رواية دهب بين أيادي الشيطان كامله وحصريه بقلم اميرة خالد
الفصل الأول
في قلب "الصعيد الجواني"، حيث للأصل هيبة وللكلمة حكم، يقف ذاك البيت الشامخ كأنه قصر من قصور الحكايات. ثلاثة أدوار تروي حكاية عائلة "أبي رسلان"؛ الأرضي منها صالة رحبة تتوسطها سفرة عامرة، ومجلس هيب لضيوف البلاد، ومكتب يضم أسرار التجارة يخص كبير العائلة "همام". أما الدور الثاني فكان يضم أجنحة الأبناء؛ جناح "يونس" وزوجته، وجناح "بدر"، وغرفة الابنة الصغرى "عالية". وفي الدور الثالث، يقع جناح "همام" الخاص، حيث تُدار الأمور بحكمة السنين.
إشراقة يوم جديد
استيقظ همام على حركـة الخدم وصوت زوجته الوفية "أكابر" وهي تطوف بالغرفة تبخرها برائحة العود الذكية، وتهمس بابتسامة:
— "صباح الخير يا همام.. عوّقت في النوم النهاردة عوايدك يا حاج."
رد عليها بصوته الرخيم: "صباح النور.."
تركها ودخل الحمام، لتشرع هي في تجهيز هيبته الصعيدية؛ جلباب مخيط بعناية، وعمامة بيضاء ناصعة، وعباءة تليق بكبير البلد، ولم تنسَ حذاءه وسبحته، وحرصت على تلميع عصاه السحرية التي يتكئ عليها في مشيته. خرج همام لاففاً وسطه بمنشفة، فنظر إليها بوقار قائلًا: "حضري الفطار يا أكابر."
أجابت بطاعة: "حاضر يا حاج."
خرجت أكابر ونادت بصوت مسموع: "يا عالية!"
جاءها صوت ابنتها من المطبخ: "أيوة ياما.. أنا في المطبخ واجفة."
فقالت الأم: "جهزي الفطار على السفرة همّي."
— "حاضر ياما."
اتجهت أكابر بعد ذلك إلى غرفة ابنها يونس، طرقت الباب بخفة ففتحت لها زوجته "نهلة" قائلة بترحيب: "صباح الخير يا مرات خالي."
— "صباح النور يا حبيبتي، فين يونس؟"
— "في الحمام وهننزلو وراكي طوالي."
— "طب يلا شهلي إنتي وإياه، النهاردة ورانا يوم طويل."
نزلت أكابر إلى المطبخ لتصنع قهوة همام بنفسها، فاقتربت منها عالية قائلة: "كنتِ سيبتيها ياما وأنا أعملها."
ردت أكابر بحسم المحبة: "ما ينفعش.. القهوة دي لازم يدّي أنا اللي تعملها، يلا روحي خلصي اللي وراكي."
في تلك الأثناء، دخلت "نادية" إحدى خادمات البيت وقالت بنبرة قلقة: "يا ست أكابر.."
— "عايزة إيه يا نادية؟"
— "الحاجة فوزية بعتت لك مرسال، وبتقولك عايزاكي ضروري النهاردة."
انقبض قلب أكابر وقالت: "ليه؟ عسى خير؟"
— "المرسال بيقول شكلها بتودع يا ست هانم، وعايزاكي جبل ما تقابل كريم."
تنهدت أكابر بحزن: "لا حول ولا قوة إلا بالله.. خلاص، إن شاء الله هروح لها بعد العصر."
على مائدة الكبير
التف الجميع حول السفرة التي رُصت بأشهى خيرات الله. هبط يونس من على الدرج، اقترب من والدته وقبّل يدها: "صباح الخير يا أمي."
ردت بحنان: "صباح النور يا ولدي، اقعد عشان تفطر."
وبعد دقائق، هبط "همام" بهيبته الطاغية وطالعه الوقور، تحرك نحو صدر السفرة وجلس، بينما ظل الجميع واقفين احتراماً له، حتى أشار بيده إذنًا لهم بالجلوس. اقترب يونس وقبّل يد والده، وتبعه في ذلك عالية ونهلة.
أثناء الطعام، سألت أكابر: "هو بدر هييجي النهاردة يا حاج؟"
أجاب همام وعيونه على طعامه: "لا.. بكرة، على ميعاد الذبايح."
ثم التفت إلى يونس وقال بنبرة عملية: "اتفقت مع الفراشة وخلصت كل حاجة يا يونس؟"
— "أيوة يا أبوي، كله تمام وزي ما أمرت."
تذكرت أكابر فقالت: "صحيح يا همام، أنا نسيت أقولك.. الحاجة فوزية بعتت لي وشكلها كده في أيامها الأخيرة وطالباني."
نظر إليها همام باهتمام وقال: "خدي معاكي يونس بالعربية، عشان لو احتاجت تروح المستشفى ولا جرى حاجة يبقى واجف معاكِ."
قالت أكابر بامتنان: "تسلم يا حاج."
ارتشف همام قهوته وعقله يشرد في المشكلة الكبيرة الدائرة بين عائلته وعائلة "أبو زهران"، باحثاً عن حل يحقن الدماء. وفجأة قطعت عالية الصمت قائلة بتردد: "ممكن يا أبوي أنزل المدينة النهاردة؟"
نظر إليها همام بطرف عينه: "ليه يا عالية؟"
— "كنت عايزة أشتري شوية عبايات، وأودي الغويشة الذهب بتاعتي تتصلح."
رد همام بحسم لا نقاش فيه: "لا يا عالية، خليها يوم تاني، وأمك تنزل معاكي وتجيب لك كمان ذهب جديد غير الغويشة اللي اتكسرت دي."
قالت عالية بحزن مكتوم: "حاضر يا بوي."
قام همام متوجهاً إلى المزرعة لمباشرة أعماله، فيما التفتت أكابر لابنتها وزوجة ابنها قائلة: "خلي بالكم.. النهاردة الغدا عليكم إنتو الاتنين، أنا هروح مشواري ولما أرجع أشوف لو في حاجة ناقصة أكملها."
أجابت عالية ونهلة بصوت واحد: "حاضر ياما."
الوصية الأخيرة ورحيل الدادة
ارتدت أكابر عباءتها وتلفعت بـ "الملس" الصعيدي الوقور، وركبت السيارة بجوار ابنها يونس. انطلقت السيارة نحو أطراف البلدة، حيث البيوت البسيطة التي يكسوها الفقر، وتوقفت أمام منزل متهالك.. إنه بيت "فوزية" الدادة التي ربت أكابر في صغرها.
التفتت أكابر ليونس قائلة: "استناني هنا يا ولدي، هشوفها لو محتاجة مستشفى هندهلك."
— "حاضر ياما."
نزلت أكابر وطرقت الباب، ففتحت لها فتاة تلف شالاً على وجهها لا يظهر منها شيء. سألت الفتاة: "من حضرتك؟"
أجابت: "أنا أكابر.. فين الخالة فوزية؟"
قالت الفتاة بلهفة: "اتفضلي.. هي مستنياكي، طول الليل ما بتجيبش غير في سيرتك، وأول ما طلع النهار رحت بعت لك مرسال مع الغفير."
دخلت أكابر وسألتها: "هو إنتي مين يا بنتي؟"
— "أنا دهب.. حفيدة فوزية."
استرجعت أكابر ذاكرتها وقالت: "أهو إنتي بنت هانم؟ ولااا.. وكبرتي يا دهب! ما تشيلي الشال ده من على وشك يا بنتي."
وما إن رفعت الفتاة الشال، حتى تيبست أكابر في مكانها وصدمت من فرط جمالها؛ وجه كالبدر وشعر طويل ينساب كالحرير. همست أكابر بذهول: "اللهم صلي على النبي.. إيه الحلاوة دي كلها!"
قطع تأملها صوت فوزية الواهن من الداخل: "مين اللي برة يا دهب؟"
أجابت الفتاة: "دي الست أكابر يا ستي."
قالت فوزية بصوت متعب: "طب خليها تيجي.."
دخلت أكابر مسرعة وارتمت بجانب فراشها قائلة تمازحها لتخفف عنها: "إيه الحلاوة دي يا فوزية؟ جومي كده ده إنتي بتتدرعي علينا!"
ابتسمت فوزية بوهن: "لسه زي ما إنتي.. لسانك حلو يا أكابر."
ردت أكابر بنبرة صادقة: "عمري ما أنسى اللي عملتيه معايا واهتمامك بيا بعد موت أمي."
نظرت إليها فوزية بعيون ملأها الرجاء: "وأهو جه الوكت اللي تردي لي فيه الجميل يا بنت الأصول."
— "إيه هو؟ اؤمري وأنا هعملك كل اللي أنتِ عايزاه."
قالت فوزية وهي تتنفس بصعوبة: "أمانة عليكي.. تخلي بالك من دهب.. البت غلبانة وما تعرفش واصل أي حاجة في الدنيا، وما لهاش حد بعدي.. أنا مش هأمن عليها غير معاكي، وعارفة وممتأكدة إنك هتجوزيها للي يصونها وتراعيها زي ما كنت براعيكي."
دمعت عين أكابر وقالت: "بتقولي إيه بس؟ إن شاء الله تخفي وإنتي اللي تجوزيها بيدك."
همست فوزية بنبرة مودع: "لا.. أنا عارفة إن خلاص ده وكتي وبقضيه.. والبت يتيمة مالمهاش غيرك بعد ربنا."
أمسكت أكابر يدها بقوة: "أنا بوعدك.. بوعدك إني هحافظ عليها في نني عيني."
أغمضت فوزية عينيها واستسلمت للنوم، فسألت أكابر بقلق: "هي كده كويسة؟"
أجابت دهب بدموع: "أيوة.. هي بتنام شوية وتجير (تفيق) شوية."
— "طيب يا حبيبتي، لو في أي حاجة كلميني."
الفراق والواجب
ما إن خطت أكابر خطواتها خارج عتبة البيت لتركب السيارة، حتى شق الفضاء صريخ مدوٍّ وجاف من دهب. ركضت أكابر للداخل لتجد أن فوزية قد سلمت أمانتها لبارئها وفاضت روحها إلى السماء.
خرجت أكابر بسرعة وهي تمسح دموعها وقالت ليونس: "اتصل بأبوك يا يونس، جوله إننا هنعوق شوية عقبال ما نشيع الأمانة لمثواها الأخير."
أمسك يونس هاتفه واتصل بوالده: "إيوة يا أبوي.. الست اللي أمي جاية تزورها توفاها الله، والظاهر ملهاش حد هنا، هندفنها ونرجع على المغرب إن شاء الله."
رد همام بنبرة حكيمة أصيلة: "خلاص يا يونس، اعمل الواجب كله، ولو في فلوس ادفعها، إنت عارف الست دي كانت غالية على أمك قد إيه."
— "حاضر يا يابا."
بدأ يونس يتحرك مع رجال الحارة، وتأكد أن المتوفاة انقطع نسلها ولا مدافن لها، فقام بفتح المقبرة المخصصة للفقراء وعابري السبيل التي تمتلكها عائلتهم، وأحضر المغسلة. وفي الداخل، كانت دهب تصرخ وتنتحب، فارتمت في حضن أكابر قائلة بنحيب يقطع القلب: "أنا ماليش حد غيرك يا ستي.. ليه سبتيني!"
احتضنتها أكابر بقوة: "اهدي يا بنتي.. اهدي أنا موجودة معاكي ومش هسيبك."
تشبثت دهب بثوب أكابر وهي ترتجف: "اوعي تسيبيني يا ستي.. أنا من غيرك أموت."
دخلت النسوة وحملن دهب بعيداً ليشرعن في تغسيل وتكفين الحاجة فوزية. خرجت أكابر ليونس فسألته: "عملت إيه يا ولدي؟"
— "ملهاش حد ياما، وكلمت التربي يفتح التربة اللي عاملنها للناس الغلابة."
ربتت على كتفه قائلة: "فيك الخير يا ولدي.. أصيل."
مجلس الصلح وأخبار بدر
في غضون ذلك، كان همام يجلس بوقار في مكتب المزرعة، وأمامه الطبيب البيطري الذي قال: "طعمنا البهايم الجديدة يا حاج، وإن شاء الله الولدة الجديدة هتعوض كل الخسارة اللي فاتت."
أومأ همام برأسه: "تمام يا دكتور.. همّتك معايا."
دخل في تلك اللحظة الشيخ "مصطفى" إمام الجامع، فاستأذن الطبيب وانصرف. رحب همام بالشيخ: "اتفضل يا شيخ مصطفى.. السلام عليكم."
— "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. كيفك يا حاج همام؟"
— "الحمد لله.. خير يا شيخنا؟"
قال الشيخ مصطفى بنبرة جادة: "عايزين نعمل جعدة صلح بينك وبين عيلة أبو زهران ونقفل باب الدم ده."
رد همام بشهامة الكبار: "وأنا موافق يا شيخ.. اللي فيه حقن دماء الناس أنا جاهز ليه."
ابتسم الشيخ براحة: "على بركة الله، خلاص، الجمعة الجاية بعد الصلاة تكون الجعدة في الجامع الكبير."
— "ماشي يا شيخنا.. على خير الله."
وقف الشيخ مصطفى ليغادر، فاستوقفه همام: "رايح فين يا شيخنا؟ استنى نشرب الشاي واصل."
— "لا هلحق أنا عشان صلاة المغرب قربت.. السلام عليكم."
بعد خروج الشيخ، أمسك همام هاتفه واتصل بابنه "بدر".
— "عامل إيه يا ولدي؟"
جاءه صوت بدر العملي من القاهرة: "كويس يا أبوي.. إنت عامل إيه والبلد عاملة إيه؟"
قال همام بنبرة فخر مكتومة: "أنا كويس، وفرحان جوي باللي عملته في المصنع إنت وعزيز بيه."
رد بدر باعتزاز: "عشان تعرف يا أبوي إن ولدك جد المسؤولية ويشيل بلد."
ضحك همام: "تمام يا ولدي.. ما تنساش تيجي الصبح، أمك عاملة لي دوشة ووش عشان بقالك تلات شهور ما نزلتش البلد واشتجتلك."
— "حاضر يا أبوي، هاجي من النجمة."
أردف همام محذراً: "وما تنساش تعزم معاك عزيز بيه ومراته وبنته."
— "حاضر يا أبوي.. يوصل."
أغلق همام الهاتف وقعد يفكر في هموم العائلة والمشاكل التي تتلاحق، ثم خرج وركب سيارته متوجهاً إلى القصر مع حلول المغرب.
اللقاء الذي زلزل الكيان
في بيت الدادة فوزية، بعد أن انتهت مراسم الدفن، وقفت أكابر وسط الحطام وقالت لدهب: "يلا يا دهب.. لمي هدومك عشان تيجي معايا البيت."
قالت دهب بكسرة وعيون باكية: "خليني هنا يا خالة.. بيت ستي أولى بيا."
ردت أكابر بحنو حازم: "ما ينفعش يا بنتي واصل تسكني لحالك، يلا ما توجعيش قلبي، وكمان الحاج همام زمانه روح البيت دلوقتي ومش عايزة أتأخر عليه."
أذعنت دهب قائلة بدموع منهارة: "حاضر.."
ارتدت جلباباً قديماً وفوقه الملس الأسود، وغطت وجهها بالكامل بالشال، وجمعت ثيابها البسيطة في صرة صغيرة، وخرجت وعيناها تودع جدران بيتها الدافئ. ركبت في المقعد الخلفي للسيارة، وقالت أكابر: "يلا يا يونس.. همّ بينا زمان أبوك وصل."
— "حاضر ياما."
تحركت السيارة، وبعد وقت ليس بالقصير وصلوا إلى القصر الشامخ. دلفت أكابر وخلفها دهب المنكسرة، لتجد همام جالساً وعلامات الضيق على وجهه، فقال بعتاب: "كل ده تأخير يا أكابر؟ بالي انشغل."
قالت له وهي تجلس بتعب: "معلش يا حاج.. كنت بنفذ آخر حاجة في وصية الحاجة فوزية الله يرحمها."
نظر إليها همام مستفهماً: "وإيه هي الوصية دي؟"
— "إن ألي بالي من حفيدتها اليتيمة وتاجي تعيش وسطيبنا."
رفع همام حاجبيه وسأل: "وفين حفيدتها ديت؟"
التفتت أكابر للخلف وقالت: "تعالي يا دهب.. جربي هنا."
اقتربت دهب بخطوات مرتجفة تكاد لا تحملها، وقالت بصوت خفيض يرتعش: "أيوة يا خالتي.."
قالت أكابر: "جربي يا بنتي وحبي على إيد الحاج همام كبير البيت."
نظر همام إلى كتلة السواد المتحركة أمامه، وقال بنبرة متهكمة ضاحكة: "وفين وشها من جفاها ديت؟ إنتي مغطية وشك كديه ليه يا بت؟ أوعي تكوني شينة (وحشة) بس؟"
ضحكت أكابر وقالت: "بتقول إيه بس يا همام؟ دي بت زي البدر المنور.. شيل الشال يا دهب."
اقتربت دهب لتبوس يد الحاج همام لتنفذ أمر أكابر، وفي تلك اللحظة الخاطفة، انزلق الملس من فوق رأسها ووقع الشال، فرفعت وجهها فجأة.. لتلتقي عيناها بعيني "همام".
تسمر همام في مكانه، والجمت الصدمة لسانه.. سكتت الأصوات من حوله ولم يعد يرى سوى هذا الوجه الملائكي، والعيون التي سحرته في أجزاء من الثانية، ليعرف "همام" في تلك اللحظة أن حياته بأكملها قد تغيرت!
في قلب "الصعيد الجواني"، حيث للأصل هيبة وللكلمة حكم، يقف ذاك البيت الشامخ كأنه قصر من قصور الحكايات. ثلاثة أدوار تروي حكاية عائلة "أبي رسلان"؛ الأرضي منها صالة رحبة تتوسطها سفرة عامرة، ومجلس هيب لضيوف البلاد، ومكتب يضم أسرار التجارة يخص كبير العائلة "همام". أما الدور الثاني فكان يضم أجنحة الأبناء؛ جناح "يونس" وزوجته، وجناح "بدر"، وغرفة الابنة الصغرى "عالية". وفي الدور الثالث، يقع جناح "همام" الخاص، حيث تُدار الأمور بحكمة السنين.
إشراقة يوم جديد
استيقظ همام على حركـة الخدم وصوت زوجته الوفية "أكابر" وهي تطوف بالغرفة تبخرها برائحة العود الذكية، وتهمس بابتسامة:
— "صباح الخير يا همام.. عوّقت في النوم النهاردة عوايدك يا حاج."
رد عليها بصوته الرخيم: "صباح النور.."
تركها ودخل الحمام، لتشرع هي في تجهيز هيبته الصعيدية؛ جلباب مخيط بعناية، وعمامة بيضاء ناصعة، وعباءة تليق بكبير البلد، ولم تنسَ حذاءه وسبحته، وحرصت على تلميع عصاه السحرية التي يتكئ عليها في مشيته. خرج همام لاففاً وسطه بمنشفة، فنظر إليها بوقار قائلًا: "حضري الفطار يا أكابر."
أجابت بطاعة: "حاضر يا حاج."
خرجت أكابر ونادت بصوت مسموع: "يا عالية!"
جاءها صوت ابنتها من المطبخ: "أيوة ياما.. أنا في المطبخ واجفة."
فقالت الأم: "جهزي الفطار على السفرة همّي."
— "حاضر ياما."
اتجهت أكابر بعد ذلك إلى غرفة ابنها يونس، طرقت الباب بخفة ففتحت لها زوجته "نهلة" قائلة بترحيب: "صباح الخير يا مرات خالي."
— "صباح النور يا حبيبتي، فين يونس؟"
— "في الحمام وهننزلو وراكي طوالي."
— "طب يلا شهلي إنتي وإياه، النهاردة ورانا يوم طويل."
نزلت أكابر إلى المطبخ لتصنع قهوة همام بنفسها، فاقتربت منها عالية قائلة: "كنتِ سيبتيها ياما وأنا أعملها."
ردت أكابر بحسم المحبة: "ما ينفعش.. القهوة دي لازم يدّي أنا اللي تعملها، يلا روحي خلصي اللي وراكي."
في تلك الأثناء، دخلت "نادية" إحدى خادمات البيت وقالت بنبرة قلقة: "يا ست أكابر.."
— "عايزة إيه يا نادية؟"
— "الحاجة فوزية بعتت لك مرسال، وبتقولك عايزاكي ضروري النهاردة."
انقبض قلب أكابر وقالت: "ليه؟ عسى خير؟"
— "المرسال بيقول شكلها بتودع يا ست هانم، وعايزاكي جبل ما تقابل كريم."
تنهدت أكابر بحزن: "لا حول ولا قوة إلا بالله.. خلاص، إن شاء الله هروح لها بعد العصر."
على مائدة الكبير
التف الجميع حول السفرة التي رُصت بأشهى خيرات الله. هبط يونس من على الدرج، اقترب من والدته وقبّل يدها: "صباح الخير يا أمي."
ردت بحنان: "صباح النور يا ولدي، اقعد عشان تفطر."
وبعد دقائق، هبط "همام" بهيبته الطاغية وطالعه الوقور، تحرك نحو صدر السفرة وجلس، بينما ظل الجميع واقفين احتراماً له، حتى أشار بيده إذنًا لهم بالجلوس. اقترب يونس وقبّل يد والده، وتبعه في ذلك عالية ونهلة.
أثناء الطعام، سألت أكابر: "هو بدر هييجي النهاردة يا حاج؟"
أجاب همام وعيونه على طعامه: "لا.. بكرة، على ميعاد الذبايح."
ثم التفت إلى يونس وقال بنبرة عملية: "اتفقت مع الفراشة وخلصت كل حاجة يا يونس؟"
— "أيوة يا أبوي، كله تمام وزي ما أمرت."
تذكرت أكابر فقالت: "صحيح يا همام، أنا نسيت أقولك.. الحاجة فوزية بعتت لي وشكلها كده في أيامها الأخيرة وطالباني."
نظر إليها همام باهتمام وقال: "خدي معاكي يونس بالعربية، عشان لو احتاجت تروح المستشفى ولا جرى حاجة يبقى واجف معاكِ."
قالت أكابر بامتنان: "تسلم يا حاج."
ارتشف همام قهوته وعقله يشرد في المشكلة الكبيرة الدائرة بين عائلته وعائلة "أبو زهران"، باحثاً عن حل يحقن الدماء. وفجأة قطعت عالية الصمت قائلة بتردد: "ممكن يا أبوي أنزل المدينة النهاردة؟"
نظر إليها همام بطرف عينه: "ليه يا عالية؟"
— "كنت عايزة أشتري شوية عبايات، وأودي الغويشة الذهب بتاعتي تتصلح."
رد همام بحسم لا نقاش فيه: "لا يا عالية، خليها يوم تاني، وأمك تنزل معاكي وتجيب لك كمان ذهب جديد غير الغويشة اللي اتكسرت دي."
قالت عالية بحزن مكتوم: "حاضر يا بوي."
قام همام متوجهاً إلى المزرعة لمباشرة أعماله، فيما التفتت أكابر لابنتها وزوجة ابنها قائلة: "خلي بالكم.. النهاردة الغدا عليكم إنتو الاتنين، أنا هروح مشواري ولما أرجع أشوف لو في حاجة ناقصة أكملها."
أجابت عالية ونهلة بصوت واحد: "حاضر ياما."
الوصية الأخيرة ورحيل الدادة
ارتدت أكابر عباءتها وتلفعت بـ "الملس" الصعيدي الوقور، وركبت السيارة بجوار ابنها يونس. انطلقت السيارة نحو أطراف البلدة، حيث البيوت البسيطة التي يكسوها الفقر، وتوقفت أمام منزل متهالك.. إنه بيت "فوزية" الدادة التي ربت أكابر في صغرها.
التفتت أكابر ليونس قائلة: "استناني هنا يا ولدي، هشوفها لو محتاجة مستشفى هندهلك."
— "حاضر ياما."
نزلت أكابر وطرقت الباب، ففتحت لها فتاة تلف شالاً على وجهها لا يظهر منها شيء. سألت الفتاة: "من حضرتك؟"
أجابت: "أنا أكابر.. فين الخالة فوزية؟"
قالت الفتاة بلهفة: "اتفضلي.. هي مستنياكي، طول الليل ما بتجيبش غير في سيرتك، وأول ما طلع النهار رحت بعت لك مرسال مع الغفير."
دخلت أكابر وسألتها: "هو إنتي مين يا بنتي؟"
— "أنا دهب.. حفيدة فوزية."
استرجعت أكابر ذاكرتها وقالت: "أهو إنتي بنت هانم؟ ولااا.. وكبرتي يا دهب! ما تشيلي الشال ده من على وشك يا بنتي."
وما إن رفعت الفتاة الشال، حتى تيبست أكابر في مكانها وصدمت من فرط جمالها؛ وجه كالبدر وشعر طويل ينساب كالحرير. همست أكابر بذهول: "اللهم صلي على النبي.. إيه الحلاوة دي كلها!"
قطع تأملها صوت فوزية الواهن من الداخل: "مين اللي برة يا دهب؟"
أجابت الفتاة: "دي الست أكابر يا ستي."
قالت فوزية بصوت متعب: "طب خليها تيجي.."
دخلت أكابر مسرعة وارتمت بجانب فراشها قائلة تمازحها لتخفف عنها: "إيه الحلاوة دي يا فوزية؟ جومي كده ده إنتي بتتدرعي علينا!"
ابتسمت فوزية بوهن: "لسه زي ما إنتي.. لسانك حلو يا أكابر."
ردت أكابر بنبرة صادقة: "عمري ما أنسى اللي عملتيه معايا واهتمامك بيا بعد موت أمي."
نظرت إليها فوزية بعيون ملأها الرجاء: "وأهو جه الوكت اللي تردي لي فيه الجميل يا بنت الأصول."
— "إيه هو؟ اؤمري وأنا هعملك كل اللي أنتِ عايزاه."
قالت فوزية وهي تتنفس بصعوبة: "أمانة عليكي.. تخلي بالك من دهب.. البت غلبانة وما تعرفش واصل أي حاجة في الدنيا، وما لهاش حد بعدي.. أنا مش هأمن عليها غير معاكي، وعارفة وممتأكدة إنك هتجوزيها للي يصونها وتراعيها زي ما كنت براعيكي."
دمعت عين أكابر وقالت: "بتقولي إيه بس؟ إن شاء الله تخفي وإنتي اللي تجوزيها بيدك."
همست فوزية بنبرة مودع: "لا.. أنا عارفة إن خلاص ده وكتي وبقضيه.. والبت يتيمة مالمهاش غيرك بعد ربنا."
أمسكت أكابر يدها بقوة: "أنا بوعدك.. بوعدك إني هحافظ عليها في نني عيني."
أغمضت فوزية عينيها واستسلمت للنوم، فسألت أكابر بقلق: "هي كده كويسة؟"
أجابت دهب بدموع: "أيوة.. هي بتنام شوية وتجير (تفيق) شوية."
— "طيب يا حبيبتي، لو في أي حاجة كلميني."
الفراق والواجب
ما إن خطت أكابر خطواتها خارج عتبة البيت لتركب السيارة، حتى شق الفضاء صريخ مدوٍّ وجاف من دهب. ركضت أكابر للداخل لتجد أن فوزية قد سلمت أمانتها لبارئها وفاضت روحها إلى السماء.
خرجت أكابر بسرعة وهي تمسح دموعها وقالت ليونس: "اتصل بأبوك يا يونس، جوله إننا هنعوق شوية عقبال ما نشيع الأمانة لمثواها الأخير."
أمسك يونس هاتفه واتصل بوالده: "إيوة يا أبوي.. الست اللي أمي جاية تزورها توفاها الله، والظاهر ملهاش حد هنا، هندفنها ونرجع على المغرب إن شاء الله."
رد همام بنبرة حكيمة أصيلة: "خلاص يا يونس، اعمل الواجب كله، ولو في فلوس ادفعها، إنت عارف الست دي كانت غالية على أمك قد إيه."
— "حاضر يا يابا."
بدأ يونس يتحرك مع رجال الحارة، وتأكد أن المتوفاة انقطع نسلها ولا مدافن لها، فقام بفتح المقبرة المخصصة للفقراء وعابري السبيل التي تمتلكها عائلتهم، وأحضر المغسلة. وفي الداخل، كانت دهب تصرخ وتنتحب، فارتمت في حضن أكابر قائلة بنحيب يقطع القلب: "أنا ماليش حد غيرك يا ستي.. ليه سبتيني!"
احتضنتها أكابر بقوة: "اهدي يا بنتي.. اهدي أنا موجودة معاكي ومش هسيبك."
تشبثت دهب بثوب أكابر وهي ترتجف: "اوعي تسيبيني يا ستي.. أنا من غيرك أموت."
دخلت النسوة وحملن دهب بعيداً ليشرعن في تغسيل وتكفين الحاجة فوزية. خرجت أكابر ليونس فسألته: "عملت إيه يا ولدي؟"
— "ملهاش حد ياما، وكلمت التربي يفتح التربة اللي عاملنها للناس الغلابة."
ربتت على كتفه قائلة: "فيك الخير يا ولدي.. أصيل."
مجلس الصلح وأخبار بدر
في غضون ذلك، كان همام يجلس بوقار في مكتب المزرعة، وأمامه الطبيب البيطري الذي قال: "طعمنا البهايم الجديدة يا حاج، وإن شاء الله الولدة الجديدة هتعوض كل الخسارة اللي فاتت."
أومأ همام برأسه: "تمام يا دكتور.. همّتك معايا."
دخل في تلك اللحظة الشيخ "مصطفى" إمام الجامع، فاستأذن الطبيب وانصرف. رحب همام بالشيخ: "اتفضل يا شيخ مصطفى.. السلام عليكم."
— "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. كيفك يا حاج همام؟"
— "الحمد لله.. خير يا شيخنا؟"
قال الشيخ مصطفى بنبرة جادة: "عايزين نعمل جعدة صلح بينك وبين عيلة أبو زهران ونقفل باب الدم ده."
رد همام بشهامة الكبار: "وأنا موافق يا شيخ.. اللي فيه حقن دماء الناس أنا جاهز ليه."
ابتسم الشيخ براحة: "على بركة الله، خلاص، الجمعة الجاية بعد الصلاة تكون الجعدة في الجامع الكبير."
— "ماشي يا شيخنا.. على خير الله."
وقف الشيخ مصطفى ليغادر، فاستوقفه همام: "رايح فين يا شيخنا؟ استنى نشرب الشاي واصل."
— "لا هلحق أنا عشان صلاة المغرب قربت.. السلام عليكم."
بعد خروج الشيخ، أمسك همام هاتفه واتصل بابنه "بدر".
— "عامل إيه يا ولدي؟"
جاءه صوت بدر العملي من القاهرة: "كويس يا أبوي.. إنت عامل إيه والبلد عاملة إيه؟"
قال همام بنبرة فخر مكتومة: "أنا كويس، وفرحان جوي باللي عملته في المصنع إنت وعزيز بيه."
رد بدر باعتزاز: "عشان تعرف يا أبوي إن ولدك جد المسؤولية ويشيل بلد."
ضحك همام: "تمام يا ولدي.. ما تنساش تيجي الصبح، أمك عاملة لي دوشة ووش عشان بقالك تلات شهور ما نزلتش البلد واشتجتلك."
— "حاضر يا أبوي، هاجي من النجمة."
أردف همام محذراً: "وما تنساش تعزم معاك عزيز بيه ومراته وبنته."
— "حاضر يا أبوي.. يوصل."
أغلق همام الهاتف وقعد يفكر في هموم العائلة والمشاكل التي تتلاحق، ثم خرج وركب سيارته متوجهاً إلى القصر مع حلول المغرب.
اللقاء الذي زلزل الكيان
في بيت الدادة فوزية، بعد أن انتهت مراسم الدفن، وقفت أكابر وسط الحطام وقالت لدهب: "يلا يا دهب.. لمي هدومك عشان تيجي معايا البيت."
قالت دهب بكسرة وعيون باكية: "خليني هنا يا خالة.. بيت ستي أولى بيا."
ردت أكابر بحنو حازم: "ما ينفعش يا بنتي واصل تسكني لحالك، يلا ما توجعيش قلبي، وكمان الحاج همام زمانه روح البيت دلوقتي ومش عايزة أتأخر عليه."
أذعنت دهب قائلة بدموع منهارة: "حاضر.."
ارتدت جلباباً قديماً وفوقه الملس الأسود، وغطت وجهها بالكامل بالشال، وجمعت ثيابها البسيطة في صرة صغيرة، وخرجت وعيناها تودع جدران بيتها الدافئ. ركبت في المقعد الخلفي للسيارة، وقالت أكابر: "يلا يا يونس.. همّ بينا زمان أبوك وصل."
— "حاضر ياما."
تحركت السيارة، وبعد وقت ليس بالقصير وصلوا إلى القصر الشامخ. دلفت أكابر وخلفها دهب المنكسرة، لتجد همام جالساً وعلامات الضيق على وجهه، فقال بعتاب: "كل ده تأخير يا أكابر؟ بالي انشغل."
قالت له وهي تجلس بتعب: "معلش يا حاج.. كنت بنفذ آخر حاجة في وصية الحاجة فوزية الله يرحمها."
نظر إليها همام مستفهماً: "وإيه هي الوصية دي؟"
— "إن ألي بالي من حفيدتها اليتيمة وتاجي تعيش وسطيبنا."
رفع همام حاجبيه وسأل: "وفين حفيدتها ديت؟"
التفتت أكابر للخلف وقالت: "تعالي يا دهب.. جربي هنا."
اقتربت دهب بخطوات مرتجفة تكاد لا تحملها، وقالت بصوت خفيض يرتعش: "أيوة يا خالتي.."
قالت أكابر: "جربي يا بنتي وحبي على إيد الحاج همام كبير البيت."
نظر همام إلى كتلة السواد المتحركة أمامه، وقال بنبرة متهكمة ضاحكة: "وفين وشها من جفاها ديت؟ إنتي مغطية وشك كديه ليه يا بت؟ أوعي تكوني شينة (وحشة) بس؟"
ضحكت أكابر وقالت: "بتقول إيه بس يا همام؟ دي بت زي البدر المنور.. شيل الشال يا دهب."
اقتربت دهب لتبوس يد الحاج همام لتنفذ أمر أكابر، وفي تلك اللحظة الخاطفة، انزلق الملس من فوق رأسها ووقع الشال، فرفعت وجهها فجأة.. لتلتقي عيناها بعيني "همام".
تسمر همام في مكانه، والجمت الصدمة لسانه.. سكتت الأصوات من حوله ولم يعد يرى سوى هذا الوجه الملائكي، والعيون التي سحرته في أجزاء من الثانية، ليعرف "همام" في تلك اللحظة أن حياته بأكملها قد تغيرت!