رواية عمر الراسني وياسمين الفصل الحادي عشر 11
فلو انكشف مرضها الخطير، لا تدري ما الذي قد يحدث بعدها!
نظرت لا إراديًا نحو عمر، الذي بدا كأنه خارج الموقف تمامًا.
لكن حين التقت نظرتهما، لم يتغير تعبير وجهه.
حتى وقفت ياسمين أمام السيد ناصر الهادي، وقلبها يكاد يحترق قلقًا.
وفجأة، أمسك بمعصمها وسحبت إلى الخلف لتصطدم بصدرٍ قوي.
رفعت رأسها بذهول، لترى عمر بملامح جامدة وهو يقول ببرود:
"جدتي، نحن الشباب بصحة جيدة، فلا داعي لأن تقلقي، لدينا ترتيباتنا الخاصة."
ثم سحب ياسمين وصعد بها إلى الطابق العلوي.
وقفت الجدة مذهولة تحدّق في ظهريهما، بينما ابتسم السيد ناصر الهادي وهو يلمس لحيته قائلًا بنبرة ذات مغزى:
"إذا سار الأمر كما هو متوقع، فستظهر النتيجة الليلة."
أشرقت ملامح الجدة فرحًا وقالت:
"هذا أفضل ما يمكن!"
وحين وصلا إلى الطابق العلوي، لم يهدأ خفقان قلب ياسمين بعد.
بدأ التوتر يخف قليلًا، لكنها ما زالت غير قادرة على فهم تصرف عمر، الذي جلس بعد دخوله الغرفة على الأريكة يتفقد حاسوبه.
هل... كان يساعدها؟
لكن لماذا؟
فهو لا يعرف شيئًا عن حالتها الصحية.
حتى لو لم يكتشف السيد ناصر الهادي إصابتها بسرطان الرحم، فسيلاحظ بالتأكيد أن رحمها تعرض لإصابة جعلت الإنجاب صعبًا، وتفسير ذلك لن يكون سهلًا أبدًا.
لاحظ عمر نظراتها، فرفع عينيه نحوها وقال بهدوء:
"في المرات القادمة، إن رتبت الجدة شيئًا لا يعجبك، يمكنكِ أن ترفضي مباشرة."
أجابت ياسمين وهي تضغط شفتيها:
"حسنًا، شكرًا لك."
قال بنبرة باردة:
"فقط لتجنب المتاعب غير الضرورية."
عندها أدركت ياسمين قصده الحقيقي.
لم يكن يساعدها بدافع الاهتمام، بل لأنه لا يريد أن تزعجه الجدة بموضوع الإنجاب.
المرأة التي يريد إنجاب الأطفال منها ليست هي.
لم يكن يحميها من الإحراج، بل كان يحافظ على مكانة ليلى كـ "صديقته الحقيقية".
كان يبدو منشغلًا بالدردشة مع أحدهم، ولم يبدُ مهتمًا بمتابعة الحديث معها.
فآثرت الصمت، مدركة أن الجدة تراقب ما يجري بينهما الليلة لترى إن كان بينهما تقارب.
لم تردّ، بل دخلت الحمام لتستحم، ثم صعدت إلى السرير الكبير، واكتفت بشغل طرفه فقط.
نظرت إليه وقالت:
"تصرف كما تشاء."
أجاب بعد لحظة بصوت منخفض أجسّ:
"حسنًا."
لم تهتم أكثر، واستسلمت للنوم بهدوء.
وفي صباح اليوم التالي، استيقظت لتجد الغرفة خالية من عمر، والنصف الآخر من السرير ما زال مرتبًا كما هو، مما يعني أنه لم يَنَم هناك.
نظرت حولها قليلًا ثم ذهبت لتغسل وجهها، وبعدها نزلت إلى الطابق السفلي.
كانت الجدة بانتظارها، وما إن رأت ياسمين حتى أسرعت نحوها تتفحصها بعينين متسائلتين:
"لماذا استيقظتِ باكرًا هكذا؟ وأين عمر؟ هل ما زال نائمًا؟"
كانت ياسمين تشعر بشيء غريب وهي تنظر إلى الجدة التي بدت في غاية الحماس، وقالت بتردد:
"هو... رحل بالفعل."
لم تكن متأكدة متى غادر عمر الليلة الماضية، لكن من شكل السرير، كانت متأكدة تمامًا أنه لم يبت هناك.
تغيرت ملامح الجدة فجأة وقالت بدهشة:
"رحل؟ إنها السابعة والنصف فقط، استيقظت في السادسة ولم أره يغادر!"
لاحظت ياسمين أن الجدة ليست على ما يرام، فحاولت تهدئتها وسألتها بلطف:
"جدتي، ما الأمر؟"
نظرت إليها الجدة بفضول ثم تنهدت بعمق وقالت:
"الدواء الذي أعطيته له البارحة لم يكن مقويًا، بل كان... دواء يثير الرغبة."
الطب التقليدي بحر واسع من الأسرار، وقد طلبت الجدة خصيصًا من السيد ناصر الهادي أن يُحضّر الدواء بنفسه.
لكن من الواضح أنه لم يُستخدم إطلاقًا!
فحالة ياسمين لا توحي أبدًا بأنها قضت ليلة حميمة.
تصلبت ملامح ياسمين، وعضت على شفتيها دون أن ترد.
لم يكن غريبًا أن بدا صوت عمر مبحوحًا قليلًا الليلة الماضية...
أما متى غادر، فذلك ما لم تعرفه.
من الطابق العلوي، نزلت رنا وهي تتثاءب، وقالت وهي تمر بجانب ياسمين:
"جدتي، لا حاجة لأن يُعد المطبخ الفطور لأخي، فهو يتناول طعامه في الخارج."
في الخارج...
لا بد أنها كانت ليلى.
خفضت ياسمين عينيها، ويبدو أن عمر غادر الليلة الماضية ليذهب إليها.
حتى وإن أثر فيه الدواء الذي أعطته الجدة، فهو بالتأكيد لم يكن ليشعر بتلك الرغبة نحوها هي.
وفوق ذلك، بعد الصور المثيرة والدواء الذي تناوله، لا شك أن تلك الليلة بينه وبين ليلى كانت مشتعلة بالعاطفة.
اشتعل غضب الجدة وبدأت تتمتم غاضبة:
"يخرج في الصباح الباكر! ما الذي يجذبه هناك؟!"
لقد بذلت جهدًا كبيرًا طوال اليوم، وفي النهاية، هذا الشاب لا يعرف قيمة ما يُفعل من أجله!
لم تقل ياسمين شيئًا، ولم تخبرها أن عمر كان قد غادر بالفعل منذ الليلة الماضية، حتى لا تزداد الجدة غضبًا.
أما بخصوص الدواء الذي أعدته الجدة...
فقد ارتسمت على شفتي ياسمين ابتسامة ساخرة خفيفة.
في نظر الآخرين، أصبحت زوجة مهملة إلى درجة أن الجدة نفسها لجأت إلى "دواء" لإثارة اهتمام زوجها بها.
لكن ما فعلته الجدة في الحقيقة
لم يزد عمر وليلى إلا ليلة من المتعة والاقتراب.
كان افتتاح معرض عائلة الصيفي للفنون في عطلة نهاية الأسبوع.
لم يكن وائل مهتمًا كثيرًا بهذه الفعاليات، لذلك ذهبت ياسمين برفقة سارة.
وكما قالت سارة، كان المبنى لافتًا للنظر، فقد صُمم على يد مهندس معماري عالمي بطلب من الابن الأكبر لعائلة الصيفي، ويقع في قلب المنطقة التجارية الراقية، في موقع يجمع بين الهدوء والفخامة.
دخلت ياسمين وسارة إلى المعرض ببطاقة الدعوة الخاصة بعوائل.
حتى سارة، التي اعتادت حضور المناسبات الراقية، لم تستطع إخفاء دهشتها وقالت:
"يقال إن هذا المبنى كلف أكثر من عشرة مليارات، فقط من أجل الهواية!"
لكن عائلة الصيفي لا تعمل في التجارة فقط، فأصهارهم هم عائلة القطان، من كبار المسؤولين في الحكومة، ولذلك، مجرد حضور هذا المعرض يُعد فرصة للتقرب من عالم السياسة."
كانت ياسمين تدرك جيدًا خفايا الطبقات الراقية، ولم يكن غريبًا أن يكون الدخول إلى هذا الحدث صعبًا للغاية.
يتألف المعرض من خمس طوابق، الطابقان الأول والثاني مخصصان لعرض أعمال فنانين محليين وعالميين.
سارت ياسمين وسارة باتجاه قاعة العرض، لكن في منتصف الطريق، أوقفهما أحدهم.
كان مازن ينظر إليهما بعبوس وقال:
"كيف وصلتما إلى هنا؟"
نظرت إليه سارة بعدم اكتراث وقالت بحدة: "ما شأنك أنت؟ اهتم بنفسك فقط!"
رمق مازن ياسمين بنظرة سريعة ثم قال بلهجة صارمة: "هذا المكان ليس موقعًا تلتقط فيه النساء الصور من أجل الشهرة، فلا مكان هنا للعبث!"
أمسكت ياسمين بيد سارة، ونظرت بهدوء إلى مازن قائلة: "نحن هنا نيابةً عن السيد وائل."
رفع مازن حاجبيه باستغراب وقال:
"متى أصبح السيد وائل بهذه العفوية؟ يرسلكما لحضور مناسبة هدفها بناء العلاقات الاجتماعية؟"
هو يعرف سارة جيدًا، لا تهتم إلا بالمرح والـلهو، وأما صديقتها ياسمين، فماذا يمكن أن تقدم في مثل هذه المناسبة؟
كانت ياسمين تدرك أن مازن يحمل تجاهها أحكامًا مسبقة، لكنها لم تردّ، بل أمسكت بيد سارة وتوجهت إلى جناح آخر من المعرض.
وبالصدفة، مرت بجانب رجل قادم من الاتجاه المقابل.
وقع نظر أكرم القطان على وجه ياسمين، ولم يستطع أن يمنع نفسه من التوقف لثوانٍ يتأملها.
لاحظ مازن نظراته، فتقدم نحوه مبتسمًا وقال: "أكرم، تلك أختي، اعتادت أن تتصرف بلا مبالاة، لذلك أراقبها وأراقب صديقتها حتى لا تثيرًا المشاكل."
رفع أكرم حاجبيه وسأل: "كلاهما أختك؟"
وقبل أن يجيب مازن، ارتفعت أصوات الضجيج من القاعة الرئيسية.
التفتت ياسمين نحو مصدر الصوت.
لقد وصل عمر وليلى لتوهما، وبما أنهما من كبار الضيوف، هرع الجميع لتحيتهما.
كانت ليلى تبتسم بأناقة وهي تمسك بذراع عمر، تتعامل مع كلمات المديح من حولها بثقة واتزان.
رأيا ياسمين من بعيد.
أدار عمر نظره عنها ببرود، ولم يمنحها حتى نظرة إضافية.
أما ليلى، فحين تحدثت إليه، انحنى عمر قليلًا ليصغي إليها، ثم تبادلا ابتسامة خفيفة.
نظرت سارة إلى وجه ياسمين، وامتلأت غضبًا:
"من لا يعرف، سيظن أنها زوجته الحقيقية! أين مكانكِ إذًا؟"
كان تجاهل عمر لياسمين تامًا، حتى في نفس المكان لم يحاول أن يخفي ذلك.
خفضت ياسمين عينيها وقالت بهدوء دون انفعال:
"لا بأس، لنذهب إلى مكان آخر."
قالت سارة بغيظ:
"ما الذي يميز ليلى؟ تتصرف بتعالٍ وكأنها أفضل النساء، لا جمالها يضاهيك ولا قدراتها المهنية!"
اقترب مازن وقد سمع آخر كلماتها، فتجهم وجهه وقال بحدة:
"سارة! كيف تتحدثين عن الناس من خلفهم؟ ألا تعرفين الأدب؟"
ألقى أكرم القطان نظرة على سارة وياسمين معًا، ولم تعجبه طريقتهما في الحديث عن الآخرين.
اشتعل غضب سارة وردّت بحدة:
"كدت أنسى، أنت أيضًا أعمى، لكن للأسف، هي لا تراك!"
"أنتِ!" قال مازن غاضبًا، وقد بدأ استياؤه يتركز على ياسمين.
فمنذ أن أصبحت سارة صديقتها، تغير سلوكها تمامًا!
التفت إلى ياسمين وقال ببرود:
"يبدو أنكِ تحملين ضغينة تجاه الآنسة ليلى، فهلا أخبرتنا لماذا؟
هل لأنكِ أكثر كفاءة منها؟ أم لأنكِ حاصلة على مؤهل أعلى؟ أم أنكِ ببساطة تغارين منها لأنها تملك رجلًا يحبها؟"
كانت نبرته صارمة وهو يواجهها.
ففي المرة السابقة، بسبب ياسمين، لم يرَ وائل ليلى، وقد شعر حينها أن هناك شيئًا غير طبيعي.
والآن يسمعها تتحدث عنها بسوء، فازداد اقتناعه بأنها تتعمد الإساءة إليها.
هل يمكن أن تكون الغيرة فقط؟
هل تكره النساء الأخريات لمجرد أنهن سعيدت؟
وحين تذكّر أنها امرأة متزوجة، قال بحدة:
"هل لأنكِ غير سعيدة في زواجكِ، تشعرين بالغيرة من امرأة أكثر نجاحًا منكِ؟"
كان كلامه مليئًا بالافتراضات الجارحة، حتى إن وجه ياسمين الهادئ امتلأ ببرودة قاسية.
وفي تلك اللحظة، تقدمت ليلى وهي تمسك بذراع عمر بخطوات واثقة.
وسقطت كلمات مازن الأخيرة في مسامعهما بوضوح.
رفعت ليلى حاجبها بابتسامة خفيفة ونظرت إلى ياسمين نظرة غامضة.
فهي أيضًا... كانت فضولية لمعرفة الحقيقة.
لاحظت ياسمين بطبيعة الحال نظرات ليلى الموجهة إليها.
كانت تحمل ابتسامة!
تلك النظرة جعلتها تشعر بانزعاج شديد وكأنها شوكة في العين.
أما وجه عمر البارد والوسيم فلم يظهر أي تعبير، ولم يبدُ عليه أي أثر يدل على معرفة سابقة بها.
ومع تزايد الأنظار الموجهة نحوهما، ارتسمت ابتسامة باهتة على شفتي ياسمين وقالت: "الآنسة ليلى لديها بالفعل فارس يحميها، لذا يثير فضولي أن أعرف ما هو الدور الذي تلعبه الآن يا سيد مازن؟"
عند سماع هذه الجملة، بدا وجه مازن محرجًا وممتعضًا.
نظر لا إراديًا إلى ليلى.
وقد تملكه الغضب، كيف تجرؤ ياسمين على السخرية منه!
"مجرد تابع ذليل، بالطبع." لم تتردد سارة في إحراجه، فبما أن مازن يستهدف ياسمين، فهي ستقف حتمًا في صف ياسمين.
خاصة وأن مازن هو من بدأ بالاستفزاز بشكل واضح!
اسودّ وجه مازن غضبًا وقال: "سارة، لا تبالغي في وقاحتكِ، أنا فقط أبدي إعجابي بالآنسة ليلى."
لم تتمالك ليلى نفسها وقطبت حاجبيها.
كانت تظن أن ياسمين ستشعر بالحرج والارتباك، لكنها لم تتوقع أن تغير الموضوع وتوجه سهام نقدها نحو مازن ونحوها.
هي تعتقد أن مازن شخص جيد.
لكنها لا تحب أن يتم ربط اسمها باسمه، ففي النهاية، لا يوجد رجل يمكنه منافسة عمر.
أدركت ياسمين أن الموقف أصبح متوترًا.
لكنها لم تبالِ.
رفعت رأسها دون قصد.
لتلتقي عيناها فجأة بعيني عمر الواقف قبالتها.
كان ينظر إليها بهدوء، وملامحه لم تتغير، ولكن...
هل كان هناك بريق من الابتسامة في عينيه؟
تجمدت ياسمين للحظة عاجزة تمامًا عن فهم ما يقصده عمر
لقد وضعت الجميع في موقف محرج ، فلماذا... يبتسم دون غضب أو انزعاج؟
لم تستطع تخمين ما يدور في ذهن عمر.
قطبت ياسمين حاجبيها وسحبت سارة معها لتذهب وتكمل مشاهدة المعرض في قسم آخر.
بعد رحيل ياسمين
انفرجت أسارير ليلى ، ونظرت بكل ثقة إلى أكرم
الذي كان يراقب المشهد بصمت: "السيد أكرم، التقينا مجددًا."
حينها فقط ابتسم أكرم وقال: "آنسة ليلى، سيد عمر، مضى وقت طويل"
سأل عمر: "متى سيعود وسام إلى أرض الوطن؟"
تنهد أكرم بخفة: "آه، وسام الصيفي، إنه يتنقل كالشبح لعلاج المرضى وإنقاذ الناس،
لست متأكدًا، وها أنا ذا أضطر لتنظيم المعرض نيابة عنه.
سألت ليلى بفضول لأنها لم تقابل هذا الشخص من قبل: "وسام الصيفي؟"
سارع مازن للشرح: "إنه وريث عائلة الصيفي، لكنه يعمل في الطب حاليًا، وهو من أبرز الأطباء في الخارج، كما أنه ابن خالة السيد أكرم." أدركت ليلى الأمر فورًا.
لقد سمعت هذا الاسم مرة واحدة من إياد، حيث تجمعهما صداقة جيدة.
لم تكن تعلم أنه ذو شأن كبير هكذا.
أومأ عمر برأسه وقال بنبرة هادئة: "بما أنك مشغول، يا سيد أكرم، سنذهب نحن لنلقي نظرة في مكان آخر."
أشار أكرم بيده داعيًا إياهم للتفضل.
بعد أن ودع الاثنين بنظراته، التفت مازن مجددًا نحو الاتجاه الذي غادرت فيه ياسمين وسارة، وعاد وجهه ليتجهم من جديد.
بعد الكلام الذي قالته ياسمين، كيف ستتمكن الآنسة ليلى من التعامل معه؟
أمال أكرم رأسه وسأل: "ما الأمر؟"
هز مازن رأسه بقلق: "أنا فقط قلق على أختي، فقد أساءت اختيار أصدقائها، وأعتذر لأنك شهدت هذا الموقف المضحك يا سيد أكرم."
استعاد أكرم صورة ياسمين الهادئة والباردة في ذهنه.
في الواقع، لم يشعر أنها سيئة كما وصفها مازن.
سخر مازن قائلًا: "أنت لا تعلم يا سيد أكرم. تبدو ياسمين هادئة ومسالمة، لكن في الحقيقة، رأيتها بعيني وهي تستهدف الآنسة ليلى، حيث تركتها تنتظر لأكثر من ساعة في برد الشتاء القارس.
إنها لا تجيد سوى اختلاق الصعاب رغم أنها امرأة مثلها، ولحسن الحظ أن الآنسة ليلى متسامحة ولم تحاسبها."
شعر أكرم ببعض الدهشة.
لم يتوقع حدوث أمر كهذا. إذا كان الأمر كذلك. فهذا يعني أن ليلى تتمتع بطباع جيدة وحافظت على لباقتها.
هز أكرم كتفيه، ولم يصدر أي حكم في النهاية.
1
في الجانب الآخر
كانت سارة تشرح هوية أكرم: "كان جد أكرم مسؤولًا كبيرًا برتبة وزير قبل تقاعده، ووالده يشغل حاليًا منصبًا في اللجنة العسكرية.
أما أكرم فقد اتجه للتجارة، ويعمل في تصدير مواد التكنولوجيا الفائقة.
وبفضل توجيهات جده ووالده ذوي النفوذ القوي، فإن طريقه ممهد وسلس للغاية."
"علاقة مصاهرة مع عائلة الصيفي، إنه تحالف بين الأقوياء بكل ما للكلمة من معنى."
بدت ياسمين مندهشة قليلًا.
لا عجب أن معايير دخول هذا المعرض مرتفعة للغاية.
أولًا بسبب مكانة عائلة الصيفي المرموقة، وثانيًا بسبب نفوذ عائلة القطان.
فمن الطبيعي ألا يتمكن أي شخص من الحضور بمجرد رغبته في ذلك.
لا غرو إذن أن يحضر عمر بنفسه.
بعد الانتهاء من الطابق الأول
صعدت ياسمين وسارة إلى الطابق الثاني.
كان لكل قسم عرضه الأسلوبي المميز، وكانت المعروضات تبهر الأبصار.
في الواقع، كانت ياسمين مهتمة جدًا بالفنون الجميلة، فوالدتها كانت تعمل في هذا المجال، وقد نشأت وهي تتشرب هذا الفن منذ صغرها.
تفقدت الطابقين الأول والثاني، لكنها لم تجد أي لوحة تتعلق بوالدتها، مما أصابها ببعض خيبة الأمل.
"أليست اللوحات هنا معروضة للبيع؟" سألت ياسمين.
هزت سارة، التي تعرف كل شيء، رأسها على الفور وقالت: "جمع هذه الأعمال هو هواية شخصية لابن عائلة الصيفي، هذا بالإضافة إلى عرض أعمال الخط الخاصة بالشيخ الصيفي.
بصراحة، هذه المناسبة هي مجرد ذريعة لتوسيع شبكة العلاقات تحت غطاء الفن والذوق الرفيع .
هذا الأمر وضع ياسمين في موقف صعب.
إذا وجدت لوحة والدتها هنا، فكيف ستتمكن من استعادتها؟
صعدتا إلى الطابق الثالث.
سرعان ما وقعت عينا ياسمين على لوحة نال أسلوبها إعجابها وارتاحت لها.
أحبتها كثيرًا، لكن بما أنها ليست للبيع، لم يكن أمامها سوى التخلي عن الفكرة.
وبينما كانت تهم بالذهاب لتفقد مكان آخر.
جاء صوت ليلى من خلفها: "عمر، أليست هذه اللوحة مثيرة للاهتمام؟
أدارت ياسمين رأسها لتنظر.
كانت ليلى تنظر إلى نفس اللوحة التي كانت تنظر إليها هي للتو.
خفض عمر رأسه ونظر إلى ليلى: "إذا أعجبتكِ، سآخذكِ إلى الخارج للبحث عن هذا الرسام وشراء عدة لوحات منه.
ابتسمت ليلى برقة وقالت: "شكراً، ألن يكون ذلك متعباً جداً؟ " كلا "
تجمدت خطوات ياسمين للحظة.
وفي النهاية، استدارت وغادرت بهدوء.
لقد شهدت بالفعل مدى لطف عمر مع ليلى.
إنه لا يتجاهل رغبات ليلى أو مطالبها، ويلبيها دائماً في المقام الأول.
اللوحة التي أحبتها هي ولم تستطع امتلاكها.
يستطيع عمر ببساطة أن يهدي ليلى ما هو أكثر منها بكثير.
هذا هو الفرق.
5
وفي طريقها للالتقاء بسارة، ظلت ياسمين تتفقد أقسام المعرض المختلفة، محاولة العثور على أي دليل في هذا المعرض الذي يضم أكبر مجموعة من اللوحات.
وأخيراً
انجذبت أنظار ياسمين إلى لوحة في الزاوية.
انحبست أنفاسها فجأة،
وبعد اقترابها اكتشفت أن أسلوب هذه اللوحة يتطابق تماماً مع النصف العلوي للوحة التي كانت والدتها تعلقها في جامعة الميناء، الألوان، والتكوين، وضربات الفرشاة، كلها كانت متشابهة للغاية.
استدعت على الفور المسؤول عن الطابق الثالث. "أود أن أسأل، لقد أعجبتني هذه اللوحة كثيراً، هل يمكن للسيد وسام أن يتنازل عنها لي؟
أرادت ياسمين أن يتصل الطرف الآخر بالمالك الحقيقي للمعرض، وسام الصيفي.
رد المسؤول على الفور: أعتذر يا سيدتي، العرض اليوم للمشاهدة فقط وليس للبيع.
شعرت ياسمين ببعض القلق، وبينما كانت تهم بقول شيء ما.
كان مازن ومن معه قد وصلوا إلى هناك، وعندما رأى أنها تريد شراء اللوحة،
ضحك باستهزاء: "يا آنسة ياسمين، يبدو أنك قد اعتدتِ الذهاب إلى سوق الخضار كثيراً، هل تظنين أنكِ تستطيعين المساومة هنا أيضاً؟
ألم تفهمي القواعد؟
رفعت ياسمين رأسها.
لتكتشف وجود مازن وأكرم ليس وحدهما.
بل حتى عمر وليلى كانوا يتجهون نحوها.
ضمت ياسمين شفتيها وقالت بهدوء ورزانة: لأمر ما، أنا معجبة جداً بهذه اللوحة، لطالما كنت أبحث عن لوحة مفقودة لوالدتي، وهذا العمل يشبهها كثيراً،
ولهذا فكرت فيما إذا كان بإمكاننا التفاهم.
تردد المسؤول.
فجأة، ضحكت ليلى بخفة.
"أستطيع تفهم مشاعركِ." ظهرت سخرية خفيفة في عينيها: "ولكن..."
أعتقد أنكِ مخطئة،
هذه اللوحة رسمتها والدتي، يا آنسة ياسمين، من الأفضل ألا تنسب الأشياء لغير أصحابها عشوائياً.
تغيرت ملامح وجه ياسمين قليلاً.
نظرت إلى ليلى بنظرة ملؤها الدهشة.
بينما ارتسمت ابتسامة على شفتي ليلى، وبادلتها النظرة بأناقة ولباقة.
كان ذلك الهدوء والكبرياء حقيقيين تماماً، ولا تشوبهما شائبة زيف.
قطب مازن حاجبيه ونظر نحوها قائلاً: آنسة ياسمين، هل تحققتِ من التوقيع جيداً؟
اللوحات المعروضة في معرض عائلة الصيفي هي روائع فنية،
فلا داعي لأن تتصنعي الثقافة والمعرفة، حتى لا تضعي نفسكِ في موقف محرج يثير السخرية.
ومن ذا الذي لا يفهم مغزى هذا الكلام؟
إنه يكاد يصرح علناً بأن ياسمين تحاول الادعاء بما ليس لها.
وأنها تحاول نسب الفضل لنفسها في عمل فني يعود لوالدة ليلى!
أدركت ليلى أيضاً المعنى المبطن في كلام مازن.
وذلك لأن نزعة التباهي كانت هي التي تدفع ياسمين.
وفي هذا الصدد، كانت تتفق معه ضمنياً.
لم تصرح ليلى بذلك علانية، بل اكتفت بالقول بنبرة هادئة: "هذه أول لوحة باعتها أمي قبل سفرها للخارج، لم أتوقع أن أراها هنا، ولكن...
وجهت نظرها نحو ياسمين، وارتسمت ابتسامة جانبية على شفتيها قائلة: أشكركِ على إعجابكِ، يا آنسة ياسمين، يبدو أنكِ تتمتعين بذوق رفيع.
شعرت ياسمين بأن الأمر لا يصدق.
لم تكن لتصدق أن تكون الصدف متطابقة إلى هذا الحد، فمن الغريب أن يضيع النصف السفلي من لوحة والدتها، وفي الوقت ذاته تظهر منيرة بهذا العمل وتبيعه بسعر باهظ.
إذا كان حدسها في محله...
فربما تكون لوحة منيرة هذه مرتبطة بالمشكلة التي حدثت في مشروع تخرج والدتها آنذاك؟ سرعان ما استعادت ياسمين هدوءها، فقد تذكرت أن منيرة لم تدخل دائرة المجتمع الراقي إلا بفضل دعم والدتها، مما مكنها من نيل إعجاب الأثرياء والسفر للخارج للحصول على الإقامة الدائمة.
لقد صعدت على أكتاف والدتها لتحصد كل تلك الأمجاد!
لم تكن ياسمين من النوع الذي يجهل تقدير المواقف، فالجدال لن يجدي نفعاً، خاصة وأن اللوحة تحمل توقيع منيرة بشكل رسمي.
تداركت ياسمين الموقف بسرعة، وقالت بنبرة هادئة: "أنا معجبة حقاً بهذه اللوحة، هل يمكنكِ مساعدتي في التواصل مع السيد وسام؟
أنا على استعداد لشرائها بسعر مرتفع.
فهذا دليل في النهاية.
وإذا ما حصلت عليها، فستكون لديها الفرصة يوماً ما لكشف الحقيقة.
"هذه اللوحة، سآخذها." قالت ليلى بهدوء.
كانت نبرتها تحمل طابعاً من القوة، وكأنها لم تلقِ بالاً لما قالته ياسمين سابقاً.
التفتت ياسمين لتنظر إليها.
بادلتها ليلى النظرة، وبنبرة لطيفة ولكن بنظرات تحمل الاستخفاف قالت: "معذرة، هذه اللوحة تعني الكثير لوالدتي، وأرغب في إعادتها إليها.
وكان إصرار ياسمين بعد ذلك سيبدو نوعاً من الشغب غير المبرر.
خفق قلب ياسمين بشدة.
لم يكن أمامها سوى النظر إلى المسؤول.
بدا المسؤول في حيرة من أمره، فالمعرض لم يكن مخصصاً للبيع اليوم في الأساس.
لكنه كان يعلم أن الحاضرين شخصيات لا يمكنه إغضابها، لذا وجه نظره نحو أكرم الواقف هناك.
رفع أكرم حاجبيه، واضطر للتدخل قائلاً: "يمكنني اتخاذ القرار نيابة عن المالك، فلوحة واحدة ليست بالأمر الجلل، ولكن... عليكم الاتفاق فيما بينكم حول من سيحصل عليها.
"وماذا لو كنت أنا من يريدها؟"
نطق عمر بهذه الكلمات ببرود تام.
التفتت ياسمين نحوه بصدمة.
قال بهدوء: "أرجو إبلاغ السيد وسام، إذا وافق على بيع اللوحة، فإن شركة الأفق الأزرق ستقدم تنازلاً بمقدار نقطة مئوية واحدة في تعاونها مع مجموعة الصيفي.
حدقت ياسمين فيه، وبدأت نظراتها تكتسي بالبرود شيئاً فشيئاً.
حتى قلبها الذي ينبض في صدرها شعر بذلك البرود.
من أجل إرضاء ليلى، كان مستعداً لتقديم تنازل ضخم كهذا في مجال الأعمال.
وهو يعلم يقيناً أنها ترغب في تلك اللوحة بشدة...
لكنه لم يتردد لحظة في قطع الطريق عليها من أجل عيون ليلى.
"سيد عمر، هل تنوي إهداءها لـ..." سأل أكرم بدهشة، مستفسراً.
نظر عمر بطرف عينه إلى ليلى وقال: "أي لوحات أخرى تعجبكِ؟ سنقوم بتغليفها جميعاً بعد قليل."
ابتسمت ليلى على الفور ابتسامة عذبة وقالت: "شكراً لك يا عمر."
كانت المودة والحب بينهما واضحة لكل من يراهما.
كان موقف عمر واضحاً بما فيه الكفاية.
لقد كان يسعى لانتزاع ابتسامة من الحسناء، وكل ذلك من أجل ليلى فقط.
كان الأمر جلياً، طالما أن ليلى تريد شيئاً، فعلى الزوجة الشرعية أن تتنازل!
أصبحت ملامح ياسمين باردة تماماً.
كانت تدرك تمام الإدراك أنها إذا وقفت في وجه عمر، فلن تجني من وراء ذلك أي خير.
اتجهت أنظار المحيطين نحو ياسمين.
في النهاية، هزوا رؤوسهم كما كان متوقعاً.
حتى مازن اقترب قائلاً: "لماذا اخترتِ منافسة الآنسة ليلى بالتحديد؟ والسيد عمر موجود هنا، هل تظنين أنه سيسمح للآنسة ليلى بأن تخسر أو تشعر بالإحباط؟
في نظره، كانت منافسة ياسمين لليلى مجرد بحث عن المتاعب لنفسها.
سخر مازن قائلاً: "إذا كنتِ غير راضية، يمكنكِ إحضار زوجكِ ذاك لينافسنا أيضاً.
في الواقع
شعر بصدمة كبيرة عندما علم بزواج ياسمين.
في الماضي، كان يكنّ لها مشاعر إعجاب.
كانت ياسمين جميلة وتتمتع بطباع هادئة ورزينة، وكان يعتقد دائماً أنها امرأة ذات فكر وعمق، لكنه لم يتوقع أن تتزوج فجأة.
وليس هذا فحسب، بل اختارت طواعية العودة إلى المنزل لتصبح ربة منزل.
تقضي أيامها تدور حول رجل والموقد.
لقد تخلت عن طموحها تماماً!
ومنذ ذلك الحين، بدأ يشعر بالنفور تجاه ياسمين.
اتضح أنها لا تختلف عن بقية النساء.
لا يمكن مقارنتها أبداً بامرأة مستقلة مثل ليلى، التي تتمتع بقدرات عالية ومؤهلات علمية ولا تعتمد على الرجال!
لم تكترث ياسمين برأي مازن على الإطلاق.
لكنها شعرت بالسخرية في الموقف. زوجها السابق؟ أليس هو الواقف أمامها الآن،
يدلل ويحمي امرأة أخرى؟
صدفةً، عادت سارة من الطابق الرابع، ورأت مازن يحاول فرض وجوده أمام ياسمين مرة أخرى،
فاندفعت نحوه فوراً: "ما هذا الجنون الذي تفعله مجدداً؟
أمسكت ياسمين بيدها،
ثم نظرت إلى مازن ببرود وقالت: "لا توجد بيني وبينك أي علاقة صداقة، يا سيد مازن.
أرجو ألا تتدخل في شؤوني مستقبلاً، فهذا الأمر لا يخصك."
لم تكن لقمة سائغة. كل ما في الأمر أنها تحافظ على اللياقة أحياناً.
لكن إذا تجاوز الطرف الآخر حدوده معها، فلن تتسامح.
ذُهل مازن، لم يتوقع أن تكون ياسمين، المعروفة بطبيعتها، صريحة إلى هذا الحد.
نسي كيف يتصرف للحظة.
وبعد أن استوعب الأمر متأخرًا، ارتسمت على وجهه تعابير أكثر ازدراءً.
كما توقع، ياسمين ليست متسامحة مقارنة بليلى.
لا تطيق سماع كلمة حق، وتكتفي بخداع نفسها.
ذهبت ياسمين وسارة إلى ركن الشاي والقهوة، وشرحت لها باختصار ما حدث للتو.
أخذت سارة نفسًا عميقًا، وقالت بوجه متجهم: "ألا يهتم عمر ولو قليلاً بمشاعرك؟ أين العشرة بينكما؟ لماذا يتعمد ضربك في نقاط ضعفك؟!"
هل كانا زوجين حقًا؟
من يعرف الحقيقة يدرك أن عمر لا يحب ياسمين.
ومن لا يعرف، قد يظن أنه يعادي ياسمين عمدًا!
هل يعقل أن رؤية ياسمين حزينة هي متعته؟!
خفضت ياسمين عينيها.
تلك اللوحة تحمل توقيع منيرة في النهاية، وليس لديها حجة قوية لمواصلة النزاع، خاصة مع وقوف عمر كدعم لليلى، مما يعدم فرصتها في الفوز.
لم يكن أمامها سوى التفكير في خطة أخرى.
هي حقًا لا تفهم.
لقد وقعا أوراق الطلاق بالفعل، فلماذا لا يمكنه الانفصال بود؟
لكن سرعان ما أدركت الأمر.
المشكلة ليست أن عمر يعاديها شخصيًا،
بل لأنها مست مصالح ليلى.
هو لا يسمح لها بتعكير صفو مزاج ليلى!
ومع ذلك، لا بد لها من استيضاح أمر اللوحة.
في منتصف الوقت، ذهبت ياسمين إلى دورة المياه لترتيب أفكارها.
وبينما كانت غارقة في التفكير، ظهر خيال خلفها، حاجبًا جزءًا كبيرًا من الضوء.
التقت عيون ياسمين في المرآة بنظرات عمر العميقة.
نظر إليها نظرة خاطفة، وعندما وجد تعابيرها طبيعية، تقدم ليغسل يديه.
وبعد أن جففهما، همّ بالمغادرة.
لحقت به ياسمين فورًا: "انتظر، أنا..."
لم تكمل جملتها.
داست ياسمين على قلم أحمر شفاه ألقاه أحدهم هناك، ففقدت توازنها واندفعت بجسدها نحو عمر.
ظنت في البداية أن عمر لن يكترث لها.
لكن في الثانية التالية، رفع عمر يده وضمها إليه.
التقطت ياسمين بثبات تام.
لكنه لم يتركها فورًا.
خفض بصره، ورفع حاجبه قليلاً، ثم قال بلامبالاة: "الارتماء في أحضاني لن يفيدك، اللوحة لن تكون لكِ."
1
توقفت الكلمات التي أرادت ياسمين قولها في حلقها.
عقدت حاجبيها ورفعت رأسها لتنظر إليه
قائلة: "لقد أفرطت في التفكير يا سيد عمر، لم أكن أنوي طلب ذلك منك.
لم يبد عمر أي رد فعل، بل اكتفى بالتحديق في وجهها الصافي وكأنه غارق في التفكير من زاويته وهو ينظر للأسفل،
بدا ذقنها مدبباً قليلاً، ووجهها الصغير بطبيعته بدا وكأنه قد صغر حجمه أكثر خلال هذه الفترة.
مما جعل عينيها الهادئتين تبدوان أكثر اتساعاً.
فجأة، رفع يده وأمسك بذقنها، ورفعه ليتفحصه.
بينما أحاطت يده المستقرة على خصر ياسمين به برفق. "
هل تتبعين حمية لإنقاص الوزن؟"
فقد أصبح خصرها أنحف بكثير.
كانت نبرته باردة، لكن عينيه حملتا بريقاً مختلفاً:
أم أن هناك ما يشغل بالك لدرجة أنك نسيت الطعام والشراب؟
تجنبت ياسمين النظر إليه، وقد شعرت ببعض المفاجأة من رد فعل عمر.
اتضح أنه قادر على ملاحظة التغييرات التي طرأت عليها.
ولكن الأمر يقتصر على ذلك فحسب.
لو علم بحقيقة مرضها العضال، فمن غير المؤكد أنه سيهتم ولو قليلاً.
بعد أن استعادت توازنها، حاولت دفعه بعيداً
وقالت ببرود: "هل يمكنك إفلاتي الآن؟"
لم تجب ياسمين بشكل مباشر.
لم يضغط عليها عمر، بل فتح ذراعيه ليتركها تقف بثبات بمفردها.
استندت ياسمين بيدها على صدره لتستمد القوة،
وبينما كانت تهم بالابتعاد،
2
ظهر أكرم فجأة من الممر الجانبي قادماً من الخارج،
ليشهد تلك اللحظة التي كانت تخرج فيها من أحضان عمر.
تغيرت تعابير وجه أكرم فجأة لتصبح غامضة.
قبل قليل، تنازل عمر بكل كرم عن نقطة لصالح عائلة الصيفي من أجل ليلى.
وكان ذلك فقط من أجل لوحة لا يتجاوز ثمنها مائة ألف دولار.
كان من الواضح أن العلاقة بين ليلى وعمر هي علاقة حب.
أما الآن... فكيف لياسمين أن تعانق حبيب فتاة أخرى؟
كانت تعابير وجه أكرم مثيرة للتساؤل حقاً،
وأدركت ياسمين أنه لا بد وأن يضمر في نفسه تخمينات سيئة.
ولكن في مثل هذه المواقف، أي محاولة للتبرير ستبدو وكأنها اعتراف بالذنب.
حتى عندما كانت متزوجة من عمر، لم يكن يسمح لها بالإعلان عن علاقتهما الزوجية.
فما بالك بالآن؟
اقترب أكرم مبتسماً وقال: "سيد عمر، ما الذي يحدث هنا؟"
لم تتغير ملامح عمر وهو يجيب: "كنا نتحدث في بعض الأمور."
تظاهر أكرم بالفهم وقال: "حسناً، إذن لن أزعجكما."
وقبل أن يغادر أكرم.
ألقى نظرة أخرى على ياسمين.
كانت تعابيره معقدة بعض الشيء.
لقد كان متفاجئاً للغاية.
عندما تحدث مازن عن ياسمين بتلك الطريقة سابقاً،
كان يشعر دائماً أن ياسمين ليست من ذلك النوع من الفتيات.
فهي تبدو ذات شخصية هادئة ومترفعة، ونظراتها صريحة، ولا تحمل تلك الابتذال.
بالإضافة إلى أنها تتمتع بجمال فريد من نوعه.
وكان انطباعه عنها جيداً إلى حد ما.
ولكن الآن... هل تقوم بإغواء حبيب فتاة أخرى بهذه الجرأة؟
حقاً، المظاهر خداعة.
3
لم تكترث ياسمين لنظرة أكرم،
ورفعت رأسها لتنظر إلى عمر قائلة: "تلك اللوحة، لم أكن أقصد أن أطلبها منك،
يمكنك إهداؤها إلى ليلى، ولكن، هل يمكنني التقاط بعض الصور لها؟"
حتى لو لم أحصل على اللوحة الأصلية، فالصور ستكون مفيدة أيضاً.
لم يرفض عمر طلبها ورد قائلاً: "حسناً، سأرسلها لك لاحقاً."
وافق بكل بساطة.
شعرت ياسمين ببعض المفاجأة،
وتنفست الصعداء قائلة: "شكراً لك." عند سماع كلماتها المهذبة،
رمقها عمر بنظرة غامضة لعدة ثوانٍ وقال: "أنتِ مهذبة جداً."
وبعد أن أنهى كلامه.
غادر المكان أولاً.
لم تفهم ياسمين ما إذا كان يقصد المدح أم الذم،
ولم تُكلّف نفسها عناء التفكير في الأمر.
طالما أن عمر مستعد لإعطائها الصور، فبمجرد أن تجد لوحة والدتها، سيهون كل شيء.
في هذه الأثناء.
عاد أكرم إلى ركن الشاي والقهوة.
كان مازن قد انتهى للتو من تبادل التحيات مع الآخرين،
وعندما رآه عائداً، استقبله قائلاً: "أهلاً بك يا سيد أكرم، كانت الآنسة ليلى تنوي التحدث معك بخصوص المواد الجديدة لشركتكم."
رفع أكرم كأسه وأخذ رشفة من النبيذ،
بينما وقعت عيناه على ليلى التي كانت تتحدث بطلاقة مع الآخرين هناك.
واثقة من نفسها وتتصرف بأريحية.
تذكر كيف ألقت ياسمين بنفسها في أحضان عمر...
"ما هي خلفية ياسمين؟" سأل أكرم وهو غارق في التفكير.
صمت مازن قليلاً للتفكير ثم قال: "تعمل ياسمين حالياً في شركة الريادة،
ويبدو أنها مساعدة السيد وائل،
لكني أشعر أن العلاقة بينها وبين السيد وائل ليست مجرد علاقة عمل عادية."
شخص بمكانة وائل، يهتم كثيراً بامرأة متزوجة مثل ياسمين.
باستثناء وجود علاقة غرامية بينهما، لم يستطع التفكير في أي احتمال آخر.
ولهذا السبب ازداد شعوره بأن ياسمين قد انحدرت أخلاقياً إلى أقصى حد!
شعر أكرم بالمفاجأة حقاً.
بالطبع، فهم المعنى العميق وراء كلمات مازن.
يتمتع وائل بسمعة طيبة جداً في هذا المجال،
ولم يُسمع عنه أي شائعات غرامية من قبل،
كما أنه لا يتلاعب بالنساء في المناسبات الاجتماعية، ويكاد يكون مرادفاً للعفة والنزاهة.
إذا كان الأمر كذلك.
فهل يعني هذا أن ياسمين لا تكتفي بالتعلق بوائل، بل وتطمع أيضاً في عمر؟ "
لماذا تسأل عنها فجأة؟" استغرب مازن أيضاً.
أصدر أكرم صوتاً ساخراً ورفع كأسه كأنه يقول: "أشعر فقط أن المظاهر خداعة، فمن يدري أي شياطين تختبئ خلف ذلك الوجه الجميل."
وبهذا...
بدأ يشعر ببعض التعاطف مع ليلى.
لأنها تُستهدف من قبل امرأة مثلها، فقط لأن الأخيرة تريد لفت انتباه الرجال.
1
"عما تتحدثان؟"
اقتربت ليلى وهي ترفع طرف فستانها،
وعلى وجهها اللطيف ارتسمت ابتسامة خفيفة.
أومأت لأكرم برأسها تحية.
عندما رآها مازن، لم يستطع إلا أن يخفض صوته قائلاً: "كنا نقول إن الآخرين لا يقارنون بكِ حقاً، ومحاولتهم منافستكِ في كل شيء تعد ضرباً من الغرور وعدم معرفة قدر أنفسهم."
رفعت ليلى حاجبيها.
ورغم أنها لم تكن تعرف ما حدث، إلا أنها أدركت عمن يتحدث مازن.
واكتفت بهز رأسها بهدوء رداً على ذلك.
لم تحكم ولم تبد أي رأي.
وهذا ما جعل أكرم يشعر بأنه لا عجب أن عمر قد أعجب بها.
فهي حقاً راقية ومتسامحة.
"يا مازن، عمن تتحدث؟"
مرت سارة بالصدفة وسمعت جملة مازن التي كانت تحمل تلميحاً واضحاً.
كانت نبرة السخرية فيها واضحة للغاية!
لدرجة أنها لم تستطع تجاهلها حتى لو أرادت!
خاصة... أن مازن كان يغتاب ياسمين أمام ليلى، بينما كانت ليلى تتصرف وكأنها الزوجة الشرعية،
مما زاد من غضب سارة بشكل لا يوصف!
ماذا يفهم هؤلاء؟ في حين أن ياسمين هي الضحية الحقيقية!
عندما رأى مازن نظرات سارة الغاضبة والباردة الموجهة إليه،
شعر بالضيق وقال: "لم أقصد أحداً، لكن أنتِ، لم تعودي صغيرة، متى ستملكين عقلاً يميز بين الحق والباطل؟
تندفعين للدفاع عن الآخرين كل يوم، انظري فقط إلى نوعية الأشخاص الذين تحمينهم!"
لقد كانت سارة مدللة من قبل عائلتها منذ صغرها،
لم تدرس بجد في المدرسة، ولم يرغب والداها في الضغط عليها، فتركوها تعيش حياتها في اللهو والمرح.
وعندما كبرت، أرادت الدخول في مجال الاستثمار.
فطلبت من عائلتها خمسة ملايين دفعة واحدة.
لحسن الحظ، استثمرت أموالها مع وائل، وأسست شركة الريادة.
وكان هذا هو الشيء الصحيح والجدي الوحيد الذي فعلته سارة طوال حياتها.
والآن،
لا تميز بين الحق والباطل من أجل امرأة لا تملك شيئاً،
وهو لا يريد أن تستغل ياسمين سارة لتوريط عائلتهم.
عندما عادت ياسمين وعمر واحداً تلو الآخر،
رأيا سارة تحدق في ليلى مباشرة،
وتطرح سؤالاً صريحاً وقاتلاً .
"الآنسة ليلى، أنتِ تخرجين وتدخلين مع السيد عمر، لكن يبدو أنكما لم توضحا طبيعة العلاقة بينكما، هل أنتِ حبيبة السيد عمر؟ أم زوجته المستقبلية؟"
حقاً ياسمين تحركت عيناها قليلاً.
كان سؤال سارة هذا بمثابة استجواب متعمد.
خاصة وأن ياسمين كانت موجودة أيضاً، فإذا أعطت ليلى إجابة إيجابية، وقامت ياسمين بالكشف عن هويتها كزوجة عمر، فإن ليلى ستفقد ماء وجهها تماماً.
وستلتصق بها تهمة خرابة البيوت بشكل نهائي!
أدركت ليلى بالطبع النية الخبيثة الكامنة وراء كلمات سارة،
فعقدت حاجبيها ونظرت إليها بشيء من الاستياء.
فهي لا تعتقد أنها أساءت إلى سارة في شيء.
ومن مظهر سارة، يبدو أن الأمر لا يخلو من تحريض ياسمين.
لذا، ألقت ليلى نظرة خاطفة على ياسمين القادمة من تلك الناحية، ولمعت في عينيها نظرة نفاد صبر.
فياسمين لا تملك سوى هذه الحيل الرخيصة التي لا ترقى للمواجهة العلنية.
إنها لا تستطيع منافستها في أي شيء آخر، لذا تلجأ إلى هذه الألاعيب الماكرة.
في الواقع، كان مازن يشعر بالفضول أيضاً حيال هذا الأمر.
فبناءً على موقف عمر تجاه ليلى، هو يدافع عنها بشدة، لكن يبدو أنه لم يقدمها رسمياً كحبيبة له من قبل.
فإذا كان عمر مجرد ساعٍ لود ليلى...
فهل يعني ذلك أنه لا يزال لديه... فرصة؟
نظر أكرم أيضاً إلى ليلى.
منتظراً إجابتها.
ضمت ليلى شفتيها، وبينما كانت تهم بالكلام.
وقف بجانبها ظل طويل القامة وشامخ،
وجالت عينا عمر السوداوان بنظرة فاترة نحو سارة، ثم مررت بلمحة خاطفة غير ملحوظة على وجه ياسمين،
وقال ببرود: "بما أنكِ تشعرين بفضول شديد حيال هذا الأمر، يمكنكِ سؤالي أنا. صفتها هي ما أقوله أنا عنها، وكفى."
لانت تعابير وجه ياسمين قليلاً.
وتلاشى ذلك الشعور الغريب الذي انتابها للحظة تماماً. ولم يتبق سوى سكون المياه الراكدة كما كانت تتوقع.
لأن كلمات عمر هذه كانت دفاعاً، وفي الوقت نفسه تحذيراً!
فهو لن يدع ليلى تعترف بعلاقتهما بنفسها، ولن يسمح بأن يلحق بها أي عار.
سواء كانت حبيبة أو زوجة مستقبلية، طالما أنه هو من أقر بذلك، فهذا يقطع الطريق عليها لكشف حقيقة أنها هي زوجته الحقيقية!
وكيف لياسمين ألا تفهم طريقة تفكير عمر؟
فلو تجرأت وكشفت المستور، فلن يترك لها عمر أي مجال للنجاة.
لم يخش قط من أن تثير ضجة، خاصة وأن إجراءات الطلاق جارية بالفعل، بل سيستغل الفرصة ليعلن مكانة ليلى رسمياً، وحينها لن يكون في موقف محرج سوى ياسمين نفسها. حتى أنها خشيت أن يصب غضبه عليها لتشويهها سمعة ليلى، ويمتد ذلك ليطال المقربين منها. هدأت ياسمين من روعها تدريجياً.
فلأنها لم تشعر يوماً بتفضيله لها، لم يكن هناك مجال للشعور بخيبة الأمل.
لاحظت سارة أيضاً عمر الصريح الذي لا يشوبه أي تردد،
فصوبت نظرها نحو ياسمين،
وتقدمت إليها تنظر بقلق قائلة: "ياسمين..."
بادلتهما ياسمين بنظرة مطمئنة.
فهي لم تعد تكترث لمثل هذه المواقف منذ زمن بعيد.
ورغم أن عمر لم يعط إجابة صريحة، إلا أن دفاعه عنها كان واضحاً للعيان أمام الجميع.
وهذا يوضح بشكل غير مباشر أن ليلى تحتل مكانة استثنائية في قلبه.
نظر أكرم إلى ليلى،
ثم حول نظره إلى ياسمين.
وفي النهاية، ارتسمت على شفتيه ابتسامة ذات مغزى.
فبعد أن شهد تلك المسرحية المثيرة منذ وقت ليس ببعيد،
كان من الطبيعي أن يشعر ببعض السخرية.
وتخمن في نفسه.
أن الاحتمال الأكبر هو أن عمر قد رفض محاولات تقرب ياسمين منه.
أما بالنسبة لوائل...
فربما لم يدرك بعد تقلبات الآنسة ياسمين العاطفية وتعدد علاقاتها!
لم تجادل ياسمين، ولم تعد تهتم بما سيحدث بين عمر وليلى.
وبما أنها لم تعثر على لوحة والدتها هنا، قررت ألا تصر على الأمر.
سحبت سارة معها وغادرتا المكان.
لاحظ عمر حركتها، فنظر إليها بطرف عينه.
كان ظهر المرأة النحيل لا يزال منتصباً، ولم تبد أي مشاعر فرح أو حزن من البداية حتى النهاية.
وكأنه حقاً لم يعد يعني لها شيئاً.
في الماضي،
ربما كانت ياسمين لتظهر بعض الغضب، لكن في الآونة الأخيرة، أصبحت هادئة وغير مبالية للغاية.
ربما بدأ الأمر منذ خروج سامي من السجن؟
"عمر؟" لاحظت ليلى أن عمر ينظر باتجاه ياسمين.
فتجهم وجهها في لحظة، وشعرت بضيق في صدرها.
لا عجب أن ياسمين بدأت تثير المشاكل مراراً وتكراراً،
فهل كانت تحاول لفت انتباه عمر؟
"ما الأمر؟"
سحب عمر نظره، وعاد لملامحه الباردة واللامبالية، دون أن تظهر في عينيه العميقتين أي مشاعر زائدة.
شعرت ليلى ببعض الارتياح على الفور وقالت: "لا شيء، دعنا نذهب للعب الغولف الليلة، وسندعو إياد والبقية."
وافق عمر بصوت هادئ.
حينها فقط، ارتسمت ابتسامة على شفتي ليلى.
فهي لا تريد أن تسرق ياسمين ولو ذرة من انتباه عمر.
فمن الأفضل لياسمين أن تحافظ على وجودها كشخص غير مرئي.
أما بالنسبة لمكانة زوجة السيد عمر...
لم يعترف عمر بذلك قط، إذن ياسمين ليست كذلك.
شعرت سارة أن اليوم كان مشؤومًا حقًا، وأرادت أن تأخذ ياسمين للشرب والغناء في الكاريوكي، حيث كانت ياسمين تشرب القليل من الخمر للمجاملة عندما كانت تعمل في العلاقات العامة.
ولكن الآن بعد أن مرضت، أصبحت تتجنب ذلك قدر الإمكان بطبيعة الحال.
ناهيك عن ذلك،
فإن الوضع مع عمر لم يعد يؤثر عليها بهذا القدر الكبير.
ولم يصل الأمر إلى حد الحاجة لإغراق أحزانها في الخمر.
لذا قامت سارة بدعوة أصدقاء آخرين للخروج والتنزه.
1
وفي طريق عودة ياسمين إلى المنزل، اتصل بها وائل وسألها باقتضاب عن وضع المعرض الفني، فأجابته ياسمين باختصار دون الخوض في التفاصيل.
"تعالي لتناول العشاء في منزلنا غدًا، فوالدي في إجازة غدًا، وعلينا استغلال الفرصة لمصالحته."
فكرت ياسمين قليلاً. ولأن مشروعها الجديد كان يتضمن بعض النقاط المعقدة وكانت بحاجة إلى استشارة الدكتور حازم، وافقت.
"سأمر لاصطحابك غدًا."
ردت ياسمين بالموافقة.
في اليوم التالي، ذهبت ياسمين خصيصًا إلى متجر حلويات عريق في حيّ الشرق ووقفت في الطابور لشراء معجنات الفراشة المورقة التي يفضلها الدكتور حازم.
عندما وصل وائل بسيارته، نزل وفتح لها باب الراكب الأمامي، ودس في حضن ياسمين كيسًا ساخنًا من الكستناء المُحمّصة بالسكر قائلاً: "هذا ما تحبينه، تناولي القليل منه لتسدي جوعكِ مؤقتًا."
لمعت عينا ياسمين وقالت: "شكرًا لك يا وائل."
ربت وائل على رأسها ورفع حاجبيه ممازحًا: "على ماذا تشكرينني؟ انظري إليّ أكثر، ليرتقي ذوقك في اختيار الرجال مستقبلاً لأعلى مستوى ممكن."
لم تتمالك ياسمين نفسها من الضحك.
حتى غادرت السيارة.
2
حينها فقط، انخفضت نافذة سيارة بنتلي كانت متوقفة على الجانب الآخر من الطريق.
نظر إياد إلى ذلك الاتجاه بتعابير معقدة.
لقد جاء لشراء المعجنات لهالة، لكنه لم يتوقع رؤية ياسمين ووائل في... موعد خاص.
طوال فترة معرفته بياسمين، لم يرها تبتسم لأحد بمثل هذا الهدوء واللطف، وبحميمية نابعة من القلب.
هل يعقل أن ياسمين قررت حقًا التخلي عن عمر؟
شعر أن الاحتمال ضئيل.
فقد كان هو وفارس شاهدين على كيفية معاملة ياسمين لعمر طوال تلك السنوات.
أخرج هاتفه، وبعد تردد، أرسل رسالة لعمر: [ما هو وضعك مع ياسمين مؤخرًا؟]
ما لم يكن عمر يريد الطلاق،
وإلا فإنه لا يستطيع فهم سبب تواصل ياسمين مع رجل آخر.
يبدو أن عمر لم يكن مشغولاً، فرد قائلاً: [من أي ناحية؟]
عبس إياد وقد أدرك متأخرًا ما فعله.
هو... لماذا يهتم بهذه الأمور؟
علاوة على ذلك، وبالنظر إلى موقف عمر، يبدو أن الأمور لا تزال على حالها.
نقر إياد بأصبعه على جبينه، ثم رد: [لا شيء، فقط صادفتها بالصدفة قبل قليل.]
لم يخض في التفاصيل.
ومع ذلك،
كان من الواضح أن عمر غير مهتم بهذا الأمر.
لم يسأل المزيد، ولم يرد مرة أخرى.
لم يستطع إياد إلا أن يهز رأسه.
يبدو أن معاملة عمر لياسمين، باستثناء السنة الأولى من الزواج التي سادها الاحترام المتبادل والوئام، أصبحت أكثر برودًا وتجاهلاً في العامين اللاحقين.
وإلا لما كان هو وفارس قد ازدادا استخفافًا بياسمين لاحقًا.
كان ذلك فقط لأنهم لاحظوا موقف عمر منها.
لكنه في هذه اللحظة كان يفكر.
لم يكن عمر منزعجًا من ياسمين إلى هذا الحد في السنة الأولى، فكيف وصلت الأمور إلى هذا الحد؟
هل هي الطبيعة السيئة المتأصلة في الرجال؟ أم ماذا؟
لم يستطع فهم الأمر في الوقت الحالي.
1
قضت ياسمين فترة بعد الظهر في منزل الدكتور حازم.
انتقدها الدكتور بصرامة وأشار إلى العديد من أخطائها، لكنه ناقش معها أيضًا اتجاهات جديدة في الابتكار التكنولوجي، مما جعلها تشعر بتنوير كبير.
وبخلاف ذلك، لم يعرها الكثير من الاهتمام.
لم يكن أمام ياسمين سوى التخلي عن خجلها ومواصلة طرح الأسئلة.
مما أثار غضب الدكتور فقال: "هل تستغلينني مجانًا؟ هل أنتِ طالبتي؟ اذهبي من هنا! يكفي لهذا اليوم!"
عندما رأت ياسمين غضب الدكتور، ارتسمت ابتسامة أخيرًا على شفتيها.
الغضب ليس مخيفًا، المخيف هو أن يتجاهلها.
بعد تناول العشاء،
أوصلها وائل إلى المنزل، وكانت ياسمين قد استنفدت طاقتها تمامًا، فجمعت ما تبقى من قوتها لتناول دوائها.
وبمجرد أن جلست،
رأت مكالمة واردة من عمر.
ترددت ياسمين قليلاً، لكنها أجابت في النهاية.
جاء صوته من الطرف الآخر هادئًا، لكنه يحمل برودًا مشوبًا بالتردد: "هل قمتِ بحظري؟"
_____________________
