رواية عمر الراسني وياسمين الفصل العاشر 10
عرفت ياسمين أنها في موقف ضعيف، فتمتمت بخفوت: "لا... لم..."
قال بصرامة: "حسنًا، لقد اطلعت على خطة مشروع شركة الريادة، أول مشروع لكِ بعد عودتكِ، لا بأس به. لكن هذا المجال يتطور بسرعة، ومن يريد أن يثبت أقدامه فيه، لا يكفيه الكلام والعمل المتقطع."
لو لم تتوقف ياسمين عن البحث طوال السنوات الثلاث الماضية، لكانت وصلت إلى أبعد من ذلك بكثير. فالنوابغ كثيرون، لكنَّ العباقرة نادرون.
وكانت توقعاته منها دائمًا عالية.
لقد احتفظ لها بمقعد الدراسات العليا لسنوات، لكنها كانت غارقة في حياتها الزوجية، غير قادرة على الانفكاك منها.
تنَفّست ياسمين بعمق وقالت: "سأواصل جهدي، لن أتوقف."
لم تكن تعلم إلى أين سيمضي بها المرض، ولا متى سيتغلب عليها، لكنها كانت مصممة على أن تتسابق مع الزمن.
صمت حازم قليلاً، ثم تنهد وسأل: "كيف كانت حياتكِ في هذه السنوات؟"
فهمت ياسمين أنه يقصد حياتها الزوجية.
وخجلت من الجواب، فسكتت.
ثم قال ببرود: "صمتِّ مرة أخرى؟ ذلك الرجل، عمر، بذل جهدًا كبيرًا ليقدّم لي تلك الشابة الصغيرة، لماذا برأيكِ؟"
كان يعلم أن عمر هو زوج ياسمين، فقد أخبره وائل بذلك منذ زمن.
لذلك، حين جاء عمر ومعه ليلى لمقابلته، بدأ يشك في الأمر.
قالت ياسمين بهدوء: "أظن أنك قد خمنت السبب."
كانت تعلم أن وائل لم يخبره بتفاصيل ما حدث، لكن ما فعله عمر كان واضحًا، وتلك المحبة المفرطة لا يمكن أن تخفى على الدكتور حازم.
شعرت بالخزي لأنها تخلّت عن نفسها من أجل كل ذلك، وفي النهاية لم تجنِ سوى الندم والخذلان.
لم يوبخها الدكتور حازم هذه المرة، فقد أدرك صعوبة الأمر عليها.
قال بنبرة غاضبة حزينة: "إذا كان الأمر كذلك، فاعملي على تطوير نفسكِ. قلوب الرجال لا يُعوّل عليها، إن رحل أحدهم فلا بأس! المهم ألا تخسري قدراتكِ ومهنتكِ!"
تنَفّست ياسمين بارتياح، وردّت بخضوع يشبه خضوع طائر صغير: "علمت ذلك."
كان الدكتور حازم صعب المراس، سريع الغضب، لا يُجيد التودد، وأنهى المكالمة دون أن يمنحها فرصة للكلام أكثر.
ومع ذلك، شعرت ياسمين براحة داخلية، وكأن عبئًا انزاح عن صدرها، بل واستعادت بعض الحماس والاتجاه.
وإن أتيح لها يومًا، فهي لا تزال ترغب في التقدّم لدراسة الماجستير تحت إشراف الدكتور حازم، لكن في الوقت الحالي، كان أمامها ما هو أهم.
1
اقتربت الذكرى الثالثة لوفاة والدتها، وكانت تخطط لإحياء المناسبة.
أما مسألة طلاقها من عمر، فلم تخبر بها بعد جدّتها وخالها، ولم يكن الوقت مناسبًا لذلك.
ولأن إقامة الذكرى تتطلب أن يشارك عمر في التمثيل بدور الزوج، كان لا بد أن تتحدث معه بالأمر.
فكرت طويلًا وأرادت أن تتصل به، لكنها تذكرت الموقف السابق حين أجابت ليلى على الهاتف، فترددت في النهاية، واتصلت بالجدّة بدلاً من ذلك.
حين اتصلت ياسمين، تأخرت الجدة طويلًا قبل أن تردّ على الهاتف.
كانت الساعة بالكاد الثامنة مساءً، والجدة معروفة بحبها لمتابعة المسلسلات ومشاهدة المقاطع على الإنترنت، فلا تنام باكرًا عادةً.
فاتصلت ياسمين على الهاتف الأرضي في الدار القديمة لعائلة الراسفي.
ردّت الخادمة قائلة:
"سيدتي الصغيرة، الجدة ليست على ما يرام هذه الأيام، إنها تستريح الآن، ولم تتناول شيئًا من الطعام اليوم."
قلقَت ياسمين وسألتها:
"ما الأمر؟ هل هو ضغط الدم؟"
أجابت الخادمة:
"زارها الطبيب العائلي وقال إنها أصيبت بنزلة برد، وضغطها غير مستقر. سيدتي الصغيرة، هل يمكنكِ العودة اليوم لزيارتها؟ حاولنا إقناعها بالراحة لكنها لا تستمع إلينا..."
ترددت ياسمين قليلاً، كانت تعلم أن تجاهل مرض الجدة بعدما علمت به ليس تصرفًا لائقًا، لا سيما أن الجدة كانت دائمًا طيبة معها، فكان من الطبيعي أن تزورها.
قالت بهدوء:
"حسنًا، سأذهب حالًا."
جمعت أغراضها واتجهت إلى الدار القديمة لعائلة الراسفي.
كانت تنوي أن تسأل الجدة عما إذا كان عمر قد عاد إلى المنزل، لكن الآن لم يبقَ سوى أن تذهب بنفسها.
عند وصولها، ناولتها الخادمة حذاءً منزليًا، فرأت ياسمين الجدة مستلقيةً على الأريكة في غرفة الجلوس. وما إن سمعت صوتها حتى جلست مبتسمة وقالت:
"ها قد عادت حفيدتي الطيبة! سمعت أنكِ في طريقكِ إليّ فخرجت لأنتظركِ، هل عدتِ توًا من العمل؟"
اطمأنت ياسمين قليلاً حين رأت أن وجه الجدة يبدو بخير، وقالت لها:
"جدتي، هل تشعرين بتحسن؟ سمعت أنكِ لم تتناولي الطعام اليوم."
ابتسمت الجدة بحنان وهي تمسك بيدها:
"لا تقلقي يا ابنتي، إنها أمور بسيطة، الكبر يجلب بعض المتاعب، ولن يضر أن أمتنع عن الطعام قليلاً، كنوع من تنظيف الجسد."
قطبت ياسمين حاجبيها وقالت:
"هذا لا يصح، أخبريني ماذا تشتهين، وسأعده لكِ بنفسي."
تألقت عينا الجدة وقالت بسرور:
"حقًا؟ إذاً أريد عصيدة الدخن، لا أحد يطهوها مثلكِ يا ياسمين."
ابتسمت ياسمين وقالت:
"حسنًا، انتظري قليلاً."
كانت قد تعلمت الطبخ من أجل عمر، وبذلت جهدًا كبيرًا حتى أتقنت إعداد الحساء والعصيدة. وكانت الجدة تمدح طهوها دائمًا وتطلب منها أن تعدّ لها بعضه بين الحين والآخر.
دخلت ياسمين المطبخ بخفة، فمنذ بدأت عملها في شركة الريادة للابتكار والتكنولوجيا لم تعد تطهو كثيرًا.
لم تعد مضطرة للعودة مسرعة في وقت الغداء لتحضير الطعام لعمر، وهذا جعل حياتها أسهل قليلاً.
لكن...
ما إن وضعت العصيدة على المائدة، حتى دوى صوت بوق السيارة عند الباب.
دخل عمر إلى غرفة الجلوس، فوقعت عيناه مباشرة على ياسمين. ثم تأمل جسدها النحيل وهي ترتدي المريلة وتتحرك بين المائدة والمطبخ، ومرّ في عينيه بريق غامض.
فرحت الجدة برؤيته وقالت مبتسمة:
"كنتُ على وشك الاتصال بك! انظر، ياسمين شعرت بتعبكِ في العمل فقررت أن تطهو لكِ بنفسها، لا أحد يهتم بكِ مثلها."
توقفت ياسمين لحظة وقد شعرت بنظرات عمر نحوها، فغمرها شيء من الارتباك.
نظرت إلى الجدة بنظرة استسلام لطيف.
كانت تعلم أن الجدة تتعمد ذلك لتقريب المسافة بينهما، لعلّ عمر يلين قلبه تجاهها.
لكن لا فائدة.
لقد حاولت ذلك طوال ثلاث سنوات، ولم يبدُ عليه يومًا أنه يهتم.
ربما كان يراها فقط امرأة تحاول إرضاءه بلا جدوى.
والآن، وهما على وشك الطلاق، فكيف سيفهم تصرفها؟
وكما توقعت، قال عمر ببرود:
"لدينا خدم في المنزل، لا داعي لهذا العناء غير الضروري."
رغم أنها اعتادت بروده، شعرت ياسمين بضيق في صدرها من كلماته.
لم تكن تطلب منه حبًا مقابل حب، لكنها لم تستحق هذا الاستخفاف أيضًا.
تدخلت الجدة بدهشة وقالت:
"وهل هذا مثل ذاك؟!"
أما عمر فجلس بهدوء إلى المائدة وغير الموضوع قائلاً:
"هل تشعرين بتحسن الآن يا جدتي؟"
ردّت الجدة بحدة خفيفة:
"عش حياتك مع ياسمين بسلام، وسأعيش عشرين سنة أخرى!"
لم تعلق ياسمين.
أما عمر فابتسم بهدوء وقال:
"لا تقلقي يا جدتي، طالما لا تشغلين بالكِ، فستعيشين عمرًا طويلًا بإذن الله."
نظرت إليه الجدة بعتاب، ثم التفتت نحو ياسمين بحنان وقالت:
"كلي أكثر يا ابنتي، وجهكِ صار نحيفًا جدًا. هل تتعبين في العمل إلى هذا الحد؟ عودي واسكني هنا، وسأجعل من يعتني بكِ."
رفع عمر نظره إليها بلا اهتمام، ولم تعرف ياسمين كيف تشرح للجدة أن نحول وجهها سببه المرض لا العمل، فاكتفت بأن ناولتها بعض الطعام محاولةً تغيير الحديث.
كان الجدة تحسنت شهيتها كثيرًا، حتى أنها شربت نصف وعاء إضافي من العصيدة.
القدر الصغير الذي أعدّته ياسمين من العصيدة كاد أن يفرغ تمامًا.
بعد انتهاء الطعام، خرج عمر لتلقي مكالمة هاتفية.
انتظرت ياسمين بضع دقائق، ثم تبعته إلى الخارج.
كان عمر تحت الرواق يدخن سيجارة، فشدّت ياسمين معطفها واقتربت منه قائلة:
"هل لديك دقيقة؟"
كانت تريد أن تتحدث معه بشأن حضوره لمراسم إحياء ذكرى والدتها.
ولما رآها تقترب، أبعد السيجارة عن يده ثم أطفأها.
سألها بنظرة فاحصة: "منذ متى وأنتِ هنا؟"
فهمت ياسمين متأخرة ما كان يقصده، وأدركت أن المكالمة التي أجراها كانت مع ليلى.
قالت بهدوء: "منذ أن أنهيت المكالمة."
رفع عمر نظره إليها، ووضع يده في جيبه وقال بنبرة باردة:
"في تلك الليلة كنتُ مخمورًا."
لم تفهم ياسمين للوهلة الأولى ما يعنيه.
ثم ابتسم بخفة وقال ببطء:
"أظن أنكِ لن تستخدمي ما حدث تلك الليلة ضدي، أليس كذلك؟"
تجمدت ياسمين للحظة، وسرعان ما أدركت أنه يقصد تلك الليلة التي جمعتهما فيها لحظة حميمية.
شعرت بقشعريرة تسري في ظهرها، ودهشة لا تصدق.
كان يقصد أن يحذرها من أن تتجرأ على إثارة سوء فهم بينه وبين ليلى؟
رفعت رأسها وقالت ببرود: "ما حدث كان خطأ بالنسبة لك، ومصدر إزعاج بالنسبة لي أيضًا، فلا تقلق يا سيد عمر."
كلماتها كانت حاسمة لا تحتمل التأويل.
تأملها عمر للحظة، وفي ظلمة الليل بدا وجهه أكثر صرامة.
ثم صرف نظره عنها وقال ببرود:
"حسنًا."
لم يضف شيئًا آخر، ثم خطا مبتعدًا.
نادته ياسمين بسرعة:
"هل ستكون متفرغًا في الرابع والعشرين؟ أريد أن أطلب منك أن..."
قاطعها قائلاً:
"تواصلي مع كريم لتحديد الموعد، ارتاحي الآن، لدي عمل الليلة."
ثم مضى بخطوات واسعة، دون أن ينتظرها تُكمل كلامها.
لكن ياسمين لم تشعر بأي انزعاج، فقد مرّت بثلاث سنوات من المواقف المشابهة.
في السنوات الماضية، لم يشارك عمر أبدًا في ذكرى وفاة والدتها، دائمًا مشغول بالعمل أو في رحلة عمل مفاجئة، وحتى عندما كانت ترجوه أن يقتطع نصف ساعة فقط، لم يوافق أبدًا.
وعندما يُتجاهل الطلب مرارًا، يبرد القلب تلقائيًا.
لكن هذا العام مختلف.
فالجدة والعائلة يولون أهمية كبيرة للذكرى الثالثة، وإن لم يحضر عمر المراسم الرسمية، فلن
يمكنها إخفاء أمر انفصالهما وخيانته.
إلا إذا...
وافق عمر على أن يذهبا معًا قبل الذكرى ليُخبرا الجدة بأنهما سيفرقان بهدوء.
لكن عمر رجل مشغول، وربما لا يرغب بذلك أصلاً.
عادت ياسمين إلى هدوئها، كأن شيئًا لم يكن.
فهي تعلم أنها في نظره ليست أكثر من شريكة عمل تحتاج إلى موعد مسبق.
أما ليلى، فلو طلبت شيئًا، لكان عمر لبّاه دون تردد، مهما كان مشغولاً.
لم تهتم ياسمين إلى أين ذهب عمر، فالجواب واضح.
بما أنه لم يبقَ في المنزل، فلن تضطر إلى تقاسم السرير معه، واكتفت بالمبيت في غرفة الضيوف.
في اليوم التالي، لم يعد عمر بعد.
غادرت ياسمين باكرًا إلى شركة الريادة للابتكار والتكنولوجيا.
كانت سارة اليوم في حال أفضل، وإن كان صوتها لا يزال مبحوحًا.
وما إن رأت ياسمين حتى قالت بوجه متجهم:
"عدتُ للتو من المستشفى، قضيتُ الليل هناك، ورأيتُ عمر يأتي أيضًا! سألتُ فعرفتُ أن والدة ليلى مريضة، ويبدو أن عمر يؤدي دوره كصهر المستقبل بإخلاص!"
توقفت ياسمين عن تدوير القلم في يدها.
بالأمس توسلت إليه بلطف ولم تجد وقتًا مناسبًا، أما مع والدة ليلى فهو حاضر في كل لحظة.
لم يكن عمر يخفي تفضيله الواضح، خصوصًا أن تلك المرأة هي منيرة.
عضت ياسمين شفتيها، ثم زفرت بهدوء، وأبعدت عن ذهنها كل ما لم يعد يعنيها.
ثم سألت سارة "هل تعرفين في مدينة النور أي مؤسسة متخصصة في جمع أو بيع اللوحات الحديثة؟"
أنهت سارة زجاجة الدواء الفموي وهي تتأفف من طعمه، ثم التفتت نحو ياسمين قائلة:
"مثل هذه الحالات كثيرة، أليس كذلك؟ هناك مؤسسات مختلفة تشتري اللوحات من مصادر متعددة ثم تعيد بيعها."
سألتها باستغراب:
"ما الأمر؟"
فأجابت ياسمين وهي تضغط على صدغيها:
"أمي فقدت لوحة لها قبل سنوات، وكانت ما تزال تفكر فيها حتى قبل وفاتها. والآن اقتربت الذكرى الثالثة لرحيلها، وأتمنى أن أجدها لأحقق أمنيتها الأخيرة."
تذكرت سارة أنها سمعت جدتها تذكر تلك القصة مرة.
كانت اللوحة غير مكتملة، إذ كانت جزءًا من مشروع تخرج والدتها، لكنها لم تُستخدم في النهاية.
وعندما عادت والدتها إلى مدينة النور بعد التخرج، ربما انتقلت اللوحة بين الأيدي، فأسواق المدينة مزدحمة، وقد أجد خيطًا هناك.
فكرت سارة قليلاً ثم قالت بجدية:
"سأحاول أن أستفسر عن الأمر، انتظري مني خبرًا."
ابتسمت ياسمين شاكرة، لكنها لم تعلّق آمالاً كبيرة، فالأمر يشبه البحث عن إبرة في كومة قش.
لكن ما لم تتوقعه ياسمين أن سارة عادت إليها بخبر في منتصف النهار.
قالت وهي تفتح هاتفها:
"الأسبوع القادم سيكون هناك معرض خاص لأحد الهواة الأثرياء، يضم لوحات حديثة من فنانين من مختلف الدول. الرجل يملك مبنى في مدينة النور خصصه لعرض مجموعته، وهناك طابق كامل لعرض لوحات وخطوط جده، شيء فخم فعلاً."
ثم أضافت بصوت خافت بعد أن أطلقت زفيرًا:
"لكن..."
"لكن ماذا؟"
"المالك هو من عائلة الصيفي، وهم يقيمون هذا المعرض كل عام، لكنه بدعوات خاصة فقط، مخصص للنخبة، ولا يُسمح لعامة الناس بالدخول."
بدت الدهشة على وجه ياسمين.
فهي تعرف عائلة الصيفي جيدًا، فهي من العائلات الثرية المرموقة مثل عائلة الراسفي، ودخول دوائرهم ليس بالأمر السهل.
تنهدت سارة بأسف: "ليس لدي أي وسيلة للحصول على دعوة داخلية."
في تلك اللحظة دخل وائل إلى المكتب وهو يحمل بعض الملفات وسأل: "أي دعوة داخلية؟"
أضاءت عينا سارة على الفور وقالت بحماس: "وائل، هل تعرف أحدًا من عائلة الصيفي؟"
رفع حاجبيه قائلاً: "أعرف الابن الأكبر، لكنه يعيش في الخارج. لماذا تسألين؟"
تدخلت ياسمين بسرعة: "هل يمكنك التواصل معه؟"
هز وائل رأسه قائلاً: "صعب جدًا، فهو طبيب يعمل في مناطق نائية لتقديم المساعدات الإنسانية، وغالبًا لا يتوفر لديه اتصال."
سألت سارة: "والمعرض؟ هل لديك طريقة أخرى؟ ياسمين ترغب في الذهاب."
ابتسم وائل ووضع الملف على الطاولة: "صدفة جميلة، فقد وصلتني قبل أيام دعوة داخلية، يمكنكِ الذهاب باسمي."
شعرت ياسمين بالراحة أخيرًا، وكأن حملاً ثقيلاً زال عن صدرها.
في يوم الموعد المحدد لجلسة العلاج الإشعاعي، ذهبت ياسمين إلى المستشفى وحدها.
كانت تجهل الكثير عن هذا النوع من العلاج، ولم تستطع إخفاء توترها.
لاحظت الممرضة ذلك فابتسمت قائلة:
"لا تقلقي، العلاج الإشعاعي الموضعي لا يسبب ألمًا كبيرًا."
ثم ترددت قليلاً قبل أن تسأل:
"ألم يرافقكِ أحد من العائلة؟"
ابتسمت ياسمين بهدوء:
"لا بأس، أستطيع أن أتعامل مع الأمر وحدي."
نظرت إليها الممرضة بعينين يملؤهما التعاطف، لكن ياسمين تجاهلت تلك النظرة.
تذكرت الأيام الأولى بعد تشخيصها، حين كانت خائفة وتائهة، وقد رغبت بالاعتماد على عمر، لكنه خذلها يومها وذهب ليحتفل بعيد ميلاد ليلى...
ومنذ ذلك اليوم، لم تعد تتوقع شيئًا منه.
كان مجال الإشعاع مقتصرًا على منطقة البطن، والألم محتمل، لكن الغثيان كان شديدًا، فتقيأت مرتين أثناء الجلسة.
بعد انتهاء العلاج، شعرت بالإرهاق الشديد.
وبينما كانت تستريح قليلاً، رن هاتفها.
كان المتصل من رقم هاتف دار النقاهة حيث يقيم خالها.
تلك الدار من أفضل المؤسسات الطبية الخاصة في مدينة النور، باهظة الثمن لكنها تقدم رعاية ممتازة.
"الآنسة ياسمين؟ المريض سامر يحتاج إلى تسديد بعض الرسوم، متى يمكنكِ الحضور؟"
وضعت يدها على بطنها وقالت بصوت خافت: "سآتي الآن."
كانت المصحة تقع خلف قسم العيادات الخارجية، والمسافة لم تكن بعيدة.
عندما وصلت ياسمين، دفعت عشرين ألف دولار دفعة واحدة.
وما إن أنهت توقيع الأوراق حتى سألتها الممرضة المسؤولة أمامها: "الآنسة ياسمين، هل تمانعين في نقل المريض سامر إلى غرفة أخرى؟"
تجمدت ياسمين لحظة وقالت بدهشة: "نقل غرفة؟"
فشرت الممرضة قائلة: "الأمر أن أحدهم أعجب بغرفة خالكِ، ويريد التفاهم معك لتبديلها. أي شرط تضعينه سيوافقون عليه."
فالمكان هنا مستشفى خاص، وبعض الطلبات تُناقش عادة بالتفاهم.
عقدت ياسمين حاجبيها وقالت ببرود: "أخبريهم أننا لن نبدل الغرفة."
خلال هذه السنوات التي مرض فيها خالها، أنفقت مبالغ كبيرة على علاجه.
أما فندق جدتها فكان يمر بأزمة ولا يحقق أرباحًا تُذكر، وكانت هي من تغطي العجز.
راتبها من عملها في العلاقات العامة كان يذهب معظمه إلى المستشفى.
الغرفة التي اختارتها لخالها ليست الأغلى، لكنها تتميز بإضاءة وتهوية جيدتين وإطلالة مريحة، وقد اعتاد عليها خالها.
لذلك، لم يكن هناك أي مجال للتبديل.
ترددت الممرضة قليلاً وبدا عليها الارتباك.
وقبل أن تتكلم، رفعت بصرها نحو الخلف وقالت فجأة: "السيد عمر، هذه هي قريبة المريض في الغرفة 206، ربما يمكن أن نتحدث معًا؟"
3
توقف قلب ياسمين للحظة، ثم استدارت بدهشة.
في الجهة الأخرى، كانت ليلى تمسك بذراع منيرة وتنظر إلى ياسمين دون أي مفاجأة.
وبالقرب منهن، كان يقف عمر، بملامحه الهادئة ونظرته الباردة المعتادة.
نظر إليها بعينيه السوداوين دون أن يُظهر أي انفعال، أما ياسمين فشعرت بأن قلبها يهبط إلى القاع.
كان لديها شعور سيئ بما سيحدث.
قالت ليلى أولاً لمنيرة: "أمي، تفضلي إلى الداخل لتستريحي."
أومأت منيرة برأسها، ولمحت ياسمين بطرف عينها وقالت قبل أن تدخل: "آه، اتضح أنها أنتِ. إذًا دعي عمر وليلى يتحدثان معكِ بهدوء."
تغير وجه ياسمين، فطريقة منيرة في الكلام أوحت وكأن عمر وليلى زوجان بالفعل، ولم يكن الأمر نقاشًا بل أقرب إلى إشعار بالأمر الواقع.
هل أرادت أن تقول إنهم عائلة واحدة، وأنهم يقفون جميعًا ضدها؟
نظرت ياسمين إلى عمر بنظرة فيها سخرية خفية.
كان هذا يوم علاجها الأول، تتنقل وحدها في هذا المستشفى الكبير وهي متعبة من الألم، ولا أحد بجانبها.
لكن، متى لم يكن الأمر كذلك؟
فخلال السنوات الثلاث الماضية، لم تجد أحدًا تعتمد عليه.
أما عمر، زوجها طيلة تلك السنوات، فها هو اليوم في المستشفى نفسه يرافق عائلة ليلى!
والآن يريدون أيضًا الاستيلاء على غرفة خالها؟
قالت ليلى بنبرة هادئة لكنها خالية من أي رغبة في التفاهم:
"أمي تحب شجرة الأكاسيا التي تُرى من نافذة تلك الغرفة، هل يمكن أن يتنازل خالكِ عنها؟"
كانت كلماتها لطيفة في ظاهرها، لكنها لم تحمل أي نية حقيقية للنقاش.
فهي لم تكن ترغب أصلاً في الحديث مع ياسمين، لكنها اضطرت لذلك لأن والدتها أعجبت بتلك
الشجرة، وتظن أن منظرها في الربيع سيكون جميلاً.
ابتسمت ياسمين ابتسامة خفيفة، وثبّتت نظرها على وجه عمر قائلة:
"لن أبدل الغرفة."
هل منيرة اختارت بالصدفة غرفة خالها؟
ياسمين لم تصدق أن ذلك مجرد مصادفة.
ففي المرة السابقة، عندما تعلّق الأمر بالمنزل، لم تنجح منيرة وليلى في خطتهما، ولا شك أنهما ما زالتا تحملان شيئًا من الحقد.
والآن، بعد أن عادت منيرة إلى البلاد للعلاج، وجدت فرصة لتضايق عائلة الحليمي عمدًا.
تجهمت ليلى قليلاً.
الأمر بينها وبين ياسمين، لكن هذه الأخيرة لم تتحدث إليها مباشرة، بل ظلت تنظر إلى عمر.
وذلك ما كانت ليلى تكرهه بشدة، لم تكن تحب أن يكون بينهما أي تواصل.
قال عمر بهدوء وهو يلتفت نحو ليلى: "اذهبي ورافقي والدتكِ."
كان صوته متزنًا، وكأنه يريد أن يتحدث مع ياسمين على انفراد.
ترددت ليلى للحظة، وظهر في عينيها شيء من عدم الرضا، لكنها كانت تعرف أن عمر لا يحمل أي مشاعر تجاه ياسمين، فلم تجد داعيًا للقلق.
قالت بابتسامة خفيفة: "حسنًا، بعد حديثكما سنتناول الغداء معًا."
ثم رمقت ياسمين بنظرة متعالية ودخلت الغرفة.
عندها التفت عمر نحو ياسمين بنظرة باردة.
لاحظ أن وجهها كان شاحبًا، وفي يدها كيس أدوية.
توقف بصره عند الكيس لحظة، ثم رفع حاجبه قليلاً وقال: "حددي السعر."
كانت كلماته حازمة ورسمية إلى حدّ جعل عيني ياسمين ترتجفان.
شعرت بتوتر أعصابها، وجسدها الخفيف بعد جلسة العلاج الإشعاعي جعلها بالكاد تتمالك نفسها، فاستندت بخفية إلى مكتب الممرضة لتستعيد توازنها.
تنفست ياسمين بعمق وقالت: "هناك الكثير من الغرف الفاخرة الأخرى، لماذا يصرون على غرفة خالي؟ ما نواياهم بالضبط؟"
نظر إليها عمر بهدوء وقال: "من المهم أن يبقى المريض في مزاج جيد. يمكنني نقل خالكِ إلى أفضل غرفة، وسأدفع تكاليف السايف السنة كاملة دفعة واحدة."
لم يُرد أن يطيل الحديث، كانت لهجة رجل يتعامل بالعمل فقط.
كان واضحًا أنه يفعل كل هذا فقط لإرضاء والدة ليلى، لا أكثر.
منذ مرض خالها، لم يمدّ عمر يد المساعدة ولو مرة واحدة، فكيف الآن يدفع تكاليف غرفة فاخرة لعام كامل، تصل إلى مئات الآلاف، إلا لأجل عائلة ليلى؟
كانت ياسمين قد فكرت سابقًا بنقل خالها إلى غرفة أفضل، لكنها لم تكن تملك القدرة المادية، وحتى بصفتها زوجة السيد عمر، لم يكن يُسمح لها باستخدام هذا الاسم لتسهيل الأمور، فبقيت تؤجل الأمر مرارًا.
وحين رأت جديّة عمر، هدأت قليلاً وقالت بهدوء: "هل أعتبر هذا أنك تطلب مني خدمة؟"
رفع عمر حاجبه وقد فهم قصدها: "وما هو الشرط الذي تريدينه؟"
قالت بصوت خافت يخلو من الثقة: "الغرفة الفاخرة من حق خالي، فلا تدخلها في الشروط. أما ما أريده، فهو أن تعتبر أنك مدين لي بخدمة، أستطيع أن أطلبها منك في أي وقت، هل هذا مقبول؟"
كانت تعرف أن عمر ما زال يتحدث معها بلين، ولو رفضت، لكان بإمكانه التحدث مباشرة مع إدارة المستشفى، وربما يُجبر خالها على ترك الغرفة.
لقد سببت له مشكلة من قبل بشأن بيت جدتها، وجعلت ليلى تشعر بالضيق، وربما هذه المرة لن يمنحها أي تساهل.
لذلك رأت أن الأفضل أن تضمن لنفسها شيئًا من الأمان.
لم تكن تطمع في شيء من عمر، لكنها منذ عودة منيرة إلى البلاد، وهي تشعر أن هناك ما يُدبّر ضد عائلة الحليمي، فقررت أن تطلب وعدًا يضمن لها شيئًا في المستقبل.
كانت تعلم أن وعد عمر له وزنه، لكنها لم تكن واثقة من أنه سيقبل شروطها، فهو لا يحمل لها أي مشاعر، فكيف سيتحمّل أن تتجاوز حدودها؟
عضّت شفتيها بخفة، وحين التقت نظراته، وجدته يحدّق فيها بتفكير عميق.
نظر إلى وجهها الشاحب، وظلا يتبادلان النظرات طويلاً، ثم خفّف من حدّة صوته وقال: "حسنًا، كما تشائين."
نظرت إليه ياسمين بدهشة، وعيناها تتسعان من المفاجأة، لم تتوقع أن يوافق بهذه السهولة.
سألها عمر وكأنه لم يرَ دهشتها: "هل لديكِ طلب آخر؟"
استعادت هدوءها وقالت: "أتمنى ألا تزعجوا خالي أثناء وجودكم هنا."
كانت كلماتها واضحة، فهي لا تريد أن يرى خالها أي مشهد حميم بين عمر وليلى، فذلك لن يجلب إلا الإحراج للجميع.
تأمل عمر ملامحها الجادّة، ومرّ في عينيه بريق غامض، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة فيها شيء من السخرية، ولم يجبها، بل استدار وعاد إلى الغرفة.
تنفست ياسمين بارتياح عميق، ولم تلتفت بعدها إلى ما يجري بين ليلى وعمر، بل توجهت إلى غرفة خالها.
كان عمر سريع التنفيذ، فقد أبلغتها الممرضة أن الغرفة في الطابق الثاني عشر أصبحت جاهزة، وتتمتع بإضاءة ممتازة وإطلالة جميلة.
جمعت ياسمين أغراض سامر ونقلتها معه إلى الأعلى.
نظر إليها سامر باستغراب وقال: "لماذا ننتقل فجأة؟"
أجابته بابتسامة هادئة: "وصلت أرباحي مؤخرًا، وأردت أن أختار لك غرفة أفضل."
تأملها سامر للحظة، ولما رأى ملامحها مطمئنة، لم يسأل أكثر.
الآن أصبح خالها في الطابق الثاني عشر، بينما منيرة الزهري في الطابق الثاني، والمسافة بين الطابقين وهيكلهما المعقّد يجعل احتمال لقائهما ضعيفًا جدًا.
ما دام عمر لا يأتي متباهيًا، فلن يحدث أي إشكال.
شعرت ياسمين ببعض الارتياح أخيرًا.
تناولت الغداء مع سامر، وبعد أن هدأت حالتها وتعافت من آثار العلاج، عادت إلى شركة الريادة لتُنهي ما تبقى من عملها.
أما عمر، فلم يتواصل معها بعدها.
في اليوم التالي، وقبل انتهاء الدوام، تلقت ياسمين اتصالاً من الجدة:
"يا حبيبتي، متى تنتهين من عملكِ؟"
أجابت ياسمين وهي تُغلق الحاسوب: "حالاً."
قالت الجدة بفرح: "ممتاز! لقد أرسلت عمر ليأخذكِ، عودي معه إلى البيت، فهناك أمر أريد منكما الحضور من أجله."
تفاجأت ياسمين قليلاً: "جدتي، لكن لدي بعد قليل..."
قاطعتها الجدة: "لقد وصل إلى أسفل المبنى، انزلي مباشرة."
"..."
فركت ياسمين صدغها المتعب، فهي تعلم أن عمر لم يكن ليأتي لولا أمر الجدة الصريح.
جمعت أغراضها على عجل، ثم نزلت.
وكما توقعت، رأت سيارة بنتلي موشان متوقفة أمام المبنى.
نزلت النافذة، ونظر إليها عمر من مقعد السائق قائلاً ببرود: "اصعدي."
كان المشهد غريبًا نوعًا ما.
فخلال سنوات عملها في شركة الأفق الأزرق، حتى عندما كانت الجدة تطلب منه مرارًا أن يقلّها، لم يسبق له أن عاد معها في سيارة واحدة.
أما الآن، وبعد أن تركت الشركة، وكفت عن التحفظات، أصبح الأمر ممكنًا أخيرًا.
فكرت ياسمين قليلاً، ثم قالت بهدوء:
"لا داعي، أرجوك أخبر الجدة أن لدي أمرًا عليّ إنجازه."
ردّ ببرود وهو ينظر إلى ساعته: "يمكنكِ إخبارها بنفسكِ، لستُ رسولاً لكِ."
لاحظت ياسمين نبرته الجافة.
وفكرت أن الوقت ليس مناسبًا للجدال، خصوصًا أن مسألة والدتها لم تُحسم بعد، فتقدمت نحو السيارة.
نظرت غريزيًا إلى المقعد الأمامي، ثم جلست في المقعد الخلفي، فهي تعرف قواعده جيدًا، فمقعد الراكب الأمامي محجوز لحبيبته.
أدار عمر وجهه نحو السائق وقال ببرود: "ارفع درجة التكييف."
تجمدت ياسمين لحظة.
هل يهتم لأمرها؟
لكنها سرعان ما خفضت نظرها، فربما فعل ذلك بدافع اللياقة، لا بدافع العاطفة.
عند عودتهما إلى الدار القديمة لعائلة الراسفي، كانت رنا قد أنهت لهوها مع صديقاتها، وجلست على الأريكة تتحدث معهن عبر الهاتف، بانتظار العشاء.
وحين رأت ياسمين، تمتمت باستياء:
"كنت أعلم أنكِ ستستغلين الجدة لتقريبكِ من أخي، لولاكِ لكان الآن مع زوجته في السينما..."
لم ترد ياسمين، فقد أصبحت معتادة على هذا الكلام.
ولم تستغرب مزاج عمر البارد، فهو على ما يبدو كان مضطرًا لقطع موعده مع ليلى بسببها.
خرجت الجدة من القاعة الجانبية قائلة:
"العشاء جاهز، تعالوا لتناول الطعام."
1
كان جناح الجدة في مكان هادئ بعيد عن الفناء الرئيسي، ولا يزورها بانتظام سوى عمر ورنا.
وما إن جلسوا إلى المائدة، حتى بدأت الجدة تُرسل النظرات إلى عمر:
"ذلك الطبق بعيد عن ياسمين، ناولها منه."
نفذ عمر الأمر ببرود، دون اعتراض.
كانت ياسمين تدرك أن ما تفعله الجدة لن يُجدي نفعًا، فالمشاعر لا تُفرض بالقوة.
أما رنا، فقد كانت منشغلة بهاتفها منذ بداية العشاء، وكتبت ليلى:
[الجدة أجبرت أخي أن يُعيد ياسمين للبيت، فتعطل موعدكما الجميل، كم هي مزعجة تلك الياسمين!]
ردت ليلى: [لا بأس، فأنا مع أخيكِ كل يوم أصلاً.]
ثم أرسلت لها صورًا لبعض الملابس الجديدة لتختار منها.
نظرت رنا إلى عمر المقابل لها وكتبت:
[أخي، ارتديه ودعيني أراه عليكِ.]
ولم تلبث ليلى أن أرسلت لها الصور.
فأشرقت عيناها حالما رأتها.
فتحت الصورة بحيث لا تراها الجدة، وقدمت الهاتف لعمر قائلة: "أخي، أليست مذهلة؟"
كانت ياسمين تجلس بجانبه، ورأت من طرف عينها الصورة على الشاشة.
ظهرت ليلى مرتدية فستانًا من الدانتيل بحمالات رفيعة، ذو فتحة صدر عميقة تكاد تُظهر أكثر مما تُخفي...
تألقت عينا ياسمين للحظة، واشتدت قبضتها على العيدان دون وعي.
لم يَفُت رنا ذلك الوميض في عينيها، فازدادت ابتسامتها اتساعًا، ومدّت الهاتف أمام عمر بإصرار، مطالبةً بإجابة واضحة: "أخي، هل أعجبتك أم لا؟"
وقع بصر عمر البارد على الشاشة، دون أن يظهر على وجهه أي انفعال.
ثم نظر إلى رنا نظرة تحذير صريحة.
ارتبكت رنا قليلاً وسحبت هاتفها بسرعة.
كانت تعلم أن علاقة أخيها بزوجته لا يمكن الإعلان عنها بعد، لكنها لم تستطع كبح فضولها تجاه ردة فعل ياسمين، ولم تكن تنوي إغضاب عمر.
سألت الجدة، وقد لاحظت التوتر في الجو: "ما الأمر؟"
ابتسمت رنا واقتربت منها قائلة بمزاح: "لا شيء يا جدتي، فقط أريتُ أخي شيئًا يحبه كثيرًا."
لم تفهم الجدة ما يدور بينهما، فاكتفت بربت رأس الفتاة بلطف، دون أن تسأل أكثر.
أما ياسمين فبقيت منخفضة الرأس، وملامحها هادئة كصفحة ماء ساكنة، باردة إلى حدّ أنها بدت كغريبة تراقب من بعيد قصة "حب" يحسدها الجميع.
أنهى عمر طعامه، ووضع العيدان جانبًا، ثم صعد إلى الطابق العلوي.
تذمرت الجدة قائلة:
"ما إن ألتفت حتى يختفي! ياسمين، اذهبي ناديه لينزل."
كانت ياسمين تفكر في عذر لتغادر، لكن أمام إصرار الجدة لم تجد بدًا من الامتثال.
صعدت، وطرقت الباب.
لم يُجب أحد.
فدفعت الباب ودخلت، لتجد عمر خارجًا من الحمام.
كان قد أنهى استحمامه للتو، وشعره الأسود ما زال مبللاً، يرتدي ملابس منزلية مريحة تُبرز كتفيه العريضتين وخصره الضيق وعضلات صدره الواضحة.
وفي يده هاتف يتحدث به مع أحدهم.
تجمدت ياسمين في مكانها، وراودها خاطر لم يكن ينبغي أن يخطر ببالها.
فرنا عرضت عليه صورة ليلى الجريئة، ثم صعد عمر بعد ذلك مباشرة ليستحم، والآن يبدو منشغلاً بمحادثة حماسية عبر الهاتف، وإن كانت ليلى هي الطرف الآخر، فربما أرسلت له صورًا أكثر خصوصية.
إذًا...
استحمامه في هذا التوقيت بالذات يحمل أكثر من معنى...
سألها فجأة وهو يقترب بخطوات هادئة ونظرة حادة صافية: "فيما تفكرين؟"
انتبهت ياسمين على صوته، وأسرعت بتحويل نظرها بعيدًا عن جسده، قائلة ببرود: "جدتك تطلبك في الأسفل."
نظر إليها عمر بوجه خالٍ من التعبير، وتجاوزها متجهًا نحو السلم دون تعليق.
نزلت خلفه، لتجد في الصالة رجلاً مسنًا بشعر أبيض، يرتدي بدلة رمادية على الطراز التقليدي، ووجهه مفعم بالود.
أشارت الجدة بيدها قائلة:
"ياسمين، عمر، هذا هو السيد ناصر الهادي، أحد كبار أطباء الطب التقليدي. دعوته خصيصًا ليفحص نبضكما ويساعدكما على تحسين حالتكما الصحية."
تغير وجه ياسمين على الفور.
كانت تعلم أن الطبيب الذي تستدعيه الجدة لا بد أن يكون خبيرًا حقيقيًا، ولم يكن صعبًا عليها أن تفهم مقصد الجدة:
أن تتحقق إن كان في جسديهما ما قد يؤثر على الإنجاب.
لكن مهما كانت نية الجدة، فإن فحص النبض قد يُظهر مرضها الخطير الذي تخفيه.
أما عمر، فبدا أكثر هدوءًا.
كانت الجدة تفكر في هذا الأمر منذ مدة، إذ رفض الاثنان الذهاب إلى المستشفى للفحص، فقررت أن تستدعي الطبيب إلى المنزل.
فهي تريد الاطمئنان على صحتهما، من أجل النسل، ولأنها لاحظت أن ياسمين فقدت الكثير من وزنها مؤخرًا، فخشيت أن يكون في الأمر ما يقلق.
قالت الجدة بحزم: "تعال بسرعة يا عمر، أنت أولاً!"
نظر عمر إليها، وقد فهم مقصدها، وقال بنبرة هادئة: "حالتي الصحية ممتازة، يمكنكِ أن تسألي ياسمين."
تصلبت ملامح ياسمين، بين الارتباك من الموقف، والحرج من كلماته.
لم تستطع إنكار الحقيقة:
عمر يتمتع بصحة ممتازة، خصوصًا في الجانب الحميمي، فعلى الرغم من برود العلاقة بينهما منذ ثلاث سنوات، إلا أنه في هذا الجانب لم يُقصر معها يومًا.
صرخت الجدة بخجل وغضب: "يا لك من ولد! ألا تستطيع أن تكون أكثر تحفظًا؟!"
ثم ضربته على ظهره بقوة وأضافت: "اجلس بهدوء!"
جلس عمر دون اعتراض.
أخذ السيد ناصر نبضه، وبعد لحظات ابتسم قائلاً: "نبضه قوي، والطاقة الحيوية لديه ممتازة، وصحته في جميع الجوانب جيدة جدًا."
أعاد عمر يده بهدوء، ونظر إلى الجدة قائلاً بنبرة باردة: "هل أنتِ راضية الآن؟"
اطمأنت الجدة قليلاً، لكنها مع ذلك أمرت الخادمة أن تحضر له وعاءً من الدواء قائلة:
"اشرب هذا المقوّي، فهو مفيد لجسمك."
ولأن الجدة كانت مصرّة، لم يرَ عمر داعيًا للجدال معها، ولم يسأل حتى عن نوع الدواء، بل رفع الوعاء وشربه دفعة واحدة.
ابتسمت الجدة برضا، ثم التفتت نحو ياسمين التي كانت غارقة في التفكير وقالت:
"ياسمين؟ تعالي، دعي السيد ناصر الهادي يفحصكِ قليلاً ويهتم بصحتكِ."
رفع عمر نظره إليها ببطء، بينما قبضت ياسمين أصابعها بتوتر.
شعرت بانسداد في حلقها وقالت بصوت خافت: "أنا..."
لا يمكنها أن تسمح له بالفحص.
فالسيد ناصر طبيب تقليدي بارع، وكان لسنوات يتولى رعاية الجدة، ولو فحصها الآن لاكتشف حالتها الحقيقية.
سألتها الجدة بقلق: "ما بكِ يا ياسمين؟"
شحب وجه ياسمين وقالت:
"جدتي، أنا بخير حقًا، لا داعي لأن أزعجكم."
قالت الجدة بإصرار وهي تمسك بيدها:
"لقد نحفتِ كثيرًا، وأشعر أنكِ لا تهتمين بنفسكِ كما يجب. لا بأس، مجرد فحص بسيط ووصفة دواء مقوّي لن تضر."
تسارعت أنفاس ياسمين، وبدأ العرق البارد يتصبب من راحتيها.
لقد وجدت نفسها في موقف لا يمكن التراجع عنه.
_____________________
شنو تتوقعون راح يصير ؟
لتنسون التصويت و التعليق اللطيف
