رواية دهب بين أيادي الشيطان الفصل الثاني 2 بقلم اميرة خالد
الفصل الثاني
ظل همام واقفاً مكانه، يتأمل عيني "دهب" البريئة. كان مستغرباً من ذلك الجمال الرباني الذي يفيض من ملامحها، ولم يقاطعه سوى صوت زوجته "أكابر" القوي وهي تقول:
— دي "دهب" حفيدة الحجة فوزية يا همام.. هتقعد معانا هنا في السرايا واعتبرها واصلة من ريحة الغاليين.
تنحنح همام وأزاح نظراته بصعوبة قائلاً:
— حاضر يا أكابر.. السرايا مطرحها.
في تلك اللحظة، كانت "نهلة" زوجة يونس ترمق دهب بنظرات نارية، أكلت الغيرة قلبها وخافت أن يلتفت زوجها يونس إلى هذا الجمال الصارخ. تداركت أكابر الموقف وقالت:
— تعالي يا عالية.. خدي دهب نيميها في الأوضة اللي تحت، عقبال ما نشوف لها أوضة مناسبة تليق بيها وتناسبها.
قالت عالية بطاعة:
— حاضر ياما.
اقتربت عالية من دهب، وأمسكت بيدها الصغيرة بحنو:
— تعالي يا حبيبتي.. قولي لي، عندك كام سنة؟
أجابت دهب برقة وخجل:
— ثمنتاشر سنة.
وقع الرقم كالصاعقة على مسامع همام؛ صُدم من صغر سنها، فملامحها طفولية بريئة، لكن قوامها الممتلئ والملفت يعطي إيحاءً بالأنوثة الطاغية. تنفست أكابر بعمق وقالت:
— يلا يا همام نطلع ننام، ورانا بكره يوم طويل وضيوف ودبايح.
هز همام رأسه وقال بشرود:
— اسبقيني انتي ياما.. هروح أشرب الشيشة بره في المندرة وأعدل دماغي.
— تمام يا همام.. تصبح على خير.
خرج همام إلى ساحة السرايا الخارجي، وندى على الغفير بصوت جهوري:
— حضر الشيشة يا ولد.
— حاضر يا بيه، ثواني وتكون عندك.
جلس همام ينفخ دخان الشيشة في الفراغ، والضيق يأكل صدره. كيف لرجل في هيبته ومقامه أن يهتز لملامح فتاة صغيرة في عمر بناته؟ قطع حبل أفكاره رنين هاتفه، ونظر إلى الشاشة ليجد اسم ابن عمه "عزيز".
أجاب همام محاولاً استعادة نبرته القوية:
— مرحب.. عامل ايه يا ولد عمي؟
ضحك عزيز على الطرف الآخر وقال:
— أنا بخير يا همام، انت اللي طمني عنك وعن أحوال السرايا؟
— كله تمام وزين.. هتيجي ميتى يا عزيز؟
— أنا جاي بكره بإذن الله، ومعايا بدر.
— ماشي، هستناك، واعمل حسابك إنك هتقعد معايا أسبوع واصل، مش هسيبك تمشي واصل.
— ههههه ماشي يا همام، أشوفك على خير بكره.
في هذه الأثناء، كانت دهب تجلس في غرفتها بالبدروم، تتأمل الجدران بغربة وضيق. اقتربت منها عالية قائلة:
— محتاجة حاجة تاني يا دهب؟
— شكراً يا خيتي.. كتر خيرك.
خرجت عالية، فانفجرت دهب في البكاء، وضمت قدميها إلى صدرها، تنعي حظها وتبكي فراق جدتها التي كانت أمانها الوحيد في الدنيا.
بينما كانت عالية تسير في الردهة متجهة لأعلى، نادى عليها همام:
— عملتي ايه مع البنت يا عالية؟
— سبتها في الأوضة يابا وداخلة أنام.. محتاج حاجة أعملهالك قبل ما أطلع؟
— لا يا بنتي، شكراً.. اطلعي ارتاحي.
صعد همام إلى غرفته، فوجد أكابر قد غطت في نوم عميق من تعب النهار. دخل الحمام، أخذ حماماً دافئاً، ثم خرج مرتدياً جلبابه الأبيض المريح، واستلقى على السرير وعيناه معلقتان بالسقف، وصورة عيون دهب البريئة لا تفارق مخيلته.
الفصل الثاني: سحر القاهرة ولحن "على بالي"
في مكان آخر تماماً، وتحديداً في أحد فنادق القاهرة الفخمة، كان "بدر" يحضر حفل زفاف صديقه المقرب. الأضواء صاخبة والموسيقى تملأ المكان، حتى صعدت العروس إلى المسرح وأمسكت بالمايكروفون قائلة بابتسامة واسعة:
— أنا مستنية هدية واحدة بس من صديقة عمري، ومش هتنازل عنها دلوقتي!
ضحكت فتاة رقيقة تجلس في المقاعد الأمامية، وسألتها:
— وايه هي الهدية دي يا عروسة؟
العروس: — أغنيتك.. عايزة أسمع صوتك.
ابتسمت الفتاة، واستأذنت والدها بنظرة من عينيها، فهز الأب رأسه بالموافقة والفخر. صعدت الفتاة، وأمسكت المايك، وبدأت تغني أغنية إليسا الشهيرة "على بالي حبيبي".
ساد الصمت القاعة، وكأن صوتها العذب الساحر سلب عقول الحاضرين. أما بدر، فقد تجمد في مكانه، وسرح في جمالها الهادئ ورقتها الشديدة ونبرة صوتها التي تلمس القلوب.
ما إن انتهت الأغنية حتى اشتعلت القاعة بالتصفيق. نزلت الفتاة واحتضنت العروس، ثم عادت لتجلس بجوار والدها.
اقترب بدر من صديقه "العريس" وسأله بفضول:
— مين البنت دي يا برو؟
العريس بضحكة:
— دي بقى يا سيدي "منه".. مفيش مخلوق عرف يكلمها كلمة واحدة، علطول مصدرة الوش الخشب للكل! بس بنت ايه.. أدب وأخلاق، وحلمها الوحيد في الدنيا إنها تغني.
بدر باهتمام: — وانت تعرف عنها كل ده منين؟
العريس: — أبداً، أنا وأصحابي عملنا رهان عليها زمان وكلنا خسرنا!
ضحك بدر وقال: — تعيش وتاخد غيرها.. يلا أنا هقوم أبارك لك وتمشي عشان ورايا سفر الصبح.
خرج بدر إلى ساحة انتظار السيارات ليأخذ سيارته. وأثناء قيادته على الطريق الخارجي، لمح "منه" ووالدها يقفان على رصيف مظلم، ويبدو أنهما يبحثان عن وسيلة مواصلات.
أوقف بدر سيارته وهبط منها قائلاً بأدب:
— مساء الخير.. الطريق هنا مقطوع في الوقت ده ومفيش عربيات بتعدي.. لو تسمحوا لي أوصلكم؟
نظرت إليه منه بتوجس وقالت: — شكراً لحضرتك، هنتصرف.
تدخل والدها قائلاً بتعب: — معلش يا منه، خلينا نرجع وكتر خيره يا بنتي، الدنيا اتأخرت.
منه بقلة حيلة: — اللي تشوفه يا بابا.
ركب الوالد في المقعد الأمامي، بينما جلست منه في الخلف. وطوال الطريق، كان بدر يختلس النظر إليها عبر المرآة الداخلية، وهي تلاحظ نظراته وتشعر بالضيق والتوتر. أخذ بدر يتحدث مع والدها، وتعارفا حتى وصلا إلى منزلهما في منطقة المهندسين.
نزل الوالد وقال بكرم: — اتفضل معانا يا بني اشرب قهوة.
بدر: — معلش يا عمي، كتر خيرك، بس أنا عندي سفر للصعيد الفجر ومش هقدر أسهر أكتر من كده.
الوالد: — ربنا معاك يا بني، وشكراً جزيلاً على التوصيلة.
عاد بدر إلى شقته، وبمجرد دخوله أخذ دوشاً سريعاً، واستلقى على سريره وهو يتذكر ملامح منه وصوتها العذب وهو يتردد في أذنيه حتى غلبه النوم.
لم يمر الكثير من الوقت حتى استيقظ بدر على صوت رنين هاتفه، وكان المتصل "عم عزيز".
بدر بصوت ناعس: — أيوه يا عمي.. صباح الخير.
عزيز بصوت مستعجل: — يلا يا بدر عشان نلحق نوصل البلد بدري، أبوك اتصل بيا بالليل ونبه عليا نوصل قبل الظهر.
بدر: — حاضر يا عمي، نص ساعة بالظبط وأكون تحت بيتك.
الفصل الثالث: لقاء العائلات والعباءة السوداء
في منزل عزيز، كان الحماس والسرعة يملآن المكان. صاح عزيز بزوجته:
— خلصي يلا يا وفاء انتي وبنتك عشان نوصل بدري.. بدر زمانه على وصول.
وفاء: — أنا جهزت خلاص، شوف بنوتك الدلوعة.
خرجت "نادية" وهي ترتدي ملابس عصرية قائلة بابتسامة: — أنا جهزت أهو يا بابي.
ضحك عزيز: — شاطرة يا نادية، يلا بينا.
نادية بدلال: — بليز يا بابا.. أنا "نودي".. بلاش نادية دي!
ضحك الأب، وفي هذه اللحظة رن الهاتف ليعلن وصول بدر.
ركب الجميع في السيارة، وانطلقت بهم نحو الصعيد. وطوال الطريق، كانت نادية تثرثر وتتحدث مع بدر، لكن عقله وباله كانا في وادٍ آخر.. كان يفكر في "منه".
في السرايا، استيقظت أكابر ونظرت إلى همام الذي كان ما زال نائماً. دخلت الحمام، وارتدت عباءتها الصعيدية الفخمة، ونزلت لتشرف على الخدم وتصنع قهوة زوجها الصباحية.
نادت أكابر على الخادمة "نورا":
— بت يا نورا.. روحي شوفي "دهب" في أوضتها.
نورا باستغراب: — أوضة ايه يا حاجة؟
أكابر: — الأوضة اللي في البدروم تحت.. هتلاقيها هناك، قولي لها الست أكابر عايزاكي.
نورا: — حاضر يا حاجة.
ذهبت نورا وظلت تطرق الباب حتى فتحت دهب وعيناها منفوختان من البكاء.
نورا بضيق: — ايه يا خيتي؟ عمالة أخبط بقالي ساعة مابتجوبيش ليه؟
دهب برقة: — معلش، مكنتش سامعة الباب واصل.
نورا: — طب يلا، الست أكابر عايزاكي بره.
دهب: — حاضر، عشر دقايق وهكون وراكي.
غسلت دهب وجهها، ولم تجد في حقيبتها الصغيرة سوى عباءة سوداء قديمة كانت تخص جدتها الراحلة، فارتدتها وخرجت.
في هذه الأثناء، صعدت أكابر بالقهوة إلى همام، فوجدته في الحمام. جهزت له جلبابه وعباءته وعصاه وحذاءه. خرج همام وهو يلف منشفة حول خصره قائلاً بعتاب محب:
— كدة يا أكابر؟ تنامي امبارح وتسبيني واصل؟
ضحكت أكابر: — معلش يا سيد الناس، غصب عني، تعبت طول النهار.. قولي، هتعمل ايه في البت اللي تحت دي؟
همام ببرود: — هتقعد معانا لحد ما يجي لها نصيبها، وممكن أجوزها لحد من الغفر اللي عندنا في السرايا.
اشتعل همام غضباً دون أن يدري السبب، وقال بعصبية:
— كيف يعني؟! دي بت صغيرة واصل، كيف تجوزيها لغفير؟!
أكابر بهدوء: — سيبها لنصيبها يا همام.. اشرب قهوتك.
شرب همام القهوة بضيق، ثم ارتدى ملابسه ونزل. بينما ذهبت أكابر لتوقظ ابنها يونس. فتحت لها زوجته "نهلة" وهي تتثاءب.
أكابر: — في ايه يا بنتي؟ كل ده نوم؟
نهلة: — معلش يا مرات خالي، البنت الصغيرة منيمتنيش طول الليل.
أكابر: — طب يلا يا خيتي انزلي عشان ورانا شغل كتير، واصحي جوزك عشان أبوه خلص وهيلم العيلة كلها.
نزلت أكابر إلى المطبخ، فوجدت دهب واقفة بعباءتها السوداء والدموع في عينيها.
أكابر بنبرة حازمة ولكن حنونة:
— أول حاجة يا دهب لازم تعرفيها.. إني مابحبش اللون الأسود واصل في السرايا.
تغيرت ملامح دهب خجلاً، وقالت بصوت منخفض إنها لا تملك غيرها. فهمت أكابر الأمر ونادت على ابنتها عالية:
— هاتي عباية من عندك تكون زينة لدهب يا عالية.
عالية: — حاضر ياما.
نزلت عالية بعباءة ملونة وجميلة، قدمتها أكابر لدهب قائلة:
— خدي البسي دي، ويلا عشان تفطري معانا، ولينا كلام بعد الفطور.
دهب بهمس: — حاضر.
دخلت دهب وغيرت ملابسها، ونظرت إلى نفسها في المرآة بفرحة طفولية؛ العباءة كانت جديدة وجميلة عليها. وضعت طرحتها على رأسها وخرجت.
أكابر بابتسامة: — كدة تمام وزين.. يلا عشان تفطري معانا على السفرة.
دهب بخجل: — أنا ممكن أفطر هنا في المطبخ مع الخدم يا حاجة.
أكابر بنبرة لا تقبل الجدال: — كلمتي تتسمع من أول مرة يا دهب.. يلا قداي.
انصاعت دهب ودخلت غرفة الطعام. ما إن رأتها نهلة حتى صُدمت من شدة جمالها وازداد غيظها. أما همام، فقد تجمدت لقمته في يده، ونظر إليها مبهوراً وهو يقول في نفسه: "كيف البت دي حلوة وشابة بزيادة إكدة؟"
جلس الجميع، وقالت أكابر لدهب: — اقعدي يا بنتي جنب عالية.
تحدث همام محاولاً إخفاء ارتباكه:
— يلا افطروا همتكم.. زمان بدر وعمكم عزيز على وصول. وانتي يا حاجة أكابر، مش عايزك تتعبي نفسك واصل، الطباخين قايمين بالواجب بره في الجنينة عشان المصنع الجديد.
أكابر: — تعبك راحة يا سيد الناس.
يونس: — خلاص يابا، الدبايح وصلت وكل حاجة جاهزة بره.
همام: — زين يا ولدي.. كملوا فطوركم.
بعد الفطور، أخذت أكابر دهب جانباً وقالت لها:
— بصي يا حبيبتي.. انتي هتقعدي معايا هنا معززة مكرمة لحد ما يجي صاحب نصيبك، وعايزاكي تعرفي إنك زيك زي عالية بالظبط في السرايا دي.. فاهماني؟
هزت دهب رأسها بالموافقة والامتنان، بينما كانت نهلة تراقبها من بعيد بغل، وتدعو الله ألا تلتفت أنظار يونس إليها.
الفصل الرابع: الغيرة والدموع في الحديقة الخلفية
وصلت سيارة بدر وأحدثت جلبة خارج السرايا. ترجل بدر وجرى نحو والده همام، وقبل يده باحترام، فاحتضنه همام بقوة وشوق:
— كيفك يا ولدي؟ توحشناك بزيادة.
بدر: — أنا بخير يا أبويا.. انت عامل ايه وصحتك عاملة ايه؟
— طول ما انتو بخير أنا بخير يا ولدي.
اقترب يونس واحتضن شقيقه بدر، وسلم همام على ابن عمه عزيز وزوجته وفاء وابنته نادية.
همام ليونس: — خذ مرات عمك وبنتها دخلهم جوه عند الحرمة.
يونس: — حاضر.. اتفضلي يا مرات عمي، اتفضلي يا خيتي.
دخلت النساء إلى السرايا، فاستقبلتهن أكابر بالترحاب والزغاريد:
— يا مرحب.. مليون مرحب، نورتي الصعيد يا وفاء.
وفاء وهي تحتضنها: — بنورك يا غالية، وحشتيني.
سلمت أكابر على نادية، وجلس الجميع يتسامرون. نظرت وفاء إلى دهب الواقفة في الزاوية وقالت:
— مين القمر دي يا أكابر؟
أكابر بابتسامة: — دي دهب.. بنتي الجديدة.
وفاء: — ما شاء الله.. أمورة بزيادة، بس انتي خلفتي تاني من ورايا ولا ايه؟
ضحكت أكابر: — لا يا ستي.. دي حفيدة الحجة فوزية، فاكراها؟
وفاء: — آه.. الست الطيبة اللي ربتك وانتي صغيرة؟ الله يرحمها.
في هذه الأثناء، كانت نادية تنظر لدهب بتعالي، ولم تعرها أي اهتمام، وانشغلت بهاتفها ترسل الرسائل. شعرت دهب بالاحراج واستأذنت لتعود إلى غرفتها، فأذنت لها أكابر.
لكن دهب تاهت في ممرات السرايا الضخمة، وبدلاً من أن تنزل للبدروم، خرجت من الباب الخلفي إلى الحديقة (الجنينة) الكبيرة حيث كان الطباخون والغفراء يتحركون. تملكها الخوف عندما وجدت نفسها وسط الرجال ولم تعرف كيف تعود.
في المجلس الخارجي، كان همام يجلس مع الرجال، فسمع همس الطباخين وهم يقولون بإنبهار: "في بت كيف القشطة وجمالها يجنن واقفة في الجنينة اللي ورا!"
اشتعلت عروق همام بالغيرة والغضب. وقف فجأة وقال لعزيز:
— ثواني يا ولد عمي.. هشوف حاجة وراجع.
عزيز: — خد راحتك يا حاج.
توجه همام بخطوات واسعة وعاصفة نحو الحديقة الخلفية، فوجد دهب واقفة تبكي بجسد مرتجف.
اقترب منها وصاح بصوت غاضب:
— كيف تقفي هنا وسط الرجالة يا بت انتي؟! معندكيش حيا واصل؟!
انتفضت دهب وشهقت بالبكاء قائلة وسط دموعها:
— أصل.. أصل أنا توهت.. ومش عارفة أرجع الأوضة واصل!
صُدم همام من منظر دموعها التي هزت قلبه. وبدون وعي، أمسك بيدها الصغيرة بقوة وشدها خلفه، ودخل بها من باب المطبخ حتى وصل إلى غرفتها. فتح الباب ودفعها برفق ثم قال محذراً بنبرة حاسمة:
— بعد كدة رجليكي دي متخطيش الجنينة بره واصل! وماتخرجيش من السرايا من غير إذن، فاهمة يا بت ولا لا؟!
هزت رأسها بالموافقة وهي تبكي بهستيريا وتكتم أنفاسها خوفاً منه.
ضاق صدر همام برؤية دموعها ولم يحتمل البقاء. وفي تلك اللحظة دخلت أكابر مسرعة بعد أن أخبرتها الخادمة نورا بما حدث.
أكابر: — في ايه يا همام؟ مالها البت؟
همام بعصبية: — البت كانت واقفة وسط الرجالة بره ياما! وانتي عارفة عاداتنا وكلام الصعايدة اللي ميرحمش!
أكابر: — معلش يا ولدي.. حقك عليا، وانتي يا دهب ايه اللي خرجك هناك؟
دهب بشهقات: — كنت تايهة.. ومكنتش عارفة طريق الأوضة.
اقتربت منها أكابر وأخذتها في حضنها تطبطب عليها، فخرج همام والضيق يملأ قلبه من بكائها الذي زلزل كيانه.
الفصل الخامس: ليلة الاحتفال ورسائل غامضة
بدأت الاحتفالات الكبرى بمناسبة المصنع الجديد، ارتدى بدر الجلباب الصعيدي الفخم ليصبح شبيهاً بأخيه يونس ووالده همام. ذُبحت الذبائح، وبدأ الضيوف يتدفقون من كبار الأعيان والمسؤولين.
همام للرجال: — يلا يا رجالة، كل واحد يطلع يغير هدومه وينزل عشان نستقبل الضيوف والوجهاء.
— تمام يا حاج.
صعد همام إلى غرفته ليجد أكابر تجهز نفسها. نظر إليها بابتسامة غامضة وقال:
— اعملي حسابك.. مش عايز نوم الليلة دي واصل يا أكابر.
ضحكت أكابر بخجل: — عيب يا همام.. احنا كبرنا على الكلام ده وخلاص بقينا جدود!
همام بضحكة رجولية: — كبرنا ايه؟ ده انتي لسه في عز شبابك وزي القمر.. ومفيش كلام من ده واصل، قتلك متناميش الليلة!
أكابر: — هههه خلاص يا همام.. يلا عشان الناس بره.
دخل همام الحمام، وأثناء وقوفه تحت الماء كانت صورة دهب ودموعها تلاحقه. خرج وارتدى جلبابه الفاخر، وبخرته أكابر كالعادة. نزل مع أولاده الذين ارتدوا جلابيب متناسقة الألوان تبين هيبتهم.
وأثناء خروجه، لمح دهب واقفة في زاوية الممر تطأطئ رأسها بخجل، فنظر إليها نظرة طويلة ثم خرج لاستقبال الضيوف.
في الداخل، نادت أكابر دهب وأخذتها إلى غرفتها، وفتحت الخزانة وأخرجت لها مجموعة من العباءات الفخمة التي ضاقت عليها قائلة:
— خدي العبايات دي ليكي يا دهب.. ولو عايزة تقعدي مع الحريم جوه تعالي، ولو عايزة ترتاحي في أوضتك براحتك يا بنتي.
دهب: — حاضر يا حاجة.. كتر خيرك.
ارتدت أكابر عباءتها ووضعت الكحل العربي في عينيها ونزلت للحريم، بينما كانت عالية ونهله ترتديان ملابس متناسقة ومبهرة. استمرت الاحتفالات والدبكات، وحضر العمدة ومدير الأمن لتهنئة همام.
العمدة: — مبروك يا همام بيه المصنع الجديد، واعمل حسابك بعد بكره في قعدة صلح كبيرة بينك وبين عيلة أبو زهران عشان نقفل الدم ده.
همام بقوة: — جاهز يا عمدة، والصلح خير.
بعد ليلة طويلة ومرهقة، انتهى الحفل وتفرق الضيوف. صعد همام إلى غرفته وهو يشعر بالصداع، تمنى لو يجد أكابر مستيقظة لتخفف عنه، لكنه وجدها قد نامت من شدة التعب. تنهد بضيق، وأخذ شاور، ثم ارتدى بنطالاً قطنياً وعاري الصدر، واستلقى على السرير محاولاً النوم دون جدوى.
وفي غرفته، كان "بدر" قد أخذ شاور وارتدى ترنج مريح، وأمسك بهاتفه. فتح تطبيق إنستغرام وظل يبحث حتى وجد حساب "منه" من خلال الـ (Mention) الذي قامت به العروس لها في فيديو الأغنية.
تأمل صورها الرقيقة الطفولية، ووجد أن حسابها نشط الآن (Online).
تولد لديه فضول وتحدي، فأخرج هاتفه الاحتياطي، وأنشأ حساباً وهمياً سريعاً وأرسل لها رسالة:
— "إزيك يا قمر؟"
انتظر دقائق ولم ترد. شعر بالاستفزاز فأرسل ثانية:
— "هو انتي شكلك وحش في الحقيقة وعشان كده مابترديش؟"
في القاهرة، رأت منه الرسالة واشتعلت غضباً من هذا الشخص المستفز، فكتبت له بحسم:
— "وانت مالك؟ ويا ريت متبعتش هنا تاني!"
ثم قامت بعمل حظر (Block) له فوراً.
انفجر بدر ضاحكاً من ردة فعلها الشرسة، وشغل فيديو الأغنية وظل يستمع لصوتها العذب حتى نام وهو يبتسم.
الفصل السادس: لقاء الليل السري
في منتصف الليل، لم يستطع همام النوم بسبب الصداع والجوع. ارتدى جلبابه الخفيف ونزل بهدوء نحو المطبخ ليحضر شيئاً يأكله.
وعند اقترابه، سمع حشرجة وصوتاً خافتاً في الداخل. دخل ببطء ليجد أحداً يضع رأسه داخل الثلاجة!
اقترب أكثر وقال بنبرة هادئة ومستغربة:
— بتعملي ايه عندك واصل؟
انتفضت "دهب" وخرجت من الثلاجة ووجهها أحمر كحبة الطماطم من الخجل والخوف، ولم تستطع نطق كلمة واحدة.
ضحك همام على منظرها العفوي، وظل يتأملها من الأعلى إلى الأسفل؛ كانت ترتدي جلباباً قديماً كبيراً جداً عليها يخص أكابر، وبدت فيه كطفلة صغيرة.
همام: — كنتي بتعملي ايه؟ انطقي.
دهب بصوت هامس يرتجف: — أصل.. أصل أنا مأكلتش واصل مع الحريم.. وكنت جعانة بزيادة.
همام باستغراب: — ومأكلتيش ليه وقت الوكل؟
دهب: — انكسفت أدخل الصالة وسط الحريم.. فدخلت أوضتي ونمت ولما صحيت جوعي قرصني.
همام: — طيب.. بتعرفي تعملي قهوة؟
دهب بلهفة: — أيوة.. بعرف وزين كمان.
همام: — طب اعملي لي فنجان قهوة وهاتيه على المكتب جوه.
دهب بحيرة: — هو.. هو فين المكتب ده؟
تنهد همام وجلس على طاولة المطبخ قائلاً:
— خلاص.. اعمليها واقعدي اهنا هاتيها.
وقفت دهب تحضر القهوة، وظل همام يراقب حركاتها. لمحها وهي تحاول جاهدة الوصول إلى الرف العلوي لتأتي بالفنجان، لكن قصر قامتها لم يسعفها.
ابتسم همام، وقام من مقعده واقترب منها حتى شعر بأنفاسها، ومد يده الطويلة وأحضر الفنجان بكل سهولة ووضعه أمامها قائلاً بضحكة خفيفة:
— خدي يا أوزعة.. مش طايلة واصل!
احمرت وجنتاها خجلاً، وأعدت القهوة بمهارة وسكبتها له. أخذ همام رشفة، ولأول مرة يشعر بمتعة حقيقية في مذاق القهوة.
همام: — ألا قولي لي.. اتعلمتي تعملي القهوة المزبوطة دي فين؟
دهب: — أبوي الله يرحمه كان بيحبها بزيادة، وأمي علمتني إزاي أعملها عشان خاطره، وكنت بعملها له علطول.
همام بنبرة حنونة: — طيب.. خدي طبق الأكل ده، وروحي على أوضتك كلي ونامي، وإياكي تخرجي تاني بره باللبس ده واصل، فاهمة؟
دهب بفرحة: — حاضر!
التقطت طبق الطعام الذي جهزه لها وجرت بسرعة نحو غرفتها كالغزال الشارد. جلس همام مكانه يبتسم بعمق وهو يكمل فنجان قهوته، ثم صعد إلى غرفته واستلقى على سريره، لكن هذه المرة.. نام وهو يفكر بـ "دهب" والدفء يملأ قلبه.
ظل همام واقفاً مكانه، يتأمل عيني "دهب" البريئة. كان مستغرباً من ذلك الجمال الرباني الذي يفيض من ملامحها، ولم يقاطعه سوى صوت زوجته "أكابر" القوي وهي تقول:
— دي "دهب" حفيدة الحجة فوزية يا همام.. هتقعد معانا هنا في السرايا واعتبرها واصلة من ريحة الغاليين.
تنحنح همام وأزاح نظراته بصعوبة قائلاً:
— حاضر يا أكابر.. السرايا مطرحها.
في تلك اللحظة، كانت "نهلة" زوجة يونس ترمق دهب بنظرات نارية، أكلت الغيرة قلبها وخافت أن يلتفت زوجها يونس إلى هذا الجمال الصارخ. تداركت أكابر الموقف وقالت:
— تعالي يا عالية.. خدي دهب نيميها في الأوضة اللي تحت، عقبال ما نشوف لها أوضة مناسبة تليق بيها وتناسبها.
قالت عالية بطاعة:
— حاضر ياما.
اقتربت عالية من دهب، وأمسكت بيدها الصغيرة بحنو:
— تعالي يا حبيبتي.. قولي لي، عندك كام سنة؟
أجابت دهب برقة وخجل:
— ثمنتاشر سنة.
وقع الرقم كالصاعقة على مسامع همام؛ صُدم من صغر سنها، فملامحها طفولية بريئة، لكن قوامها الممتلئ والملفت يعطي إيحاءً بالأنوثة الطاغية. تنفست أكابر بعمق وقالت:
— يلا يا همام نطلع ننام، ورانا بكره يوم طويل وضيوف ودبايح.
هز همام رأسه وقال بشرود:
— اسبقيني انتي ياما.. هروح أشرب الشيشة بره في المندرة وأعدل دماغي.
— تمام يا همام.. تصبح على خير.
خرج همام إلى ساحة السرايا الخارجي، وندى على الغفير بصوت جهوري:
— حضر الشيشة يا ولد.
— حاضر يا بيه، ثواني وتكون عندك.
جلس همام ينفخ دخان الشيشة في الفراغ، والضيق يأكل صدره. كيف لرجل في هيبته ومقامه أن يهتز لملامح فتاة صغيرة في عمر بناته؟ قطع حبل أفكاره رنين هاتفه، ونظر إلى الشاشة ليجد اسم ابن عمه "عزيز".
أجاب همام محاولاً استعادة نبرته القوية:
— مرحب.. عامل ايه يا ولد عمي؟
ضحك عزيز على الطرف الآخر وقال:
— أنا بخير يا همام، انت اللي طمني عنك وعن أحوال السرايا؟
— كله تمام وزين.. هتيجي ميتى يا عزيز؟
— أنا جاي بكره بإذن الله، ومعايا بدر.
— ماشي، هستناك، واعمل حسابك إنك هتقعد معايا أسبوع واصل، مش هسيبك تمشي واصل.
— ههههه ماشي يا همام، أشوفك على خير بكره.
في هذه الأثناء، كانت دهب تجلس في غرفتها بالبدروم، تتأمل الجدران بغربة وضيق. اقتربت منها عالية قائلة:
— محتاجة حاجة تاني يا دهب؟
— شكراً يا خيتي.. كتر خيرك.
خرجت عالية، فانفجرت دهب في البكاء، وضمت قدميها إلى صدرها، تنعي حظها وتبكي فراق جدتها التي كانت أمانها الوحيد في الدنيا.
بينما كانت عالية تسير في الردهة متجهة لأعلى، نادى عليها همام:
— عملتي ايه مع البنت يا عالية؟
— سبتها في الأوضة يابا وداخلة أنام.. محتاج حاجة أعملهالك قبل ما أطلع؟
— لا يا بنتي، شكراً.. اطلعي ارتاحي.
صعد همام إلى غرفته، فوجد أكابر قد غطت في نوم عميق من تعب النهار. دخل الحمام، أخذ حماماً دافئاً، ثم خرج مرتدياً جلبابه الأبيض المريح، واستلقى على السرير وعيناه معلقتان بالسقف، وصورة عيون دهب البريئة لا تفارق مخيلته.
الفصل الثاني: سحر القاهرة ولحن "على بالي"
في مكان آخر تماماً، وتحديداً في أحد فنادق القاهرة الفخمة، كان "بدر" يحضر حفل زفاف صديقه المقرب. الأضواء صاخبة والموسيقى تملأ المكان، حتى صعدت العروس إلى المسرح وأمسكت بالمايكروفون قائلة بابتسامة واسعة:
— أنا مستنية هدية واحدة بس من صديقة عمري، ومش هتنازل عنها دلوقتي!
ضحكت فتاة رقيقة تجلس في المقاعد الأمامية، وسألتها:
— وايه هي الهدية دي يا عروسة؟
العروس: — أغنيتك.. عايزة أسمع صوتك.
ابتسمت الفتاة، واستأذنت والدها بنظرة من عينيها، فهز الأب رأسه بالموافقة والفخر. صعدت الفتاة، وأمسكت المايك، وبدأت تغني أغنية إليسا الشهيرة "على بالي حبيبي".
ساد الصمت القاعة، وكأن صوتها العذب الساحر سلب عقول الحاضرين. أما بدر، فقد تجمد في مكانه، وسرح في جمالها الهادئ ورقتها الشديدة ونبرة صوتها التي تلمس القلوب.
ما إن انتهت الأغنية حتى اشتعلت القاعة بالتصفيق. نزلت الفتاة واحتضنت العروس، ثم عادت لتجلس بجوار والدها.
اقترب بدر من صديقه "العريس" وسأله بفضول:
— مين البنت دي يا برو؟
العريس بضحكة:
— دي بقى يا سيدي "منه".. مفيش مخلوق عرف يكلمها كلمة واحدة، علطول مصدرة الوش الخشب للكل! بس بنت ايه.. أدب وأخلاق، وحلمها الوحيد في الدنيا إنها تغني.
بدر باهتمام: — وانت تعرف عنها كل ده منين؟
العريس: — أبداً، أنا وأصحابي عملنا رهان عليها زمان وكلنا خسرنا!
ضحك بدر وقال: — تعيش وتاخد غيرها.. يلا أنا هقوم أبارك لك وتمشي عشان ورايا سفر الصبح.
خرج بدر إلى ساحة انتظار السيارات ليأخذ سيارته. وأثناء قيادته على الطريق الخارجي، لمح "منه" ووالدها يقفان على رصيف مظلم، ويبدو أنهما يبحثان عن وسيلة مواصلات.
أوقف بدر سيارته وهبط منها قائلاً بأدب:
— مساء الخير.. الطريق هنا مقطوع في الوقت ده ومفيش عربيات بتعدي.. لو تسمحوا لي أوصلكم؟
نظرت إليه منه بتوجس وقالت: — شكراً لحضرتك، هنتصرف.
تدخل والدها قائلاً بتعب: — معلش يا منه، خلينا نرجع وكتر خيره يا بنتي، الدنيا اتأخرت.
منه بقلة حيلة: — اللي تشوفه يا بابا.
ركب الوالد في المقعد الأمامي، بينما جلست منه في الخلف. وطوال الطريق، كان بدر يختلس النظر إليها عبر المرآة الداخلية، وهي تلاحظ نظراته وتشعر بالضيق والتوتر. أخذ بدر يتحدث مع والدها، وتعارفا حتى وصلا إلى منزلهما في منطقة المهندسين.
نزل الوالد وقال بكرم: — اتفضل معانا يا بني اشرب قهوة.
بدر: — معلش يا عمي، كتر خيرك، بس أنا عندي سفر للصعيد الفجر ومش هقدر أسهر أكتر من كده.
الوالد: — ربنا معاك يا بني، وشكراً جزيلاً على التوصيلة.
عاد بدر إلى شقته، وبمجرد دخوله أخذ دوشاً سريعاً، واستلقى على سريره وهو يتذكر ملامح منه وصوتها العذب وهو يتردد في أذنيه حتى غلبه النوم.
لم يمر الكثير من الوقت حتى استيقظ بدر على صوت رنين هاتفه، وكان المتصل "عم عزيز".
بدر بصوت ناعس: — أيوه يا عمي.. صباح الخير.
عزيز بصوت مستعجل: — يلا يا بدر عشان نلحق نوصل البلد بدري، أبوك اتصل بيا بالليل ونبه عليا نوصل قبل الظهر.
بدر: — حاضر يا عمي، نص ساعة بالظبط وأكون تحت بيتك.
الفصل الثالث: لقاء العائلات والعباءة السوداء
في منزل عزيز، كان الحماس والسرعة يملآن المكان. صاح عزيز بزوجته:
— خلصي يلا يا وفاء انتي وبنتك عشان نوصل بدري.. بدر زمانه على وصول.
وفاء: — أنا جهزت خلاص، شوف بنوتك الدلوعة.
خرجت "نادية" وهي ترتدي ملابس عصرية قائلة بابتسامة: — أنا جهزت أهو يا بابي.
ضحك عزيز: — شاطرة يا نادية، يلا بينا.
نادية بدلال: — بليز يا بابا.. أنا "نودي".. بلاش نادية دي!
ضحك الأب، وفي هذه اللحظة رن الهاتف ليعلن وصول بدر.
ركب الجميع في السيارة، وانطلقت بهم نحو الصعيد. وطوال الطريق، كانت نادية تثرثر وتتحدث مع بدر، لكن عقله وباله كانا في وادٍ آخر.. كان يفكر في "منه".
في السرايا، استيقظت أكابر ونظرت إلى همام الذي كان ما زال نائماً. دخلت الحمام، وارتدت عباءتها الصعيدية الفخمة، ونزلت لتشرف على الخدم وتصنع قهوة زوجها الصباحية.
نادت أكابر على الخادمة "نورا":
— بت يا نورا.. روحي شوفي "دهب" في أوضتها.
نورا باستغراب: — أوضة ايه يا حاجة؟
أكابر: — الأوضة اللي في البدروم تحت.. هتلاقيها هناك، قولي لها الست أكابر عايزاكي.
نورا: — حاضر يا حاجة.
ذهبت نورا وظلت تطرق الباب حتى فتحت دهب وعيناها منفوختان من البكاء.
نورا بضيق: — ايه يا خيتي؟ عمالة أخبط بقالي ساعة مابتجوبيش ليه؟
دهب برقة: — معلش، مكنتش سامعة الباب واصل.
نورا: — طب يلا، الست أكابر عايزاكي بره.
دهب: — حاضر، عشر دقايق وهكون وراكي.
غسلت دهب وجهها، ولم تجد في حقيبتها الصغيرة سوى عباءة سوداء قديمة كانت تخص جدتها الراحلة، فارتدتها وخرجت.
في هذه الأثناء، صعدت أكابر بالقهوة إلى همام، فوجدته في الحمام. جهزت له جلبابه وعباءته وعصاه وحذاءه. خرج همام وهو يلف منشفة حول خصره قائلاً بعتاب محب:
— كدة يا أكابر؟ تنامي امبارح وتسبيني واصل؟
ضحكت أكابر: — معلش يا سيد الناس، غصب عني، تعبت طول النهار.. قولي، هتعمل ايه في البت اللي تحت دي؟
همام ببرود: — هتقعد معانا لحد ما يجي لها نصيبها، وممكن أجوزها لحد من الغفر اللي عندنا في السرايا.
اشتعل همام غضباً دون أن يدري السبب، وقال بعصبية:
— كيف يعني؟! دي بت صغيرة واصل، كيف تجوزيها لغفير؟!
أكابر بهدوء: — سيبها لنصيبها يا همام.. اشرب قهوتك.
شرب همام القهوة بضيق، ثم ارتدى ملابسه ونزل. بينما ذهبت أكابر لتوقظ ابنها يونس. فتحت لها زوجته "نهلة" وهي تتثاءب.
أكابر: — في ايه يا بنتي؟ كل ده نوم؟
نهلة: — معلش يا مرات خالي، البنت الصغيرة منيمتنيش طول الليل.
أكابر: — طب يلا يا خيتي انزلي عشان ورانا شغل كتير، واصحي جوزك عشان أبوه خلص وهيلم العيلة كلها.
نزلت أكابر إلى المطبخ، فوجدت دهب واقفة بعباءتها السوداء والدموع في عينيها.
أكابر بنبرة حازمة ولكن حنونة:
— أول حاجة يا دهب لازم تعرفيها.. إني مابحبش اللون الأسود واصل في السرايا.
تغيرت ملامح دهب خجلاً، وقالت بصوت منخفض إنها لا تملك غيرها. فهمت أكابر الأمر ونادت على ابنتها عالية:
— هاتي عباية من عندك تكون زينة لدهب يا عالية.
عالية: — حاضر ياما.
نزلت عالية بعباءة ملونة وجميلة، قدمتها أكابر لدهب قائلة:
— خدي البسي دي، ويلا عشان تفطري معانا، ولينا كلام بعد الفطور.
دهب بهمس: — حاضر.
دخلت دهب وغيرت ملابسها، ونظرت إلى نفسها في المرآة بفرحة طفولية؛ العباءة كانت جديدة وجميلة عليها. وضعت طرحتها على رأسها وخرجت.
أكابر بابتسامة: — كدة تمام وزين.. يلا عشان تفطري معانا على السفرة.
دهب بخجل: — أنا ممكن أفطر هنا في المطبخ مع الخدم يا حاجة.
أكابر بنبرة لا تقبل الجدال: — كلمتي تتسمع من أول مرة يا دهب.. يلا قداي.
انصاعت دهب ودخلت غرفة الطعام. ما إن رأتها نهلة حتى صُدمت من شدة جمالها وازداد غيظها. أما همام، فقد تجمدت لقمته في يده، ونظر إليها مبهوراً وهو يقول في نفسه: "كيف البت دي حلوة وشابة بزيادة إكدة؟"
جلس الجميع، وقالت أكابر لدهب: — اقعدي يا بنتي جنب عالية.
تحدث همام محاولاً إخفاء ارتباكه:
— يلا افطروا همتكم.. زمان بدر وعمكم عزيز على وصول. وانتي يا حاجة أكابر، مش عايزك تتعبي نفسك واصل، الطباخين قايمين بالواجب بره في الجنينة عشان المصنع الجديد.
أكابر: — تعبك راحة يا سيد الناس.
يونس: — خلاص يابا، الدبايح وصلت وكل حاجة جاهزة بره.
همام: — زين يا ولدي.. كملوا فطوركم.
بعد الفطور، أخذت أكابر دهب جانباً وقالت لها:
— بصي يا حبيبتي.. انتي هتقعدي معايا هنا معززة مكرمة لحد ما يجي صاحب نصيبك، وعايزاكي تعرفي إنك زيك زي عالية بالظبط في السرايا دي.. فاهماني؟
هزت دهب رأسها بالموافقة والامتنان، بينما كانت نهلة تراقبها من بعيد بغل، وتدعو الله ألا تلتفت أنظار يونس إليها.
الفصل الرابع: الغيرة والدموع في الحديقة الخلفية
وصلت سيارة بدر وأحدثت جلبة خارج السرايا. ترجل بدر وجرى نحو والده همام، وقبل يده باحترام، فاحتضنه همام بقوة وشوق:
— كيفك يا ولدي؟ توحشناك بزيادة.
بدر: — أنا بخير يا أبويا.. انت عامل ايه وصحتك عاملة ايه؟
— طول ما انتو بخير أنا بخير يا ولدي.
اقترب يونس واحتضن شقيقه بدر، وسلم همام على ابن عمه عزيز وزوجته وفاء وابنته نادية.
همام ليونس: — خذ مرات عمك وبنتها دخلهم جوه عند الحرمة.
يونس: — حاضر.. اتفضلي يا مرات عمي، اتفضلي يا خيتي.
دخلت النساء إلى السرايا، فاستقبلتهن أكابر بالترحاب والزغاريد:
— يا مرحب.. مليون مرحب، نورتي الصعيد يا وفاء.
وفاء وهي تحتضنها: — بنورك يا غالية، وحشتيني.
سلمت أكابر على نادية، وجلس الجميع يتسامرون. نظرت وفاء إلى دهب الواقفة في الزاوية وقالت:
— مين القمر دي يا أكابر؟
أكابر بابتسامة: — دي دهب.. بنتي الجديدة.
وفاء: — ما شاء الله.. أمورة بزيادة، بس انتي خلفتي تاني من ورايا ولا ايه؟
ضحكت أكابر: — لا يا ستي.. دي حفيدة الحجة فوزية، فاكراها؟
وفاء: — آه.. الست الطيبة اللي ربتك وانتي صغيرة؟ الله يرحمها.
في هذه الأثناء، كانت نادية تنظر لدهب بتعالي، ولم تعرها أي اهتمام، وانشغلت بهاتفها ترسل الرسائل. شعرت دهب بالاحراج واستأذنت لتعود إلى غرفتها، فأذنت لها أكابر.
لكن دهب تاهت في ممرات السرايا الضخمة، وبدلاً من أن تنزل للبدروم، خرجت من الباب الخلفي إلى الحديقة (الجنينة) الكبيرة حيث كان الطباخون والغفراء يتحركون. تملكها الخوف عندما وجدت نفسها وسط الرجال ولم تعرف كيف تعود.
في المجلس الخارجي، كان همام يجلس مع الرجال، فسمع همس الطباخين وهم يقولون بإنبهار: "في بت كيف القشطة وجمالها يجنن واقفة في الجنينة اللي ورا!"
اشتعلت عروق همام بالغيرة والغضب. وقف فجأة وقال لعزيز:
— ثواني يا ولد عمي.. هشوف حاجة وراجع.
عزيز: — خد راحتك يا حاج.
توجه همام بخطوات واسعة وعاصفة نحو الحديقة الخلفية، فوجد دهب واقفة تبكي بجسد مرتجف.
اقترب منها وصاح بصوت غاضب:
— كيف تقفي هنا وسط الرجالة يا بت انتي؟! معندكيش حيا واصل؟!
انتفضت دهب وشهقت بالبكاء قائلة وسط دموعها:
— أصل.. أصل أنا توهت.. ومش عارفة أرجع الأوضة واصل!
صُدم همام من منظر دموعها التي هزت قلبه. وبدون وعي، أمسك بيدها الصغيرة بقوة وشدها خلفه، ودخل بها من باب المطبخ حتى وصل إلى غرفتها. فتح الباب ودفعها برفق ثم قال محذراً بنبرة حاسمة:
— بعد كدة رجليكي دي متخطيش الجنينة بره واصل! وماتخرجيش من السرايا من غير إذن، فاهمة يا بت ولا لا؟!
هزت رأسها بالموافقة وهي تبكي بهستيريا وتكتم أنفاسها خوفاً منه.
ضاق صدر همام برؤية دموعها ولم يحتمل البقاء. وفي تلك اللحظة دخلت أكابر مسرعة بعد أن أخبرتها الخادمة نورا بما حدث.
أكابر: — في ايه يا همام؟ مالها البت؟
همام بعصبية: — البت كانت واقفة وسط الرجالة بره ياما! وانتي عارفة عاداتنا وكلام الصعايدة اللي ميرحمش!
أكابر: — معلش يا ولدي.. حقك عليا، وانتي يا دهب ايه اللي خرجك هناك؟
دهب بشهقات: — كنت تايهة.. ومكنتش عارفة طريق الأوضة.
اقتربت منها أكابر وأخذتها في حضنها تطبطب عليها، فخرج همام والضيق يملأ قلبه من بكائها الذي زلزل كيانه.
الفصل الخامس: ليلة الاحتفال ورسائل غامضة
بدأت الاحتفالات الكبرى بمناسبة المصنع الجديد، ارتدى بدر الجلباب الصعيدي الفخم ليصبح شبيهاً بأخيه يونس ووالده همام. ذُبحت الذبائح، وبدأ الضيوف يتدفقون من كبار الأعيان والمسؤولين.
همام للرجال: — يلا يا رجالة، كل واحد يطلع يغير هدومه وينزل عشان نستقبل الضيوف والوجهاء.
— تمام يا حاج.
صعد همام إلى غرفته ليجد أكابر تجهز نفسها. نظر إليها بابتسامة غامضة وقال:
— اعملي حسابك.. مش عايز نوم الليلة دي واصل يا أكابر.
ضحكت أكابر بخجل: — عيب يا همام.. احنا كبرنا على الكلام ده وخلاص بقينا جدود!
همام بضحكة رجولية: — كبرنا ايه؟ ده انتي لسه في عز شبابك وزي القمر.. ومفيش كلام من ده واصل، قتلك متناميش الليلة!
أكابر: — هههه خلاص يا همام.. يلا عشان الناس بره.
دخل همام الحمام، وأثناء وقوفه تحت الماء كانت صورة دهب ودموعها تلاحقه. خرج وارتدى جلبابه الفاخر، وبخرته أكابر كالعادة. نزل مع أولاده الذين ارتدوا جلابيب متناسقة الألوان تبين هيبتهم.
وأثناء خروجه، لمح دهب واقفة في زاوية الممر تطأطئ رأسها بخجل، فنظر إليها نظرة طويلة ثم خرج لاستقبال الضيوف.
في الداخل، نادت أكابر دهب وأخذتها إلى غرفتها، وفتحت الخزانة وأخرجت لها مجموعة من العباءات الفخمة التي ضاقت عليها قائلة:
— خدي العبايات دي ليكي يا دهب.. ولو عايزة تقعدي مع الحريم جوه تعالي، ولو عايزة ترتاحي في أوضتك براحتك يا بنتي.
دهب: — حاضر يا حاجة.. كتر خيرك.
ارتدت أكابر عباءتها ووضعت الكحل العربي في عينيها ونزلت للحريم، بينما كانت عالية ونهله ترتديان ملابس متناسقة ومبهرة. استمرت الاحتفالات والدبكات، وحضر العمدة ومدير الأمن لتهنئة همام.
العمدة: — مبروك يا همام بيه المصنع الجديد، واعمل حسابك بعد بكره في قعدة صلح كبيرة بينك وبين عيلة أبو زهران عشان نقفل الدم ده.
همام بقوة: — جاهز يا عمدة، والصلح خير.
بعد ليلة طويلة ومرهقة، انتهى الحفل وتفرق الضيوف. صعد همام إلى غرفته وهو يشعر بالصداع، تمنى لو يجد أكابر مستيقظة لتخفف عنه، لكنه وجدها قد نامت من شدة التعب. تنهد بضيق، وأخذ شاور، ثم ارتدى بنطالاً قطنياً وعاري الصدر، واستلقى على السرير محاولاً النوم دون جدوى.
وفي غرفته، كان "بدر" قد أخذ شاور وارتدى ترنج مريح، وأمسك بهاتفه. فتح تطبيق إنستغرام وظل يبحث حتى وجد حساب "منه" من خلال الـ (Mention) الذي قامت به العروس لها في فيديو الأغنية.
تأمل صورها الرقيقة الطفولية، ووجد أن حسابها نشط الآن (Online).
تولد لديه فضول وتحدي، فأخرج هاتفه الاحتياطي، وأنشأ حساباً وهمياً سريعاً وأرسل لها رسالة:
— "إزيك يا قمر؟"
انتظر دقائق ولم ترد. شعر بالاستفزاز فأرسل ثانية:
— "هو انتي شكلك وحش في الحقيقة وعشان كده مابترديش؟"
في القاهرة، رأت منه الرسالة واشتعلت غضباً من هذا الشخص المستفز، فكتبت له بحسم:
— "وانت مالك؟ ويا ريت متبعتش هنا تاني!"
ثم قامت بعمل حظر (Block) له فوراً.
انفجر بدر ضاحكاً من ردة فعلها الشرسة، وشغل فيديو الأغنية وظل يستمع لصوتها العذب حتى نام وهو يبتسم.
الفصل السادس: لقاء الليل السري
في منتصف الليل، لم يستطع همام النوم بسبب الصداع والجوع. ارتدى جلبابه الخفيف ونزل بهدوء نحو المطبخ ليحضر شيئاً يأكله.
وعند اقترابه، سمع حشرجة وصوتاً خافتاً في الداخل. دخل ببطء ليجد أحداً يضع رأسه داخل الثلاجة!
اقترب أكثر وقال بنبرة هادئة ومستغربة:
— بتعملي ايه عندك واصل؟
انتفضت "دهب" وخرجت من الثلاجة ووجهها أحمر كحبة الطماطم من الخجل والخوف، ولم تستطع نطق كلمة واحدة.
ضحك همام على منظرها العفوي، وظل يتأملها من الأعلى إلى الأسفل؛ كانت ترتدي جلباباً قديماً كبيراً جداً عليها يخص أكابر، وبدت فيه كطفلة صغيرة.
همام: — كنتي بتعملي ايه؟ انطقي.
دهب بصوت هامس يرتجف: — أصل.. أصل أنا مأكلتش واصل مع الحريم.. وكنت جعانة بزيادة.
همام باستغراب: — ومأكلتيش ليه وقت الوكل؟
دهب: — انكسفت أدخل الصالة وسط الحريم.. فدخلت أوضتي ونمت ولما صحيت جوعي قرصني.
همام: — طيب.. بتعرفي تعملي قهوة؟
دهب بلهفة: — أيوة.. بعرف وزين كمان.
همام: — طب اعملي لي فنجان قهوة وهاتيه على المكتب جوه.
دهب بحيرة: — هو.. هو فين المكتب ده؟
تنهد همام وجلس على طاولة المطبخ قائلاً:
— خلاص.. اعمليها واقعدي اهنا هاتيها.
وقفت دهب تحضر القهوة، وظل همام يراقب حركاتها. لمحها وهي تحاول جاهدة الوصول إلى الرف العلوي لتأتي بالفنجان، لكن قصر قامتها لم يسعفها.
ابتسم همام، وقام من مقعده واقترب منها حتى شعر بأنفاسها، ومد يده الطويلة وأحضر الفنجان بكل سهولة ووضعه أمامها قائلاً بضحكة خفيفة:
— خدي يا أوزعة.. مش طايلة واصل!
احمرت وجنتاها خجلاً، وأعدت القهوة بمهارة وسكبتها له. أخذ همام رشفة، ولأول مرة يشعر بمتعة حقيقية في مذاق القهوة.
همام: — ألا قولي لي.. اتعلمتي تعملي القهوة المزبوطة دي فين؟
دهب: — أبوي الله يرحمه كان بيحبها بزيادة، وأمي علمتني إزاي أعملها عشان خاطره، وكنت بعملها له علطول.
همام بنبرة حنونة: — طيب.. خدي طبق الأكل ده، وروحي على أوضتك كلي ونامي، وإياكي تخرجي تاني بره باللبس ده واصل، فاهمة؟
دهب بفرحة: — حاضر!
التقطت طبق الطعام الذي جهزه لها وجرت بسرعة نحو غرفتها كالغزال الشارد. جلس همام مكانه يبتسم بعمق وهو يكمل فنجان قهوته، ثم صعد إلى غرفته واستلقى على سريره، لكن هذه المرة.. نام وهو يفكر بـ "دهب" والدفء يملأ قلبه.