلّت ترتجف في حضن أبيها.
ضمّها والدها بقوة أكبر، وكأنّ ذراعيه وحدهما قادرتان على صدّ كلّ ما آلمها في الماضي، وكلّ ما يُلاحقها في الحاضر.
بقَتْ علىٰ ذلك الوضعِ بعضَ الوقتِ حتّى هدأت قليلًا.
_ إيه يا ميرو؟ إتأخرتِ ليه؟ يلا عشان عايزينك.
كان ذلك صوتُ رُقيّة التي أتت تصطحبها فهزّ والدها رأسه لها أن تسيرَ معها.
إقتربت منها تسيرُ جوارها و ما زالت رحلة عقلها بين الذكريات المؤلمة.
_ إيه اللي حصل؟ فهمني حالًا.
كانت تلك جملة يوسُف الذي لم يقدر علىٰ الصبر بعد أن رأىٰ حالتها تلك.
نظرَ له آدم يسأله
: رامي فين؟
1
نظرَ له بإندهاشٍ و قال
: فين إزاي؟ ذي ما هو في المخزن و أول ما نرجع هسلمه للقوات إن شاء الله.
تدارك أحمد ما يقوله ولدَه فقال
: أنت تقصد إيه يا آدم؟
_ أقصد إن رامي مش في المخزن و ماريان شافته و إحنا راجعين.
ساد صمتٌ ثقيل بعد كلمات آدم، صمت كأن الزمن تجمّد فيه.
_إزاي؟
كلمة خرجت من فمِ يوسُف بألف سؤالٍ و عاد يكمل قائلًا
: إزاي و الحرّاس هناك و مش بيتفتح غير لما يسيبوله أكل بس.
سادَ الصمتُ حينما علا رنين هاتف أحمد الذي ردّ فسمعَ اخر ما كان يريد سماعه.
_ باشمهندس أحمد رامي هرب إنهاردة الصبح و مش عارفين نكلم يوسف باشا عشان هو مشدّد إنه ميهربش نعمل إيه؟
أغلق أحمد المكالمة و نظرَ لهم و علىٰ وجهه إبتسامة صغيرة ساخرة
: هرب.
سيجنُّ سيجنُّ يوسُف سيجنّ.
1
تثاقلت الهموم فوقَ رأسِه و قال بعصبيةٍ
: يعني إيه هرب لييه 20 حارس واقفين علىٰ المخزن بيلعبوا؟!!!
_ عمرها ما تحصل غير لما تكون حركة خيانة و حد مهرّبه.
جملة قالها آدم.
نظرَ أحمد ليوسُف قائلًا
: الكاميرات الخفيّة اللي حرّاس المخزن ميعرفوش حاجة عنها هنراجعها.
_ إبعت رشوان يراجعها أنا واثق في رشوان.
كان ذلك ردّ يوسُف علىٰ حديثه فهزّ أحمد رأسه مؤيّدًا له.
وقفَ يوسُف مكانه يشعرُ و كأن رأسَه ستنفجرُ معنىٰ أنه ظهرَ أنه يتّبعهم و هذا سيكون الأسوأ لإبنته.
___________________________________
جلسَت جوار شقيقاتها و عيناها شاردتان ناحية البحر.
سألتها إسراء قائلةً
: مالِك يا ميرو من ساعة أما رجعتِ و فيكِ حاجة غريبة؟
نظرت لوجه إسراء و رُقيّة اللاتان يجلسان جوارها و قالت بنبرة مُنكسِرة
: عايزة أعيش.
أكملت بعدما صمتت
: عايزة أعيش بأمان ذي حقّ أي إنسان نفسي أفرح و أضحك و مشيلش همّ حاجة بتجري ورايا.
1
نظرت لها رُقيّة التي لمعت الدموع بعينيها و احتضنتها و هي تقول
: مالِك يا حبيبتي إيه اللي حصل بس؟
_شوفته إنهاردة شوفته.
تعجّبتا ممن جملتها المُبهمة فسألتا في نفسِ النبرة
: مين ده يا ميرو؟
همست ماريان و هي ترتعش قليلًا، وكأنّ اسمه وحده يُعيد الذكرى لواجهة الذاكرة
: رامي.
إتسعت عينا إسراء، و قالت رُقيّة بذهول:
: إزاي؟ مش المفروض إنه محبوس؟
هزّت ماريان رأسها ببطء، وعيناها لا تزالان تائهتين في زرقة البحر كأنها تهرب من الواقع
:كنت ماشية مع آدم و...شوفته، كان بيبُصلي بنفس النظرة، بنفس الإبتسامة...و أنا مش مجنونة، و الله كان هناك.
إحتضنتها شقيقتها و عينيها يجري بهما الدمعُ
: أنتِ معانا يا ميرو ليه خايفة؟ محدش يقدر يقرب منك يا حبيبتي.
نظرتها كانت خاوية و هي تقول
: لا يقدر ذي ما قدر قبل كدا.
أمسكت رُقيّة كفّها تقول
: إيه يا ميرو؟ أنتِ أقوىٰ من كدا و الله كل حاجة هتكون بخير متقلقيش كدا.
1
نظرت ناحية البحر و هي تستمع لحديثهنّ و ضمّت قدميها لصدره و ذقنها علىٰ قدمها شاردةً لكلّ شئ.
خُطِفَت، عُذّبَت و أنقذها ذلك الواقف هناك أنقذها في اللحظة المناسبة.
ما الذي أجبره أن يضع لها جهاز تتبع ليأمن عليها؟ أيحبها لتلك الدرجة؟!!
إلتقت عينيها معه و هو يقف مع الشبّان و لـٰكنه نظرَ لها و هزّ رأسه لها بمعنىٰ ألا تخاف.
تشعرُ بالأمنِ في وجوده غريبٌ أمرها تلك الفتاة.
ربما لن تنسىٰ ما حدَث و ستظلُّ تواجهه طوال حياتها و لـٰكن ما يهون أنها لن تواجهه بمفردها.
أغمضت عينيها للحظة، كأنها تجرّب كيف يبدو السلام إن اختبأ خلف الجفون،
ثم تنفّست بعمق، والبحر أمامها يمتدّ كأنه يسع
كلّ أوجاعها.
____________________________________
الساعة الثانية عشر منتصف الليل.
جلست علىٰ فراشها ضوءٌ خافتٌ فقط جوارها.
عينيها بهما الهلع تنظرُ حولها و تجدُ صورته و إبتسامته بكلّ ناحيةٍ.
إضطربت حركتها و كأن قدميها شُلّت عن الحركة.
جسدها يرتجفُ و لا تستطيع السيطرة عليه.
حاولت النهوض
فلم تقوَ.
يدها امتدت ببطء نحو قلبها، حيث ارتجافٌ عميقٌ لا يُرى،
صوت أنفاسها بدأ يعلو
يرتفع..
يتسارع..
تحتضن نفسها، تُطبِق ذراعيها حول جسدها النحيل ،كأنها تحاول لملمة نفسها قبل أن تنهار قطعةً قطعة.
جسدها يرتجف، وعقلها يصرخ،
"مش حقيقي..مش موجود..مش هنا."
لكن الصور تتراقص أمام عينيها،
النظرة، اللمسة، الرعب.
تريدُ أن تصرخ ولا تستطيع كأنها فقدت رفاهية الحديث أيضًا.
كأن صوتها عالقٌ في حلقٍ ضاق فجأة..
كأن كلّ الهواء خائفٌ أن يدخل صدرها.
بدأت الغرفة تضيق..
الجدران تقترب..
الضوء الخافت صار كاشفًا لكلّ ما تريد أن تهرب منه.
يدها على فمها، تكتم شهقة ما عادت تقدر تحبسها،
وعيناها تفيضان..
ليس دموعًا فقط، بل هلعًا نقيًّا، خالصًا، لا يُخفى.
_حرام كفاية.
2
همست بالكلمات، لا تدرى أكانت ترجوه أن يبتعد من ذاكرتها،
أم ترجو نفسها أن تتحرر من قبضته الغائبة الحاضرة.
فجأة..
طرقٌ خافتٌ على الباب.
تجمدت.
لحظة واحدة.
قلبها توقف..ثم قفز.
هل تخيّلت؟ هل هو؟
هل وصل إليها فعلًا؟!
لا تدري كيف حملتها قدماها، لا تدري متى
سارت، فقط وجدت نفسها تفتح باب غرفتها ببطء، تسير في ممرّ المنزل بخطى غير متزنة،
كأنّها تائهة في بحرٍ من صور الذكرى.
تسيرُ و هي تلتفت حولها برهبةٍ و كأنّ وحشًا يطاردها.
حتّى وقفت أمام غرفة أبيها.
دقّت الباب و يديها فوق فؤادها و عينيها كأنها مرآة لمشهد رعبٍ.
لم تستمع الردّ فزادت دقّاتها علىٰ الباب بقوّة حتّىٰ فُتِحَ.
وقف يوسف أمامها، عينيه نصف نائمتين، لكن قلبه استيقظ في اللحظة.
نظر إلى ابنته، فشَهق دون أن يشعر.
وجهها شاحب، عيناها غارقتان في الذعر، جسدها يرتجف كأن البرد قد استوطن عظامها.
همست بصوت مبحوح، يكاد لا يُسمَع
: بابا.
فهم، دون أن يسأل.
فتح ذراعيه، لم يقل شيئًا..فقط انتظرها.
2
كأنّ جسدها انساب إلى حضنه دون وعي..
كأنّها أخيرًا وجدت شاطئًا ترسو عليه بعد
طوفان الذكرى.
ضمّها يوسف بقوّة، يده تربت على ظهرها ببطء، يحاول أن يسحب منها كلّ خوفٍ، كلّ رعبٍ، كلّ ظلّ من ذاك الماضي الثقيل.
: أنا هنا يا مَرْيَانْ مفيش حاجة هتقربلك طول ما أنا موجود.
_ مين اللي بيخبط يا يوسُف؟
كان ذلك صوتُ مَريم من الداخل.
نظرت له صغيرته تقول
: بابا أنا خايفة أنام لوحدي ممكن أنام معاك أنت و ماما؟
ابتسم لها يحرّك يده علىٰ خصلاتها و يرجعها وراء أذنها و هو يقول
: ممكن جدًّا يا حبيبة بابا.
دخلت معه و تعجّبت والدتها من مجيئها في ذلك الوقت و زادَ القلقُ بفؤادها حينما لمحت نظرات الخوف في عينيها.
ابتسمت تطمئنها و هي تقول
: تعالي يا ميرو جنبي.
إقتربت من والدتها تجلسُ جوارها علىٰ الفِراش و إحتضنتها كأنها تلتمسُ الحنان منها.
تنهدت تنهيدةً طويلة رقّ قلبُ مريمَ لأجله و نظرَ لها يوسُف و الحزن يملأ عينيها متَىٰ ستتخطّى صغيرته ما حدَث.
جلسَ جوارها من علىٰ الجانب الآخر و هو يسألها
: أخدتِ علاجك يا ميرو؟
هزت رأسها بصمتٍ و وضعت رأسها علىٰ الوسادة تنظرُ لسقفِ الغرفة.
نظرت مَريم ليوسُف و هي تحاول أن تعرف ما بها صغيرته فطمأنها بعينيه و قال
: نامي يا مَريم.
نامَت جوار صغيرتها و هي تبتسم لها و تمسك كفّها كـ حركةٍ كانت تفعلها منذ صغرها.
إستلقىٰ يوسُف جوارها من الجهة الأخرىٰ و أحاطها بذراعه و يده الأخرىٰ يحركها علىٰ خصلاتها برفقٍ و هو يهمس لها
: نامي و متخافيش من حاجة.
هزت رأسها و هي تحاول الإبتسام.
لكن رغم الأمان الظاهري، لم يُغمض لها جفن.
1
ظلت عيناها مفتوحتين تحدّقان في العدم، كأنها تنتظر أن يخرج من جدار الغرفة.
كانت تسمع أنفاسهما، تشعر بدفئهما، لكن قلبها لا يزال في مكانٍ آخر..
في غرفةٍ مُظلمة لا يسكنها إلا الصدىٰ.
حاولت أن تهمس، أن تُخبرهما بما رأته، لكنها خافت أن يظنّا أنها تهلوس.
مرت ساعات..
والليل أطول من طاقتها.
أغمضت عينيها بالقوة، ثم فتحتهما فجأة، تبحث بعينيها في السقف، كأنّه مرآة ترى فيه رامي واقفًا يضحك، كما في تلك الليلة.
إحتضنت أبيها بقوّة لتشعر بالأمان و غفَت بعد وقتٍ طويلٍ من الخوف.
لا تعلمْ كم مرّ من الوقت و لـٰكنها قامت منتفضة و هي تلهثُ بقوة و وجهها يتساقط العرقُ من عليه.
أدمعت عينيه و هي تسمعُ صوتَ ضحكاته العالية ألن تشعرَ بالأمانِ أبدًا؟
ألن تستطيع النوم و لو لدقائق؟
2
إستيقظ والدُها علىٰ حركتها تلك و حرك يده علىٰ عينيه لينظر لها فوجدها تضع رأسها علىٰ السرير من الخلف و الدموع تتساقط علىٰ وجهها و تحيط بيدها جسدها الذي يرتجف.
إحتضنها بقوّة و هو يقول بألمٍ
: مالِك يا حبيبة روحي؟
إرتجفت شفتيها و هي تقول بدموعٍ
: بموت بموت يا بابا.
1
و بإرتجافٍ أكملت
: الموت أهون من اللي بشوفه يا بابا.
فؤاد أبيكِ باتَ متعبًا يا صغيرة.
تنهيدة ثقيلة خرجت من صدر يوسف، لكنّه أخفاها عنها.
لا يعلم كيف تماسك و هو يضمّها لا يعلم كيف إستطاع أن يسيطر علىٰ دموعه و هو يقول
: متقوليش كدا يا مَرْيَانْ دا أنتِ روحي ربنا يبارك في عمرك يا حبيبة قلبي.
والدتها مستيقظة و تسمعُ ما يدور حولها و لـٰكن
لا تقدر علىٰ رؤيتها هكذا فقط تعطيهم ظهرها و دموعها تتساقط.
قلبُ مَريم ضعيفٌ ضعيفٌ علىٰ أن ترىٰ صغيرتها هكذا.
_ننزل نتمشىٰ شوية؟
سألها يوسُف فأجابت بنفي
: لا مش قادرة.
ظلّت علىٰ تلك الحالة حتّىٰ جاء صوتُ الآذان.
"الـلـه أكـبـرُ الـلـه أكـبـرُ
أشهدُ أنّ لا إلـٰه إلّا اللّه
أشهدُ أنّ لا إلـٰه إلّا اللّه
أشهدُ أنّ مُحمَّدًا رسولُ اللّه
أشهدُ أنّ مُحمَّدًا رسولُ اللّه
حيّ علىٰ الصـلاة
حيّ علىٰ الصـلاة
حيّ علىٰ الفـلاح
حيّ علىٰ الفـلاح
الصلاةُ خيرٌ من النوم
الصلاةُ خيرٌ من النوم
اللّه أكبرُ اللّه أكبرُ
لا إلـٰه إلّا اللّه"
صلاةُ الفجر جاءت كالغوْثِ لها من أفكارها
سبحان اللّه دائمًا الصلاة تأتي لتبعد عنّا همومنا و تثلجَ صدورنا.
1
صلاة الفجرِ بالأخصّ نعمة يختصّ بها اللّه سبحانه و تعالىٰ عباده الصالحين.
نظرت إلى السقف مرّة أخرى..
رامي لم يكن هناك.
لا ضحك.
لا ظلّ.
لا صوت.
إستيقظ والدُها علىٰ صوتِ الأذان و المنبه الذي بدأ بالرنين.
نظرَ ناحيتها ليراها مستيقظة فحرّك يده برفقٍ علىٰ وجهها يقول
: يلا يا حبيبتي نصلي.
هزّت رأسها و وقفت و لـٰكن شعرت بالأرض تهتزّ تحتَ قدميها.
أسرعَ والدها يمسكها قبلَ أن تقعَ و هو يقول
: مالِك يا ميرو؟ أنتِ كويسة؟
إبتسمت إبتسامة شاحبة و هي تقول
: أيوه يا بابا الحمد لله ممكن بس تمشي جنبي لحد الحوض عشان حاسة إني مش قادرة أتحرك؟
إبتسم بحُزنٍ يقول
: حاضر يا حبيبي.
أسندها حتّى وصلت للحوض و وقفَ علىٰ الباب حتّى تنتهي.
خرجت و خصلاتها تتساقط من عليها المياه نتيجة الوضوء و عيناها ما زالت متعبَة و لـٰكن إرتجافتها سكنت قليلًا.
ابتسم ما إن خرجَت و أمسكَ كفّها يساعدها حتّى وصلَت للخارج.
تحدّث بحُنوٍّ قائلًا
: صلِّ السُنة علىٰ ما أتوضىٰ و أصحي ماما يا حبيبتي و نصلي جماعة.
هزت رأسها تقول بخفوتٍ لوالدها
: حاضر.
توجهت ناحية السجادة التي وضعها لها والدها ذلك الرجل الحنون الذي يحبّها أكثرَ من أيّ شيءٍ بالدنيا.
وقفت تستشعرُ القِبلة.
رفعَت كفّها تكبّر و كأنها وضعت هموم الدنيا جميعها خلفَ كفّها و كأنها تحاولُ نسيان أيّ شئ في حضرة اللّه عزّ و جلّ.
كبّرت و إرتخت ملامحها كأنها أصبحت إنسانة أخرىٰ عن التي كانت عليها.
بدأت بقراءة الفاتحة و انتهت فوجدت نفسها تبدأ بقراءة سورة "الضُحىٰ"
_ {وَالضُّحَىٰ (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ (3) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَىٰ (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ (5) }
"وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ"
و كأنها تستشعرُ الآية لمرتها الأولىٰ تلألأت الدموع في عينيها و هي تكمل السورة لنهايتها.
بعد ذلك ركعت ثم عادت لتقف ثم سجدت.
السجود حيثُ الجبهة تلامسُ الأرض.
سجدت.
وسقطت كلّ جدران الرعب داخِلها،
كأن السجود فتح بابًا للرحمة..
بابًا للنجاة،
بابًا للسكينة التي غابت عنها طويلًا.
لم تطلب شيئًا بلسانها،
لكنّ يكفيها أن الله يعلم،
يعلم أنّ قلبها يئنّ،
وأن روحها مثقلةٌ بما لا يُقال.
وتركَت دموعها تسيل بلا خوف،
تسيلُ و هي في أمان الله و حفظه سبحانه
الذي لا يخذل.
و من رحمته سبحانه بنا أننا حين نختلي لندعوه نظنّ أنه يسمعنا وحدنا في ذلك الوقت.
1
_ آآه يا ربّ تعبت تعبت و سبحانك الرحيم سبحانك الرحيم بـ ماريان و قلبها سبحانك
أرحم عليّ من نفسي و أمّي و أبّي يا ربّ يا رحيم ارحمني و اعفُ عنّي يا ربّ تعبت و الله تعبت و سبحانك الأعلم باللي بمرّ بيه مليش حقّ أعترض ولا إني أقول ليه فأنا عبدتك و كلّي لك سبحانك فلتفعل بي ما تشاء و ليس لي حقّ الإعتراض و لكن هوّن علىٰ قلبي يا ربّ يا ربّ أبعد عنّي الوساوس و كلّ ما يؤذيني يا ربّ نفسي أنام و أغمض عيوني و مشوفش حاجة وحشة نفسي أعيش سعيدة و مطمنة يا ربّ مش عايزة أشوفه يا رب طمّن قلبي يا رب كُن معي و مع المسلمين المستضعفين يا ربّ متتركنيش يا ربّ متخذلنيش يا ربّ لا تجعلني سببًا لحزن أيّ إنسان يا ربّ مش بيكون قصدي إني أزعل آدم بس و الله أنا ضعيفة ضعيفة أوي إني أحتمل كل ده يا ربّ كُنْ معي
و خرجت شهقاتها و هي تقول
: يا الله ليس لي عملٌ أقف به أمامك سبحانك به سوىٰ أنّي أحبّك.
لا تعلم كم طالت مدّة دعائها و لـٰكنها توقفت حينما شعرت حقًّا بالراحة.
سبحان الباري تثقل القلوب بالهموم فتأتي الصلاة كلغيث الذي نزلَ علىٰ أرضٍ جافّة ليسقيها.
سبحان الباري الذي نأتيه بهموم الدنيا فننهي صلاتنا بخفّة فراشة و كأن لم يمسسنا كدٌّ من قبل.
إنتهت و ما إن سلّمت وجدت أبيها ينظر لها و الحزن في عينيه و قال بإبتسامة
: خلصتِ يا حبيبتي؟
_أيوه يا بابا الحمد لله.
جلسَ علىٰ ركبته جوارها و هو يقول
: يا رب دائمًا من الحامدين..ماما بتتوضىٰ أهي و هتطلع و نصلي تمام؟
هزت رأسها له و صمتت تستغفر قليلًا حتّى أتت والدتها التي ابتسمت لها بحنوٍّ و وقفت جوارها و أمامهما يوسُف الذي يأمّهما في الصلاة.
_الـلـه أكـبـر.
بدأ الصلاة و غُسِلَ قلبُها من عذوبة صوته الذي يشبه صوتَ زوجها.
زوجها الأشبه لأبيها في كلِّ شئٍ تقريبًا و هذا أجمل شئ رُزِقَتْ به.
أكملوا الصلاة و ما إن انتهوا جلسوا يقرأون الأذكار معًا.
_ مش هتناموا؟
سألتهم مَريم الذي ردّ عليها يوسُف قائلًا بإبتسامة
: قومي نامي يا مريومة و أنا صاحي شوية مع ميرو.
_أعملكم حاجة تشربوها طيب؟
رفض قائلًا
: لا يا حبيبي ميرو معايا أهي لو عوزنا حاجة هنعمل.
نظرت لهم و هي تمزح أنصحك صغيرتها
: طيب يا عم إشبع بيها ما هو من لقىٰ أصحابه.
_حتّى المثل بتقوليه غلط! قومي يا مَريم نامي عشان صحيانك غلط عليكِ.
ضحكت و قامت لتنام بينما نظرَ لصغيرته التي تضمّ قدميها لذقنها و شاردة.
وضع يده علىٰ ظهرها يمرره برفقٍ حتّى
إنتبهت له فأخذ رأسها برفقٍ يضعه علىٰ
قدمه و هو يحرّك يده فوق خصلاتها و بدأ
يتلو القرءان بصوته العذب حتّى استقرّت
أخيرًا و نامت فشردَ في ملامحها صغيرته و حبيبة فؤاده و تفاحة قلبه طفولتها التي عاشَ معها أسعد اللحظات ضحكاتها و فرحتها التي إنعدمت منذ أعوامٍ ودّ لو عادَ الزمانُ فـ يرىٰ ضحكاتها التي كانت تملأ المكان.
____________________________________
الساعة الثالثة عصرًا.
فتحت عينيها علىٰ حركة أبيها برفقٍ علىٰ وجهها يقول
: ميرو حبيبي إصحي يلا يا بابا.
جلست علىٰ الفراش تحرك يدها فوق وجهها
و ترجع خصلاتها للخلف و نظرت لأبيها الذي قال
: قومي يا حبيبي صلِّ الظهر عشان العصر باقي عليه ساعة و نص بس و تعالي كملي نوم براحتك.
وقفت تقول بنبرة متحشرجة إثر النوم
: حاضر.
تحركت ناحية الحمام لتتوضأ بينما جلسَ أبيها علىٰ الفِراش يتنهد لم يردْ إيقاظها بالأساس هو تمنّى أن تنام و تكون بخيرٌ و لكنه إضطر لإيقاظها من أجل الصلاة.
أرجعَ رأسه لظهر الفِراش و قد شردَ عقله بمشهدها ليلًا و كيف كان حالُها أستظلّ هكذا طويلًا؟!
يعلم أن عليه أن يتجه لذلك الحلّ و المشكلة أنها ترفض و تنهار عند سماعها ذلك.
خرجت صغيرته من الحمام بعد أن توضأت و نظرت لأبيها الذي إبتسم لها و قالت بخجلٍ
: أنا آسفة يا بابا إني نمت هنا بس كنت خايفة أنام لوحدي و كنت بشوف حاجات وحشة.
ابتسم يخفي ألمه و هو يربّع ساقيه في منتصف الفِراشِ قائلًا
: دا الأوضة و صاحب الأوضة و عيلته كلها
تحت أمر حبيبة قلبي و أنا ميرضنيش إنك
تكوني خايفة و أنا موجود.
إبتسمت لوالدها و أخذت إحدىٰ ملابس الصلاة لوالدتها و شرعت في الصلاة.
إنتهت و نظرت لأبيها تقول
: بابا هو أنا ممكن أنزل أتمشىٰ تحت في الحديقة؟
ابتسم قائلًا
: ممكن طبعًا يا حبيبة روحي بس هبعت حد معاكِ عشان متكونيش لوحدك.
نظرت له برجاءٍ تقول
: سيبني يا بابا حاسة إني عايزة أتمشىٰ لوحدي.
رضخَ لها قائلًا
: طيب بس خلي بالك من نفسك و أي حاجة تحتاجيها نادي عليا و أنا هقعد في البلكونة.
هزت رأسها قائلةً
: حاضر يا بابا.
و توجهت لغرفتها تبدّل ثيابها.
____________________________________
خرجت من غرفتها بـ فُستانٍ بلونٍ بتروليّ بسيط و رقيق المظهر عليها و حجابٍ أسود اللون و بيدها هاتفها و هبطت للأسفل.
وخرجت تستقبل الهواء كأنه زائرٌ مألوف،
لا يكلّمها، لكنه يفهمها.
العصافير تنقّر التُراب،
وأصوات الأشجار تُحدّث بعضها بنعومة.
كل شيء ساكن...
إلا قلبها.
سارت حتى وصلت إلى المقعد الخشبي أسفل شجرة التين،
جلست، وضعت هاتفها جانبًا و ضمّت يديها تضعها أسفل ذقنها و هي شاردة بكلّ ما تمرّ به.
بعض الهموم لا تُقال..
لكنها تقف خلف العين، ثقيلة،
تشبه الغيم حين يرفض أن يمطر،
ولا يرحل.
أغمضت عينيها لحظة،
وحاولت أن تنفصل عن كل شيء..
عن التفكير، عن الذكرى، عن الغد.
ثم فتحت عينيها ببطء لتضع يدها علىٰ فؤادها حينما وجدته أمامها يجلسُ علىٰ كرسيّ بشكلٍ منعكس.
أأغمضت عينيها لوقتٍ طويلٍ أما ماذا؟!
_طربتني يا آدم أنت هنا من إمتىٰ؟
إبتسم ينظر لها قليلًا و هو صامت حتّى خرجَ صوتُه الرخيم و هو يقول
: قلبي لما بيحسّ بيكِ بيجيلك أصلك وتينه و مش بيقدر يتخلّى عنك كتير.
3
إنفرجت شفاهها بإبتسامة صغيرة خجِلة إثر كلماته له القدرة دائمًا علىٰ إخراجها من أيّ ألمٍ.
سادَ الصمتُ حتّى قطعه قائلًا
: ليه مصممة تتعبي نفسك و أنتِ وسط الأمان؟
تنهّدت تنهيدة طويلة حتّى قالت
: خايفة أمدّ إيدي يطلع وهم و أقع.
_حتّى لو كان الأمان ده أنا؟!
رمشت بعينيها مرتين،
وكأن السؤال أربكها..
ليس لأنه غريب،
بل لأنه حقيقي جدًا.
نظرت له دون إجابة،
ووضعت يدها على صدرها مجددًا،
كأنها تُحاول تتحسّس الإجابة من قلبها، لا من عقلها.
نظرت لعينيه و للمرة الأولىٰ تتعمق بهما هكذا
قبل ذلك كانت تخطفُ نظراتٍ سريعة و لكن نظرت له الآن و هي تقول بصدقٍ
: مشوفتش معاك غير الأمان يا آدم و الدفا.
و لو قُلنا أن كلمتها تلك أطربت فؤاده ربما نحنُ ننقصُ من حجم ما شعرَ به.
إعترافٌ صغيرٌ منها يفعل به هكذا؟!
ماذا إذن إن قالت له أحبّك؟!!
أين ذلك الذئب صاحب القلب الجامد الذي لا يحنّ.
1
معها يحنُّ و يلين،
ويضع سلاحه،
ويخلع قناع القوة الذي اعتاد أن يواجه به العالم.
معها فقط،
يصبح رجلًا بسيطًا..
يحلم أن يراها بخير،
ويكتفي منها بنظرة،
ويكفيه منها وجود.
ابتسم حتّى لا يخجلها فقال
: بتثبّتيني؟
_شاطرة في التثبيت جدّا بس أنا بتكلم بصراحة.
ابتسم و تاهت عيناه في بحور عيونها
نظر إليها، وكأنّه يراها لأول مرّة...
نفس الملامح، نفس الملامح بالضبط،
لكن شيء في عينيها تغيّر.
شيءٌ جعله يُدرك...
أن كل الطرق التي سارها،
كل المعارك التي خاضها،
كل الأبواب التي أُغلقت في وجهه،
كلها كانت تؤدّي إلى هذه اللحظة.
إلى هذه الكلمة.
شعر بأن صدره اتّسع،
كأنّ قلبه صار أكبر من جسده،
كأنّه يستطيع أن يحمل العالم فقط لأنها منحته "اعترافًا صغيرًا".
أيّ قوة هذه التي تسكن بين سطور الصدق؟
أيّ نور هذا الذي يمكن أن يُشعل ظلمة عمر بكلمة واحدة؟
أراد أن يضمّها،
لا لشيء..
إلا ليطمئنّ قلبه بها،
كأنّها بيت.. وهو قد عاد.
لكنه لم يتحرّك.
لم يكن يريد أن يُفسد شيئًا.
فقط.. جلس هناك،
وهي أمامه،
وكأنها وطنٌ صغير له فقط.
نظر لها بقلبٍ ممتلئ، ثم قال بصوتٍ هادئ لكن واثق، نابع من عمق صدقه
:سيبي نفسك ليا يا وتين آدم،
وخليكي مطمنة إني أحنّ عليكِ منك،
وإني مهما حصل، عمري ما هخذلك.
هكون جنبك مش بس عشان بحبك
لكن عشان ترجعي ماريان اللي شلتها بين إيديا يوم ما اتولدت، اللي كانت بتضحك للدنيا من غير ما تحمل همها.
توقفت للحظة،
كلماته لامست شيئًا لم تلمسه من قبل.
كأنّه لم يكن يكلّمها فقط
بل يُعيد ترميمها.
هو لا يريد منها شيئًا..
سوى أن تعود.
أن تعود كما كانت..
نقيّة، مُطمئنّة،
تثق أنّها ليست وحدها أبدًا.
____________________________________
_مالِك بس يا رُقية؟
تنهدت بتعبٍ و هي تجلسُ علىٰ الفِراش
: مش عارفة و الله يا مروان معدتي قالبة من الصبح.
جلسَ جانبها و عيناه لا تفارقُ وجهها الشاحب و قال
: طب إيه السبب طيب؟
ستمزّق شعرها الآن منه!
إبتسمت بغيظٍ تقول
: يمكن عشان حامل في ابنك مثلا؟
1
ابتسم قائلًا
: مثلا.
إستلقت علىٰ الفراش و هي تقول
: مروان الله يرضى عنك أنا بودع فارحمني.
_ و الله ما يهون علىٰ مروان وجعك يا رِقة
و مش عارف إزاي هستحمل كمان 7 شهور
و أنتِ بتتوجعي.
رِقة! ذاك الفتىٰ الذي تخطفها دائمًا كلماته.
نظرت له بعينين صادقتين تقول
: مروان أنا بحبك أوي و الله.
1
إبتسم و تذكّر ما قالته في الصباح فعاد يقول
: مش الصبح كنتِ بتكرهيني؟
ضحكت علىٰ حديثه و قالت
: معلش هرمونات الحمل صعبة بس و الله بجد بحبك أوي يا مروان و بحب وقفتك جنبي في
كل حاجة مش قادرة أنسىٰ أيام الثانوية و تشجيعك ليا إني أكمل و إني أقدر أوصل لحلمي و بفضل ربنا ثم تشجيعك وصلت فعلًا ولا هقدر أنسىٰ يوم ما طلبت تخطبني و قلبي ساعتها كان بينبض إزاي! من يوم ما وعيت للدنيا بجد و فهمت يعني إيه حبّ حبيتك أنت يا مروان و كان دائمًا هدوئك بيخطفني و حنيّتك اللي خلتني أقع فيك و أنا مش واخدة بالي كنت باجي عشان أقعد مع ساره و ميرو و ساعة أما أشوفك أحس إني مش طبيعية مكنش حد يعرف إني بحبك غيرهم و المشكلة إنهم عارفين إنك بتحبني و مكنوش بيقولولي و أول ما أشوفك كانوا بياخدوني تريقة لآخر اليوم.
أنهت حديثها بضحكة جعلته يتعمّق بجمالها و نعومتها.
ابتسم يقول
: طب و بعد الكلام الحلو ده أعمل إيه!
ضحكت و هي تعود للإسترخاء علىٰ الفِراش
: تنام.
أمسك خديها بيده بمزاحٍ يقول
: يا بت أنتِ يا بت ترمي كلمتين حلوين و تطلعي تجري بتهربي مني!!
قالت بغرورٍ زائف
: و أنا أهرب ليه إن شاء الله أنت متعرفش أنا مين؟
1
إبتسم بحُبٍ يخبرها
: رِقة اللي خطفت قلب مروان عزيز.
3
_ لا كدا أنا ههرب بجد.
سادت ضحكاتهما ذلك الجوّ الدافئ في حياتهما يضيف لمسة جميلة.
و انسحبت عيناه نحو بطنها التي ما زالت صغيرة نظرًا لكونها ما زالت بالشهر الثاني و شردَ بصغيره القادم.
____________________________________
_أنس عايزة أقولك علىٰ حاجة.
ردّ و هو يتابع الملف الذي يمسكه بيده
: قولي حاجة يا نور.
_طب ركّز معايا طيب.
نظر لها بإبتسامة قائلًا
: قولي يا أم فرح.
نظرت له بإبتسامة تعبث بالحديث قليلًا
: أم فرح بس!
تحدّث ساخرًا
: هو أنا عندي ابن تاني ولا إيه؟
1
إبتسمت و هي تنظرُ له
: لا بس هيكون عندك إن شاء الله.
ترك الملف و ربّع يديه أمام صدره قائلًا
: نور أنا مش فاهمك هاتِ من الآخر.
ضحكت تقول
: إستيعابك بقا بسيط يا سيادة النقيب.
و عادت تقول
: أنا حامل يا أنس.
إتسعت عيونه لوهلةٍ لا يصدق أنه سيُرزَق بطفلٍ بعد فرح حبيبته المشاغبة.
_نور أنتِ بتتكلمي بجد؟
لمست بطنها تقول
: بجد و الله يا أنس.
تحدّث متعجّبًا
: طب إزاي مش أنتِ قولتِ هتأجلي الموضوع شوية لحد ما فرح تكبر؟
_قولت كدا عشان أعملهالك مفاجأة.
ابتسم و هو لا يدري و قال
: أنتِ متعرفيش أنتِ عملتِ فيّا إيه أنا حاسس بنفس شعوري و أنتِ بتعرفيني إنك حامل في فرح.
_هانت يا أنس كلها 6 شهور إن شاء الله.
ضيّق حاجبيه قائلًا
: ليه معزة حامل؟
2
ضحكت بشدّة تقول
: لا بس أنا حامل في 3 شهور.
تحدّث بتعجبٍ أكبر
: حامل في 3 شهور إزاي و أنتِ لسة عارفة قريب؟
_ ما هو أنا عرفت في الشهر التاني و كنت بفكر إزاي هقولك لحد ما بقيت في الشهر التالت.
1
بلهاء هذه بالتأكيد لا محالة!
نظرَ لها و الدهشة في عينيه
: شهر بتفكري هتفاجئيني إزاي! طب لو بطنك بدأت تكبر كنتِ هتقوليلي إيه إنتفاخ!
2
ضحكت علىٰ كلماته و قالت بدلالٍ
: خلاص بقا يا أنس اللي حصل خلينا نفرح بالبيبي عارف بصراحة أنا متحمسة لرد فعل
ميرو أوي لما تعرف إني هجيب بيبي يا ترىٰ هتحبه ذي فرح؟
1
ابتسم بعد أن جلسَ و قال
: مفيش حد عند ميرو ذي فرح بس عامةً هي بتحب الأطفال.
___________________________________
_ معاذ بالله عليك بدّل لسُفيان هدومه؟
1
أنهىٰ صلاته و وقف ينظر لها
: ساره ما تعرفيني كدا لو أنتِ جايباني داده للعيال.
ضحكت تقول
: عيب يا ميذو دا أنت باشا طول عمرك.
ذهب يأخذ سُفيان ليحممه و قال
: أيوه يختي إعملي شوية كدا عليا علىٰ أما أعملك اللي أنتِ عايزاه.
ضحكت علىٰ حديثه و ذهبت ناحية الخزانة لتأخذ حجابًا لها لكي تهبط للأسفل.
بدأت ترتدي حجابها و ما إن إنتهت حتّىٰ خرجَ معاذ يقول ساخرًا
: هو أنتِ لسة بتلبسي حجابك؟ أنا خلصت لسفيان و إستحمىٰ و لبس و أنتِ لسة بتلفي الحجاب.
قالت بداخلها
: أمال لو إستنىٰ ميرو في يوم هيقول إيه؟
أجلسَ سُفيان علىٰ الفِراشِ و أخذ يمشّط له شعره و قال
: تيجوا ننزل نتمشىٰ علىٰ البحر؟
قالت بحماسٍ
: بجد هنروح؟
_ اه و الله بجد.
نظرت له قائلةً
: معاذ أنا نفسي في آيس كريم.
نظر لها بصدمة و قد ترك حذاء سفيان من بين يديه
: إسراء إوعي تكوني حامل!
ضحكت بشدة علىٰ ملامحه و قالت
: لا توبة و الله.
رأىٰ صغيره توجّه ناحيه فراش شقيقته فاقترب ناحيتها يضمها قائلًا
: لو هتجبيلي عشرة عمري ما أزعل دول رزق و الرزق الأكبر إنهم منك أنتِ.
إبتسمت بحُبٍّ تقول
: يا معاذ مش بعرف أرد علىٰ الكلام الحلو ده.
نظرَ لعينيها يقول
: مش لازم تردي يا ساره كفاية إن حبّك واصلني.
لمعت عيونها بالدموع و هي تتذكر ما مرّت به قائلةً
: من كام سنة كنت أبعد حلم أتخيله يا معاذ كنت حاسة إنك تحبني ده أمر صعب كانت مَرْيَانْ في كل إجتماع بيني و بينك تفكرني إني قوية و إني أقدر أستحمل و الله يا معاذ كنت بحسك بعيد أوي بس كل لما أشوفك قاعد جنبي و أنا في بيتك بعرف أد إيه ربنا عز و جلّ كريم و رحيم بينا إنه يرزقنا أكبر أمنياتنا و تكون جنبنا دي حاجة كبيرة أوي يا معاذ.
تنهّد يضمها لصدره
: الحمد لله إنك معايا دلوقت يا ساره و دي بالدنيا كلها.
1
___________________________________
إجتمع الجميعُ علىٰ طاولة الطعام و ما إن انتهوا و إجتمعوا بغرفة الليفنج تحدّث يوسُف قائلًا
: عمكم مصطفىٰ رنّ عليا.
نظروا لبعضهم بتعجّبٍ حتّى قال أحمد
: و ده عايز إيه تاني إن شاء الله؟
همست مَرْيَانْ لإسراء و رُقية اللاتان تجاورنْها و قالت
: مين ده؟
1
همست رُقية قائلة
: الله أعلم.
فقالت إسراء
: إستنوا هنعرف دلوقت.
1
_ فرح بنت أخوه و الحاجّة إلهام نفسها كلمتني.
تحدّث أحمد ساخرًا
: أهي هي دي اللي في أم الفرع بتاع العيلة اللي هناك.
أيّده يوسُف قائلًا
: ما هو عشان كدا لازم نعمل الواجب.
تحدّث عمر ابن عمه قائلًا
: متقولش إننا هنروح هناك يا أبو أنس.
_كان بودّي أرفض و الله يا أبو فارس بس
دا الواجب و لازم نعمله و كمان الحاجّة طالما
طلبت بنفسها أنا مش هقدر أقول لا لأنها
بصراحة غيرهم.
تحدّث ياسين قائلًا
: بس أنت عارف يا يوسُف مش هينفع نيجي عشان الشركات مش هينفع نسيبها الفترة دي كلها و أحمد كمان شركته هنبعت حد يديرها لحد ما ترجعوا بالسلامة.
أيّده عمر قائلًا
: أنا معاه برده و الشباب كمان عشان مش هيعرف يديرهم لوحده.
نظرَ لخالِد قائلًا
: و أنت يا أبو سيف؟
إبتسم قائلًا
: و الله يا أبو أنس أنا جاي علىٰ أعصابي الأسبوع ده مش متعود أسيب المعامل و بالذات إن سيف معايا هنا.
نظر يوسُف لمحمود قائلًا بسخرية
: و طبعًا يا محمود أنت الشركة مينفعش تسيبها.
إبتسم محمود بمزاحٍ يقول
: طول عمرك بتلقطها يا دكتور يوسُف.
وضع يده أسفل ذقنه قائلًا بسخرية
: أمال مين اللي هيروح إن شاء الله؟
تحدّث أحمد بمزاحٍ يقول
: معاك يا صاحبي في أيّ مكان.
نظر يوسُف له
: أنت معايا غصب عنك أصلًا.
و نظرَ لأخيه مُحمد
: محمد أنت مش هينفع متجيش أنت كمان.
تنهّد مُحمد
: هاجي يا يوسُف و أمري لله.
_عبد الرحمن و تالا عرفهم.
تحدّث أخيه
: عبد الرحمن في شغل لمدة شهر بيرجع ساعتين بالليل بس فمش هيعرف ييجي.
هزّ يوسُف رأسه
: تمام كله يجهز بقا عشان بكره إن شاء الله هنرجع البيت و تاني يوم هنمشي.
همست إسراء تقول
: إوعوا يكون اللي في بالي.
تحدّثت رُقية
: قولي بسرعة.
_عم بابا اللي هو مصطفىٰ.
ابتسمت مَرْيَانْ بسُخرية
: الله يا أذكىٰ أخواتك تصدقي معلومة منعرفهاش ما بابا قايل من الأول إنه عمه اسمه مصطفىٰ.
تحدّثت شقيقتها بغيظٍ
: أنتم مش فاهمين حاجة خالص.
تحدّثتا قائلتين
: طب قوليلنا قصدك إيه؟
_يكون عمّه اللي كان جاي أيام تعب جدو و بعد وفاته الله يرحمه و كان معاه عياله و مراته اللي ضربناهم يومها!!