رواية نسخة من روحي الفصل الثاني 2 بقلم هاجر ابراهيم
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
(الجزء الثاني )
"أدهم"
لم أتفاجئ بعد أن استأذنت مني رهف الذهاب .. بقيت واقفاً مكاني في الشارع وحيداً بعد محادثتي القصيرة معها .. تلك الفتاة التي لطالما حيرتني؛ فانطوائها كان غريباً وغير مبرر لدرجة أنني صرت أشكّ أنها متوحدة .. بيد أن ملامحها كانت مختلفة وطلعتها مميزة عن بقية فتيات العائلة من طرف والدها ووالدتها .. فخالتي ليلى شقراء بعينين زيتيتين جميلتين وملامح حادة؛ طويلةً بعض الشيء بجسدٍ نحيل وكأنها عارضة أزياءٍ سابقة .. أما زوجها السيد راجي كان يمتلك ملامح رجلٍ أوربي لأن والدته فرنسية الأصل .. أما رهف كانت مختلفة عنهما؛ فقد كانت
"أدهم"
لم أتفاجئ بعد أن استأذنت مني رهف الذهاب .. بقيت واقفاً مكاني في الشارع وحيداً بعد محادثتي القصيرة معها .. تلك الفتاة التي لطالما حيرتني؛ فانطوائها كان غريباً وغير مبرر لدرجة أنني صرت أشكّ أنها متوحدة .. بيد أن ملامحها كانت مختلفة وطلعتها مميزة عن بقية فتيات العائلة من طرف والدها ووالدتها .. فخالتي ليلى شقراء بعينين زيتيتين جميلتين وملامح حادة؛ طويلةً بعض الشيء بجسدٍ نحيل وكأنها عارضة أزياءٍ سابقة .. أما زوجها السيد راجي كان يمتلك ملامح رجلٍ أوربي لأن والدته فرنسية الأصل .. أما رهف كانت مختلفة عنهما؛ فقد كانت
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
قصيرةً بعض الشيء وشعرها الأسود الكثيف يغطي نصف طولها .. حوراء العينين يسبحان وسط طبق وجهها المدور القمحي الجميل .. كنت أحب تأمل ملامحها الهادئة والجميلة على الرغم من تقصّدها الابتعاد عنا ..
حزمت أغراضي وخرجت من منزل ذويّ بعد أن ودّعت أمي وأبي وأخوتي وانتقلت إلى الشقّة الجديدة .. أخيراً قليلاً من الخصوصية والهدوء بعيداً عن ضجيج إخوتي الصغار ومشاجراتهم اليومية .. بدأت بفرد الأغراض وترتيب كتبي وثيابي وتنسيق حياتي الجديدة كما يجب .. فأنا أحبّ أن أرى كلّ شيءٍ في مكانه .. وأكره الفوضى والصراخ والضجيج .. وقد اخترت هذه الشقة لقربها من الكلّية أولاً ولهدوء المنطقة الواقعة فيها ثانياً ..
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
لم أزل اُحسنُ ظنّي
صارَ كُل الناسِ حولي
صاروا حولي يُسعِدوني
كُلُهم كانوا فِدائي
أصبحوا اليومَ ورائي
ليتني غِبتُ سريعاً
ليتَهم لم يعرفوني
كنت وحدي .. صرت وحدي
ذاك قبلي تلك بعدي
ربما كنت ثقيلاً
ربما لم يفهموني
كيف كانوا يُنقذوني
كيف صاروا يقتلوني
كيف ضلوا اليوم عني
كيف عاشوا اليوم دوني
خذلان
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
في كل زمان
حتى بالأصحاب
ذقتُ طعم الوحدة
لكن بعد الآن
كان الطعمُ أقسى
لم يجدي العتاب
هجران
كلوحةٍ تُركت بلا فنان
قد رُسمت بدم إنسان
بداخلي
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
رفقًا بمن ذاق الحياة عذاب
كنت الجميع و كنت كل الوجود
خذلت قلبي؛ فقلبي اليوم لا يعود
لا يعود
فقلبي الآن لا يعود "...
انتهت من الغناء وصمتت .. كم تمنيت لو أنها تكمل غناءها الفتّان؛ فصوتها كان آسراً بشكلٍ لا يصدّق .. مع ذلك شعرت بأنها حزينة .. فتلك الكلمات وذلك اللحن وطريقة نطق الكلمات كانت نابعة من قلب شخصٍ ذاق أقسى أنواع الخذلان .. أو ربما أنا عاطفيٌّ زيادة وأبالغ؛ ولكن صوتها من دون مبالغة كان من أجمل الأصوات التي سمعتها في حياتي ..
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
ما إن دخلت للمنزل حتى سمعت صوت صراخٍ وضرب آتٍ من الشقّة العليا .. كان صوت تلك الفتاة تصرخ وتتوسل وهي تُضرب بقسوة ممزوجٍ بصوت رجلٍ خشن وقاسي يصرخ ويشتمها بأبشع الكلمات المهينة .. تصاعدت أنفاسي ورفعت رأسي .. لقد آلمني صوت بكائها وتوسلاتها اليائسة .. لا بدّ أن من يضربها شخصاً لا يملك أدنى درجات الشفقة .. لم أستطع الاحتمال؛ فجسدي اندفع وحده اتجاه الباب خارجاً من الشقة .. صعدت السلالم ووصلت لأمام باب شقة الفتاة ساحرة الصوت .. سحبت نفساً طويلاً واستجمعت شجاعتي ورننت الجرس مراراً .. سمعت صوت الخطوات تدق الأرض وكأنّ فيلاً يقترب من الباب .. تراجعتُ خطوةً للخلف؛ ليفتح الباب ويظهر أمامي رجلٌ ضخم يفوقني طولاً وعرضاً .. ملامحه قاسية وعيناه حمراوين ربما بسبب الغضب؛ تحيط بهما هالاتٍ سوداء يكاد يشبه دب الباندا بملامحه وضخامته .. تفوح منه رائحةً غريبة ولكنها بشعة كدت أتقيئ عندما شممتها .. على الأغلب هي رائحة خمرٍ أو ما شابه .. تمالكت نفسي وقلت:
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
رد بصوتٍ لاهثٍ و ثخين:
- أهلاً .. من أنت؟
- أنا أدعى أدهم .. جاركم الجديد الذي سكن الشقة أسفل شقتكم
رد من دون مبالاة :
- ما الذي تريده؟
- بصراحة أتيت حتى أخبرك أن صوت صراخ الفتاة وتوسلاتها قد وصل لمسامعي
- إذاً .. ما المطلوب؟
ازدردت ريقي و قلت:
- أن تكفّ عن ضربها
- وما علاقتك أنت؟ انها زوجتي أفعل بها ما أريد .. لا تتدخل
شعرت بخيبةٍ أصابت قلبي عندما قال أنها زوجته ولكنني تمالكت نفسي و رددت بقوة:
- مع ذلك يجب أن تضع في حسبانك أنها انسان وليست دابّة حتى تضربها بهذه القسوة .. حرامٌ عليك .. ألا تخاف الله .. ألا تعلم أن " من أكرمهنّ كريم ومن أهانهنّ لئيم " أولم يمرّ عليك هذا الحديث من قبل للنبي الكريم
مسح الرجل وجهه بنفاذ صبر و رد بغلظة:
- اسمع أيها الشاب ..
قاطعته بحدّة:
- صدقني إن عدت لضربها أو سمعتها تصرخ مرةً أخرى .. لن أسكت .. وسأتصل بالشرطة حتى تأتي لتلقي القبض عليك وترميك في السجن ..
احمرّ وجهه وعيناه زيادةً عن احمرارهما السابق وانقض على قميصي وسحبني بقوة وهمس لي قائلاً:
- وما علاقتك أنت بهذا .. أنا أسكن هنا منذ سنوات؛ ولم يتجرأ أحدٌ من الجيران بتوجيه أيّ انتقادٍ لي .. من أنت لتنتقد ما أفعله الآن؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
- ومنذ الآن يجب أن تتحكم في تصرفاتك .. أنا لست ذلك الجار الجاهل الذي لا يفهم في الأصول .. أقسم أنني إن سمعت صوت الفتاة تصرخ مرّة أخرى ،سأقوم بالشكاية عليك بتهمة التعدي والازعاج .. وقد أُعذر من أنذر
قلت كلمتي والتفت عائداً لشقتي وخفقات قلبي تضرب كالطبول في داخلي .. فشكله ليس وحده المرعب .. بل ما يدفنه بداخله من حقد والذي ظهر من خلال نظرة عينيه البشعة تلك .. لا أدري كيف يمكن أن شيطاناً كهذا وجد فتاةً قبلت به كزوج
دلفت لشقتي وأغلقت الباب خلفي واستندت عليه محاولاً التقاط أنفاسي وتنظيم ضربات قلبي؛ بينما تذكرت صوتها الشجي والعذب الذي أُفسد بفعل قسوة ذلك الوحش منزوع الرحمة ..
في صباح اليوم التالي .. استيقظت مبكراً .. صنعت لنفسي فطوراً متواضعاً لأتناوله؛ ثم ارتديت ملابسي وخرجت من الشقة قاصداً جامعتي .. فجأةً سمعت صوتاً ثخيناً يناديني من خلفي .. التفتُّ ورأيت ذلك الرجل واقفاً خلفي ويبدو أنه كان ينتظرني .. كان يبادلني بتلك النظرات الحاقدة بينما بادلته نظرات عدم مبالاة وسألته:
- ماذا تريد؟
نزل عن السلّم وقابلني وجهاً لوجهٍ ثم عاد وانقض على عنقي ودفعني ليضرب ظهري بالجدار الذي خلفي وقال بنبرة تهديد :
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
رددت بأنفاسٍ منقطعة بسبب قبضته التي كانت قابضةً على عنقي بقوة:
- ومن تكون يا ترى؟
اقترب مني وهمس بشرٍّ واضح:
- أنا موتك المحتوم .. هذا إن عدت وتهورت وتدخلت بما لا يعنيك أيها الحذق .. هل فهمت
استجمعت قواي ودفعته عني و رددت:
- لا، لم أفهم؛ وإن كنت تعتقد أن بتصرفاتك هذه يمكنك إخافتي فأحب أن أطمئنك أنك لم تهز بي شعرة .. لقد أطلت بالي عليك لأنني اعتقدتُّ أنك محترم .. سأعود لأذكرك أنني إن سمعت صوت زوجتك المسكينة تصرخ بسبب ضربك لها مرّةً أخرى .. سأقوم بالتبليغ عنك .. أتمنى ألّا تنسى هذا
قلت كلمتي وتجاوزته وأكملت نزولي عن السلّم تاركاً إياه خلفي .. لا أدري بما يفكر الآن ولكن أياً كانت طينته يجب أن يخاف من تهديدي .. عدت للمنزل بعد داومٍ طويلٍ في الكلّية ووصلت إلى الشقة لأفاجئ بعلبةٍ مغطاةٍ بملائةٍ بيضاء نظيفة عليها ورقةً مطوية .. تناولتها وفتحت الورقة لأجد رسالةً بخطٍ سيء وحروفٍ متفاوتة وكلماتٍ متقطعة وكأن من كتبها طفلٌ في السابعة، لكن مع ذلك استطعت قراءتها :
- شكراً لكَ على شهامتك .. هذا عربون شكرٍ لك فقط .. أرجوا أن تحبه.
ابتسمت ونظرت للسلالم لألمح طرف خصلات شعرٍ سوداء تتدلى من الأعلى .. حينها علمت أنها من تلك الفتاة صاحبة الصوت النقي .. اتجهت نحو الدرج علّني أراها ولكنها انسحبت بسرعة وسمعت صوت خطواتها تهرول على السلالم تبعه صوت إغلاق باب شقتها .. تنهدت وعدت لشقتي ودخلت .. وضعت العلبة على الطاولة وفتحتها لأجد وجبة أرزٍ بالدجاج مازالت ساخنة.. ضحكت واتجهت بها للمطبخ وجلست اتناولها؛ فقد كنت جائعاً وهذه أتت بوقتها .. كم كانت لذيذةً تلك الوجبة ..
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
لم تكن هذه المرّة الأخيرة التي أجد فيها طعاماً أمام باب شقتي .. فقد كانت كل يومٍ تقريباً تضع لي صنفاً جديداً .. إمّا حلوى صنعٌ بيتي وإما طبيخ .. وأنا كنت أضع لها الصحون التي تبعث بها الطعام أمام باب شقتي بعد تنظيفها؛ لتعود في وقتٍ لاحق وتأخذها .. كنت كل يوم أخرج لشرفتي مساءً علّني أحظى بسماع صوتها الأخاذ مرّةً أخرى لكن مع الأسف لم يحصل؛ فتلك المرّة اليتيمة لم تتكرر .. ربما كانت كبيرةً بالعمر .. ربما تبلغ الخامسة والثلاثون أو ربما أكثر؛ فزوجها مؤيد بدا لي كبيراً جداً .. ربما في الخمسين وما فوق .. أياً كان فأنا سعيد أنه لم يعد يعنّفها أو هذا ما اعتقدت .. لأنني لم أسمع صراخها وتوسلاتها بعد ذلك اليوم
في أحد الأيام استيقظت كعادتي باكراً صلّيت وقرأت ما تيسر لي من "القرآن الكريم" ثم حضّرت كوباً من الشاي مع قطعةٍ من كعك الحليب اللذيذ الذي سبق وبعثته لي وجلست أتناوله وأنا أراجع بعض المحاضرات على حاسوبي النّقال .. لم أعلم كم مرّ من الوقت وأنا جالسٌ هكذا .. فجأةً دوا صوت صراخ فتاةٍ ربما أيقظ جميع سكان البناء من شدته .. وثبت من مكاني ووقفت جاحظاً عينيّ على آخرهما عندما عدتّ لأسمع صوت صراخها وتوسلاتها ممزوجةٌ بصراخه الثائر والمخيف .. كان صوت صفعاته لها يرنّ في أذني وكأنه يحصل أمامي .. لقد زاد الصوت والصراخ والبكاء وأصبح الوضع خطيراً .. قد تموت بين يديه بأيةِ لحظة .. هرعت إلى هاتفي واتصلت بالشرطة بسرعة .. كانت أنفاسي تتصاعد وأتحرك بأرجاء الشقة مكتوف اليدين .. لقد تأخرت الشرطة وذلك الوحش يستلذ بتعذيب تلك المسكينة .. كوّرت قبضتي وهرعت نحو الباب ثم صعدتُّ ووقفت أمام شقتهم وأخذت أطرق بكلتا يدي وأرن الجرس من دون تفكير .. بدأت أصرخ حتى خرجوا الجيران الذين كنت قد رأيت وجوههم للمرّة الأولى .. قالت لي واحدةٌ منهن:
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
التفت ونظرت إليها بعينين غاضبتين و رددت:
- لا يحق له أن يضربها أساساً
رد واحدٌ من الجيران كان يقف خلفي:
- كيف لا يحقّ له .. إنه زوجها ويحقّ له أن يضربها ويحبسها أيضاً .. دعه وشأنه .. ربما تستحق ذلك وإلا ما كان ليضربها
لم أستطع تصديق ما تسمعه أذناي .. لقد كانوا يدافعون عن ذلك الوحش بذريعة أنه زوجها ويحقّ له ضربها .. لقد سمعت كثيراً عن الجهل؛ لكن هذه أول مرّة أراه متشكّلاً على هيئة بشرٍ لا يفرقون عن ذلك الوحش بشيء ..
تجاهلتهم والتفتّ وعدت لضرب الباب بكلتا يديّ وأنا أصرخ:
- دعها وشأنها أيها الحقير .. أخرج واستعرض قوتك على الرجال لا النساء أيها الجبان
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
فجأةً حلّ صمتٌ مخيف حيث اختفى صوت الفتاة من دون سابق إنذار مع صوت ذلك الوحش .. امتلأت عينيّ بالدموع وبقيت متسمّراً مكاني أنظر بالباب مصدوماً .. هل قتلها !!
تحركت من دون وعي ورفعت قدمي وأخذت أضربه بقوة حتى كُسر قفل الباب؛ ثم اندفعت للداخل لأرى الفتاة مرميةً كالجثة أمامي .. تفترش على بركةٍ كبيرةٍ من الدماء بينما شعرها الطويل يغطي نصف ظهرها ووجهها وتلك البركة المرعبة التي كانت تزداد بسبب نزيف رأسها .. بينما كان مؤيد واقفاً كالصنم أمامها ينظر إليها ببرود لم أره في إنسانٍ من قبل ..