رواية نسخة من روحي كامله وحصريه بقلم هاجر ابراهيم
قصة بقلمي:$ الكاتبة Hajar Sh:
(الجزء الأول)
"رهف"
لطالما تلاقت روحي التي كانت مشتتةً في مساحة ذلك الفضاء الوسيع مع روحٍ غريبة .. فما كانت إلا لقاءاتٍ وهمية حصلت بفعل التخاطر وحسب .. لكنه كان تخاطراً مؤلماً .. فما كان يأتي تلك الروح من أذى كان يصيبني بطريقةٍ ما ..
في السيارة التي كانت تقلّني إلى مدرستي كنت جالسةً و شاردة .. قشعريرةً غير طبيعية أصابتني منذ استيقظت اليوم .. ولكنها جاءت كالعادة من بعد كابوسٍ طويل لازمني طوال الليل .. ذلك الوحش المخيف بعينيه الحمراوين اللتان تحاوطهما هالاتٍ من السواد المخيف وفكيه البارزين مع نابين طويلين يتدليان من خلال أطراف فمه ويتجاوزان فكيه بالطول .. وجسده الضخم المغطى بالفرو الأسود مع زنديه الضخمين .. أظافره كمخالب أسدٍ جامح؛ كانت تماثل نابيه بالحجم على ما أظن .. كلّ مرةٍ أراه يلاحقني ويريد قتلي وربما أكلي وأنا لا أملك إلا أن أهرب منه .. أحاول الاستنجاد بأي أحد ولكن هيهات .. في عالمِ كوابيسي ذاك لا يوجد منقذاً لي .. فقط أنا وحدي مع ذلك الوحش المخيف عديم الرحمة ..
(الجزء الأول)
"رهف"
لطالما تلاقت روحي التي كانت مشتتةً في مساحة ذلك الفضاء الوسيع مع روحٍ غريبة .. فما كانت إلا لقاءاتٍ وهمية حصلت بفعل التخاطر وحسب .. لكنه كان تخاطراً مؤلماً .. فما كان يأتي تلك الروح من أذى كان يصيبني بطريقةٍ ما ..
في السيارة التي كانت تقلّني إلى مدرستي كنت جالسةً و شاردة .. قشعريرةً غير طبيعية أصابتني منذ استيقظت اليوم .. ولكنها جاءت كالعادة من بعد كابوسٍ طويل لازمني طوال الليل .. ذلك الوحش المخيف بعينيه الحمراوين اللتان تحاوطهما هالاتٍ من السواد المخيف وفكيه البارزين مع نابين طويلين يتدليان من خلال أطراف فمه ويتجاوزان فكيه بالطول .. وجسده الضخم المغطى بالفرو الأسود مع زنديه الضخمين .. أظافره كمخالب أسدٍ جامح؛ كانت تماثل نابيه بالحجم على ما أظن .. كلّ مرةٍ أراه يلاحقني ويريد قتلي وربما أكلي وأنا لا أملك إلا أن أهرب منه .. أحاول الاستنجاد بأي أحد ولكن هيهات .. في عالمِ كوابيسي ذاك لا يوجد منقذاً لي .. فقط أنا وحدي مع ذلك الوحش المخيف عديم الرحمة ..
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
واليوم باغتني ذلك الشعور في منتصف الحصّة .. جفلت فجأة .. تضاعفت دقات قلبي وارتفعت أنفاسي بشكلٍ ملحوظ وبدأ جسدي يرتجف لدرجة أنني حضنت نفسي لأهدّأ قليلاً من روعي؛ حتى انتبهت عليّ المعلّمة وسألتني باستفسار:
- ما بكِ يا رهف ؟
لم أستطع الرد فقد كانت حالتي تزداد سوءً؛ لدرجة أنني لم أستطع كبح دموعي هذه المرّة؛ فقد بدأت تنساب من دون إرادتي على وجنتيّ بغزارة والطالبات ينظرن إليّ بريبة وخوف .. اقتربت المعلّمة منّي ومسحت على ظهري بحنو وكررت سؤالها لأردّ بصوتٍ مرتجف:
- لا شيء
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
وقفت وخرجت معها وأوصلتني إلى غرفة المرشدة النفسية لتضعني عندها وتعود لتكمل حصتها؛ بينما بقيت أنا جالسةً عند المرشدة أحاول كبح جماح نفسي والكفّ عن البكاء ولكن من دون فائدة .. كانت حالتي تزداد سوءً كلّ مرّة تحاول فيها المرشدة الكلام معي .. فشلت المرشدة من فهمي واتصلت بأمي الطبيبة ليلى لتأتي وتأخذني .. فلم يمرّ على الاتصال سوى ربع ساعة حتى وصلت أمي إليّ واستلمتني من المدرسة ...
في السيارة كنت جالسة منكّسةً رأسي بخجل بينما أمي تقود بكل هدوء .. كان الصمت طاغياً بيننا قبل أن تكسره أمي بصوتها الحاني:
- هل ارتحتِ الآن ؟
أومأت رأسي بالإيجاب لتسأل:
- ما الذي حصل هذه المرّة ؟
- ذات الشيء
- فجأة ؟
- أجل .. ذلك الشعور بعدم الارتياح .. ارتعاش جسدي من دون سبب .. انقباض قلبي وألم رأسي و ..
غصصت بكلمتي فذلك الشعور لا يمكن وصفه .. إنه عذابٌ حقاً
أوقفت السيارة ومسحت على شعري بحنان و قالت:
- هل أعود لآخذ موعداً مع الطبيب؟
- لا أدري
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- افعلي ما ترينه مناسباً أمي
عادت لتدوّر محرك السيارة وتمشي بها .. هذه ليست أول مرّة أزور فيها طبيباً؛ فهذه الحالة بدأت معي قبل ثلاث سنوات وأعراضها في ازدياد .. فلم تترك أمي طريقةً إلا وحاولت علاجي بها .. حتى أنها ذهبت بي إلى سيدةٍ تلت عليّ الرقية الشرعية .. لا أنكر أنني ارتحت وقتها ولكن لم يختفي ذلك الشعور وبقي يلازمني كظلّي ...
وصلنا للمنزل وتناولت الغداء وخرجت لاستنشاق بعض الهواء في الحي الذي نقطن به .. فحيّنا هادئ وجميل .. البيوت فيه موزعةٌ بترتيب .. يفصلها شارعٌ نظيف ..
كنت أمشي وأنا أقرأ كتاباً وضائعة بين حروفه لينشلني من ذلك التركيز صوت شابٍ يناديني .. التفتّ ورأيت أدهم ابن خالتي يدنو مني .. كان أدهم شاباً طويلاً متناسق الجسد .. بهي الطّلةِ يكبرني بأربع سنواتٍ فقط .. والآن هو يدرس الإعلام في السنة الأخيرة .. ابتسمت واقتربت منه ليقول:
- ما هذا الكتاب الذي جعلك تحلّقين بين ثنايا أوراقه لدرجة أنكِ لم تسمعي نداءاتي الأولى لكِ !
- كالعادة .. كتابٌ للفلسفة .. كيف حالك ؟ ولمَ لم تعد تظهر كثيراً ؟
- أنا بخير .. تعلمين التزاماتي الجامعية و دراستي يشغلون معظم أوقاتي .. لم يتبقَ شيءٌ على تخرجي وبصراحة قد لا تعودين لرؤيتي هذه الفترة
- لماذا؟
- لقد قمت باستئجار شقةٍ قريبة من الكلّية التي أرتادها .. تعلمين أنها بعيدة ويصعب عليّ الوصول إليها
- هذا محزن .. سنشتاق لك كثيراً
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
ابتسمت وأومأت رأسي .. إنه فعلاً مثالاً للشاب المتفاني والمجتهد .. بدأت نبضات قلبي بالازدياد فجأةً وعاد ليخالجني ذلك الشعور المقيت .. استأذنت منه وعدت للمنزل راكضةً واتجهت مباشرةً لغرفتي وأقفلت الباب على نفسي .. جلست في زاوية الغرفة وتكوّرت على نفسي وأخذت دموعي بالانهمار بغزارة ..
في اليوم التالي وبعد انتهاء دوام مدرستي جاءت أمي لتقللني ونذهب كما اتفقنا إلى الطبيب ولكنني تفاجأت عندما رأيتها ذهبت لمنطقةٍ أخرى بعيداً عن المستشفى التي يمتلكاها والداي .. ركنت السيارة وقالت وهي تفك حزام الأمان:
- هيا عزيزتي انزلي
ترجّلت من السيارة وسألتها باقتضاب:
- إلى أين أحضرتني .. أليس من المفترض أن نذهب للمستشفى لنقابل الطبيب حامد ؟
- وهنا أيضاً يوجد طبيبٌ ممتاز
رفعت رأسي لأرى لوحة العرض الخاصة بالعيادة وصُدمت:
- لكن هذه مكتوبٌ عليها اختصاص أمراضٍ نفسيةٍ وعصبيةٍ لا باطنية !!
- وإن يكن ..
قاطعتها:
- ماذا وإن يكن .. أمي هل تعتقدين أنني مجنونة؟
- لا يا حبيبتي .. ولكن ..
عدت لمقاطعتها:
- لكن ماذا؟ ماذا تقصدين بإحضاري إلى هنا إذاً؟ أنا لن أدخل
قلت كلمتي وفتحت باب السيارة وركبتها مجدداً لتركب بجانبي وهي تقول:
- رهف أنا كلّمت الطبيب حامد وأخبرني أن ما يحصل معكِ لا علاقة له بأي مرض .. ليس لديكِ لا ضغطٌ ولا فقرٌ بالدم ولا سكري ولا حتى أمراضاً في القلب بفضل الله .. لكنه قال لي إنّكِ ربما بحاجةٍ للعلاج الروحاني أو النفسي .. وهذا ليس عيباً يا ابنتي .. ربما هو ضغط الدراسة أو الخوف منها ..
قلت بشرود:
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
أمسكت يدي ومسحت دمعتي بطرف أناملها وقالت:
- لا يا قلب أمك .. أنتِ لستِ مجنونة .. ثم إن هذا طبيب مثل أي طبيبٍ بأي اختصاص .. حتى أنّ الطبيب حامد هو من دلّني عليه وأخبرني أنه ممتاز وربما خلال شهرين أو ثلاثة ستتحسنين وترتاحي
بقيت أنظر إليها بحزن .. ربما هي على حق .. فأنا لم أفكر يوماً بأن أذهب لطبيبٍ نفسي لأتعالج .. ربما أجد دواءً لدائي عنده .. من يعلم !.. خضعت لطلبها وصعدنا سوياً إلى العيادة .. انتظرنا قليلاً قبل أن تأتي السكرتيرة وتطلب مني الدخول .. وقفت أنا وأمي ولكن السكرتيرة أوقفتنا قائلة:
- فقط الفتاة ستدخل
ردت أمي بتفهّم:
- لا بأس .. اذهبي ابنتي.. أنا سأنتظركِ هنا
هززت برأسي ودلفت غرفة الطبيب لوحدي لتغلق السكرتيرة الباب خلفي .. كانت الغرفة هادئة بشكلٍ مريب ولم يكن يوجد أحدٌ فيها .. بعد دقيقة فُتح بابٌ بجانبي وخرج من خلاله شاباً متوسط الطول ونحيلاً بعض الشيء .. شعره أسود و مسرح برتابة .. ولديه ملامح وجهٍ مريحة .. بصراحة توقعت أن آتي لأجد طبيباً في الأربعين لا شاباً .. أظن أن عمره لا يتجاوز السابعة والعشرون .. ابتسم لي بهدوء وهو يعدل أكمام قميصه وقال:
- أهلاً بكِ يا آنسة تفضلي يمكنكِ الجلوس
أومأت برأسي وتقدمت من الكرسي وجلست عليه بتوتر؛ ليجلس هو على الكرسي الذي يقابلني؛ ثم نظر فيّ بعينيه العميقتين وأردف قائلاً معرّفاً عن نفسه:
- أنا الطبيب وائل صديق طبيبك السيد حامد .. ولقد أخبرني كثيراً عنكِ وعن حالتكِ ومشكلتكِ
رفعت حاجبيّ باستغراب وأنا أنظر إليه .. هل أصبحت حالتي حديثاً لجلسة الأطباء الآن .. !! ابتسمت بسخرية وسألته:
- وماذا أخبركَ أيضاً ؟
رد باسماً:
- أخبرني أنكِ مجتهدة جداً في دراستكِ .. وأنكِ انطوائيةً بعض الشيء
- ألم يخبركَ أيضاً أنه لديّ حساسيةً من الناس الفضوليين؟
شعرت أنه ارتبكَ بعد إجابتي تلك .. ثم عاد ليرسم تلك الابتسامة الهادئة على وجهه وقال:
- يبدو لي أنكِ صريحةً أيضاً
- ويبدو لي أن السيد حامد لم يخبركَ عن هذا
- إذاً سنتفاهم
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- بما أنّكِ صريحة .. ستخبرينني بما تشعرين به
- كيف تريد منّي أن أخبر شخصاً لا أعرفه عن نفسي؟ لا أعتقد أنني سأكون مرتاحة لهذا
ضحك ضحكةً قصيرة جعلت قلبي يثب داخل أضلاعي فجأةً .. لم أعلم لمَ شعرت بذلك فجأة؛ ولكنني تمالكت نفسي وأشحت برأسي ونظرت للنافذة التي كانت تبعد عني مسافة مترين لأرى السماء الصافية وبعض أسرب الحمام التي كانت تحلّق قريباً من المبنى بتناغم .. تنهدت بعمق وزفرت أنفاسي بهدوء ووقفت واتجهت نحو النافذة وفتحتها لأشعر بنسمات الهواء تغلغلت لأعماقي؛ لأغمض عيناي وأسمح لتلك النسمات أن تداعب وجهي بلطفها وتسبح بين خصلات شعري ..
فجأةً سمعته يناديني باسمي .. فتحت عينيّ بذهول؛ فلقد كان وقع صوته وهو يناديني باسمي غريباً على قلبي .. وكأنني أول مرّةٍ أسمع نطق اسمي .. أول مرّةٍ أنتبه على راءه .. الهاء والفاء .. كانت الأحرف مختلفة وكأنها من عالمٍ آخر .. التفتّ إليه وجدته ما يزال جالساً مكانه ينظر إليّ بتلك العينين العميقتين راسماً تلك الابتسامة المختلفة التي لم أراها في أيّ شخصٍ قابلته من قبل ..
ارتكز على ركبتيه وأشبكَ أصابعه ببعضها وقال:
- أرجو أن لا تكوني قد تضايقتِ من رفعي للكلفة بيننا !
تمالكت نفسي وسألته:
- ماذا تقصد ؟
- أقصد مناداتي باسمكِ وحده من دون تكلفة .. إن أردتِّ سأسبقه بكلمة آنسة ...
هززت رأسي نافية وقلت باسمة :
- لا بأس .. يمكنك مناداتي باسمي من دون تكلفة طبيب وائل
هز رأسه ايجاباً وأشار للكرسي قائلاً:
- إذاً هل نبدأ ؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- تفضلي .. يمكنكِ الكلام
- سبق وأخبرتك أنني لا أكلّم أحداً لا أعرفه عن نفسي
ضيق عينيه قليلاً ثم وسّعهما بعد لحظات و قال:
- اه فهمت .. معكِ حق .. حسناً سأعرّفكِ عن نفسي بدايةً ربما نصبح أصدقاء .. كما تعلمين؛ اسمي هو وائل .. عمري ستةٌ وعشرون عاماً .. وقد درست في هذا المجال لاهتمامي الكبير بعلم النفس .. لدي هواياتٌ كثيرة منها رياضة الجري والمطالعة .. فأنا مولع بالروايات الخيالية البعيدة عن الواقع
ابتسمت وقلت :
- "ايكادولي" ..
ابتسم بهدوء وقال:
- قرأتها .. أحبّ تلك السلسلة
توسعت ضحكتي وهززت رأسي وقلت:
- وأنا أيضاً
لا أدري لما استذكرت تلك الرواية بالتحديد لأسأله عنها .. أو ربما أعلم ولكنني أنكرت مشاعري تلك وحسبته مجرّد سؤالٍ عادي يخطر على البال فجأة .. أمال برأسه وقال:
- حان دوركِ
بللت شفاهي بطرف لساني وشرعت بالحديث بارتياحٍ بالغ:
- وأنا أدعى رهف في الشهر التاسع سوف أتمّ السابعة عشرة .. أطمح لأن أصبح صحفيةً أو كاتبة .. وربما الاثنان معاً
- هذا ممتاز .. ها قد تعرّفنا على بعضنا .. الآن يمكنكِ إخباري عمّا يشغلكِ
ضممت نفسي بحركةٍ عفوية وأركنت ظهري على الكرسي وقلت:
- منذ أن كنت صغيرة وأنا أشعر بأنّ شيئاً ينقصني .. لا أدري ما هو ولكنه شيءٌ مرتبطٌ بي نفسياً وجسدياً وعاطفياً .. مرتبطٌ بروحي .. عندما كنت صغيرة أذكر أنه كان يهيئ لي أشياء غريبة
صمتّ للحظات ليسأل:
- ما هذه الأشياء ؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- كنت أرى شبح طفلةٍ لازمني إلى أن صرت في السابعة
- شبح طفلة !! ربما كان لديكِ صديقةً في صغركِ وفقدتها فجأة وهذا انعكس عليكِ نفسياً
- لا أذكر أنني تعرفت على صديقة في كلّ حياتي .. لست من النوع الاجتماعي أيها الطبيب
- إذاً ما مواصفات تلك الطفلة؟
- من الصعب التّذكر .. فأحياناً كانت تأتي من دون ملامح
- أكملي
- بدأت معاناتي الحقيقية منذ ثلاث سنوات .. تحديداً بعد عيد ميلادي الرابع عشر .. أصبحت تأتيني نوباتٍ غريبة من تقلّب المشاعر .. أصبحت أجفل فجأة؛ ألمٌ فظيعٌ في رأسي .. أشعر بالقهر من لا شيء .. تتعالى خفقات قلبي وكأنني في خطر .. ثم أبكي من دون سبب .. طبعاً هذه الحالة تأتي مصاحبةً لكابوسٍ رهيب يزورني بأغلب الليالي
نزلت دمعةً مني من غير إرادتي ليحمل علبة المناديل ويمدها اتجاهي .. أخذت منديلاً ومسحت دمعتي وأردفت:
- أمي لم توفّر مجهوداً لمعرفة ما يحصل لي .. فقد عرضتني على أكثر من طبيب؛ ولكن كلّهم أجمعوا أنني لا أشكي من أي شيء في جسدي
- والآن بماذا تشعرين؟
عدت للنظر بعينيه لتعود تلك النبضات بالارتفاع شيئاً فشيئاً .. هززت رأسي بارتباك قائلة:
- لا أعلم
ابتسم و قال:
- لقد قلتِ أنكِ لم تتعرضي بحياتكِ كلها إلى أي صدمة فقدانٍ مثلاً
- كلا .. لم يحصل
- ربما حصل ولكنكِ لا تذكرين
- كيف ذلك ؟
- حاولي أن تسترخي وتتذكرين ما مررتِ به منذ أن أصبحتِ في السادسة من عمرك .. تذكري متى بدأتِ بتعلّم الأحرف والأرقام .. ماذا كان أسماء أصدقاء دراستكِ أو معلمتكِ التي علّمتك نطق الأحرف
حاولت أن أفعل ما طلبه مني وبالفعل تذكرت كلّما ذكر؛ ولكن لم أجد بينهم أيّ ذكرى مريبة .. كلها كانت عادية فيما عدا ذلك الشعور بالنقص الذي كان يلازمني .. انتهت الجلسة الأولى بتلك المحادثة البسيطة .. شعرت أنها مجرد تعارفٍ وحسب .. وقال لأمي أنه يحتاج لأكثر من جلسة حتى يحدد المشكلة فيَّ؛ وهذا ما أسعدني .. كم تمنيت أن تطول تلك الجلسة؛ فأنا لم أرتح بحياتي بالكلام مع شخص كما ارتحت وأنا أتكلّم مع الطبيب وائل ..
في السيارة مع أمي كنت جالسةً أستذكر الحديث الذي حصل في تلك العيادة .. نظرت إليها وسألتها:
- أمي هل تعرّضتُ لأيّ صدمةٍ وأنا صغيرة؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- صدمةٍ من أيّ نوع؟
- صدمة فقدانٍ مثلاً .. ربما تعرضت لذلك ولكنني لا أذكر
قلبت شفتها السفلى و ردت بثقة:
- لم يحصل .. وإن حصل كنت لأعرف؛ فأنتِ لا تخفين عني شيئاً
تنهدت بخيبة .. حتى أمي لم تعطني جواباً شافياً لتلك الأسئلة التي زرعها ذلك الطبيب في رأسي
توالت زياراتي إلى الطبيب وائل وقد لاحظت تغيراً ملحوظاً في نفسيتي؛ بيد أن تلك الأزمات ما زالت تأتي بأوقاتٍ متفرّقة؛ فالكوابيس مازالت تلازمني .. وذلك الوحش المخيف ما زال يزورني في عالم أحلامي ..
كنت جالسة في العيادة بينما هو يتمشى حولي وكانت الحيرة معتليه ملامحه المريحة .. تنهد ثم نظر إليّ وقال:
- أشعر بعد كل تلك الجلسات أن هناك حلقةً مفقودة في كلامك
- لم أفهم
جلس قبالتي على كرسيّه و أردف وهو ينظر داخل عينيّ بجدية :
- رهف .. أنتِ لا تخفين عنّي شيئاً صحيح. ؟
- لا؛ فقد أخبرتكَ كل شيء من دون زيادةٍ أو نقصان
- هذا غريب
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
رفع سبابته بوجهي وقال:
- لابدّ لي أن أكلّم والدتكِ
اتصل بسكرتيرته وأخبرها كي تسمح لأمي بالدخول .. وعندما دخلت طلب منها الجلوس قائلاً:
- تفضلي سيدة ليلى
جلست وسألته باستفهام:
- طمئنّي هل رهف تتحسن؟
رد:
- إنها تتجاوب ولكن تحسّنها يقف عليها وعليكِ لا عليّ
- عليّ أنا؟
- أجل سيدة ليلى .. سأبسّطها لكِ، لقد أخبرتني رهف أنها طالما شعرت بشيءٍ ينقصها .. وأحياناً تشتهي أشياء لا تستطيع تحديدها .. هذا بجانب الرجفة وارتفاع ضربات قلبها وتغير حالها المفاجئ والى آخره
ردت أمي:
- أجل هذا كلّه أعرفه ولكن ما سببه ؟
شرد للحظات ثم نظر إليّ بتفحّص ثم بعينيها بنظرةً تشي بالكثير ونطق بعد لحظاتٍ من الصمت بسؤالٍ غريب:
- هل لـ رهف توأم ؟
قلت من دون إدراك:
- ماذا قلت ؟
- قلت .. هل لديكِ أخٌ أو أختٌ توأم يا رهف ؟
قطبت حاجبيّ باستغراب ونظرت إلى أمي التي كانت مازالت تنظر إليه بعينين جاحظتين بينما كرر سؤاله مرّةً أخرى علينا لترد أمي عليه بسؤالٍ آخر:
- لماذا تسأل عن هذا؟
- فقط أريد أن أعلم، هل سبق وأنجبتِ توأم؟
ازدردت ريقي وقلت عِوضاً عنها:
- لا أنا وحيدة لوالديّ
- حقاً !
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- كما أخبرتك ابنتي .. إنها وحيدة ولا تملك أخوة
تنهد بخيبة وأردف:
- هذا ممكن .. ربما كان تشخيصي خاطئاً
سألته بفضول:
- على أي أساس حلّلّتَ هذا؟
رد بهدوء:
- لأنه سبق وأن تعاملت مع حالةٍ مشابهةٍ لحالتكِ لشاب .. وعندما تعمّقت بحياته اكتشفت أنه يملكُ أخاً توأم قابعٌ في السجن؛ يتلقى أسوأ أنواع التعذيب من المساجين وللأسف هذا كان يُعكس على حالة أخيه التوأم .. لكنه عندما تحرر من سجنه تحسّن حال الآخر وكأنهما كانا يمتلكان رابطاً خفياً بينهم يجعلهم يشعرون بألم ومعاناة بعضهم .. أنا بصراحة بنيت تحليلي على هذا الأساس .. لهذا سألتكِ إن كنتِ تمتلكين توأماً
بقيت شاردة به بتمعّن .. يبدو كلامه غريباً ولكن هذه الحياة مازال فيها الكثير من الأسرار المخفية التي لا يعلم بها إلا الله .. كنت ما زلت أفكر بكلامه عندما قطعت أمي حبل أفكاري فجأة وهي تقول:
- أوه حقاً ..!! اعتقدت أنك طبيبٌ جيد .. سامحك الله أيها الطبيب حامد على هذا
نظرت إليها بذهول ليرد وائل بحنق :
- ما بكِ سيدة ليلى .. أنا فقط أعطيت مثالاً مشابهاً لحالة ابنتك
أمسكت يدي وقالت:
- انهضي رهف يبدو أنني أخطأت عندما أحضرتك إليه
- أمي ماذا حصل معكِ الآن ؟.. إنه لم يخطئ بشيء
قال وائل :
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- هل تريد إخباركَ حقاً
- من دواع سروري أن أعلم
اقتربت منه وواجهته ثم هتفت:
- تلك التّرهات التي نطقتها قبل قليل
- ترهات. !! هل سؤالي ذاك كان حساساً حتى جعلكِ مرتبكةً لهذه الدرجة أم أنكِ تخفين أمراً لا ترغبين لأحدٍ أن يعرف به ؟
بقيت أنظر بأمي بتركيز .. فعلاً كان الارتباك واضحاً على ملامحها وخاصة عندما سألت بتوتر:
- ماذا تُراني سأخفي يا تُرى ؟
تقدم منها وهو رابطاً يديه خلف ظهره وناظراً بعينيها بتركيزٍ ثم أردف:
- لماذا ترفّ عينيكِ يا ترى ؟ حبات العرق بدأت تتجمّع على مساحة جبينك؛ ونبرة صوتكِ بدأت ترتجف وتنفّسكِ لم يعد مستقرّاً .. وأنا متأكد أن دقات قلبكِ ارتفعت بشكلٍ ملحوظٍ الآن .. هذا دليل أنكِ تخفين أمراً وتخافين الاعتراف به .. سيدة ليلى لا تنسي أنني طبيبٌ نفسي وبإمكاني تحليل شخصيتكِ ونظراتك المتوترة تلك بنظرة واحدة
بقيت واقفةً ومصدومة من ذلك النقاش المفاجئ بينهما .. حاولت أن أجد المنطق بادعاء الطبيب وائل وسبب توتر أمي المفاجئ لكنني لم أجده .. رأيت أمي استجمعت نفسها أخيراً بعد أن سحبت نفساً عميقاً وزفرته بحنق وقالت:
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
اقترب منها و ردّ بتحدي :
- أريد سماع الحقيقة الآن
- أيّ حقيقةٍ هذه؟
- السر الذي تخفينه بخلدكِ سيدة ليلى
عادت لأخذ وضعية الهجوم بكلامها قائلة:
- لقد تماديت كثيراً أيها الشاب .. ألا تعرف مع من تتحدث أنت ؟
- مع من ؟
- أنا يمكنني هدم كلّ ما بنيته .. صدقني لن تكون سعيداً بما سيحصل إن عدتّ للتدخل في شؤوني وشؤون ابنتي .. هل تفهم ؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
ركبت وأغلقت الباب بشرود .. لم أجد تفسيراً لما حصل قبل قليلٍ أمامي في العيادة .. نظرت إليها وجدتها تمسك بمقود السيارة بيدين مرتجفتين وهي شاردة .. وصدرها يرتفع وينخفض بشكلٍ ملحوظ من كثرة انزعاجها ممّا حصل .. ناديتها مراراً حتى انتبهت على نداءاتي و ردت بنفاذ صبر:
- ماذا؟
- لماذا لا تردّين؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- لماذا ارتبكتِ عندما سألكِ إن كان لدي أخوة ؟
- أنا ارتبكت ! ألم ترين كيف كان ينظر إليّ وكأنه ينظر لمجرم !
- إن تحليله غريب، ما الذي خطر له أن يسألني إن كان لدي توأم ؟
- انسي هذه القصة يا رهف وأقفلي على ذلك الموضوع .. أساساً أنت لا تشتكين من شيء .. كلّ ما يصيبك هو مجرد دلع مراهقاتٍ للفت النظر لا أكثر
صُدمت من كلامها ذاك الذي قالته فجأة .. غرقت عينيّ بالدموع وتذكّرت تلك الكوابيس والذعر الذي يصيبني بعدها .. خفقات قلبي المؤلمة والرجفة الغير مريحة التي تأتيني فجأة من دون سابق إنذار؛ والآن تقول إن هذا كلّه تمثيلٌ ودلع للفت النظر وحسب !!
أخفضت رأسي بألم وقلت:
- ربما معكِ حق
لم أنطق بعدها بحرف .. فلا أحد يعلم معاناتي غيري .. لم يجرّبها أحد لهذا يحكمون على تصرفاتي .. مجنونة .. غريبة الأطوار .. معقدة .. متوحدة .. والآن مجرد دلع .. ما اكتشفته بعد ذلك اليوم أنه لن يستطيع أحدٌ فهمي .. لأنه لم يتألم مثلي .. ولم يعاني كما أعاني .. فالصمت في النهاية هو الدواء المثاليّ لكلّ اكتئاب
مرّ بضع أيام بعد تلك الجلسة .. لم أستطع نسيان أي كلمة من ذلك الحديث الذي جرى أمامي .. فاستنتاج وائل الغريب وارتباك أمي الأغرب شغلا تفكيري ..
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم