📁 آخر الروايات

رواية جواز علي سن الخنجر الفصل الثاني 2 بقلم هاجر عبدالحليم

رواية جواز علي سن الخنجر الفصل الثاني 2 بقلم هاجر عبدالحليم


اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 
الفصل الثاني
لم تكن الشمس قد بزغت بعد، لكن سيد كان يشق حواري الدرب الأحمر كأنه يجر فوق كتفيه نعشًا لا جثمانًا.
خطواته ثقيلة، متيبسة، تضرب الأرض بعنف مكتوم، وكأن كل بلاطة في الطريق شاهدة على انكساره.
أما ورد، فكانت تسير إلى جواره... أو بالأحرى خلفه بنصف خطوة، كظلٍ مكسور لا يملك حق المساواة بصاحبه.
رأسها مطأطأ حتى كاد ذقنها يلامس صدرها، وطرحتها الباهتة ترتعش مع نسمات الفجر الباردة، كما ترتعش أصابعها الصغيرة داخل قبضته الخشنة.
كانت يده قد أمسكتها حين خرجا من المخزن، لكنها لم تشعر فيها بالأمان؛ شعرت فقط بأنها تُساق إلى مصير لا تعرفه.
بدأت الدكاكين تُفتح تباعًا، والأفران تلفظ أول أنفاس النار، وعجلات عربات الفول تصرخ فوق الأسفلت المكسور.
لكن ما أفاق الحارة حقًا لم يكن ضجيج الصباح... بل ذلك المشهد الذي يسير في قلبها:
المعلم سيد الكاشف... الأرمل الذي دفن عمره مع زوجته... يسير ممسكًا بذراع البت اليتيمة ورد.
العيون اتسعت.
والهمسات انطلقت كسكاكين تُشحذ على عظم حي.
"يا لطيف يا رب... هو اتجوزها بجد خلاص؟"
"الراجل اتجنن... دي قد بنته حبيبة!"
"يا عيني على المرحومة فاطمة... لسه ترابها ما بردش."
"كدب سلطان طلع صح ولا إيه؟ شكله كدا صح... يادي العيبة! راح غلط معاها وقفشوه فقال يستر ع البنية... بس بردك راجل وعنده نخوة، ستر عليها بدل ما يسيبها زي اللحمة في لسان الناس."
"بس تفتكري بنت بنوت ولا لا؟"
"بس يا ولية يا خرفانة، ومتكونيش ليه بقى؟ إحنا عندنا ولاية... نسكت أحسن بدل اللي طالها يطولنا."
كان سيد يسمع كل كلمة.
كل همسة كانت كالمسمار يُدق في نعش كرامته.
لكن وجهه ظل جامدًا، وفكه مشدودًا حتى برزت عروقه، وأصابعه تضغط على ذراع ورد أكثر، كأنه يخشى أن تفلت... أو يخشى أن يفلِت هو نفسه من تماسكه.
حتى وصلا إلى البيت.
بيت قديم ذو واجهة متآكلة، وباب خشبي أخضر تقشرت عنه طبقات الدهان.
وفوق الباب مسمار وحيد فارغ... كان يتدلى منه يومًا فانوس رمضان النحاسي الذي أحبته فاطمة.
نزعه سيد بعد موتها، ولم يسمح لشيء أن يملأ مكانه.
وقف أمام الباب.
أخرج المفتاح الكبير من جيبه، لكن أصابعه تجمدت قبل أن تدخله في القفل.
بدا الباب في عينيه كفم جهنم مفتوح على آخره.
إلى جواره وقفت ورد، منكسة الرأس، ودموعها التي جفت تركت على خديها خطوطًا مالحة باهتة.
صدرها يعلو ويهبط بأنفاس متكسرة.
همست بصوت يكاد لا يُسمع:
"يا معلم... بلاش. أبوس إيدك بلاش تظلم نفسك عشاني. والله العظيم هروح في أي داهية... هروح الملجأ تاني أو أشتغل خدامة في البيوت... بس متكسرش قلبك ولا قلب بنتك بسببي."
استدار إليها ببطء.
لأول مرة منذ خرجا من المخزن، نظر إليها فعلًا.
لم يرَ فيها الفضيحة.
ولا البنت التي ألصقها القدر بعرضه.
رأى طفلة مذعورة.
وجهًا شاحبًا، وكتفين يرتجفان، وعينين واسعتين يغمرهما رعب العالم كله.
ورأى — رغماً عنه — فاطمة وهي تحتضر، وتترك له حبيبة وحيدة.
هل يرضيها أن يلقي هذه الأخرى للشارع فريسة لألسنة البشر؟
ابتلع غصته بصعوبة، ثم قال بصوت مبحوح ميت:
"الكلام خلص يا ورد... دخولك البيت ده هو اللي هيخرس الكل."
وأدار وجهه قبل أن يرى دمعتها الجديدة.
أدخل المفتاح في القفل.
تكة المعدن حين دار كانت حادة، موجعة، كأنها دقت في منتصف قلبه.
دفع الباب.
استقبلتهما عتمة ما قبل الفجر، وصمت كثيف يملأ الصالة.
لكن أكثر ما ضرب سيد لم يكن الصمت... بل الرائحة.
رائحة فاطمة.
صابون الغار الذي كانت تغسل به الستائر.
البخور الذي كانت تمر به كل خميس.
وياسمينة البلكونة التي ماتت بعد موتها بأسبوع، لكن عبيرها كأنه عالق في الجدران حتى الآن.
الرائحة كانت حية... حية إلى حدٍ مؤلم.
تشنج حلق سيد، وبلع غصة كادت تخنقه.
دخلت ورد خلفه بخطوات مترددة، وهي ترفع طرف جلابيتها بيد مرتعشة، كأنها تخشى أن توسخ البلاط النظيف.
بدت كأنها تدخل مسجدًا... لا بيتًا صارت زوجته فيه.
أغلق سيد الباب خلفهما.
دوى الصوت في أرجاء الشقة الساكنة، فانتفض جسد ورد كله.
أشار بيده إلى الكنبة البلدية المغطاة بكليم ملون.
"اقعدي يا ورد."
اقتربت بخطوات صغيرة متكسرة، وجلست على الطرف تمامًا، كأنها تستأذن حتى في ملامسة القماش.
ضمت ركبتيها إلى صدرها، وأحاطتهما بذراعيها، محاولة أن تصغر... أن تنكمش... أن تتحول إلى شيء لا يُرى.
ظل سيد واقفًا يحدق فيها لحظة، ثم دخل المطبخ.
ذلك المطبخ الذي لم تطأه امرأة غير فاطمة منذ ست سنوات.
ملأ كوبًا من الزير الفخاري، وعاد.
وضعه أمامها على الطبلية الخشبية، فصدر رنين زجاجي خافت وسط الصمت.
"اشربي... وبلي ريقك."
هزت رأسها بالنفي، وعيناها معلقتان بالأرض.
ساد الصمت من جديد.
صمت ثقيل لا يقطعه إلا تك... تك... تك
صوت الساعة القديمة المعلقة على الحائط، وكل دقة فيها كانت كالمطرقة فوق أعصابهما.
جلس سيد على الكرسي المقابل، بعيدًا عنها.
أسند مرفقيه إلى ركبتيه، ودفن وجهه بين كفيه الخشنتين.
كان يريد أن يصرخ.
أن يحطم الحائط.
أن يستيقظ من هذا الكابوس.
ست سنوات وهو يحيا على ذكرى فاطمة، يربي حبيبة، ويغلق بابه على وحدته.
وفجأة... في ليلة واحدة... صار متزوجًا من بنت لا يعرف عنها شيئًا، أصغر منه بثلاثة عشر عامًا، دخلت حياته من باب فضيحة.
رفع رأسه أخيرًا.
عيناه حمراوان، مجهدتان، وفيهما قهر رجل يُسحب إلى ما لا يريد.
"اسمعيني كويس." قالها بصوت أجش.
"اللي حصل في المخزن... واللي اتقال... واللي أنا قولته... خلاص. بقى أمر واقع. الناس هتعاملك على إنك مراتي، وسمعتك وسمعتي بقوا واحد. اسمك بقى على اسمي وبقيتي ست البيت من دلوقت. ولو على بنتي متخافيش خالص، أنا هتكلم معاها... هي من زمان كان نفسها يبقى ليها أم، وعارف إنك مش هتأثري معاها. وآسف لو هحملك شيء فوق طاقتك... بس لو مش حابة تخدميها عرفيني، ومش هجبرك على شيء."
ثم بلع ريقه، وكأن ما سيقوله أصعب:
"بعد المغرب... المعلم دسوقي هيبعت المأذون على هنا. وعم عبده ومراته هيبقوا موجودين. هنكتب الكتاب... وندخل بيكي. عشان نخرس الكلاب اللي بره."
رفعت ورد وجهها إليه ببطء.
الدموع لمعت مجددًا في عينيها.
"طب وبنتك؟" خرج صوتها مبحوحًا مذبوحًا. "حبيبة... هتقول لها إيه يا معلم سيد؟ أنا والله بحب الأطفال جدًا، ومن زمان كان نفسي يكون ليا أخت بنت... أخدمها على رمش عيوني، كفاية إنها بنتك وكل طلباتها مجابة."
أغمض سيد عينيه بقوة، كأن اسم حبيبة خنجر انغرس في صدره.
"حبيبة هتفهم... لما تكبر هتفهم إني عملت الصح. وبعدين قلتلك سيبي موضوع بنتي عليا، أنا سترت عرض بنت زيها فأكيد ربنا هيجازيني خير."
انتفضت ورد واقفة فجأة.
لأول مرة يعلو صوتها، ولأول مرة يخرج القهر من صدرها حادًا:
"تستر عرضي يا معلم؟! بجوازة هتحملك عمرك كله؟ هو ده الستر؟ إنك تعيش مع واحدة مش قادر تبص في وشها؟ أومال هتنام معاها على فرشة واحدة إزاي؟ هتديها حقوقها إزاي؟ تظلم نفسك وتظلمني عشان كلمة قالها واحد كلب ولا يسوى ربع جنيه في سوق الرجالة؟! طب ومن قلبك إنت؟ هتفضل باصص ليّ على إني الفضيحة اللي لزقت فيك غُصب؟ اللي خربت بيتك؟ كل ما تشوفني هتفتكر اللي جرالك في المخزن؟!"
نهض سيد هو الآخر دفعة واحدة، حتى احتك الكرسي بالأرض بعنف.
الغضب الذي كان يكتمه انفجر في عينيه.
"إنتي فاكراني مبسوط يا بت إنتي من اللي حصل ده؟! وعلى قلبي زي العسل؟! فاكراني سهل عليا أقف وأتحمل كلام عن سمعتي؟ فاكراني سهل يتحكم عليا بجوازة مش عايزها بس مجبر عشان ألم لحم اتكتب عليا أشتريه؟! فاكراني كنت بحلم باليوم اللي أتجوز فيه واحدة مجبور عليها ومجبورة عليا؟! أنا كنت ميت وأنا عايش بس مستريح! أنا وبنتي وبس، مكتفي وراضي وببوس إيدي على دا! لا عايز ست ولا عايز وجع قلب أصلًا! إنتي اللي... إنتي اللي..."
وتوقف.
اختنقت الكلمة في حلقه.
لم يستطع أن يكمل.
فهي — رغم كل شيء — لا ذنب لها.
فهمت ورد ما لم يقله.
تراجعت خطوة كأنها تلقت صفعة على وجهها.
وانسابت دموعها في صمت.
"وأنا؟" همست بصوت مهشم.
"تفتكر أنا كنت بحلم أتجوز راجل أد أبويا؟ راجل قلبه مدفون مع مراته الله يرحمها؟ راجل كل ما يبص ليّ هيشوفها فيا... ده لو شافني؟
أنا كان حلمي أشتغل أي شغلانة شريفة، وأأجر أوضة فوق سطوح، وأعيش لوحدي من غير ما أمد إيدي لحد ولا أتذل لحد! مش أصحى ألاقي نفسي مرات واحد مغصوب عليا، وبنته هتكرهني من أول لحظة، وهعيش في بيت ريحة مراته لسه في كل ركن!"
بهت سيد.
لم يتوقع أن يخرج منها كل هذا الوجع.
فتح فمه ليرد...
لكن صوتًا صغيرًا ناعسًا شق الصمت كالسكين.
"بابا؟"
تجمد الاثنان.
هرب الدم من وجه سيد.
وضعت ورد يدها على فمها تكتم شهقة.
ومن الطرقة المظلمة المؤدية إلى غرف النوم، ظهر خيال صغير...
حبيبة.
بشعرها الحريري المنسدل، ووجهها النائم نصفه، كانت تفرك عينيها بقبضتها الصغيرة.
"بابا... إنت جيت؟ أنا كنت بحلم بكابوس وحش... كان فيه تعبان وقرصني جامد في رجلي..."
ثم توقفت.
لأنها رأت ورد.
ثبتت في مكانها، وعيناها اتسعتا بدهشة طفلة ترى عالمها يتبدل في ثانية.
نقلت بصرها من المرأة الغريبة... إلى أبيها.
وسيد شعر أن قلبه توقف.
"حبيبة... يا قلب بابا، تعالي."
قالها بصوت مرتجف لا يشبهه.
أما ورد، فكانت تتراجع ببطء حتى التصقت بالحائط، تتمنى لو تبتلعها الأرض.
اقتربت حبيبة خطوتين مترددتين، ووقفت أمام ورد، ثم رفعت رأسها الصغير تتأملها من أعلى لأسفل بعفوية جارحة.
"إنتي مين؟"
سألت بفضول طفولي خالص.
"إنتي ضيفة عندنا وماشية على طول... ولا هتباتي معانا هنا؟"
كان السؤال بسيطًا...
لكنه هبط على الصالة كجبل.
فتح سيد فمه، لكن الكلام مات على شفتيه.
أما ورد، فنظرت إلى الطفلة طويلًا...
إلى شعرها الحريري، وإلى عينيها اللتين تحملان شيئًا من فاطمة.
وشعرت أن قلبها يتمزق.
نزلت على ركبتيها ببطء حتى صارت في مستواها، والدموع تفيض من عينيها من جديد.
"أنا..." تلعثمت.
"أنا اسمي... اسمي ورد يا... يا حبيبة."
مالت الصغيرة رأسها على جنب.
"ورد؟ زي الورد اللي ماما فاطمة كانت بتحبه؟ اللي كان في البلكونة؟"
كانت الطعنة هذه المرة مباشرة.
أغمض سيد عينيه بقهر، وأسند رأسه للحائط.
شهقت ورد، ووضعت يدها على فمها، وجسدها يهتز بالبكاء المكتوم.
همست بصوت متكسر:
"أيوه... يا حبيبتي... زي الورد."
ابتسمت حبيبة ابتسامة ناعسة بريئة، ثم اقتربت أكثر.
رفعت يدها الصغيرة ولمست طرف طرحة ورد.
"ماما قالتلي قبل ما تروح الجنة إن الورد ريحته حلوة أوي... وإن اللي قلبه طيب ريحته بتبقى زي الورد."
ثم سألتها، بعينيها الواسعتين:
"إنتي... ريحتك حلوة زي الورد صح؟"
كان السؤال...
هو الخنجر الذي ذبحهم جميعًا.
انهارت ورد تمامًا، وأخفت وجهها بين كفيها، وانفجر بكاؤها عاليًا.
أما سيد، فلم يعد يقوى على الوقوف.
اندفع نحو ابنته، وجثا على ركبتيه، وشدها إلى صدره بقوة حتى كادت تختفي بين ذراعيه.
دفن وجهه في شعرها، يستنشق رائحتها كغريق يتمسك بآخر أنفاسه.
ثم رفع عينيه إلى ورد المنكمشة على الأرض.
عيناه كانتا حمراوين، غارقتين في الدموع.
وفيهما ألم رجلٍ أدرك...
أن بيته لن يعود كما كان أبدًا.
لم ينم أحد في البيت.
سيد ظل جالساً على الكنبة، وحبيبة نائمة في حضنه. كلما تحركت، ضمّها أكثر، كأنه يخشى أن يُنتزع منه آخر ما تبقّى له من الحياة.
ورد ظلت في ركن الصالة، جالسة على الأرض، ضامة ركبتيها، تبكي بصمت حتى جفّت دموعها وبقي الألم وحده يسكن ملامحها.
عند الظهر، جاء عم عبده وأم عبده.
امرأة في الخمسين، ملامحها طيبة رغم ثقل الحزن الذي يسكن نظرتها.
ما إن دخلت ورأت المشهد حتى أدركت كل شيء دون أن تُسأل أو تسأل.
اقتربت من ورد، وانحنت إليها، ثم رفعتها من الأرض في حضن دافئ.
"يا بنتي... يا حبة عيني يا بنتي. قومي معايا. قومي اغسلي وشك. وافرحي دا يوم كتب كتابك بيجي مرة ف العمر ربنا يجعله الاول والاخير ليكي يابنتي"
أخذتها إلى الحمام. غسلت وجهها بماء بارد، وسرّحت شعرها، ثم ألبستها جلابية جديدة أحضرتها معها.
"دي بتاعت بنتي. ومتاكدة انها هتكون مقاسك البسيها يلا."
في الصالة، جلس عم عبده مع سيد.
قال بصوت هادئ مثقل:
"يا ولدي... أنا عارف إن حملك تقيل. بس البت دي أمانة. أمانة في رقبتك ليوم الدين. أبوها وأمها ماتوا في حادثة وهي عندها 3 سنين. اتربت في الملاجئ. اتذلت واتهانة. متكسرهاش زيادة يا سيد. دا النبي وصى على اليتيم."
هزّ سيد رأسه بصمت.
لم يجد ما يقوله. قلبه ما زال عالقاً عند فاطمة، وعقله يدفعه نحو ما لا يريد، وضميره ينهشه من الداخل.
عند المغرب، دق الباب.
دخل المعلم دسوقي يليه المأذون، ومعهما اثنان من كبار التجار كشهود.
الصالة التي كانت ساكنة صباحاً امتلأت بالرجال.
وعلى الطبلية وُضعت صينية شربات وكحك، لكن لا فرح في المكان.
كان الجو أقرب إلى جنازة هادئة منه إلى عرس.
دخل سيد من غرفته.
كان قد استحم، وارتدى جلابية كحلي مكوية بعناية، وسرّح شعره.
بدت ملامحه مهيبة، وسيماً كما هو، لكن وجهه كان بلا حياة.
وفي الداخل، كانت حبيبة قد استيقظت.
جلست في حضن المعلم دسوقي، تمسك في ملابسه، وعيناها لا تفارقان باب الغرفة المغلقة التي دخلت منها ورد.
همست:
"يا جدو دسوقي..."
ثم أكملت بصوت طفولي بريء:
"هو بابا هيتجوز بجد؟ طب وماما فاطمة؟ هي هتزعل وهي ف الجنة وهتشوفه مع غيرها وهتضايق؟"
مسح على رأسها بحنان مثقل:
"لا يا بنتي. ماما فاطمة في الجنة فرحانة. عشان هيبقى لك حد ياخد باله منك لما بابا يبقى في الشغل هي مش هيهون عليها تشوفه وحيد ملهوش ونس ولا انتي كمان."
"بس أنا بعرف آخد بالي من نفسي." قالتها ببراءة. "وبابا بياخد باله مني كمان."
لم يجد ردّاً، فاكتفى بضمّها إليه.
انفتح باب الغرفة.
خرجت أم عبده تسند ورد.
كانت ترتدي فستاناً أسود بسيطاً، بلا أي زينة.
وجهها شاحب كالموتى، وعيناها حمراوان من البكاء.
تمشي كأنها تُقاد إلى مصير محتوم لا مفر منه.
أجلسوها على الكنبة بجوار سيد.
مسافة بينهما بدت كأنها بحر كامل.
لم ينظر إليها، ولم تنظر إليه.
تنحنح المأذون، ثم قال:
"بسم الله الرحمن الرحيم... وبه نستعين."
بدأ في الإجراءات.
سأل عن الوكيل، فتقدم عم عبده.
سأل عن المهر، فذكر سيد مبلغاً كبيراً دون تفاوض.
"حقها."
ثم قال:
"يا معلم سيد... ردد ورائي: قبلت زواجها لنفسي على كتاب الله وسنة رسوله، وعلى الصداق المسمى بيننا."
نظر سيد أمامه طويلاً، وكأن الجدار يحمل صورة لا يراها غيره.
ثم قال بصوت جاف:
"قبلت زواجها لنفسي على كتاب الله وسنة رسوله... وعلى الصداق المسمى بيننا."
فأصبح الأمر واقعاً.
التفت المأذون إلى ورد، وصوته خفّ قليلاً:
"يا بنتي... يا ورد. ردي ورايا: قبلت زواجي منه على كتاب الله وسنة رسوله."
ساد صمت ثقيل.
فتحت شفتيها، لكن صوتها لم يخرج.
عيناها تبحثان عن شيء لا يوجد.
ثم وقعت عيناها على حبيبة.
الطفلة كانت ترتجف في حضن المعلم دسوقي، تنظر إليها بخوف صريح.
فجأة قالت بصوت صغير:
"عايزة ماما... عايزة ماما الحقيقية بتاعتي."
كانت الكلمة كالرصاصة.
انتفضت ورد.
وزغدتها أم عبده برفق:
"قولي يا بنتي... قولي وخلصينا. خلينا نخلص."
أغمضت ورد عينيها.
ومرّ أمامها شريط حياتها كله: ملجأ، جوع، قسوة، إذلال، نظرات الناس.
ثم فتحت عينيها، وبلعت ريقها بصعوبة، وقالت بصوت مبحوح مكسور:
"قبلت... زواجي... منه."
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير."
لم يزغرد أحد.
لم يتحرك أحد.
قال عم عبده بصوت متهدج:
"مبروك يا بنتي... مبروك يا سيد. ربنا يجعله جواز الستر والعافية."
وقف سيد فجأة.
لم ينظر إليها.
لم يسلم.
قال:
"عن إذنكم انا رايح. الحلقة... لازم أنزل أشوف الشغل."
وخرج.
هرب.
تركها وحدها في بيت لم يعد يشبه البيت.
وترك ابنته تبكي في حضن رجل غريب عنها.
اقتربت أم عبده من ورد:
"قومي يا بنتي. قومي ادخلي أوضتك ارتاحي. أنا هبات معاكي الليلة دي. مش هسيبك لوحدك."
أخذتها إلى غرفة الضيوف.
كانت غرفة باردة: سرير حديدي، ودولاب مكسور، ومراية مشروخة.
لا حياة فيها ولا دفء.
جلست ورد على طرف السرير، وضمت نفسها.
ومن بعيد، كان صوت حبيبة يصل متقطعاً:
"عايزة ماما... ودوني عند ماما..."
في تلك الليلة:
نامت ورد بفستانها الأسود.
ونام سيد في المخزن على أجولة خيش.
وحبيبة نامت في بيت المعلم دسوقي.
والبيت…
لم يعد بيتاً.


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات