رواية رهان الدكش الفصل الثاني 2 بقلم هاجر عبدالحليم
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
الفصل الثاني
السبتيّة — الساعة التاسعة صباحًا
كانت الشمس قد خرجت منذ قليل، لكن السبتيّة استيقظت قبلها كعادتها.
صوت عربات الفول يملأ الشارع، ونداءات الباعة تتقاطع مع صريخ الأطفال المتجهين إلى المدرسة، ورائحة العيش الساخن تتصاعد من الفرن القريب فتملأ الجو دفئًا.
أما قهوة السلطنة، فقد كانت كعادتها مفتوحة منذ الفجر، بابها العتيق يستقبل الجدعان منذ ثلاثين سنة كاملة.
في الداخل، جلس الحاج سالم خلف الكاشير الخشبي القديم.
كان وجهه شاحبًا على غير عادته، وعيناه مطفأتين من الإرهاق، لكن ابتسامته لم تكن تفارق شفتيه كلما دخل زبون.
رجل يحاول أن يخفي مرضه خلف الطيبة.
أما رهف، فكانت، تحرك أبريق الشاي بيد، وترص الفناجين باليد الأخرى.
شعرها ملفوف بإحكام تحت الطرحة السوداء، وعلى طرف عبايتها بقعة شاي بنية من الليلة الماضية لم تلحق أن تغسلها.
انفتح باب القهوة.
دخل الدكش.
لكن هذه المرة لم يسبقه صوت زمارة، ولا دخلة استعراضية، ولا ضحكات عالية.
دخل صامتًا، كتفاه منخفضتان قليلًا، وعيناه في الأرض.
إحدى يديه مربوطة ببلاستر أبيض من خناقة الأمس، وكان الألم يلسعها مع كل حركة.
رفع رأسه وقال بهدوء:
الدكش: "صباح الخير يا حاج."
رفع الحاج سالم عينيه، وارتسمت على وجهه ابتسامة متعبة.
الحاج سالم: "صباح النور يا ياسين يا ابني. تعالي افطر معايا لقمة عقبال م رهف تعملك الشاي
لم تلتفت رهف حتى، وظلت تصب الشاي وهي تقول ببرود:
رهف: ". مش سبيل هو يابا انا مش بعمل ببلاش."
أخرج الدكش عشرة جنيهات ووضعها على الكاشير بهدوء.
الدكش: "حسابه وصل. وعليه قرش زيادة... عشان خاطر الحاج وعيونه."
وقبل أن يرد أحد…
وضع الحاج سالم يده على صدره فجأة.
تقلص وجهه، وانسحب الدم منه في لحظة، ثم أصدر الكرسي تحت جسده صريرًا حادًا.
الحاج سالم: "آه... يا... يا رب..."
شهقت رهف، وسقطت الصينية من يدها.
تناثر الزجاج والشاي في كل اتجاه.
رهف: "ياباااا!
وفي أقل من ثانية كان الدكش قد اندفع نحوه.
أسنده من تحت إبطيه، فبدا جسده خفيفًا على نحو مفزع من شدة المرض.
الدكش: "ياحاج! حاج سالم!
كانت رهف تبكي وترتعش وهي تهز كتف أبيها.
رهف: "في اي؟ هو كان كويس؟ يابا...قوم بالله عليك انا خايفة
دخل عم سيد من الباب على الصوت، وعيناه اتسعتا.
عم سيد: "يا نهار إسود! مالو الراجل؟!"
التفت له الدكش صارخًا، وصوته ملأ المكان بقوة جعلت الجميع يتحرك:
الدكش: "اتصل بالإسعاف يا عم سيد! بسرعة!
حمل الحاج سالم بين ذراعيه، وركض به نحو الكنبة الموجودة في آخر القهوة.
أنزله عليها برفق، ثم فك أول زرين من جلابيته ليسهّل عليه التنفس.
التفت إلى رهف التي كانت شبه مشلولة من الذعر.
الدكش: "هاتي مية يا رهف! وشوفي الدوا بتاعه فين!"
أخذت تبحث بعينين ضائعتين ويدين ترتعشان.
رهف: "فين هو فين؟... فين؟... أهوه!"
أعطته الشريط.
أخرج البرشامة ووضعها تحت لسان الحاج سالم.
ساد صمت ثقيل.
حتى الشارع بالخارج كان قد توقف.
الناس تجمعت أمام القهوة، لكن لا أحد يجرؤ على الدخول.
بعد دقيقتين بدتا كأنهما دهر، فتح الحاج سالم عينيه ، وأنفاسه تخرج متقطعة.
همس بصوت خافت:
الحاج سالم: "ياسين... القهوة... الباب... البنات..."
انحنى الدكش عليه فورًا، وأمسك يده بكلتا يديه.
الدكش: "متخافش يا حاج ووحد الله كدا أنا هنا. ماحدش هيقرب لها والله ارتاح إنت بس وخد نفسك وبلاش تتكلم كتير."
أغمض الحاج سالم عينيه من جديد، لكنه هذه المرة كان نائمًا… لا غائبًا.
هبطت رهف إلى الأرض بجوار قدم أبيها، ودفنت وجهها في ركبتيها، تبكي بكتمان يهز كتفيها.
رفع الدكش عينيه إليها.
ولأول مرة… يرى رهف القوية، سليطة اللسان، العنيدة… مكسورة هكذا.
شعر بشيء يعصر قلبه.
اندفع حمادة إلى الداخل يلهث.
حمادة: "الإسعاف على وصول! بس قالوا لازم حد يجي معاه المستشفى!"
رفعت رهف رأسها فجأة ونهضت.
رهف: "أنا! أنا هروح معاه!"
لكن الدكش اعترض طريقها فورًا.
الدكش: "والقهوة؟ هتسيبيها لمين؟
صرخت فيه بعينين حمراوين:
رهف: "تتحرق القهوة! أبويا أهم!"
اقترب منها خطوة، وصوته خرج حاسمًا لا يحتمل جدالًا.
الدكش: "أبوكِ لو فاق وعرف إنك قفلتي أكل عيشكم هيروح فيها تاني وساعتها مش هيسامحك! أنا هروح معاه. وإنتِ امسكي المحل وابقي اطمنك ع طول."
رمشت رهف غير مصدقة.
رهف: "إنت؟! إنت هتروح مع أبويا؟!"
رفع عينيه إليها مباشرة.
الدكش: "أيوه. أنا. ولا مش مأمناني على أبوكي يا ست رهف؟"
سكتت.
نظرت إلى أبيها… ثم إليه.
مجنون. سرسجي. مستفز. مراهن عليها.
لكنه هو من حمل أباها الآن.
وهو من لحقه.
وهو من أحضر الدواء الليلة الماضية.
ابتلعت ريقها بصعوبة.
رهف: "طب... طب لو جراله حاجة... والله ما هرحمك يا دكش هتشوف مني وش عمرك م شوفته وهيزعلك جامد اوي مني."
ثبت نظره فيها وقال دون تردد:
الدكش: "لو جراله حاجة... ادفنيني جنبه ف نفس الثانية واوعدك هسامحك دنيا واخرة امين كدا ؟."
وصلت الإسعاف.
ساعد المسعفين في حمل الحاج سالم، ثم صعد معه.
وقبل أن يُغلق الباب، ألقى نظرة أخيرة على رهف الواقفة في منتصف القهوة المحطمة.
الدكش: "ماتقفيش كده. لمي القزاز. وافتحي القهوة من تاني وشوفي اكل عيشك. أبوكي راجع يارهف."
وأغلق الباب.
وقفت رهف في مكانها، حولها الشاي المسكوب والزجاج المكسور.
اقترب عم سيد منها بحذر.
عم سيد: "يا بنتي... هنعمل إيه؟
مسحت دموعها بظهر يدها، ثم شمرت كمي عبايتها.
رهف: "هنفتح. زي ما قال ياعم سيد الدنيا مينفعش تقف ودي امانة ابويا"
المستشفى الحكومي — بعد ساعة
الممر مزدحم، رائحة المطهر خانقة، وأصوات المرضى والممرضات تختلط بصراخ متقطع.
كان الدكش يقف أمام غرفة الطوارئ، يذرع المكان ذهابًا وإيابًا.
يده المجروحة نزفت تحت البلاستر، لكن عقله لم يكن حاضرًا مع الألم أصلًا.
خرج الطبيب أخيرًا.
الدكتور: "إنت ابن الحاج؟"
رفع الدكش رأسه بسرعة، ثم قال متلعثمًا:
الدكش: "أيوه... يعني... زي ابنه هو اللي مربيني خير يا دكتور؟"
خلع الطبيب الكمامة قليلًا.
الدكتور: "جلطة بسيطة. لحقناه. بس لازم يتحجز 3 أيام تحت الملاحظة. ولازم راحة تامة شهر على الأقل. مجهود ممنوع. زعل ممنوع. اظن واضح"
اتسعت عينا الدكش.
الدكش: "شهر؟! طب والعملية يادكتور؟"
هز الطبيب رأسه.
الدكتور: "العملية دي قصة تانية. دي محتاجة 80 ألف. بس الأول لازم حالته تستقر."
الرقم دوّى في رأسه كضرب الطبول.
بلع ريقه بصعوبة.
الدكش: "ممكن أشوفه؟"
الدكتور: "دقيقتين بس. وماتقلقوش هو لازمله راحة عكس كدا احنا بنجازف."
دخل الغرفة.
كان الحاج سالم مستلقيًا على السرير، المحاليل معلقة في يده، ووجهه أبيض كالشمع.
اقترب الدكش ببطء، ثم جلس بجواره وأمسك يده.
الدكش: "قوم يا حاج... السبتيّة من غيرك ضلمة. ورهف... رهف مكسورة قوي. قوم عشانها. وعشاني... عشان لسه مارديتلكش الجميل."
فتح الحاج سالم عينيه نصف فتحة.
الحاج سالم: "القهوة... يا ياسين..."
أومأ الدكش بسرعة.
الدكش: "في عيني.
أغمض الحاج سالم عينيه ونام.
خرج الدكش من الغرفة، وأسند ظهره إلى الحائط.
أخرج سيجارة، ثم تذكر أين هو، فأطفأها قبل أن يشعلها.
تحسس جيبه.
خمسون جنيهًا فقط.
همس لنفسه:
الدكش: "80 ألف !... يا رب. أجيبهم منين؟ أبيع التوك توك؟ مايجيبش 20 دا لو جاب. أسرق طيب؟ أبقى جبان وابن حرام. أشتغل ؟ فين شغل يجيب 80 ألف في شهر بس ياعالم قفلت زي الدومنة يادكش؟"
تذكر الرهان.
وتذكر رهف.
وتذكر القهوة.
زفر بعنف.
الدكش: "الله يعينا ع اللي داخلين عليه
قهوة السلطنة — وقت الظهر
كانت القهوة مفتوحة، لكنها شبه فارغة.
وقفت رهف وحدها بين الوابور والطاولات، تصنع الشاي وتمسح الترابيزات، لكن عينيها معلقتان بالباب كل لحظة.
كل دقيقة تمر كانت تمر كسنة.
دخل حمادة.
حمادة: "ها يا ست رهف... الحاج عامل إيه؟"
خرج صوتها مبحوحًا من كثرة القلق:
رهف: "ماعرفش. الدكش ماردش عليا."
حمادة: "طب عايزة أي مساعدة؟ أنزل أقف معاكي؟"
هزت رأسها.
رهف: "لا. شكراً يا حمادة."
دخل زغلول بعدها مباشرة وجلس.
زغلول: "عايزين شاي. وعلى الحساب."
رفعت رهف عينيها إليه ببرود.
رهف: "مفيش على الحساب يا عم زغلول. الحاج عيان اللي يشرب حاجة يدفع تمنها وقتي وإلا ميجيش."
تجهم وجهه.
زغلول: "إيه يا بت! ده إحنا زباين المحل!"
وضعت الكوباية على الترابيزة بخبطة قوية.
رهف: "والزبون اللي مايحاسبش... يبقى مايلزمناش! عايز تشرب... ادفع. مش عايز... الباب يفوت جمل.
أخرج الفلوس.
ابتسم عم سيد من بعيد.
عم سيد: "بنت ابوكي بصحيح."
وفي هذه اللحظة…
انفتح الباب.
دخل الدكش.
كان وجهه ذابلًا، وهدومه مبهدلة، وتراب المستشفى عالقًا عليه.
نسيت رهف كل شيء، وركضت نحوه.
رهف: "بابا... بابا عامل إيه؟"
ألقى بنفسه على كرسي وهو يلهث.
الدكش: "عايش. هيتحجز 3 أيام. والدكتور قال راحة شهر."
انهارت ساقاها وجلست.
رهف: "الحمد لله... الحمد لله يارب."
وانفجرت بالبكاء.
هذه المرة لم يكن بكاء خوف… بل بكاء نجاة.
رفع الدكش عينيه إليها.
أنفها محمر، وعيناها متورمتان.
سألها:
الدكش: "القهوة... عاملة إيه؟"
مسحت دموعها سريعًا وعادت تتصلب.
رهف: "وإنت مالك؟"
رفع رأسه وقال بجدية:
الدكش: "شغل العند ف الوقت دا يخليني اشوفك طفلة ومش مراعية الظروف اللي احنا فيها
رهف: انت اللي حاكك نفسك معانا
نهض من كرسيه.
الدكش: " انا بسدد دين أبوكِ وبنفذ امانته اللي حطها ف رقبتي وهنفذها ذوق عافية انا هشتغل معاكي هنا ف القهوة
شهقت رهف.
رهف: إنت تطفش الزباين!"
خلع الكاب من فوق رأسه، وألقاه على الترابيزة.
الدكش: "هتعلم. وهنشوف هطفشهم ولا هجيب لك زباين السبتيّة كلها يارهف
رهف: "ولو قولت لا؟"
اقترب خطوة، وخفض صوته.
الدكش: "قولي ومش هنفذ عشان الدكش مش بيمشي ورا ستات
قهوة السلطنة — بعد العصر
بدأت ملامح القهوة تتغير شيئًا فشيئًا.
الهدوء الذي خيّم بعد الحادث لم يدم طويلًا، لكن شيئًا مختلفًا كان قد استقر في الجو؛ نوع من الترقب، كأن المكان نفسه ينتظر قرارًا جديدًا من الدكش.
كان واقفًا خلف الطاولة، يرتدي مريلة القهوة فوق تيشيرته الأبيض.
المشهد بدا غريبًا على الجميع؛ الدكش، ملك السبتيّة، يتحول إلى صبي قهوة.
مرر زبون شاب من أمامه وهو يضحك ساخرًا:
زبون 1: "إيه يا دكش! قلبت قهوجي ولا اي صحيح متزعلش ع الراجل لو مات ازعل عليه لو خاب؟"
رفع الدكش عينيه إليه ببطء، ثم وضع الكوب أمامه بعنف محسوب، حتى ارتجف السائل داخله.
الدكش: "اسمي ياسين يا محترم.
ابتلع الزبون ريقه بسرعة وأمسك الكوب بصمت.
من بعيد، كانت رهف تراقبه.
كانت تقف خلف الوابور، يداها تتحركان تلقائيًا، لكن عينيها ثابتتان عليه.
كل حركة منه كانت تثير داخلها خليطًا غريبًا من الغضب والقلق… والانتباه.
اقترب حمادة وهو يضحك:
حمادة: "يا جدعان! الدكش بقى صبي! أقسم بالله السبتيّة هتشوف أيام سودا!"
التفت الدكش نحوه فورًا، وألقى عليه فوطة المطبخ.
الدكش: "تعالى ساعد بدل ما تتريق! امسح الترابيزة دي اوام!"
تراجع حمادة خطوة وهو يضحك:
حمادة: "أنا؟! أنا ميكانيكي يا عمنا تخصص عربيات لامؤخذة!"
الدكش: "والنهاردة صبي عندك مانع؟. كلنا صبيان عند الحاج سالم لحد ما يقوم."
ساد صمت خفيف بعد الجملة.
رهف توقفت للحظة عن الحركة.
كلماته لم تكن استعراضًا هذه المرة.
كانت شيئًا آخر.
شيئًا جادًا بشكل يزعجها دون أن تفهم لماذا.
زغلول يدخل القهوة
دخل زغلول بخطوات واثقة كعادته، وجلس دون مقدمات.
زغلول: "شاي... وعلى الحساب."
رفع الدكش رأسه إليه مباشرة.
لم يبتسم.
لم يعلّق.
فقط اقترب.
الدكش: "قولت لك مفيش على الحساب. الحاج عيان، والدواء غالي. هتدفع... ولا تشرب في بيتكم وتريحنا وتريح نفسك."
اتسعت عينا زغلول بدهشة.
زغلول: "إنت هتبلطج عليا يا دكش؟"
اقترب الدكش خطوة إضافية، وانحنى قليلًا نحوه، وصوته خرج منخفضًا لكنه حاد كالسيف.
الدكش: "هتدفع ولا تورينا عرض كتافك
تدخلت رهف بسرعة وهي تقترب:
رهف: "سيبه يا دكش! هتودينا في داهية!"
نظر إليها لحظة، ثم أرخى قبضته.
تركه.
زغلول التقط أنفاسه بسرعة، ثم أخرج النقود ورماها على الطاولة بغضب، وخرج وهو يتمتم بالشتائم.
التفتت رهف للدكش وهي تضربه في كتفه:
رهف: "مش هترتاح غير لما تقفلهالنا
أمسك كتفه من أثر الضربة، لكنه لم يتألم بقدر ما ابتسم بشكل خافت:
الدكش: هتعامل معاهم بحنية عشان نين عيونك ياستو انا!"
رهف: " اشتغل وانت ساكت!"
رفع حاجبيه بمكر خفيف:
الدكش: ". بقى كده ماشي اتقل يارز براحتك مسيرك تستوي
المساء — هدوء القهوة
بعد أن خفّ الزحام، بدأت القهوة تستعيد أنفاسها.
رهف كانت تعد النقود خلف الطاولة، تحاول أن تخفي ارتجاف يديها وهي تجمع حصيلة اليوم؛ مبلغ ضعيف بالكاد يكفي الأساسيات.
الدكش كان جالسًا على كرسي خشبي في الزاوية، يربط يده المصابة من جديد.
كان صامتًا هذه المرة.
صمت غيره هو أيضًا.
رفعت رهف عينيها نحوه.
اقتربت دون أن تتكلم، ثم أخذت علبة المطهر من الدرج وجلست أمامه.
رهف: "هات إيدك."
رفع رأسه باستغراب:
الدكش: "هاه؟"
رهف: "هات إيدك يا دكش! هتسيبها تتلوث كدا يعني؟"
أعطته يدها برفق، وبدأت تنظف الجرح.
كانت أصابعها ترتجف قليلًا، لكنها كانت تحاول إخفاء ذلك.
أما هو…
فكان يراقبها بصمت.
يراقب وجهها القريب، رموشها وهي تتحرك، طريقة تنفسها وهي تحاول التركيز.
شيء جديد عليه تمامًا.
شيء يربكه.
الدكش: "على فكرة... إنتِ..."
لم تكمل.
قاطعته بسرعة وهي تضغط على البلاستر:
رهف: "إيه؟"
توقف لحظة، ثم قال بصوت أخف:
الدكش: "إنتِ... بتعملي الشاي حلو. اوي تصدقي أحلى من شاي أمي الله يرحمها."
ارتبكت فجأة،
الدكش: "آآآه! براحة يا مفترية!"
قامت بسرعة، وأغلقت العلبة بعنف:
رهف: "تستاهل! عشان تبطل تحشر نفسك في اللي مالكش فيه!"
اتجهت نحو الباب وهي تهم بالخروج.
ناداها بصوت منخفض:
الدكش: "رهف..."
توقفت دون أن تلتفت.
رهف: "نعم."
الدكش: "هوني ع نفسك"
صمتت لحظة.
ثم قالت بصوت مكسور رغم قوتها:
رهف: الوحدة وحشة وانا ولا حاجة من غير ابويا."
اقتربت نبرة صوته قليلًا:
الدكش: "مش هتبقي لوحدك"
لم ترد.
فتحت الباب وخرجت.
وبقي هو وحده في القهوة، يحدق في الفراغ.