رواية شعاع لا ينطفئ كامله وحصريه بقلم امجاد القيسي
شعاع قبل الحادث
الفصل الأول شعاع قبل النار
قبل ما تعرف شعاع معنى الوجع، كانت تعرف معنى الضحكة.
بآخر الحي الفقير، بين البيوت الطينية المتلاصقة والأزقة الضيقة، كان أكو بيت صغير يسكنه أبو شعاع وأمها وشعاع الوحيدة. بيت بسيط، جدرانه من الطين وسقفه من الخشب والقصب، لكنه كان مليان دفا لأن أم شعاع كانت تعيش بيه.
كانت شعاع بعمر إحدى عشرة سنة.
طفلة تختلف عن بقية أطفال المحلة.
شعرها الذهبي كان يلمع تحت الشمس وكأنه خيوط من نور، وعيونها الخضر الواسعة كانت تجذب الانتباه من أول نظرة. حتى النسوان الكبار بالمحلة كلما شافوها يكولن:
"سبحان الله... هاي البنية كأنها مو من هالمنطقة."
وكانت أمها تبتسم بفخر وتضمها إلى صدرها.
أم شعاع كانت تحبها حباً يفوق الوصف.
كل صباح تمشط شعرها الطويل وتضفره بعناية.
وتكول إلها:
"يا يمه... الجمال الحقيقي مو بالشكل، الجمال بالقلب."
فتضحك شعاع وترد:
"زين يمه، بس الناس كلها تكول أني حلوة."
فتضحك الأم أكثر.
وتبوس جبينها.
كانت تلك الأيام أجمل أيام حياتها.
لم تكن تعرف أن السعادة أحياناً قصيرة جداً.
في ذلك الحي الفقير كان الأطفال يلعبون بالطين أكثر مما يلعبون بالألعاب.
وكانت شعاع تركض بينهم مثل فراشة صغيرة
تلعب الحبل، وتلعب الغميضة، وتجري خلف العصافير.
وكان الجميع يحبها.
حتى العجائز اللواتي يجلسن أمام البيوت كن ينادينها إذا مرت.
"تعالي شعاع."
فتذهب إليهن وتقبل أيديهن وتضحك.
أما أبوها فكان رجلاً بسيطاً يعمل من الصباح حتى المساء.
لم يكن غنياً.
لكن وجود أمها كان يجعل الفقر أخف.
فالأم كانت تعرف كيف تحول القليل إلى كثير.
وكيف تجعل البيت الصغير يبدو أكبر من الدنيا كلها.
لكن المرض جاء ذات شتاء.
في البداية ظنت شعاع أن أمها مجرد متعبة.
كانت تراها تسعل كثيراً.
وتنام أكثر من المعتاد.
ثم بدأت تضعف يوماً بعد يوم.
حتى صارت بالكاد تستطيع الوقوف.
وفي ليلة باردة، جلست شعاع قرب فراش أمها.
أمسكت يدها.
وقالت بخوف:
"يمه... متى تطيبين؟"
ابتسمت الأم رغم الألم.
ومسحت على شعرها.
وقالت:
"إذا الله يريد."
كانت تلك آخر ليلة سمعت فيها شعاع صوت أمها.
بعد أيام قليلة رحلت أمها وتركت البيت غارقاً بالحزن.
يوم الجنازة لم تفهم شعاع كل ما حدث.
كانت ترى الناس يبكون.
وترى أباها جالساً صامتاً.
وترى النساء يحتضنها.
لكنها لم تستوعب أن أمها لن تعود.
وفي الليل دخلت الغرفة تبحث عنها.
بحثت في كل مكان.
وراحت تنادي:
"يمه؟"
لكن لم يجبها أحد.
ذلك الليل كان أول ليلة تبكي فيها حتى نامت من التعب.
مرت الأشهر.
وصار البيت مختلفاً.
بارداً.
هادئاً.
فارغاً.
حتى الضحكات اختفت منه.
كان أبوها يحاول الاهتمام بها، لكنه كان منشغلاً بالعمل أغلب الوقت.
ثم بدأ الناس يتحدثون.
"لازم تتزوج."
"البنية تحتاج امرأة تربيها."
"الرجل وحده ما يكدر."
وبعد سنة تقريباً، تزوج أبوها.
في البداية فرحت شعاع.
ظنت أن الله أرسل لها أماً جديدة.
كانت تنتظر أن تضمها المرأة إلى صدرها.
أن تمشط شعرها مثل أمها.
أن تناديها يا بنتي.
لكن الأيام كشفت شيئاً آخر.
في البداية كانت زوجة الأب لطيفة.
تبتسم أمام أبيها.
وتعامل شعاع بهدوء.
لكن عندما يغيب الأب للعمل، كانت تلك الابتسامة تختفي.
شيئاً فشيئاً بدأت القسوة تظهر.
لم تكن تضربها.
لكنها كانت تنظر إليها بطريقة غريبة.
نظرة لم تفهمها شعاع.
كانت تشعر وكأن المرأة لا تحب وجودها.
وفي كل مرة تزور إحدى نساء المحلة البيت كانت تسمع الكلام نفسه.
"شعاع كبرت."
"شعاع صارت أجمل."
"شعاع تشبه أمها."
وكانت زوجة الأب تصمت.
لكن داخلها كان شيء يكبر.
شيء اسمه الغيرة.
مرت الشهور.
وصارت شعاع تلاحظ أن زوجة أبيها تنزعج كلما مدح أحد جمالها.
وكلما أطال أبوها النظر إلى ابنته بحنان.
كانت تخفي مشاعرها.
لكن نار الحسد كانت تكبر يوماً بعد يوم.
أما شعاع فلم تكن تفهم شيئاً من ذلك.
كانت ما تزال طفلة.
كل ما تريده هو الحب.
في الطرف الآخر من الزقاق، عند رأس الشارع، كان بيت بيبية سلمان.
بيت طيني قديم يسكنه سلمان وجدته.
وكان سلمان بعمر شعاع تقريباً.
ولد أعمى منذ ولادته.
لكن شعاع لم تكن تعرفه جيداً بعد.
كانت أحياناً تراه جالساً قرب باب البيت، بينما جدته تساعده على المشي.
وكانت تستغرب كيف يعيش شخص لا يرى الشمس ولا السماء.
لكنها لم تكن تعلم أن القدر سيجمع بينهما لاحقاً بطريقة لم يتوقعها أحد.
في أحد الأيام، كانت شعاع تلعب قرب البيت.
وكانت الشمس تميل نحو الغروب.
رجعت إلى المنزل وهي تضحك.
لكنها توقفت عند الباب.
سمعت زوجة أبيها تتحدث مع إحدى النساء.
قالت المرأة:
"البنية حلوة بشكل مو طبيعي."
فأجابت زوجة الأب بصوت خافت:
"إي..."
لكن نبرة صوتها لم تكن نبرة إعجاب.
كانت شيئاً آخر.
شيئاً جعل شعاع تشعر بالخوف دون أن تعرف السبب.
دخلت البيت.
ونظرت إليها زوجة أبيها طويلاً.
طويلاً جداً.
حتى شعرت الطفلة بالارتباك.
ثم ابتسمت المرأة.
ابتسامة باردة لم تصل إلى عينيها.
في تلك الليلة نامت شعاع دون أن تعلم أن أيامها الجميلة تقترب من النهاية.
نامت وهي تحلم بأمها.
وبشعرها الذي كانت أمها تضفره كل صباح.
وبالضحكات التي كانت تملأ البيت.
ولم تكن تعرف أن القدر كان يخبئ لها امتحاناً قاسياً.
امتحاناً سيغير وجهها...
وسيغير حياتها كلها.
وأن الطفلة التي كانت تُعرف في المحلة باسم "شعاع الجميلة" ستصبح بعد أيام قليلة حكاية أخرى تماماً.
حكاية ألم... وجوع
ممكن مشاركة القصه اذا اعجبتك واكتب رايك بدون مجامله