📁 آخر الروايات

رواية شعاع لا ينطفئ الفصل الثاني 2 بقلم امجاد القيسي

رواية شعاع لا ينطفئ الفصل الثاني 2 بقلم امجاد القيسي


اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

الوجه الذي خاف منه الأطفال
منذ ذلك اليوم، لم تعد شعاع كما كانت.
الطفلة التي كانت تركض بأزقة المحلة مثل عصفور صغير، صارت حبيسة البيت لأشهر طويلة. بين الألم والحمى والضمادات، كانت الأيام تمر بطيئة وثقيلة وكأن الزمن نفسه تعب من السير.
كل صباح كانت تستيقظ على وجع جديد.
وكل ليلة تنام وهي تسأل نفسها السؤال ذاته:
"ليش صار بيه هيج؟"
لكن ماكو أحد يجاوبها.
حتى أبوها صار يرجع متأخر من الشغل، متعب ومكسور، وما يعرف نصف الحقيقة اللي صارت داخل بيته.
أما زوجة أبيها، فكانت تتظاهر بالحزن أمام الناس.
تبكي إذا زارتهم النسوان.
وتكول:
"المسكينة شعاع... الله شاهد شكد تعبت عليها."
لكن داخل قلبها كان شيء آخر تماماً.
كانت مرتاحة.
مرتاحه لأن البنية الجميلة اللي كانت تسمع الناس تمدحها كل يوم اختفت.
مرتاحه لأن وجه شعاع ما عاد مثل قبل.
ومرت الشهور...
وبدأت الجروح تلتئم.
وجاء اليوم اللي وقفت بيه شعاع لأول مرة قدام المرآة.
كانت المرآة صغيرة ومكسورة من أحد الأطراف.
حملتها بيد مرتجفة.
ونظرت.
بالبداية ما استوعبت.
ظلت تحدق.
مرة.
مرتين.
ثلاث.
ثم سقطت المرآة من يدها.
كأنها شافت شخصاً غريباً.
وين راحت البنية صاحبة الشعر الذهبي والعيون الخضر؟
وين راح الوجه اللي كانت أمها تقبله كل صباح؟
شعرت وكأن أحداً سرقها من نفسها.
وجلست تبكي بصمت.
تبكي حتى نامت على الأرض من التعب.
لكن الوجع الحقيقي ما كان بالمرآة.
الوجع الحقيقي كان خارج البيت
.
يوم رجعت تمشي بالزقاق لأول مرة.
كانت الشمس دافئة.
والأطفال يلعبون مثل كل يوم.
تقدمت بخطوات بطيئة.
وقلبها يرجف.
كانت مشتاقة للعب.
مشتاقة تسمع ضحكات الأطفال.
مشتاقة ترجع مثل قبل.
لكن أول طفل شافها توقف عن اللعب.
وبعده الثاني.
وبعده الثالث.
وبدأت العيون تلتفت نحوها.
صمت غريب نزل على المكان.
ثم فجأة صرخ طفل صغير:
"يمه... أخاف."
وركض نحو أمه.
تبعه طفل ثاني.
وثالث.
وخلال لحظات تفرق الجميع.
بقيت شعاع واقفة وحدها وسط الزقاق.
كأنها مرض معدٍ يهرب منه الناس.
وكأنها وحش خرج من قصة مخيفة.
كانت تسمع دقات قلبها.
وتشعر بشيء ينكسر داخلها.
رجعت إلى البيت تركض.
وأغلقت الباب.
وبكت.
بكت أكثر مما بكت يوم ماتت أمها.
لأنها في ذلك اليوم فقدت شيئاً آخر...
فقدت مكانها بين الناس.
ومنذ ذلك اليوم صار الأطفال يتجنبونها.
إذا مرت من شارع يبتعدون.
إذا جلست بمكان يتركونه.
حتى بعض الكبار صاروا ينظرون إليها بشفقة أو خوف.
وأصبحت شعاع تقضي أغلب وقتها وحدها.
لكن الوحدة لم تكن أسوأ ما ينتظرها.
بعد فترة قصيرة بدأت زوجة أبيها تهملها بشكل واضح.
إذا طبخت الطعام لأولادها، تنسى شعاع.
إذا اشترت ملابس، لا تشتري لها.
إذا وزعت الحلوى، تتجاوزها.
وأحياناً كثيرة كانت تنام وهي جائعة.
كانت تسمع أصوات الملاعق من الغرفة الثانية.
وتشم رائحة الطعام.
لكن حصتها لا تأتي أبداً.
وفي إحدى الليالي، استيقظت من شدة الجوع.
خرجت بهدوء نحو المطبخ.
بحثت عن أي شيء تأكله.
كسرة خبز.
تمرة.
أي شيء.
لكن زوجة أبيها أمسكت بها.
وقالت بحدة:
"شنو تدورين؟"
خفضت شعاع رأسها.
وقالت:
"جوعانة."
فنظرت إليها المرأة ببرود.
وأغلقت خزانة الطعام.
وقالت:
"نامي."
رجعت شعاع إلى فراشها.
وكانت معدتها تؤلمها من الجوع.
لكن قلبها كان يؤلمها أكثر.
في الطرف الآخر من الزقاق، عند رأس الشارع، كان يوجد بيت بيبية سلمان.
بيت طيني صغير.
قديم جداً.
لكن كل أهل المحلة يعرفونه.
كان أول بيت يستقبل الداخل للشارع.
جدرانه من الطين السميك.
وسقفه من جذوع النخل والخشب.
وأمامه دكة طينية تجلس عليها العجوز كل عصر.
البيت فقير.
فقير جداً.
لكن نظيف.
ومرتب.
ودافئ.
في الساحة الصغيرة كانت توجد شجرة رمان عجوز.
وقربها تنكة ماء قديمة.
أما الغرفة الوحيدة فكانت تحتوي على سريرين حديديين.
خزانة خشبية متعبة.
مدفأة نفطية صغيرة.
وحصير قديم مفروش على الأرض.
كانت بيبية سلمان تعيش هناك مع حفيدها الوحيد.
سلمان.
الولد الأعمى الذي لم يرَ الدنيا يوماً.
كان بعمر شعاع تقريباً.
وأجمل أولاد المحلة بشهادة الجميع.
شعره الأسود الناعم.
وابتسامته الهادئة.
ووجهه البريء.
كلها كانت تخلي الناس تحبه من أول نظرة.
لكن الله أخذ من عينيه النور.
أما أبوه فتركه صغيراً.
وأمه تزوجت ورحلت.
فبقي عند جدته.
ومنذ ذلك اليوم صارت بيبية سلمان أمه وأبوه ودنيته كلها.
كانت تحبه حباً يفوق الوصف.
إذا أكلت تطعمه قبل نفسها.
إذا مرض تسهر الليل كله قربه.
إذا حزن ينهار قلبها.
وكان سلمان أيضاً يحبها بجنون.
يناديها عشرات المرات باليوم.
"بيبي."
فترد فوراً:
"ها يمه."
وكأنها تخاف أن يشعر للحظة واحدة بأنه وحيد.
وذات عصر كانت بيبية سلمان جالسة على الدكة أمام البيت.
تسبح بمسبحتها القديمة.
فلمحت شعاع.
كانت جالسة قرب الحائط.
وحدها.
رأسها منخفض.
وجسدها نحيل أكثر من السابق.
حتى ثيابها أصبحت واسعة عليها من قلة الطعام.
راقبتها العجوز أياماً عديدة.
كل يوم تراها بالمكان نفسه.
كل يوم أكثر حزناً.
وأكثر ضعفاً.
حتى جاء يوم كانت شعاع فيه تحاول أكل قطعة خبز يابسة وجدتها قرب البيت.
هنا لم تستطع بيبية سلمان السكوت.
نهضت من مكانها.
واتجهت نحوها.
وقالت:
"يمه."
رفعت شعاع رأسها.
وكانت عيناها متعبتين.
ابتسمت العجوز.
وقالت:
"تعالي يم بيبي."
ترددت شعاع.
فأكملت العجوز:
"تعالي بنتي."
شيء بصوتها ذكرها بأمها.
نهضت ببطء.
ومشت خلفها.
دخلت بيت الطين لأول مرة.
شعرت براحة غريبة.
رائحة الخبز.
رائحة الشاي.
هدوء المكان.
كل شيء مختلف عن بيتها.
وعندما دخلت الغرفة سمعت صوت سلمان.
قال:
"بيبي... منو إجا؟"
ابتسمت العجوز.
وقالت:
"شعاع."
فابتسم سلمان فوراً.
وقال:
"هلا بشعاع."
استغربت.
لم تكن معتادة أن أحداً يفرح بوجودها.
أجلستها بيبية سلمان قربها.
ثم وضعت أمامها صحناً من الرز والمرق.
تجمدت شعاع.
كانت تنظر للطعام وكأنها تحلم.
قالت العجوز:
"اكلي يمه."
مدت ايدها ببطء.
ثم بدأت تأكل.
وفي كل لقمة كانت دموعها تنزل.
سألتها العجوز:
"ليش تبجين؟"
همست شعاع:
"من زمان محد كاللي اكلي."
شعرت بيبية سلمان وكأن سكيناً دخل قلبها.
فمدت يدها.
ومسحت على شعر الطفلة.
وقالت:
"من هسه إذا جعتي تجين يم بيبي.
نظرت إليها شعاع.
ولأول مرة منذ أشهر...
شعرت بالأمان.
أما سلمان فكان يستمع بصمت.
ثم قال بابتسامته الهادئة:
"بيبي... خلي شعاع تجي كل يوم.
ضحكت العجوز.
وقالت:
"إذا الله أراد.
وفي تلك اللحظة لم تكن شعاع تعلم أن باباً جديداً فتح بحياتها.
باباً صغيراً من خشب قديم...
لكنه يقود إلى قلوب ستعوضها عن سنوات طويلة من القسوة والحرمان.



تعليقات