رواية جواز علي سن الخنجر كامله وحصريه بقلم هاجر عبدالحليم
الفصل الأول
لم يكن الفجر قد شقَّ سواده بعد، لكن حلقة السمك في الدرب الأحمر كانت تستيقظ كوحشٍ جائع يفتح فكيه على الدنيا.
رائحة الزفارة الثقيلة تختلط ببرودة الثلج المجروش، وصياح التجار يتعالى فوق صليل السكاكين وهي تشق بطون السمك بمهارة معتادة لا تعرف الرحمة.
أرضية الحلقة كانت مبلولة، زلقة، تلمع فوقها خيوط الماء والدم، وخطوات الرجال تترك خلفها آثارًا موحلة كأن المكان مذبحٌ مفتوح لا سوق رزق.
وفي قلب هذه الفوضى المقدسة... كان يقف المعلم سيد.
خمسة وثلاثون عامًا فقط، لكن الحزن نحت على ملامحه عشرين سنة إضافية.
جسدٌ فارع، كتفان عريضان أنهكهما حمل الأقفاص والثلج، ساعدان مشدودان بعروق نافرة، وذقن خفيفة لم تمسسها شفرة منذ أيام.
عيناه كانتا ساكنتين كسطح بحرٍ صامت... لكن من يعرف النظر جيدًا، يرى العاصفة المدفونة في عمقهما.
منذ ست سنوات، يوم ماتت فاطمة وهي تضع طفلته حبيبة، انغلق قلبه كما يُغلق باب مقبرة.
صار رجلًا للسوق، للبضاعة، للمزاد، وللبنت الصغيرة التي تركتها له زوجته أمانة.
لا امرأة بعد فاطمة.
لا كلمة حلوة.
لا ضحكة خرجت من قلبه بحق.
"يا سيد! يا كاشف!"
جاءه الصوت من خلفه كسوطٍ هبط على ظهره.
استدار، فوجد المعلم دسوقي، شيخ الحلقة، واقفًا بعصاه الخشبية ونظرته الحادة التي تشبه سن السكين.
سبعون عامًا مرّت عليه، لكن ظهره لم ينحنِ، وشاربه الأبيض الكث كان يهتز كلما تكلم.
اقترب سيد فورًا، ومسح يديه في مريلته الجلدية.
"نعم يا معلم دسوقي... اؤمرني خير."
لم يرد دسوقي في وسط الزحام، بل أمسكه من ذراعه الغليظة وسحبه بعيدًا خلف كومٍ من الصناديق الخشبية الفارغة.
خفض صوته، لكن نبرته كانت مشدودة.
"المخزن الشرقي... فيه كلام. والعيون مفتحة اليومين دول، والتموين بيلف على كل واحد."
انعقد حاجبا سيد، وانكمشت عضلات فكه.
"بضاعة بايظة ولا إيه؟"
هز دسوقي رأسه ببطء.
"بضاعة... وحاجات تانية. روح بص بنفسك. نضّف ولمّ الدنيا. وخد معاك حد يساعدك، عشان لو كبسة حصلت يلاقوا ناس بتنضف وشغالة... مش قاعدين على قلبهم مراوح."
زفر سيد بضيق، ونفخ الهواء من أنفه.
"مين فاضي الفجرية دي؟ العيال كلها في المزاد... خليها وقت تاني."
رفع دسوقي ذقنه وأشار بعينيه إلى ركن بعيد.
هناك... كانت تجلس فتاة نحيلة تمسح طاولة خشبية مهترئة.
"خد البت ورد. بت عم عبده. غلبانة ومقطوعة من شجرة. كانت في ملجأ... أهي تاكل عيش."
اسم ورد وحده جعل شيئًا غامضًا ينقبض في صدر سيد.
تلك اليتيمة التي لا يكف السوق عن مضغ سيرتها بألسنة قذرة.
"دي مالهاش أهل."
"دي ممكن تعمل أي حاجة عشان اللقمة."
شد فكه بقسوة، وقال بخشونة:
"حاضر يا معلم."
اتجه نحو الركن.
كانت ورد جالسة على الأرض، تجمع بقايا السمك الصغير في صفيحة صدئة.
في الثانية والعشرين من عمرها، لكن هزال جسدها كان يجعلها تبدو أصغر بكثير.
جلابية سوداء قديمة واسعة تبتلعها، وطرحة قطنية باهتة تستر نصف شعرها.
وجه شاحب لم تعرفه الشمس، وعينان واسعتان سوداوان... فيهما حزن عميق وبراءة توجع القلب.
ما إن أحست بظله يسقط فوقها حتى رفعت وجهها بسرعة، وانتفضت كأن تيارًا كهربائيًا صعقها.
"المعلم سيد! بسم الله الرحمن الرحيم... في إيه؟"
وقف أمامها جامدًا كتمثال حجر.
"قومي يلا. هتيجي معايا المخزن الشرقي. هننضف الدنيا هناك."
ارتبكت، ومسحت يديها المرتجفتين في جلابيتها، ثم نهضت بسرعة وهي تطأطئ رأسها.
"حاضر يا معلم... اللي تشوفه. أنا تحت أمرك. هروح معاك في المكان اللي إنت عايزه."
خرج صوتها خافتًا، مرتعشًا، كأنها تعتذر عن كونها حية.
تحرك سيد أولًا بخطوات واسعة غاضبة، بينما كانت هي تهرول خلفه كي تلحقه، ممسكة الصفيحة بكلتا يديها.
كان المخزن الشرقي في آخر الحلقة؛ مبنى قديم من الطوب العاري، بابه خشب ثقيل، وقفله مصدّي يئن من الصدأ.
الرطوبة تنبعث منه، ورائحة السمك القديم متشبثة بجدرانه كالعفن.
أخرج سيد مفتاحًا كبيرًا من جيب صديريه، وغرسه في القفل.
صرير الباب حين انفتح شقَّ سكون الفجرية.
في الداخل، كان مصباح أصفر وحيد يتدلى من سلكٍ عارٍ، ينشر ضوءًا شاحبًا على أقفاص خشب مكسورة، وأكياس ملح ممزقة، وبقع ماء آسنة فوق الأرض.
أشار لها بيده دون أن ينظر.
"ادخلي. اكنسي الأرضية دي كلها. أنا هرص الأقفاص على الحيطة. مش عايزين تلاكيك من حد."
همست وهي تضم الطرحة على رأسها:
"حاضر."
دخلت.
بدأت تكنس بمقشة قديمة، وصوت الخرشفة فوق الأرض المبتلة كان الصوت الوحيد في المكان.
سيد كان يرص الأقفاص وظهره لها، وعضلات كتفيه مشدودة، كأنه يتشاجر مع الخشب لا يرتبه.
الصمت بينهما كان ثقيلًا... خانقًا.
هو لا يطيق وجودها؛ يراها عبئًا وفضيحة محتملة.
وهي ترتجف من المكان... ومنه.
مرت عشر دقائق.
وفجأة—
"إلحقووونااا! يا خلااايق! فضيييحة! فضييييحة!"
شق الصراخ جنبات المخزن كطعنة.
تجمد سيد في مكانه، وسقطت المقشة من يد ورد فارتطمت بالأرض.
وقبل أن يستوعبا...
دُفع الباب بركلةٍ عنيفة، فانفتح على مصراعيه.
وفي فتحة الباب وقف المعلم دسوقي، ووجهه يغلي، وخلفه عم عبده وثلاثة من كبار تجار الحلقة.
وفي المقدمة...
كان يقف سلطان.
الصبي الطويل النحيف، بعينيه الضيقتين الماكرتين كثعلب جائع.
نفس الصبي الذي طرده سيد من الشغل منذ شهر بعدما أمسكه يسرق من الميزان.
كان يبتسم ابتسامة صفراء كريهة، ويشير بإصبعه نحوهما.
"أهو يا ناس! شفتوهم بعيني ودين محمد! مفيش حد قالي! المعلم سيد والبت ورد جوه لوحدهم بيرتكبوا اللي حرمه ربنا! وفي الضلمة! والباب مقفول كمان!"
دارت الدنيا بورد.
شهقت شهقة مكتومة، وسندت ظهرها على الحائط كي لا تقع.
الصفيحة انقلبت من يدها، وتناثر السمك البايظ فوق الأرض.
"لا... لا والله ما عملت حاجة! أنا مظلومة! حرام عليكم! أقسم بالله ما عملت حاجة! يا معلم سيد قولهم الحقيقة... الله يسترك!"
كانت الكلمات تخرج منها متقطعة بين شهقات مذعورة، ويداها ترتجفان بعنف حتى كادتا لا تحملان جسدها.
أما سيد...
فاستدار ببطء شديد.
هرب الدم من وجهه لثانية، ثم عاد دفعة واحدة، حارًا كالجمر.
قبضته انغلقت حتى ابيضّت مفاصلها.
"هو وصل بيك تتهمني إني بمارس الحرام مع واحدة لو اتجوزت بدري شوية كنت خلفت قدها؟"
خرج صوته منخفضًا... لكنه مخيف بما يكفي ليجعل من بالخارج يتراجع نصف خطوة.
بلع سلطان ريقه، لكنه تشجع بوجود الرجال خلفه.
"بقول اللي شفته يا معلم! أنا مش هتبلّى عليك! مش حمل وزر زي ده قدام ربنا! أنا كنت معدي... سمعت حس... قربت من خرم الباب... لقيت النور مطفي... وهما... هما كانوا... أعوذ بالله، مش قادر أنطقها."
صرخت ورد فجأة، وقد انخلعت من الحائط واندفعت خطوة للأمام، دموعها تنهمر بلا توقف:
"كداب! أقسم بالله لسانه زِفِر طول عمره ما يقول حق! أشوف فيك يوم! حسبي الله ونعم الوكيل فيك! تشوفها في أقرب الناس ليك قادر يا كريم! والله العظيم كداب يا ناس! إحنا بننضف! المعلم سيد قال لي أكنس هنا! والله ما لمسني! والله ما حصل حاجة! صدقوني!"
كانت ترتجف كعصفورٍ غرقان.
طرحتها انفكت، وخصلة من شعرها الأسود التصقت بخدها المبلل، وصدرها يعلو ويهبط بأنفاس مذبوحة.
منظرها كان يكسر الحجر.
هنا تقدم عم عبده بخطوة، وصوته مبحوح من القهر:
"دي يتيمة يا ناس! شرفها وعرضها تنهشوا فيه ليه؟ البت طول عمرها عندها حياء وخِشَا، ومفيش مرة طلع منها العيبة."
لكن المعلم دسوقي ظل صامتًا.
كان ينظر إلى سيد فقط.
نظرة طويلة... فاحصة... قاسية.
نظرة تقول بوضوح: لقد ورّطت نفسك وورّطتها، والحلقة كلها على كف عفريت.
فهم سيد.
فهم أن كلمة واحدة الآن قد تدفن البنت حيّة.
وفهم أنه إن أنكر، فلن ينجو هو أيضًا.
العرق بدأ يتصبب من صدغه رغم برودة الفجر.
نظر إلى ورد...
كانت منهارة على الأرض تقريبًا، تبكي بلا صوت، وعيناها تستغيثان به.
ونظر في خياله إلى حبيبة... ابنته الصغيرة النائمة في البيت.
الصمت طال.
طال حتى صار اعترافًا.
استغل سلطان ذلك وصرخ من جديد:
"ساكت ليه يا معلم؟ سكوتك ده نفهمه إنك حاسس بالذنب؟ ولا قربتلها في الحرام بجد؟"
"إخــــرس!"
انفجر زئير سيد دفعة واحدة حتى ارتجت جدران المخزن.
اندفع نحوه كالإعصار، وقبض على ياقة جلابيته، ورفعه عن الأرض كأنه فأر ميت.
تدلت قدما سلطان في الهواء وهو يختنق.
اقترب سيد بوجهه منه، وعيناه تقدحان نارًا.
"أنا واقف وسامع بمزاجي، فبلاش تعتبر نفسك قاضي عليّا... وإلا هطلع شياطيني عليك. ولو راجل اصرفهم."
شهق سلطان، ووجهه تلون.
"س... سيبني يا معلم... أنا آسف... آسف."
رماه سيد على الأرض كشوال قمامة، فتدحرج بعيدًا وهو يكح.
ثم عاد الهدوء...
ذلك الهدوء المرعب الذي يسبق الكسر.
تقدم المعلم دسوقي، وضرب عصاه في الأرض.
"مفيش وقت يا سيد. سمعتنا لازم تتستر. لازم تتجوز البت."
سيد لم يرفع رأسه.
كانت عيناه معلقتين ببقعة السمك البايظ فوق الأرض، كأنه يرى شرفه مبعثرًا هناك.
أكمل دسوقي، هذه المرة بنبرة أخف، لكنها أمضى:
"البنت دي مالهاش حد. لو خرجت من الباب ده دلوقت هتبقى متعرية قدام الناس، والناس عيونها ما بترحمش ولسانها بيعلّم في القلب قبل الجسم. هتكون منبوذة. وإنت... إنت راجل أرمل، وبنتك محتاجة أم. استرها يا سيد... واكسب ثواب، واكسب سمعتك، واكسب بيتك."
نزلت الكلمة عليه كالصخرة:
استرها.
أي... تزوجها.
رفع عينيه أخيرًا نحو ورد.
كانت على ركبتيها، ووجهها في الأرض، وكتفاها يهتزان من الانهيار.
وفي لحظةٍ خاطفة...
رأى فاطمة.
رآها على فراش الموت، شاحبة، تهمس له: "خلي بالك من حبيبة... وخلي بالك من نفسك... وبلاش تدفن نفسك في الحياة، وعيش يا سيد."
ابتلع ريقه.
كان مرًّا كالعلقم.
رفع رأسه، ونظر في عين المعلم دسوقي مباشرة.
وخرج صوته ميتًا... مكسورًا... لكنه واضح:
"خلاص يا معلم دسوقي... كلامك يمشي عليّا."
سكت لحظة بدت كأنها عمر.
ثم قال:
"إحنا... هنتجوز. وأسترها. وزي ما ترسي... هِدَق."
خرجت شهقة جماعية من الواقفين.
رفعت ورد وجهها إليه بفزع، وعيناها اتسعتا حتى كادتا تخرجان من محجريهما.
"لا... لا يا معلم... لا... ليه تتجوزني مجبور؟ إحنا مغلطناش وربنا شاهد."
لكن سيد لم يعد يسمع.
كان كأنه غارق تحت الماء.
اقترب منها ببطء، ومد يده الخشنة المرتجفة إليها.
"قومي..." قالها بصوت مخنوق.
ثم ابتلع غصته وأضاف:
"قومي يا... يا ورد. الله يرضى عليكي... أنا جتتي مش خالصة."
نظرت إلى يده.
يدٌ خشنة متشققة من الملح والماء والسمك.
يد رجل غريب.
أرمل.
أب لطفلة.
يد ستصبح يد زوجها.
ببطءٍ موجوع... مدت يدها المرتعشة، ووضعتها في كفه.
كانت باردة كقطعة ثلج.
شدها لتقف، فترنحت وكادت تسقط، فأمسك ذراعها.
ثم التفت إلى الرجال الواقفين، وصاح بصوتٍ حاسم:
"الفرح انهاردة بليل. واللي عنده كلمة يبلعها. مراتي شريفة، واللي له حاجة ياخدها. من دلوقتي البت دي عرضي وحمايتي. ودين الله اللي يجيب سيرتها... هخليه أخرس عمره كله."
ثم جذبها من ذراعها، وخرج بها من المخزن.
خرج من الفضيحة...
إلى فضيحة أكبر.
خرج من المخزن...
إلى بيتٍ فيه طفلة عمرها ست سنوات لا تعرف أن أباها عائد إليها بأمٍ جديدة.
وكانت الشمس لم تشرق بعد.
لكن ليل سيد...
كان قد بدأ للتو.
لم يكن الفجر قد شقَّ سواده بعد، لكن حلقة السمك في الدرب الأحمر كانت تستيقظ كوحشٍ جائع يفتح فكيه على الدنيا.
رائحة الزفارة الثقيلة تختلط ببرودة الثلج المجروش، وصياح التجار يتعالى فوق صليل السكاكين وهي تشق بطون السمك بمهارة معتادة لا تعرف الرحمة.
أرضية الحلقة كانت مبلولة، زلقة، تلمع فوقها خيوط الماء والدم، وخطوات الرجال تترك خلفها آثارًا موحلة كأن المكان مذبحٌ مفتوح لا سوق رزق.
وفي قلب هذه الفوضى المقدسة... كان يقف المعلم سيد.
خمسة وثلاثون عامًا فقط، لكن الحزن نحت على ملامحه عشرين سنة إضافية.
جسدٌ فارع، كتفان عريضان أنهكهما حمل الأقفاص والثلج، ساعدان مشدودان بعروق نافرة، وذقن خفيفة لم تمسسها شفرة منذ أيام.
عيناه كانتا ساكنتين كسطح بحرٍ صامت... لكن من يعرف النظر جيدًا، يرى العاصفة المدفونة في عمقهما.
منذ ست سنوات، يوم ماتت فاطمة وهي تضع طفلته حبيبة، انغلق قلبه كما يُغلق باب مقبرة.
صار رجلًا للسوق، للبضاعة، للمزاد، وللبنت الصغيرة التي تركتها له زوجته أمانة.
لا امرأة بعد فاطمة.
لا كلمة حلوة.
لا ضحكة خرجت من قلبه بحق.
"يا سيد! يا كاشف!"
جاءه الصوت من خلفه كسوطٍ هبط على ظهره.
استدار، فوجد المعلم دسوقي، شيخ الحلقة، واقفًا بعصاه الخشبية ونظرته الحادة التي تشبه سن السكين.
سبعون عامًا مرّت عليه، لكن ظهره لم ينحنِ، وشاربه الأبيض الكث كان يهتز كلما تكلم.
اقترب سيد فورًا، ومسح يديه في مريلته الجلدية.
"نعم يا معلم دسوقي... اؤمرني خير."
لم يرد دسوقي في وسط الزحام، بل أمسكه من ذراعه الغليظة وسحبه بعيدًا خلف كومٍ من الصناديق الخشبية الفارغة.
خفض صوته، لكن نبرته كانت مشدودة.
"المخزن الشرقي... فيه كلام. والعيون مفتحة اليومين دول، والتموين بيلف على كل واحد."
انعقد حاجبا سيد، وانكمشت عضلات فكه.
"بضاعة بايظة ولا إيه؟"
هز دسوقي رأسه ببطء.
"بضاعة... وحاجات تانية. روح بص بنفسك. نضّف ولمّ الدنيا. وخد معاك حد يساعدك، عشان لو كبسة حصلت يلاقوا ناس بتنضف وشغالة... مش قاعدين على قلبهم مراوح."
زفر سيد بضيق، ونفخ الهواء من أنفه.
"مين فاضي الفجرية دي؟ العيال كلها في المزاد... خليها وقت تاني."
رفع دسوقي ذقنه وأشار بعينيه إلى ركن بعيد.
هناك... كانت تجلس فتاة نحيلة تمسح طاولة خشبية مهترئة.
"خد البت ورد. بت عم عبده. غلبانة ومقطوعة من شجرة. كانت في ملجأ... أهي تاكل عيش."
اسم ورد وحده جعل شيئًا غامضًا ينقبض في صدر سيد.
تلك اليتيمة التي لا يكف السوق عن مضغ سيرتها بألسنة قذرة.
"دي مالهاش أهل."
"دي ممكن تعمل أي حاجة عشان اللقمة."
شد فكه بقسوة، وقال بخشونة:
"حاضر يا معلم."
اتجه نحو الركن.
كانت ورد جالسة على الأرض، تجمع بقايا السمك الصغير في صفيحة صدئة.
في الثانية والعشرين من عمرها، لكن هزال جسدها كان يجعلها تبدو أصغر بكثير.
جلابية سوداء قديمة واسعة تبتلعها، وطرحة قطنية باهتة تستر نصف شعرها.
وجه شاحب لم تعرفه الشمس، وعينان واسعتان سوداوان... فيهما حزن عميق وبراءة توجع القلب.
ما إن أحست بظله يسقط فوقها حتى رفعت وجهها بسرعة، وانتفضت كأن تيارًا كهربائيًا صعقها.
"المعلم سيد! بسم الله الرحمن الرحيم... في إيه؟"
وقف أمامها جامدًا كتمثال حجر.
"قومي يلا. هتيجي معايا المخزن الشرقي. هننضف الدنيا هناك."
ارتبكت، ومسحت يديها المرتجفتين في جلابيتها، ثم نهضت بسرعة وهي تطأطئ رأسها.
"حاضر يا معلم... اللي تشوفه. أنا تحت أمرك. هروح معاك في المكان اللي إنت عايزه."
خرج صوتها خافتًا، مرتعشًا، كأنها تعتذر عن كونها حية.
تحرك سيد أولًا بخطوات واسعة غاضبة، بينما كانت هي تهرول خلفه كي تلحقه، ممسكة الصفيحة بكلتا يديها.
كان المخزن الشرقي في آخر الحلقة؛ مبنى قديم من الطوب العاري، بابه خشب ثقيل، وقفله مصدّي يئن من الصدأ.
الرطوبة تنبعث منه، ورائحة السمك القديم متشبثة بجدرانه كالعفن.
أخرج سيد مفتاحًا كبيرًا من جيب صديريه، وغرسه في القفل.
صرير الباب حين انفتح شقَّ سكون الفجرية.
في الداخل، كان مصباح أصفر وحيد يتدلى من سلكٍ عارٍ، ينشر ضوءًا شاحبًا على أقفاص خشب مكسورة، وأكياس ملح ممزقة، وبقع ماء آسنة فوق الأرض.
أشار لها بيده دون أن ينظر.
"ادخلي. اكنسي الأرضية دي كلها. أنا هرص الأقفاص على الحيطة. مش عايزين تلاكيك من حد."
همست وهي تضم الطرحة على رأسها:
"حاضر."
دخلت.
بدأت تكنس بمقشة قديمة، وصوت الخرشفة فوق الأرض المبتلة كان الصوت الوحيد في المكان.
سيد كان يرص الأقفاص وظهره لها، وعضلات كتفيه مشدودة، كأنه يتشاجر مع الخشب لا يرتبه.
الصمت بينهما كان ثقيلًا... خانقًا.
هو لا يطيق وجودها؛ يراها عبئًا وفضيحة محتملة.
وهي ترتجف من المكان... ومنه.
مرت عشر دقائق.
وفجأة—
"إلحقووونااا! يا خلااايق! فضيييحة! فضييييحة!"
شق الصراخ جنبات المخزن كطعنة.
تجمد سيد في مكانه، وسقطت المقشة من يد ورد فارتطمت بالأرض.
وقبل أن يستوعبا...
دُفع الباب بركلةٍ عنيفة، فانفتح على مصراعيه.
وفي فتحة الباب وقف المعلم دسوقي، ووجهه يغلي، وخلفه عم عبده وثلاثة من كبار تجار الحلقة.
وفي المقدمة...
كان يقف سلطان.
الصبي الطويل النحيف، بعينيه الضيقتين الماكرتين كثعلب جائع.
نفس الصبي الذي طرده سيد من الشغل منذ شهر بعدما أمسكه يسرق من الميزان.
كان يبتسم ابتسامة صفراء كريهة، ويشير بإصبعه نحوهما.
"أهو يا ناس! شفتوهم بعيني ودين محمد! مفيش حد قالي! المعلم سيد والبت ورد جوه لوحدهم بيرتكبوا اللي حرمه ربنا! وفي الضلمة! والباب مقفول كمان!"
دارت الدنيا بورد.
شهقت شهقة مكتومة، وسندت ظهرها على الحائط كي لا تقع.
الصفيحة انقلبت من يدها، وتناثر السمك البايظ فوق الأرض.
"لا... لا والله ما عملت حاجة! أنا مظلومة! حرام عليكم! أقسم بالله ما عملت حاجة! يا معلم سيد قولهم الحقيقة... الله يسترك!"
كانت الكلمات تخرج منها متقطعة بين شهقات مذعورة، ويداها ترتجفان بعنف حتى كادتا لا تحملان جسدها.
أما سيد...
فاستدار ببطء شديد.
هرب الدم من وجهه لثانية، ثم عاد دفعة واحدة، حارًا كالجمر.
قبضته انغلقت حتى ابيضّت مفاصلها.
"هو وصل بيك تتهمني إني بمارس الحرام مع واحدة لو اتجوزت بدري شوية كنت خلفت قدها؟"
خرج صوته منخفضًا... لكنه مخيف بما يكفي ليجعل من بالخارج يتراجع نصف خطوة.
بلع سلطان ريقه، لكنه تشجع بوجود الرجال خلفه.
"بقول اللي شفته يا معلم! أنا مش هتبلّى عليك! مش حمل وزر زي ده قدام ربنا! أنا كنت معدي... سمعت حس... قربت من خرم الباب... لقيت النور مطفي... وهما... هما كانوا... أعوذ بالله، مش قادر أنطقها."
صرخت ورد فجأة، وقد انخلعت من الحائط واندفعت خطوة للأمام، دموعها تنهمر بلا توقف:
"كداب! أقسم بالله لسانه زِفِر طول عمره ما يقول حق! أشوف فيك يوم! حسبي الله ونعم الوكيل فيك! تشوفها في أقرب الناس ليك قادر يا كريم! والله العظيم كداب يا ناس! إحنا بننضف! المعلم سيد قال لي أكنس هنا! والله ما لمسني! والله ما حصل حاجة! صدقوني!"
كانت ترتجف كعصفورٍ غرقان.
طرحتها انفكت، وخصلة من شعرها الأسود التصقت بخدها المبلل، وصدرها يعلو ويهبط بأنفاس مذبوحة.
منظرها كان يكسر الحجر.
هنا تقدم عم عبده بخطوة، وصوته مبحوح من القهر:
"دي يتيمة يا ناس! شرفها وعرضها تنهشوا فيه ليه؟ البت طول عمرها عندها حياء وخِشَا، ومفيش مرة طلع منها العيبة."
لكن المعلم دسوقي ظل صامتًا.
كان ينظر إلى سيد فقط.
نظرة طويلة... فاحصة... قاسية.
نظرة تقول بوضوح: لقد ورّطت نفسك وورّطتها، والحلقة كلها على كف عفريت.
فهم سيد.
فهم أن كلمة واحدة الآن قد تدفن البنت حيّة.
وفهم أنه إن أنكر، فلن ينجو هو أيضًا.
العرق بدأ يتصبب من صدغه رغم برودة الفجر.
نظر إلى ورد...
كانت منهارة على الأرض تقريبًا، تبكي بلا صوت، وعيناها تستغيثان به.
ونظر في خياله إلى حبيبة... ابنته الصغيرة النائمة في البيت.
الصمت طال.
طال حتى صار اعترافًا.
استغل سلطان ذلك وصرخ من جديد:
"ساكت ليه يا معلم؟ سكوتك ده نفهمه إنك حاسس بالذنب؟ ولا قربتلها في الحرام بجد؟"
"إخــــرس!"
انفجر زئير سيد دفعة واحدة حتى ارتجت جدران المخزن.
اندفع نحوه كالإعصار، وقبض على ياقة جلابيته، ورفعه عن الأرض كأنه فأر ميت.
تدلت قدما سلطان في الهواء وهو يختنق.
اقترب سيد بوجهه منه، وعيناه تقدحان نارًا.
"أنا واقف وسامع بمزاجي، فبلاش تعتبر نفسك قاضي عليّا... وإلا هطلع شياطيني عليك. ولو راجل اصرفهم."
شهق سلطان، ووجهه تلون.
"س... سيبني يا معلم... أنا آسف... آسف."
رماه سيد على الأرض كشوال قمامة، فتدحرج بعيدًا وهو يكح.
ثم عاد الهدوء...
ذلك الهدوء المرعب الذي يسبق الكسر.
تقدم المعلم دسوقي، وضرب عصاه في الأرض.
"مفيش وقت يا سيد. سمعتنا لازم تتستر. لازم تتجوز البت."
سيد لم يرفع رأسه.
كانت عيناه معلقتين ببقعة السمك البايظ فوق الأرض، كأنه يرى شرفه مبعثرًا هناك.
أكمل دسوقي، هذه المرة بنبرة أخف، لكنها أمضى:
"البنت دي مالهاش حد. لو خرجت من الباب ده دلوقت هتبقى متعرية قدام الناس، والناس عيونها ما بترحمش ولسانها بيعلّم في القلب قبل الجسم. هتكون منبوذة. وإنت... إنت راجل أرمل، وبنتك محتاجة أم. استرها يا سيد... واكسب ثواب، واكسب سمعتك، واكسب بيتك."
نزلت الكلمة عليه كالصخرة:
استرها.
أي... تزوجها.
رفع عينيه أخيرًا نحو ورد.
كانت على ركبتيها، ووجهها في الأرض، وكتفاها يهتزان من الانهيار.
وفي لحظةٍ خاطفة...
رأى فاطمة.
رآها على فراش الموت، شاحبة، تهمس له: "خلي بالك من حبيبة... وخلي بالك من نفسك... وبلاش تدفن نفسك في الحياة، وعيش يا سيد."
ابتلع ريقه.
كان مرًّا كالعلقم.
رفع رأسه، ونظر في عين المعلم دسوقي مباشرة.
وخرج صوته ميتًا... مكسورًا... لكنه واضح:
"خلاص يا معلم دسوقي... كلامك يمشي عليّا."
سكت لحظة بدت كأنها عمر.
ثم قال:
"إحنا... هنتجوز. وأسترها. وزي ما ترسي... هِدَق."
خرجت شهقة جماعية من الواقفين.
رفعت ورد وجهها إليه بفزع، وعيناها اتسعتا حتى كادتا تخرجان من محجريهما.
"لا... لا يا معلم... لا... ليه تتجوزني مجبور؟ إحنا مغلطناش وربنا شاهد."
لكن سيد لم يعد يسمع.
كان كأنه غارق تحت الماء.
اقترب منها ببطء، ومد يده الخشنة المرتجفة إليها.
"قومي..." قالها بصوت مخنوق.
ثم ابتلع غصته وأضاف:
"قومي يا... يا ورد. الله يرضى عليكي... أنا جتتي مش خالصة."
نظرت إلى يده.
يدٌ خشنة متشققة من الملح والماء والسمك.
يد رجل غريب.
أرمل.
أب لطفلة.
يد ستصبح يد زوجها.
ببطءٍ موجوع... مدت يدها المرتعشة، ووضعتها في كفه.
كانت باردة كقطعة ثلج.
شدها لتقف، فترنحت وكادت تسقط، فأمسك ذراعها.
ثم التفت إلى الرجال الواقفين، وصاح بصوتٍ حاسم:
"الفرح انهاردة بليل. واللي عنده كلمة يبلعها. مراتي شريفة، واللي له حاجة ياخدها. من دلوقتي البت دي عرضي وحمايتي. ودين الله اللي يجيب سيرتها... هخليه أخرس عمره كله."
ثم جذبها من ذراعها، وخرج بها من المخزن.
خرج من الفضيحة...
إلى فضيحة أكبر.
خرج من المخزن...
إلى بيتٍ فيه طفلة عمرها ست سنوات لا تعرف أن أباها عائد إليها بأمٍ جديدة.
وكانت الشمس لم تشرق بعد.
لكن ليل سيد...
كان قد بدأ للتو.