رواية رهان الدكش كامله وحصريه بقلم هاجر عبدالحليم
رهام الدكش
هاجر عبدالحليم
الفصل الأول
السبتيّة — وقت المغرب
كان المغرب يهبط على السبتيّة ببطءٍ ثقيل، بينما الشمس تغسل الحيطان القديمة بلون ذهبيّ متعفر بالتراب.
رائحة الشيشة بالتفاح تختلط برائحة الكشري المتصاعدة من عربة عم لطفي، وصوت أغاني المهرجانات يتقافز بين توك توك مارٍّ، وقهوة مزدحمة، وبلكونة مفتوحة في الدور الثالث.
الأطفال يلعبون الكرة بشرابٍ ملفوف في منتصف الشارع، والنساء يجلسن أمام البيوت يقمعن البامية ويتابعن الداخل والخارج بفضول لا يهدأ.
وسط هذه الفوضى الحيّة، شقّ صوت زمّارة حاد السماء.
التفت الجميع في اللحظة نفسها.
توك توك أسود، على جانبيه رسمة تاج ذهبي وفانوسان كبيران، ومكتوب بخط أحمر مشرشر:
"الدكش — ملك السبتيّة".
اندفع بسرعة، ثم خمّس أمام قهوة السلطنة بخمسة دائرية جعلت العجل يصرخ على الأرض.
وقبل أن يتوقف تمامًا، كان صاحبه قد قفز منه بخفة.
كان الدكش، ابن السادسة والعشرين، أسمر البشرة بفعل الشمس، ممتلئ الذراعين، عريض المنكبين، يرتدي تيشيرتًا أبيض ضيقًا يبرز عضلاته، وبنطال جينز ممزقًا عند الركبة، وكابًا أسود بالمقلوب. سلسلة فضية غليظة تلمع عند عنقه، وأنسيال يحيط بمعصمه.
مظهره يصرخ "سرسجي" من النظرة الأولى، لكن في عينيه كان هناك شيء آخر؛ تعب قديم يختبئ خلف الاستعراض.
نفخ صدره، ورفع ذراعيه في الهواء، ثم صاح بصوتٍ هزّ الشارع:
الدكش: "وسع للملك يا جدعان! الدكش وصل! السبتيّة نورت بيا والله!"
ضحك الرجال الجالسون على القهوة؛ عم سيد البواب ضرب كفًا بكف، وحمادة الميكانيكي صفّر، وزغلول بتاع الخضار مال على الطاولة يضحك.
في هذه اللحظة خرجت رهف من باب القهوة.
كانت تحمل صينية استانلس فوقها خمس كوبايات شاي كشري.
في الرابعة والعشرين من عمرها، محجبة بطرحة سوداء ملفوفة ببساطة، وترتدي عباية داكنة واسعة ذات أكمام طويلة. ملامحها هادئة، لكن عينيها مشتعلة بعصبية جاهزة.
ما إن رأت التوك توك واقفًا بهذا الشكل حتى انقبض فكها.
صاحت من بعيد دون أن تنظر إليه كامل النظر:
رهف: "يا دكش! يا بني آدم يامغفل انت قولتلك مية مرة ماتخمّسش قدام باب القهوة! هتكسر لي ف مرة الكوبايات والحاج يخصمها مني!"
استند الدكش بكوعه على التوك توك، وأمال رأسه بميوعة مستفزة، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة نصف ساخرة.
الدكش: "إيه يا ست رهف؟ مالك مخشبة وشك عليا كدا م براحة؟ ده أنا بعمل جو... عشان الزباين. شوفي القهوة اتملت إزاي أول ما جيت انا رزاق وافتح خير لأي حد."
وضعت رهف الصينية بعنف على ترابيزة عم سيد حتى تناثر الشاي قليلًا، ثم التفتت إليه رافعة حاجبها.
رهف: "جو هو احنا ف حنة اختك ولا اي! غور يا دكش شوف لك حتة خمّس فيها بعيد عن أكل عيشنا الله يرضي عليك."
تعالت ضحكات الرجال.
مال حمادة بجسده للأمام وهو يغمز:
حمادة: "الدكش قلبه رهيف... خصوصاً عليكي."
التفتت له رهف بعينين متسعتين ووضعت يدها على خصرها.
رهف: "وإنت يا حمادة يا ريت تخليك في المواتير اللي بتبوظها، بدل ما م تحفل عليا. عايز شاي ولا أرجع مكاني؟"
رفع حمادة كفيه مستسلمًا.
حمادة: "لا خلاص عايز بس زيادة"
لكن الدكش لم يضحك.
تبدلت ملامحه فجأة، وضاقت عيناه.
هو لا يحب أن يذكر أحد اسم رهف بهذا الشكل، حتى ولو كان مزاحًا.
اعتدل في وقفته، وضرب بيده على جسم التوك توك ضربة خفيفة.
الدكش: "حمادة... لم لسانك. رهف دي خط أحمر. واللي يقرب له... السبتيّة كلها عارفة الدكش هيعمل إيه؟."
استدارت رهف إليه بالكامل، وأشارت إلى نفسها بكف مفتوحة في دهشة مستفزة.
رهف: "خط أحمر ودا من امتي؟! وأنا قلت لك تدافع عني ولا وكلتك محامي ليا؟! أنا أعرف أخد حقي بدراعي يا كابتن! ماتعملش فيها سي السيد."
ثم استدارت ورحلت
قهقه عم سيد، وظهرت فراغات أسنانه وهو يقول:
عم سيد: "يا واد يا دكش... البت دي الوحيدة في السبتيّة اللي مش عاملة لك حساب. إيه؟ ملك الحارة مش قد بنت الحاج سالم احنا نعملها قرار إزالة وقتي؟"
تصلب جسد الدكش.
كلمة "مش قدها" ارتطمت بصدره بقسوة.
هذه الكلمة سمعها كثيرًا منذ مات أبوه؛
مش قد المسؤولية، مش قد الفقر، مش قد البيت.
رفع ذقنه بعناد، وأشار ناحية رهف بإصبعه متحديًا:
الدكش: "!و شاورت لها بصباعي تيجي جري! بس أنا اللي مش عايز رهف مش النوع اللي يخليني اجري وراه انا اخري انكشها ببقي مبسوط بكدا"
قزقز زغلول لبًا وضحك.
زغلول: "يا راجل؟ طب ما تتراهن معايا!"
التفت إليه الدكش، والغرور بدأ يعميه.
الدكش: "أتراهن طب حلو انا موافق!"
حمادة: "على إيه بقا؟"
ضرب الدكش صدره بكفه، وصاح:
الدكش: "أتراهن... إني أخلي رهف سالم تقول لي 'بحبك يا دكش' قدام السبتيّة كلها... في شهر واحد بس!"
ساد الصمت ثانية، ثم انفجرت القهوة كلها ضحكًا.
عم سيد: "شهر؟! يا ابني دي لو قالت لك 'صباح الخير' يبقى معجزة!"
نفخ الدكش أنفه وقال بتحدٍ أعمى:
الدكش: "هي شهر وحياتك! ولو ماحصلش... أبقى صبي عند أبوها في القهوة! أغسل الفناجين وأكنس البلاط! وأبيع التوك توك دا!"
حمادة: "تمام نتفرج ونشوف"
خلف باب القهوة الزجاجي، كانت رهف واقفة.
صينية الشاي بين يديها ترتعش حتى اصطكت الكوبايات.
وجهها تبدل لونه من شدة الغضب، وانحبست أنفاسها.
همست من بين أسنانها:
رهف: "أنا بقيت رهان يا دكش الكلب؟! ماشي... والله لأخليك إنت اللي تبوس التراب اللي بمشي عليه. وتقول 'آسف يا ست رهف' قدام الحارة كلها."
بعد ساعة — مع أذان المغرب
كانت القهوة قد هدأت قليلًا، ولم يبق فيها إلا بعض الزبائن.
جلس الحاج سالم، والد رهف، خلف الكاشير على كرسي خشبي قديم.
رجل في الخامسة والخمسين، الطيبة تملأ وجهه لكن المرض نحت فيه بوضوح. كان يسعل بين اللحظة والأخرى، وصدره يعلو ويهبط بتعب.
وضعت رهف أمامه كوب ينسون، وجلست على ركبتيها قليلًا لتكون في مستواه.
رهف: "يا با اشرب ده. وادخل ريح شوية. أنا هقفل المحل خلاص."
رفع الحاج سالم عينيه إليها وابتسم ابتسامة باهتة.
الحاج سالم: "أريح فين يا بنتي بس؟ وإيجار المحل؟ ودوايا؟ ومصاريف أخواتك؟ لو قفلنا يوم... ناكل منين بكرا؟"
انقبض قلب رهف، ومدت يدها تمسح على كتفه بحنان.
رهف: "ربنا كبير يابا متشيلش هم الدنيا اوي كدا مش مستاهلة."
انفتح باب القهوة.
دخل الدكش هذه المرة دون صياح، ودون استعراض.
كان هادئًا على غير عادته.
الدكش: "صباح السكر عليكم"
رفع الحاج سالم رأسه وابتسم له بمحبة.
الحاج سالم: "ازيك يا ياسين يا ابني. تعالى اشرب شاي."
توقفت رهف لحظة.
"ياسين".
لا أحد يناديه بهذا الاسم إلا أبوها.
أما الدكش، فقد رمش بعينيه سريعًا؛ هذا الاسم يوجعه ويربك قلبه كل مرة.
رمقته رهف باحتقار وقالت:
رهف: "عايز إيه هو انت طالعلي ف البخت ياجدع انت م تحل عن سمايا بدل م انت لازق فيت بغرا ؟"
تجاهلها، وأخرج من جيبه ورقتين فئة المائتين، ثم وضعهما على الكاشير.
الدكش: "ده حساب الشهر اللي فات يا حاج. كنت اتزنقت ف كام مصلحة خلوني مش عارف الاحق ف قصرت شوية... سامحني على التأخير."
ابتسم الحاج سالم وربت على يده.
الحاج سالم: "ماتقولش كده. إنت زي ابني. وبعدين إنت اللي بتاخد بالك من القهوة لما أغيب."
بلع الدكش ريقه، ثم قال بصوت أخفض:
الدكش: "عن إذنك يا حاج. عايزك في كلمتين بره."
خرج الاثنان.
أما رهف، فاقتربت من الباب على أطراف أصابعها، وألصقت أذنها بالخشب.
الحاج سالم: "خير يا ابني؟"
خفض الدكش رأسه، وصوته خرج مبحوحًا:
الدكش: "يا حاج... الدكتور قال إيه طمني؟"
تنهد الحاج سالم طويلاً، وسعاله قطع أنفاسه.
الحاج سالم: "القلب تعبان يا ياسين. ومعدش فيه حيل وعايز عملية بالشيء الفيلاني... بـ80 ألف جنيه. منين يا ابني؟ منين اجيبهم بس م ع يدك العين بصيرة وإلايد قصيرة؟"
تجمدت رهف خلف الباب، وارتفعت يدها إلى فمها.
ثمانون ألفًا؟!
قبض الدكش على يده حتى برزت عروقه.
الدكش: "هتتصرف يا حاج. ربنا ماينساش حد. إنت وقفت جنبي لما أبويا مات وكان خير السند لازم اردلك دا...وانا ربنا يقدرني واشيلك في عيني."
امتلأت عينا رهف بالدموع، لكنها تماسكت سريعًا.
عاد الدكش إلى الداخل بوجه متجهم.
وقعت عيناه عليها فورًا.
الدكش: "انتي واقف عندك بتعملي اي؟."
ارتبكت رهف، ومسحت دمعة كانت توشك أن تهرب.
رهف: "هخش اعملك شاي."
وفي أثناء إعدادها الشاي، كانت يداها ترتجفان؛
الرهان، ومرض أبيها، وهذا الوجه الجديد للدكش… كلها أشياء تشوش قلبها.
تاني يوم الصبح — السابعة صباحًا
كانت السبتيّة تستيقظ ببطء.
وقف الدكش بتوك توكه أمام القهوة.
غسله، وعلّق عليه وردًا بلديًا أحمر ذبل نصفه، وشغّل أغنية قديمة لعبد الحليم بصوت منخفض.
خرجت رهف تحمل كيسًا لتشتري العيش، وما إن رأته حتى عقدت ذراعيها أمام صدرها.
رهف: "إنت إيه اللي موقفك هنا من بدري؟"
فتح الدكش باب التوك توك بحركة استعراضية.
الدكش: "توصيلة VIP لست البنات. للفرن... و أي حتة تاني احنا ف خدمة ست البنات."
رمقت الورد بعين ساخرة.
رهف: "VIP اي بذمتك؟ ده توك توك كحيان ومعدوم العافية! وإيه الورد الميت ده اللي لا ريحة ولا منظر؟ سارقه من تربة؟"
احمر وجهه قليلًا، وحكّ رقبته بحرج.
الدكش: "لا... قصدي... ده ورد... انا جيبته عشان انول الرضا!"
رفعت رهف الكيس ولوّحت به أمام وجهه.
رهف: "الورد لو بيتكلم كان شتمك! شيل القرف ده!"
ومشت.
خرج حمادة من الورشة يضحك.
حمادة: "ياعيني ع الحلو اللي تبهدله الايام!"
انحنى الدكش والتقط الورد ثم رماه على الأرض بغيظ.
الدكش: "إخرس يا حمادة! دي بتتقل! أنا عارف شغل بنات هي معجبة ومش راضية تبين!"
ومن بعيد وصلهم صوت رهف:
رهف: "ده أنا هخليك تكره اليوم اللي اتولدت فيه يا دكش!"
العصر — أمام الفرن
ثلاثة عيال من صيع المنطقة كانوا يضايقون فتاة تحمل شنطة عيش.
كانت رهف.
شدت الشنطة إلى صدرها وهي تدفع أحدهم.
الواد الأول: "إيه يا حلوة... ما تجيبي رغيف؟"
دفعت رهف كتفه بقوة.
رهف: "امشي يا حيوان من هنا بدل م انسل الشبشب ع دماغك"
اقترب الثاني منها.
الواد التاني: "مين دا اللي حيوان يابت؟"
وفجأة، انطلق توك توك الدكش من آخر الشارع كالرصاصة، وفرمل بعنف أمامهم.
نزل منه ووجهه مشتعل، وعروقه نافرة.
أمسك الأول من ياقة قميصه ورفعه.
الدكش: "بتغلس عليها ليه؟"
ارتبك الشاب.
الواد: "إنت مالك يا عم! دي واحدة..."
لكن الدكش لم يمهله؛
رزعه قلمًا دار معه وجهه.
وصاح بصوت هزّ الشارع:
الدكش: "اللي يخص دكش مفيش .....يقرب منه البت دي مراتي والله لو لمحتك ف شارع هي فيه لاكسر مناخيرك سامعني"
تجمدت رهف.
شهقت، واتسعت عيناها.
مراتي؟!
فرّ الأولاد جريًا.
أمسكت تيشيرته من صدره تهزه بعنف.
رهف: "إنت عقل فوت؟! مراتك مين يا دكش انا ع الزمن اتجوزك انت اصوم واصوم وافطر عليك؟! إنت فاكر نفسك مين؟!"
كان صدره يعلو ويهبط بعنف، وأنفاسه ساخنة.
نظر إليها مرتبكًا لأول مرة.
الدكش: "أنا... أنا آسف. الكلمة طلعت غصب عني. بس... بس مقدرتش أشوفهم بيكلموكي كده. دمي فار. وقلبي اتكوي"
دفعته رهف بكل قوتها.
رهف: "دمك فار؟! وإنت مالك بيا! مش عايزة حماية منك ولا من غيرك!"
خفض صوته، وقد خفتت حدته فجأة.
الدكش: "عارف إنك بـ ميت راجل. بس... بس الحارة دي مالهاش أمان. وأنا... أنا مسؤول. هنا... في السبتيّة... أنا ملك الحارة. وإنتي... إنتي من الحارة. يعني في حمايتي غصب عنك."
دمعت عيناها من الغيظ.
وأشارت بإصبعها في وجهه.
رهف: "وهو الكبير بيراهن ع بنات الناس عشان يذلهم قدام الخلق الله يرضي عليك بلاش تقول ع نفسك راجل وسند غير لما تستاهلها فعلا"
، ثم جرت وهي تبكي.
ظل الدكش واقفًا مكانه كأن أحدهم صفعه.
كلمة "تبقى راجل بجد" اخترقت صدره.
وصل حمادة إليه يلهث.
حمادة: "يا دكش! إيدك بتجيب دم!"
نظر إلى يده؛ كانت مجروحة فعلًا، والدم يسيل منها دون أن يشعر.
همس بشرود:
الدكش: "دي علمت عليا"
ربت حمادة على كتفه.
حمادة: "يا صاحبي..."
ركب الدكش التوك توك وأدار الموتور بعصبية.
الدكش: "انا مخنوق وعايز اطير من هنا"
انطلق.
ومن شرفة بيتها، كانت رهف تراه.
رأت الدم على يده.
ورأت انحناءة ظهره لأول مرة.
مسحت دمعتها وهمست:
رهف: "ع الله تحس"
ثم وضعت يدها على قلبها الذي كان يدق بعنف.
بالليل — أمام بيت رهف
طرق خفيف على الباب.
فتحت رهف فلم تجد أحدًا.
على الأرض كيس صغير.
انحنت والتقطته.
في داخله:
شريط دواء للقلب، ومطهر، وبلاستر.
وورقة صغيرة مكتوب عليها:
"عشان الجرح. وعشان الحاج. ماتقوليش لحد. اني جيبتهم بقا
الدكش"
اتسعت عيناها.
هذا الدواء وحده غالٍ.
من أين أتى به؟
رفعت رأسها نحو الشارع.
كان توك توكه متوقفًا بعيدًا، وهو ممدد داخله.
أما الدكش، فكان مستيقظًا، ينظر إلى بلكونتها.
إحدى يديه ملفوفة ببلاستر، وبطنه يعتصرها الجوع… فقد صرف كل ما معه على الدواء.
أخرج من جيبه ورقة قديمة صفراء، متنية الأطراف.
شهادة مدرسية.
"الطالب ياسين عبد التواب — الأول على المدرسة الإعدادية."
ابتسم ابتسامة حزينة، ثم همس لنفسه:
الدكش: "شهر واحد يا رهف... يا تخليني أرجع ياسين. الحقيقي.. يا هفضل دكش طول عمري وساعتها هنندم احنا الأتنين."