📁 آخر الروايات

رواية مرايا لا تعكس الوجوه كامله وحصريه بقلم دفنا عمر

رواية مرايا لا تعكس الوجوه كامله وحصريه بقلم دفنا عمر


اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

فوق طاولة المكتب الخشبية في غرفة عمرو وضع الأخير كفّه في مواجهة كفّ أصيل، يبرق تحدي لطيف بحدقتاهما، حولهما تتسع عيون الصغار "زين وزينة" بحماس وترقب بينما تبتسم غنى ابتسامة حنان صافية وهي تترقب من منهما سيفوز ويغلب الأخر، لمعت نظرة فخر بعيناها و هي تتأمل صغيرها الذي ما عاد صغيرًا، عمرو لم يعد ذلك الفتى النحيل، بل صار على أعتاب الشباب وقد أصبح في أواخر المرحلة الثانوية ولم يبقى الكثير لينتهي منها ويحصد نتيجة تعبه.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

بدأت مباراة الذراعين وعمرو يحاول بث القوة لمعصمه، فضحك أصيل قائلا:
– إيه يا عمرو؟ ناوي تكسرلي دراعي ولا إيه يا ابني؟ بالراحة عليا.
بابتسامة هادئة تملؤها الثقة رد الأخير:
– حاشا لله يا عمو..بس حضرتك قلت اني عيل ومقدرش اغلبك، فقررت اثبتلك إني كبرت كفاية واقدر اعملها عادي.
رفع أصيل حاجبيه و ومضة إعجاب لمعت بعيناه قبل أن يشد ذراعه بقوة مع قوله:
_ مهما كبرت مش هتكون أقوى مني.
« بابا اللي هيكسب».
«لأ أخويا عمرو اللي هيكسب».
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

هتاف زين وزينة جعل أصيل ينظر نحو صغيره يلومه:
_ كده يا زين عايز ابوك يخسر؟
_ عشان عمرو لو كسب هياخدني معاه النادي ألعب كورة مع أصحابه زي الكبار.

اكتفى أصيل بابتسامة حانية لبراءته وكلما مال كفه نحو الخسارة عاد ليرتفع بعناد، ولازال الصغيران يقفزان بحماس منتظرين الفائز بينهما
من جدبد شدّ عمرو عضلاته شدًّا محسوبًا ليكون نِدًا له، كاد أن يفوز لكنه تعمد أن يرخي كفّه قليلا بقدر يترك مساحة صغيرة للهزيمة أمام أبيه الروحي كما يسميه..هزيمة مغلفة بكل احترامه وتقديره لهذا الرجل، هزيمة لا تُهين أحدًا منهما.
أصيل وهو يضغط عليه بقوة أخيرة:
– ركز يا عمرو، كده هغلبك.
ثم بغتة انخفض ذراع عمرو، واصطدم بوجه المكتب الخشبي بصوت خفيف.
قفز التوأم في الهواء لفوز أبيهم.
وهتفا معًا:
– بابا كسب! بابا كسب!
رفع أصيل ذراعه منتصرًا، لكن نظرته توقّفت لحظة عند عمرو، نظرة رجال يفهمون أكثر مما يقال.
وفي الخلف، كانت غنى تتابع المشهد بصمت.
لم تصفّق لم تهتف، اكتفت بابتسامة صغيرة، ولمعة عين لا تخطئها أم.
لمعة فخر لا لأن ابنها خسر، بل لأنه صار قويًا بما يكفي ليختار متى يستخدم قوّته، ومتى يُنحيها جانبًا.
اقتربت منه وهمست برفق وهي تلثم رأسه:
_ربنا يحميك يا حبيبي.

انتهت المباراة وأخذت غنى تؤامها ليناموا بفراشهما، ومن ثَمَ يعود عمرو لاستئناف مذاكرته بعد ذاك الفاصل اللطيف مع عائلته.

أُغلِق أصيل باب الغرفة خلفهما بهدوءٍ يليق بليلة استقرّت أخيرًا بعد صخبٍ طويل، ثم تمدّد على الفراش، وأسند رأسه إلى الوسادة، تاركًا لعينيه مساحةً للشرود، كأنما يخلع عنه ضجيج اليوم كله. وما إن ولجت غنى الغرفة حتى التفت لحضورها وهي تقول بتنهيدة:
_ أخيرا نيمت زين وزينة في سرايرهم من غير مناهدة زي كل ليلة.
غمغم بابتسامةٍ سكنت عينيه قبل شفتيه، ابتسامة رجلٍ يعرف تفاصيل هذا العناء الصغير ويقدّره:
_ صاحين من بدري طبيعي يناموا بسرعة.
ردّت عليه وهي تتناول منشفة، تستعد لحمامها الدافئ، وقد بدا على صوتها أثر يومٍ مرهق:
_كان مزاجهم معكر انهاردة عشان البنات راحوا لخالهم سالم يباتو عنده وسابوهم لوحدهم.
_ ما هما ما صدقوا خلصوا امتحانات أخر السنة واخدوا الاجازة عشان يروحوا لسالم.
وغمغم بعجب حاني:
_ شوفي ازاي الايام بتجري؟ فاطمة وعائشة خلصوا سنة رابعة وجابوا مجموع حلو، وشهد السنة الجاية عندها شهادة الإعدادية.
شاركته الشعور وهي تخبره:
_ البنات بالذات بتكبر بسرعة يا أصيل.
ثم ربتت على كتفه بود وقالت:
_ ربنا يفرحنا بيهم يا حبيبي.
واكملت بتمنى:
_ويقوينا نوصل زين وزينة لبر الأمان هما كمان.

وافقها قولها قبل ان تتسع ابتسامته بغتة، و فكرة ما أثارت في نفسه طرافةً خفيفة، وقال:
_تخيلي دول لو كانوا راحوا لسالم مع اخواتهم، كان زمانه جابهم وهو بيصرخ تحت العمارة وبيستغيث منهم.
ضحكت من قلبها، ضحكة صافية أزاحت ما تبقى من إرهاق وهي تعلق على قوله:
_ مفيش شك إن ده كان هيحصل، التؤام ده مربينا، ده شهد وعمرو كانوا نسمة، وطمطم وشوشو كمان كانوا هادين، انما دول ربنا يستر وعقلنا ميطرش منهم ومن لماضتهم.
رفع حاجبيه محذرًا، بنبرةٍ تحمل دعابةً خفيفة:
_ هفتن عليكي واقولهم ماما مضايقة منكم.
ومن جديد، ضحكت؛ فتألق وجهها بذلك النور الذي يعشقه حين تضحك بلا حذر، وقالت:
_ أنسى توقع بيني وبينهم، دول حتة من قلبي.
تأملها بابتسامةٍ مشاكسة، رافعًا حاجبيه وكأنه بسخر من تناقضها:
_ يا سبحان الله، مش كانوا من شوية مربينك وعقلك هيطير منهم؟!
قالت بتحدٍ، وفي صوتها حنانٌ لا تخطئه أذن:
_ منا موافقة يطيروه عقلي عادي، اطلع أنت منها يا سي أصيل، بحذرك تبوظ علاقتنا.
قهقه هذه المرة لتشاركه قهقهته، ثم تربت بعدها على كتفه برفق وتقول:
_ دقايق اخد حمام وارجعلك.
أومأ لها وهو يتابع ابتعادها، حتى غابت خلف باب الحمام، فعاد يسند رأسه إلى الوسادة، وعقد كفيه خلفه، كأنه يحاول تثبيت هذه اللحظة، لحظة هادئة، مكتملة، تكاد تكون مثالية، لكن الشرود هذه المرة كان ممتلئًا بأسئلة تتسلل لعقله دون استئذان،
تأمل السقف بعينين لم تعدا مستريحتين تمامًا، وكأن داخله مساحة لا يطالها هذا الهدوء وتلك السكينة، نعم حياته رائعة، مستقرة، مليئة بالدفء الذي لطالما تمناه، زوجة تعرف كيف تحتويه ويحتويها، وأطفال يملأون بيته صخبًا وحياة، لكنه يعرف أيضًا في مكانٍ عميق داخله، أن هذه الطمأنينة يمكن لأي رياح ان تزعز سلامها وتطيح بها، فتسائل في نفسه، هل تدوم تلك الطمأنينة؟
هل يمكن لكل هذا أن يستمر دون أن يتصدع شيء في جدران عالمه الهادئ؟
دون أن تقتحمهم مفاجأة تقلب هذا التوازن الذي تعبوا كي يصنعوه؟
شدّ أصابعه خلف رأسه أكثر، وكأنه يحاول أن يمسك بهذه الهواجس قبل أن تتسع، لكن القلق كان طبيعيًا، هو مثل كل أبٍ يدرك أن سعادته لم تعد تخصه وحده، وأن أي خلل و لو بسيط، قد يمتد أثره ليصيب قلوبًا صغيرة تتكئ عليه،
تنهد ببطء وعيناه لا تزالان معلقتين بالسقف.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 


بعد قليل وقفت غنى تمشط شعرها بعد ان مرت عليه بالمجفف، وكعادتها تركته حرا كما يحبه زوجها، تعطرت ثم دنت إليه تمكث جواره بالفراش، ليحتوي كتفيها بذراعه وأنفه تميل تستنشق عطرها هامسا:
_تعرفي يا غنى، مهما مر اليوم عليا متعب ومليان تفاصيل، كله بيدوب لما باخدك في حضني واشم ريحة شعرك على كتفي، مفيش حاجة ممكن تسعدني زي اللحظة دي بنا.
ابتسمت وهي تدير وجهها تلثم كفه فوق كتفها ثم تقول:
_ ربنا ما يحرمني منك ولا من أمانك وحنانك يا أصيل، أنا كمان تعبي و همي كله بنساه في حضنك الحنين ده.
ثم أحاطت خسره بذراعها تغوص رأسها أكثر في صدره.
تنهد مفضلا الصمت مستمتعا بتلك المشاعر بينهما، قبل ان يهمس لها بما جال بخاطره:

– على فكرة، عمرو تعمّد يخسر قصادي.
رفعت غنى وجهها له تتظاهر بالدهشة:
– معقول؟
– أيوة أنا متأكد.
صمت لحظة، ثم أضاف بفخر صريح:
– عمرو كبر ما شاء الله، تصرّفه خلاني فخور بيه يا غنى.
اقتربت أكثر وعيناها تلمعان بنفس اللمعة التي رافقتها منذ قليل، فواصل هو، وقد تسلّل المرح إلى نبرته:
– مع إن…
توقّف متعمّدًا، ثم قال وهو يبتسم بتباهٍ:
– مع إني كده كده كنت أقدر أغلبه.
انفجرت غنى ضاحكة، تومىء بتأكيد.
– طبعًا طبعا يا حبيبي، هو حد يقدر يهزم دراع أصيل باشا؟
ضحك معها من طفولة قوله، معترفا بحقيقة أن عمرو ربما يستطع الفوز عليه الأن بعد ما نحتت يد الشباب جسده الرياضي بمثالية وجعلته قويا بما يكفي ليفوز عليه، وكم يسعده هذا كأي أب يتمنى تفوق أبنه عليه، عمرو طفله الذي لم يلده.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

بعد برهة تنهد أصيل نفسًا عميقًا وقال بهدوء:
– عارفة يا غنى.
توقّف لحظة ثم أكمل براحة وصدق:
– لما بفكر في اليوم اللي هسيب فيه الدنيا، بكون مطمّن لأن عمرو هيكون معاكم ويسد مكاني لو غبت.
تجمّدت ابتسامتها وتخشب جسدها قبل ان تبتعد عنه ترمقه بنظرة عاتبة لم ينتبه لها وهو يستطرد بشرود طفيف:
– عارف انه هيقدر يشيل المسؤلية ويحافظ عليكي وعلى أخواته من بعدي.
_ أصيل.
ندائها الموجوع باعتراض جعله يلتفت لها ليكتشف خطأه وهو يبصر وجهها المنحوت بالفزع والعتاب له، لتقول بحدة امتزجت بالخوف:
–ليه كده يا أصيل؟ ليه بتخوفني بكلامك ده؟ أنت لو جرالك حاجة مقدرش اكمل بعدك، انت النفس اللي عايشة بيه، حرام عليك تقول كده.
شعر بتأنيب ضمير وقد بدات عيناها تدمع ليسارع بضمها مع همسه:
_خلاص اهدي انا أسف، حقك عليا مش هقول كده تاني.
قالت كأنها لم تسمعه:
_ رغم إن الموت أكتر حقيقة في حياتنا بس بخاف منها اوي يا أصيل، بخاف تحرمني منك، بخاف اماني في الدنيا ينتهي وانتهي معاه.
ثم نظرت له تحاوط جانب وجهه بكفها وعيناها معبئة بدموعها:
_ مفيش حد في الدنيا ممكن يسد مكانك يا اصيل جوايا، حتى لو كان عمرو.
ثم ترجته بصدق:
_ عشان خاطري بلاش تقول الكلام ده تاني وتوجع قلبي..ارجوك.

اومأ لها ولثم شفتيها قبلة أقرب للأعتذار قبل ان يضمها بقوة كأنه يخبرها انه لازل هنا وسيظل حتى يأذن الله له، كما أخذ عهدا داخله ألا يذكر امامها هذه الكلمات ثانيا، مهما كانت مخاوفه لن يكشفها لها حتى لا تخاف وتفزع.

سكنت غنى بين ذراعيه وانتظمت أنفاسها بعمق، عدل وضع رأسها على صدره واغمض عينه هو الأخر طاردا هواجسه وقلقه تاركا أمره هو وعائلته الغالية لله.. فلن يضيعهم ابدا.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 
---------

وصل عمرو إلى بيت خاله سالم في وقتٍ مبكر من اليوم و طرق الباب طرقًا خفيفًا، وما هي إلا لحظات حتى فُتح له، دخل مرحبا به خاله ثم وقعت عيناه على جدته الجالسة على أريكة الردهة، فاتجه إليها مباشرة، وانحنى يقبّل يدها باحترام.
_ إزيك يا تيتة؟ عاملة إيه؟
ابتسمت له بحنان وربتت على رأسه:
_ الحمد لله يا حبيبي، إنت عامل إيه؟ وحشتني.
_ أنا كويس يا تيتا، انتي كمان وحشتيني.
ثم جلس إلى جوارها وقال:
_ المذاكرة واخداني منك شوية، ادعيلي يا تيتة اجيب مجموع حلو في الثانوية يفرح ماما بيا.
ومضت عيناها بمحبة و بسطت يديها في وضع الدعاء تدعوا له بإخلاص.
،
_ هو أصيل وغنى مجوش معاك ليه؟
اعتدل عمرو في جلسته يرد على سالم:
_ عندهم مشوار مهم.
_ مشوار إيه؟
_ رايحين يمضوا عقد إيجار مع ساكن جديد لشقة تيتة أم هاشم الله يرحمها.
أومأ سالم بتفهم:
_ آه، فهمت، ربنا يبارك ان شاء الله.
_ إن شاء الله.
دخلت زوجة سالم تحمل كؤس من العصير، وضعتهما أمامهم وخاطبته بود:
_ اتفضل يا عمرو، نورتنا والله يا حبيبي.
رد عليها بتهذيب
_ تسلمي يا مرات خالي.
ارتشف عمرو قليلًا، ثم قال:
_ فين نوح ويحيى وليان؟ لسه نايمين؟

سالم مجيبا بعد رشفة عصير من كأسه:
_ نوح نايم لكن يحيى خرج من بدري معرفش راح فين، اما ليان نامت مع اخواتك مرضيتش تسيبهم، وزعلانة جدا انهم ماشين.
ابتسم عمرو بتفهم:
_ خلاص المرة الجاية تيجي هي تقعد معانا كام يوم.
مازحه سالم:
_ خدها شهر بحاله، اهو نرتاح من شقاوتها.
عاتبته زوجته بتذمر بينما ضحكت الجدة وقالت:
_ بقا كده؟! ده أنت اول ما بتدخل البيت مبتسألش غير عليها.

في تلك اللحظة، انفتح باب الغرفة من الداخل، وخرجت البنات بصخب محبب.
رفع عمرو رأسه ناحيتهن وابتسم:
_ إيه يا بنات؟ جاهزين؟
ردت شهد:
_ جاهزين.
ثم قالت فاطمة متوجهة لجدتها:
_ هتيجي امتى عندنا يا تيتة؟
لتتبعها عائشة:
_أيوة، لازم تزورينا احنا كمان يا تيتة عشان بتوحشينا خالص.
تبسمت لهما بحنان وقالت:
_ حاضر يا عيون تيتة، قريب خالص اخلي خالكم يوصلني عندكم، وعد.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

استعد عمرو للمغادرة، وقبل أن يتحرك نادته جدته:
_ استنى يا عمرو.
أخرجت من جيب ثوبها بعض النقود ومدّت يدها إليه:
_ خد يا حبيبي، هات للبنات حاجة حلوة في السكة، وارجعوا بتاكسي بدل البهدلة.
تراجع عمرو قليلًا بحرج، رافعًا يده في رفض مهذب:
_ لأ يا تيتة، متتعبيش نفسك عمو أصيل إداني فلوس، وهنركب أوبر عادي.
عقدت حاجبيها بإصرار خفيف:
_ خد من ايدي يا ولد، متقولش لأ.
ودفعت المال في يده رغمًا عنه، ليبتسم لها بخجل راضخا لأمرها، ثم التفت إلى خاله سالم وصافحه:
_ خلاص يا خالي، إحنا هنمشي.
_ ماشي يا حبيبي، خُد بالك منهم.
_ حاضر.
انحنى مرة أخرى يقبّل يد جدته:
_ مع السلامة يا تيتة.
_ مع السلامة يا حبيبي.
تقدم نحو الباب، والبنات من حوله يتهامسن بثرثرة لا تنتهي، خرج بهم متوجها لمنزلهم كما أوصته والدته والعم أصيل.
-----------
امتلأ المنزل منذ الصباح الباكر بحركةٍ فوضوية دافئة، بعد عودتهم أمس من بيت الخال، وشعور لذيذ بالتحرر بعد شهور طويلة من الانشغال بالدراسة.

جلست فاطمة إلى طاولة الطعام تعبث بجهازها اللوحي، تضغط بسرعة فوق لعبة ما، بينما كانت عائشة إلى جوارها ممسكة بالجهاز اللوحي الخاص بها هي الأخرى، تضحك بين الحين والآخر وهي تعرض لأختها شيئًا فوق الشاشة.
_ بصّي! عدّيت المرحلة دي أخيرًا في اللعبة!
بثقة قالت فاطمة وهي تهز رأسها:
_ عشان أنا اللي قلتلك تعملي إيه أصلًا.

أما شهد دخلت المطبخ وهي تمسك هاتفها، شعرها مرفوع بإهمال، وعيناها معلقتان بالشاشة تنظر لشيءٍ ما قبل ان تصيح بحماس.
_ يا بنات، المدربة منزلة جدول تمرين جديد، وشكلنا هنتمرمط الصيف ده.
أبتسمت غنى وهي تضع أطباق الإفطار:
_ يا ستي احمدي ربنا إنك اخدتي اجازتك، مش كنتي بتقوليلي امتى يا ماما اخلص امتحانات عشان اروح اتمرن براحتي؟.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

ألقت شهد الهاتف فوق الطاولة وهي تزفر براحة درامية:
_ آه يا ماما اخيرا خلصنا، انا بجد فرحانة، لا مذاكرة، لا توتر، لا كوابيس امتحانات.
ثم التفتت نحو أختيها، وعيناها ضاقت بمكر:
_ أما انتوا بقى، بدل ما تفضلوا لازقين في التابلت طول الإجازة، هننزل النادي كل يوم سوا.
رفعت عائشة رأسها بسرعة:
_ أصلًا كنا بنتكلم في كده انا وطمطم!
لترد فاطمة بشغف:
_ طبعا، نتمرن ونلعب ونشوف أصحابنا!
تذمر زين وهو يصيح جوارهم:
_ وانا وزينة مش هنروح معاكم النادي؟
_ مين قال مش هتروحوا يا قلب بابا؟
هكذا هتف اصيل وهو يجلس فوق مقعد الطاولة ويأخد زين فوق قدمه يخبره بلطف:
_ أشتركت ليك انت واختك في النادي عشان تتعلموا سباحة، ايه رأيك؟
_ بس انا بحب الكورة زي عمرو.
لثم اصيل خده بحنان وقال:
_ نتعلم سباحة الاول، وتكبر شوية كمان واخليك تتمرن كورة مع اخوك عمرو، اتفقنا؟

قفز الصغير يحاوط عنق أبيه معلنا حماسه، لتغار زينة وهي تصعد على قدم ابيها مثل زين.
ساعدها أصيل وضمها بقوة وهو يدللها بقوله:
_ أميرة بابا الصغنونة الرقيقة.
لتتنحنح فاطمة بمشاكسة:
_ نحن هنا يا سي بابا، راعي شعور التلات أميرات اللي قاعدين قدامك، دلعنا احنا كمان شوية.
قهقهة لغيرة ابنته لتتدخل غنى وهي تلثم الثلاث وهي تقول:
_ انا اللي هدلعكم يا حبايبي، عيد الأضحى خلاص قرب، هنخرج نشتري لبس جديد للكل.
صفقوا بحماس قبل ان تصيح عائشة:
_ وهنجيب خروف كمان؟
هنا مط أصيل شفتيه بأسف:
_ لأ يا شوشو، الأسعار ارتفعت جدا ومش هقدر اشتري أضحية السنادي.
ردت شهد بتفهم أكثر:
_ مش لازم يا عمو، لما الأسعار ترخص ابقا اشتري العيد الجاي.
هز رأسه بسخرية:
_ مفيش حاجة بترخص يا بنتي.

_ المهم هنقضي العيد إزاي يا بابا؟
تسائلت عائشة فرمقها أصيل لثوانٍ وقال:
_ عادي، هنصلي صلاة العيد كلنا ونرجع نفطر ونرتاح شوية وبعدها شوفوا حابين تروحي فين وانا اوديكم.
فاطمة:
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

نزور خالو سالم او ممكن يزورنا هو وتيتة.
تبادل مع غنى نظرة ما خاطفة ثم تمتم:
_ هنشوف الاول ظروف خالك، يمكن اول يوم عنده ضيوف تانين.
واستطرد:
_ وبعدين انتم لسه راجعين من عند خالكم امبارح، كده هيزهق منكم.
ردت فاطمة تلك المرة:
_ بس العيد حاجة تانية يا بابا، يوم نزور خالوا ويوم نزور تيتة وعمتو وبعدين عمو.

رد مع ابتسامته الهادئة:
_ ان شاء الله نعمل كل اللي انتم عايزينه، متقلقوش.
_ كفاية كلام بقا يا بنات و يلا خلصوا فطار عشان اشوف اللي ورايا.
ثم حذرت الجميع:
_ واسمعوا، بعد الفطار تروحوا اوضتكم تلعبوا فيها بس بدون صوت عالي، اخوكم عمرو لسه نايم وبعد شوية هصحيه عشان يفطر ويكمل مذاكرة.

قالت شهد مشفقة عليه:
_ مسكين عموري اخويا، لسه امتحاناته هتخلص بعد العيد اصلا.
اكتفت غنى بتنهيدة وهي تدعوا له سرا بالتوفيق هذا العام، وان يحصد تعبه وينال درجة نهائية تليق بطموحها لأجله.
---------------

تخللت أشعة الشمس شقوق النوافذ الواسعة، وانسكبت فوق أرضية المطبخ حيث تقف غزل أمام الموقد، تقلب خليط البيض المخفوف وتحرّك المقلاة بشرودٍ ناعم، تتذكر كيف كانت قبل عامين فقط من هذا اليوم، يائسة من الحياة ومن كل شيء، أملها مفقود وسط عتمة ماضيها وما مر بها، ليأتي ذاك اليوم وسالم يخبرها بعريس اسمه "وليد" يعمل مهندس قد تقدم لخطبتها، ما جعل والدتها تتشبث بتلك الفرصة لها، و بعينين امتلأتا رجاءً موجوعًا اخبرتها حينها.
"كمّلي حياتك يا غزل، العمر لسه قدامك مش وراكي"

رفضت وقتها مجرد التفكير في باديء الأمر، لكن كل شيء تغير حين وقعت عيناها على صغيرته "ياسمين" أبنة السبعة أعوام، تتذكر كيف اختبأت نصف اختباءة خلف والدها وهو يعرفها بها، تحدّق بها بخجل، بينما تنسدل خصلاتها السوداء حول وجهها المستدير البريء، شيءٌ ما تغير داخل غزل وقتها،
أو لعلّه عاد للحياة. وللحظةٍ خاطفة رأت في ملامحها ظلّ ابنتيها، لتتقد شعلة الفقد والاحتياج والوحدة داخلها، ثم جاء الصغير "طارق" الذي يكبر شقيقته ببضعة أعوام يسألها ببراءة "هو انتي هتعيشي معانا هنا بجد وهتكوني زي ماما؟"
همس لها قلبها للمرة الأولى منذ سنوات، ان ربما..ربما لم ينتهِ كل شيء بعد، الأمل ليس معدوم، هي
لم تنجبهم، لكنها تستطع أن تكون لهما أمًا حقيقية،
لقد أرسلهما الله إليها كغصني نجاة لامرأة كادت تغرق في حرمانها، ومع الأيام وجدت نفسها تعود للحياة، توقظهم صباحًا، ترتّب حقائب المدرسة، تحفظ تفاصيلهم الصغيرة، وتبتسم من قلبها حين تُنادَى بكلمةٍ ظنت أنها فقدتها إلى الأبد.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

انتبهت فجأة من شرودها على صوت الصغيرة تهتف بتذمّر محبب:
_ ماما غزل فين الفطار أنا جعانة أوي!
التفتت إليها فورًا، وكأنها أُعيدت من مسافة بعيدة، فإذا بعينيها تضيئان بذلك الحنان الدافئ الذي لا تصطنعه واقتربت منها ثم انحنت تقبّل وجنتها بحب، و قالت بابتسامة:
_ خلاص يا حبيبتي الفطار جاهز أهو، روحي نادي طارق وبابا على ما انقل الاطباق للسفرة.

----
انقضت ضوضاء الإفطار تدريجيًا، وانسحب الصغيران إلى غرفتيهما، بينما بقيت غزل ترفع الأطباق من فوق المائدة لتضعها في حوض المطبخ تستعد لجليها، ليعود لها الشرود من جديد يشغلها أمرا ما.

وقف وليد عند مدخل المطبخ يراقبها للحظات، ثم قال بنبرةٍ حاول أن يبثّ فيها حماسًا خفيفًا:
_ أخيرًا كل الورق خلص، الشركة بعتتلي إمبارح تأكيد الإقامة.

توقفت يدها لثانيةٍ قصيرة فوق الطبق، قبل أن تعود لما تفعل كأن شيئًا لم يكن، اقترب منها أكثر ثم أسند كفه برفق فوق كتفها، متمهّلًا في صوته:
_ عارف إن الموضوع مش سهل إنك تسيبي أهلك وتسافري بعيد.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة واهنة، أهلها؟
سخرية مُرّة عبرت داخلها كحدّ شفرة.
هي تعرف جيدًا أن سفرها فكرة تبعث الراحة للجميع،
إبعادٌ أنيق لامرأة مثيرة للمشاكل والازمات، لا تكفّ عيناها عن الدوران حول طفلتين لم يعد من حقّها الاقتراب منهما، ومع هذا لا تنساهما، والسفر سيفعل ما عجزوا هم عن فعله، سوف يُنسيها، لكن هل تنسى؟ هل ينطفئ ذلك الحنين المتوحش الذي رغم كل شيء ينهشها كلما تذكرت ابنتيها؟
صحيح أن الله رقّق وحدتها بوجود طفلي وليد
ورمّم جزءًا من تصدّع أمومتها، لكن بعض الكسور لا تلتئم تمامًا، فقط نتعلم كيف نحيا بها ومعها.
انتبهت على صوت وليد من جديد، هذه المرة أكثر لينًا:
_ لو انتي قلقانة من حاجة قوليلي يا غزل.
رفعت بصرها إليه أخيرًا.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 
ذلك الرجل الذي دخل حياتها دون أن يشعرها يومًا بأنها امرأة ناقصة، رغم معرفته منذ البداية أن رحمها صار أرضًا موصدة، ومع ذلك اختارها.
وربما لهذا السبب بالتحديد تعلّقت بطفليه بهذا القدر الكبير، لم تحاول يومًا أن تكون لهما "زوجة أب"
هي أحبتهم بصدق، أحبت تفاصيلهم الصغيرة، غضبهم، ضحكاتهم، وحتى فوضاهم اليومية التي أعادت الروح إلى قلبها، لذا تنهدت بخفوت، ثم مالت برأسها نحوه قائلة بصوتٍ دافئ:
_ أنا مكاني معاك انت والولاد يا وليد، ومعنديش مشكلة في السفر، واللي حاسة بيه مجرد قلق طبيعي لتجربة جديدة هعيشها مش اكتر، بس أنا تمام متقلقش.
تأملها للحظةٍ مبتسمًا براحة، ثم عاد إليه الحماس وهو يقف جوارها يقول:
_ ايه رأيك اعمل كوبايتين شاي نشربهم سوا، تكوني خلصتي غسيل الاطباق.
أومات مبتسمة ليواصل حديثه بشغف عن الفرصة الذهبية التي أتته من حيث لا يدري:

_ تعرفي يا غزل لسه مش مصدق إن شركة تطوير عقاري إماراتية كبيرة تعرض عليا إدارة مواقع التنفيذ والتشطيبات الخاصة بمشروعهم السكني الضخم هناك، بعد ترشيح واحد من معارفي القدام الله يجزيه الخير.

واستطرد وليد بذات الحماس بعد ان غادرا المطبخ للردهة جالسين فوق الأريكة:
هاخد راتب أضعاف اللي باخده هنا، وسكن عائلي، ومميزات للولاد كمان، بصراحة فرصة ما تتفوتش.

ابتسمت غزل ابتسامة صغيرة، هادئة، وهي تستمع إليه يتحدث بذلك الحماس الذي لم تعتده كثيرًا،
راقبت لمعان عينيه وهو يتكلم عن الأرقام والمشروعات والبداية الجديدة، فمالت برأسها قليلًا فوق ظهر الأريكة وقالت بنبرة خفيفة يمازجها دفء صادق:
_ تستاهلها يا وليد، انت تعبت كتير عشان ولادك.
ابتسم وهو يهز رأسه بمسحة فخر بسيطة، ثم التفت إليها بنظرة أكثر هدوءًا:
_ وأنتِ كمان تستاهلي.
قطبت حاجبيها وقالت:
_ أنا؟
هز رأسه بإيجاب، وصوته رق بطريقةٍ جعلتها تنتبه:
_ أيوه إنتي يا غزل.
سكت لحظة ثم أكمل وهو ينظر نحو الغرفة التي تضم الطفلان:
_ تعبك مع الولاد، خوفك عليهم وصبرك معاهم، كل ده انا واخد بالي منه.
واكمل وفي عينيه امتنان صريح:
_ انتي بقيتي ليهم أم حقيقية يا غزل.

توقفت أنفاسها لوهلة وكلمته أصابتها بالدهشة.
"أم حقيقية؟!".
كلمة لم تتوقع أن تسمعها وهي في أعماقها تدرك أنها ليست هكذا، في وقت ما لم تميل لكفة أمومتها واختارت نفسها فقط، منحته غزل نظرة اكثر شرودًا وهي تتسائل بصوت أفكارها، هل لو علم وليد كيف تخلت بإرادتها الحرّة عن صغيرتيها سوف يظل اعتقاده كما هو؟ لا تظن.
فأكمل دون أن ينتبه لشرودها:
_ ياسمين وطارق بقوا يجروا عليكي قبل ما يدوروا عليا أنا، وده لوحده كفاية يفهمني إنتِ بالنسبالهم إيه وبتعامليهم ازاي.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 
خفضت عينيها سريعًا، تبتلع غصتها.
فمد يده يمسك يدها برفق:
_ وأنا بجد ممتن ليكي.
ابتسمت ولمعت بعينيها طيف دمعة حبيسة وشكرته ثم قالت بصوت:
_ إن شاء الله تبقى بداية حلوة لينا كلنا يا وليد.
ربت فوق يدها:
_ طول ما إحنا سوا هتبقى حلوة.
ثم تلألأ صوته بحماس وهو يضيف:
_ وبما إننا قربنا نسافر، هنقضي العيد كله برّه، نفرح العيال شوية ونروح اي مكان يحبوه، وبعدها نلف على أهلنا نودّعهم ونقضي معاهم وقت جميل.

وافقته بإيماءة وبعد قليل نهض ليُجري مكالمة، راقبته بعين شاخصة تفكر بأمرٍ ما.
------------
أمام حاسوبه المحمول، جلس ريان حاجباه معقودان قليلًا وهو يتنقّل بين ملفات العمل الخاص به، فيما تسلّل صوت التلفاز الخافت من الغرفة المجاورة بعد أن هدأت ضوضاء الصغار أخيرًا، دلفت ضحى بإرهاق تجرّ خلفها يومًا طويلًا من الركض بين طلبات الأطفال وشجاراتهم الصغيرة، ما إن لمحها ريان حتى رفع عينيه عن الشاشة متأملًا ملامح التعب الواضحة على وجهها.

ارتمت فوق الفراش وأطلقت تنهيدة طويلة، ها هي ترتاح أخيرًا بعد المجهود الذي بذلته منذ الصباح مع الصغار.
_ شكلك تعبانة يا ضيحا.
اغمضت عيناها باسترخاء وردت:
_ جدا يا ريان، الواد كريم ده شقاوته مش طبيعية، الحمد لله نام.
ابتسم عند ذكر أسم صغيره الذي لم يتجاوز العام ونصف ثم اعتدل قليلًا وتمتم:
_كنت عايز ألعب معاه شوية قبل ما ينام.
قالت بنبرة متعبة امتزج فيها الرجاء بالمبالغة الطريفة:
_لا بالله عليك سيبه أوعى تصحّيه! أنا ما صدقت أبنك اللي زي الفار ده نام، أنا طول النهار بجري وراه هو و راكان لما هدوا حيلي كأني داخلة سباق.
ثم أقرّت بصدق في حين اتسعت ابتسامة ريان لوصفها الصغير بالفأر:
_ دي كارما اختهم كانت ملاك جنبهم، ولا حسيت بتربيتها والله.
هز رأسه يؤيدها بفخر:
_عندك حق، كوكي بنتي كانت كيوت و رقيقة حتى في شقاوتها.
وافقته بهمهمة ولازالت مضجعة فوق الفراش
ليقترح عليها:
_ايه رأيك نتفرج شوية ع التليفزيون في الهدوء ده مادام العيال ناموا؟
ردت بعفوية:
_والله يا ريان طاقتي خلصت، رقبتي تعباني جدًا وعايزة افرد جسمي و أنام عشان أرتاح شوية، بكرة هخرج مع جارتي نشتري لبس العيد لولادنا وربنا يستر من الخناقات اللي هيحصل.
فاضت عيناه بنظرة مشفقة عليها و تأمل خصلات شعرها المبعثرة وإرهاقها الواضح، أغلق شاشة الحاسوب بهدوء، ثم نهض مقتربًا منها دون كلمة، قبل أن تتحدث شعرت بكفّيه تستقران برفق فوق كتفيها، بدأ يدلك كتفيها بحنان، ويضغط بأصابعه برفق على مواضع الألم لديها كأنّه يحاول أن يفكّ عن جسدها تعب اليوم بأكمله، أغمضت عينيها رغمًا عنها، وقد انسحب من كتفيها بعض التصلّب شيئًا فشيئًا، فغمغمت بخفوت مع شعورها بالراحة:
_ ربنا ما يحرمني منك يا ريان.
انحنى يطبع قبلة فوق رأسها ثم قال بنصف ابتسامة:
_واضح فعلا إن الاتنين زودوها انهاردة.
تنهدت وهي تميل برأسها قليلًا للخلف، مستسلمة لذلك القدر الصغير من الراحة:
_ولادك دول عصابة، مالها البنات وخلفة البنات، على الاقل محترمين في تربيتهم.
ضحك بخفوت ولا يزال يربت على كتفيها بحنان، بعد قليل فتحت عينيها والتفتت إليه تحدثه في أمرٍ ما:
_كلمت غنى الصبح، زعلت جدًا إننا مش نازلين عيد الأضحى السنادي نعيد معاهم.
تنهد ريان ثم قال بنبرة هادئة:
_يا ضحى احنا نزلنا مصر السنة اللي فاتت و قضينا رمضان وعيد الفطر كمان.
وأكمل بشيء من المنطق:
_النزول مكلف و التذاكر لوحدها بتاخد مبلغ مش قليل، غير المصاريف هناك، والهدايا، والخروجات، لازم نلم إيدنا شوية مش كل سنة نسافر.
خفضت ضحى رأسها ثم اعتدلت تواجهه:
_أنا عارفة كل ده والله وفهمت غنى، بس كارما بنتك اللي زعلانة كان نفسها تعيّد مع بنات عمها أصيل و ولاد خالها عادل، انت عارف هنا اصحابها مش كتير واغلبهم بيسافروا في الاجازات.
ظل صامتًا لحظة ثم استند مرفقه فوق الوسادة وقال:
_ كارما سيبيها عليا أنا هعرف أروق عليها في العيد.
ثم فاض لها بما يشغل باله:
_ ضحى أنا حاطط خطة لنفسي واتمنى تظبط زي ما انا عايز.
رفعت نظرها نحوه باستفهام.
_خطة إيه يا ريان؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

ارتسمت على وجهه ملامح الجدية وقال:
إن كارما لما تخلّص المرحلة الثانوية هنا، طبعا بعدها هتدخل جامعة، وانا هخليها تاخد جامعتها من مصر ان شاء الله، ولو وصلت للتارجت اللي عامله عشان ابتدي شركتي، هننزل كلنا مصر.
توقفت بدهشة وهي تتفاجأ بقراره:
_ننزل نهائي؟
أومأ برأسه ببطء.
_أيوة، ده لو ظروفي المادية ظبطت.
ثم لمعت عيناه بشغف مغمغما:
_ وقتها أقدر أبدأ البزنس بتاعي واحقق حلمي اني اعمل شركة خاصة بيا اورثها لولادي بعدين.
ثم راح يلوح بيده كأنه يكتب حروف حلمه في الهواء ويقول:
_واكتب عليها (مؤسسة ريان وأولاده للتسويق).
ليكمل بنفس الحماس المُتقد:
_واكتب تحتها بخط أصغر جملة
"حلول تسويقية تصنع فارقًا"

تبسمت له بحنان وهي ترى لمعة عيناه وتوقه لتحقيق حلمه، احتضنت جانب وجهه بكفها وقالت برقة:
_ إن شاء الله يا حبيبي في يوم من الأيام حلمك يتحقق، ومش بس تكون صاحب شركة واحدة، لأ.. شركات ليك أنت و ولادنا، ويخليك لينا يا ريان.
نظر لها بعمق حاني وحاوطها بتملك ومال بوجهه يخطف قبلة تلو قبلة ليتوقف مع همسه:
_أنا وعدت أروق عليكم وادلعكم في العيد.
ثم غامت عيناه بمكر و واصل:
_ أنا مين هيدلعني يا ضيحا؟

تسلل لملامحها ابتسامة ماكرة يعرفها، رافعة حاجبًا بخبث لطيف وقالت:
_ومين غيري يا حبيبي يدلعك و.. !

توقفت لحظة كأنها تتعمد إثارة فضوله، ثم أردفت بخفوت أقرب للهمس:
_ده أنا اشتريت قميص للعيد.. هيجننك.

مال نحوها قليلًا بنظرة مشاكسة لا تخلو من ذاك الشغف الهادئ الذي أثارته.
_طيب ما تفرجيني عليه..ونشوف هتجنن ولا لأ.
رفعت سبابتها أمام وجهه بتحذير مدلل.
_مستحيييل! أنسى تشوفه قبل العيد.
ترجاها بشوق:
_ عشان خاطر ريان حبيبك.
هزت رأسها بعناد لطيف:
_ مش ممكن، هتخليني ألبسه انا عارفاك.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

ثم أضافت وهي تلمس أطرف شعرها بإيماءة صغيرة، وفي صوتها لمعة أنثوية رقيقة:
_ لسه هغير لون شعري واكويه عشان اللوك كله يبقا جامد ويعجبك.
ساد صمت ونظرات ريان نحوها لم تكن مجرد رغبة عابرة، كان يسكنها شيء أعمق من هذا، مزيج من حب وحنان وشوق لها، فمهما تكاثرت همومه ومتاعبه تسرقه هي من كل هذا بمجرد ابتسامة منها او عناق، يعشقها ولن يكف عن عشقها يوما،
بعد ان طالت النظرات بينهما، مد ذراعيه وجذبها إليه برفق حتى استقرت داخل حضنه.
أحاطها بذراعيه في احتواء دافئ، وأراح ذقنه قرب رأسها، قبل أن يهمس بصوت خافت:
_تعرفي أنا بحبك قد إيه يا ضحى؟
انغمست داخل صدره أكثر وغمغمت:
_ عارفة يا حبيبي.
ثم رفعت يده بهدوء بين كفيها، و طبعت قبلة صغيرة فوق ذقنه قبل أن ترفع عينيها إليه.
_و مقدّرة تعبك علشاني أنا و ولادنا فوق ما تتصور.
ثم أكملت بصوت ممتلئ باليقين والدفء:
_ هفضل في ضهرك خطوة بخطوة، لحد ما توصل للي نفسك فيه، لأن حلمك هو حلمنا كلنا.

أغمض عينيه لحظة كأن كلماتها أزاحت عن كتفيه كل همومه ثم ضمها إليه وكاد أن يصل لشفتيها قبل أن
يسمع صوت كريم كأنه يبكي ، فتبادلا نظرة سريعة قبل أن تهمس ضحى وهي تكاد تبكي:
_ لأ حرام، والله ما قادرة.
ضحك ريان بصوت خافت، ثم مال يلامس جبينها بقبلة حانية وقال:
_خليكي انتي وأنا انيمه بسرعة واجي.
ربتت على موضع قلبه هاتفه بمرح:
_يسلملي الغالي الحنين.
وقبل أن يغادر الغرفة استدار يخبرها بتحذير:
_اوعي تنامي..مش هتأخر عليكي.
اومأت له ليغادر فتثائبت فور خروجه وأرخت رأسها فوق الوسادة مسبلة عيناها الناعسة، تنتظر عودته.

مرّ الوقت أطول مما توقّع، فكريم، على غير عادته، تشبّث به، مكث ريان إلى جواره بصبر، يربّت فوق ظهره الصغير بحركات هادئة، حتى استكانت أنفاسه أخيرًا وغرق في نومٍ عميق، تأمله للحظات، وزاوية فمه ترتخي بابتسامة صغيرة.
همس بخفوت وهو يزيح خصلة شعر عن جبينه:
_مفتري ومطلّع عين ماما، بس بموت فيك يا كيمو.

أطفأ الضوء الخافت وغادر الغرفة على أطراف أصابعه، وفي داخله لهفة لينهي انتظارها ويقضي على شوقه المشتعل، فتح باب غرفة النوم بهدوء فسكنت خطواته.
وجد ضحى غارقة في النوم بعمقٍ لا يخطئه أحد، مستلقية على جانبها، وقد استقرّت إحدى يديها تحت خدها، بينما تناثر شعرها فوق الوسادة في فوضى ناعمة، بدا التعب جليًا حتى في ملامحها المسترخية، كأن النوم خطفها دون استئذان، ظل واقفًا لحظة يحدّق بها، ثم زفر أنفاسه ببطء، وفيها خيبة أمل صغيرة، وهمس لنفسه بنبرة مستسلمة:
_ كده بعتيني يا ضيحا؟
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

لكن الابتسامة التي تسللت لشفتيه أفسدت أي عتاب، كيف يلومها وهو يرى بعينيه آثار يومٍ كامل استنزفها؟ ركض خلف طفلين، ترتيب بيت وطهو الطعام، طلبات لا تنتهي ومحاولة مستمرة لأن يبقى كل شيء كاملا دون نقصان.

اقترب بهدوء وجلس على طرف الفراش يراقبها مليًا ثم مال عليها وطبع قبلة هادئة فوق خدها، واستلقى إلى جوارها حذرًا ألّا يوقظها، قبل أن يسحب الغطاء فوقها أكثر بصورة تلقائية، وما إن استقر بجانبها حتى تحركت في نومها بلا وعي، مقتربة منه قليلًا كأنها تعرف مكان الأمان على صدره حتى وهي غافية، ابتسم وأراح ذراعه حولها برفق، وفي سكون الليل، خفتت كل الحسابات والخطط في عقله، ولم يبقَ سوى ذلك الشعور اللذيذ بالراحة وهي جانبه.
-------------

كعادته ليلا تفقد أصيل غرف البنات بهدوء بعد أن عدّل الغطاء فوق فاطمة للمرة الثالثة، ثم انحنى فوق عائشة يزيح خصلة شعر علقت قرب شفتيها وهي نائمة، قبل أن يلتفت ناحية السرير الأخر ليجد شهد غافية في هدوء مدثرة بغطائها جيدًا، ابتسم ثم غادر
مغلقا الباب خلفه بخفة، متوجها لغرفة زين وزينة، فوجد الأول كعادته قد ركل الغطاء أرضًا بينما المكيف يعمل بأقصى طاقته، فتنهد باستسلام وهو يعيد تغطيته من جديد.
بعدها مرّ على غرفة عمرو، فوجد ضوء الأباجورة لا يزال مضاءً، والكتب مفتوحة فوق المكتب، بينما رأس عمرو مائل فوق ذراعه وقد غلبه النوم دون أن يشعر.
توقفت خطوات أصيل للحظة، ثم اقترب منه بهدوء، وأزاح القلم من بين أصابعه برفق قبل أن يربت فوق كتفه:
_ عمرو، قوم يا حبيبي.
فتح الأخير عينيه بصعوبة وهو ينتفض بغتة:
_ أنا صاحي يا عمو صاحي.
ابتسم أصيل ابتسامة مليئة بالشفقة وقال:
_ صاحي إيه بس؟ قوم نام على سريرك وكمل مذاكرة بكرة.
أومأ عمرو بتعب، فساعده أصيل حتى تمدد فوق الفراش ثم سحب الغطاء فوقه بعناية، وأطفأ الأباجورة وهو يقول بصوت خافت:
_ تصبح على خير يا عمورة.
رد عمرو بصوت غارق في النعاس:
_ وانتَ من أهله يا عمو.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

عاد إلى غرفته وهو يفرك عنقه بإرهاق خفيف، لكنه توقف حين وجد غنى ما تزال مستيقظة، مستندة بظهرها إلى السرير، تنظر إليه بعينين نصف ناعستين،
وقالت:
_ كالعادة قمت تطمن على الولاد
أقترب منها مضجعا فوق الفراش:
_ ما انتي عارفة زين و البنات مبيسيبوش الغطا عليهم والتكييف شغال.
فتسائلت:
_ وعدّيت على عمرو؟
_ أيوة، المسكين كان نايم على المكتب من كتر المذاكرة، صحيته ينام على السرير.

تأملته بإعجاب وقد بدأت أثار النوم تتراجع عن عيناها، ليلاحظ نظراتها له فيتسائل:
_ بتبصي ليا كده ليه؟
مالت شفتيها بابتسامة هادئة وأجابته وبنظرات عاطفة لا تكف عن التوهج:
_ بسأل نفسي لو كل الأباء في حنيتك يا أصيل، كانت الدنيا عمّرت بالخير، دايما يقولوا مفيش أحن من الأم، بس انت غيرت المفهوم ده عندي، أنت أحن مني على الولاد.
ظل نظراته مثبتة عليها وبسمة ناعمة تحرك شفتاه قبل أن يهمس:
_ كل الكلام الحلو ده ليا أنا يا غنوة؟
ردت ولا تزال نظراتها تخبره عن مدى حبها له:
_ الكلام الحلو اتعمل عشانك.
اتسعت ابتسامته وجذبها له وراح ينظر لها بنظرة جعلتها تخجل، رغم السنوات التي مرت بينهما لاتزال نظراته لها بتلك الطريقة تخجلها حقا، ضحك بخفوت مستمتعا بتأثيره عليها ورؤية خجلها المحبب ثم شدد عناقه لها بصمت، ارتخت عيناه وكاد يستسلم للنوم قبل أن ترفع وجهها إليه تتسائل:
_ أصيل، أنت ناوي تتأخر بكرة؟.
قطب حاجبيه باستغراب:
_ أشمعنى بكرة؟
_ عايزاك تساعدني في تسوية مخبوزات العيد.
نظر إليها بدهشة خفيفة:
_ مش المخبوزات دي بتتعمل في عيد الفطر بس؟
هزت كتفيها ببساطة وهي تبتسم:
_ معرفش، بس أنا مبحسش بالعيد غير لما أعمل حبة بسكوت وقراقيش للعيال والضيوف.
فغمز لها بخبث:
_ طب اوعي تنسي قرص الشمر والينسون اللي بحبها.
ضحكت وهي تضربه بخفة فوق صدره:
_ أمال مين أصلًا اللي هسويها قصادي؟ عشان كده بقولك عايزاك بكرة بعد الغدا تفضي نفسك ليا.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

ثم أكملت:
_ وهعمل كمان شوية رقاق على قد صنيتين العيد بس، الولاد بتحب الرقاق باللحمة أول يوم العيد بالذات مع الفتة.
ابتسم وهو يتأمل ملامحها بتمهل، و ذلك الاهتمام بكل ما يحبه الصغار، منذ قليل كانت تتغنى بحنانه گ أب، وماذا عن كل ما تفعله هي؟ هي في نظره ما تجعل هذا البيت حيًا تغمره السعادة والسكينة، اقترب منها أخيرًا، وهو قال بصوت صادق خرج من صميم قلبه:
_غنى.. بجد انتي الفرحة الحقيقية في حياتي وحياة الولاد، ربنا ما يحرمنا منك أبدًا.
سكنت ملامحها بخجل امتزج بسعادة هادئة، بينما ضمها إليه هانئًا مطمئنًا، وكيف لا يكون وتلك المرأة تسكن بيته.. وقلبه.
------

امتلأ البيت منذ الظهيرة برائحة السمن البلدي واليانسون والشمر، تلك الروائح الفواحة كفيلة وحدها بأن تُشعر الجميع أن العيد يقترب طارقًا الأبواب، في منتصف الردهة جلست غنى على الأرض، وقد رفعت أكمام عباءتها المنزلية وهي تُحضر العجين بطريقتها ومقاديرها المعتادة، جوارها الصواني وأكياس الدقيق المفتوحة في فوضى منزلية دافئة لا تُثير في النفس سوى اابهجة.

جاورها أصيل والبنات كي يساعدوها بشغف بينما ظل عمرو في غرفته مهتمًا بمذاكرته وامتحاناته المصيرية، أما زين وزينة، فكانا يعيشان معركتهما الخاصة مع قطعة عجين بيد كلا منهما، منحتها لهما غنى كي تتجنب فوضاهما حولها.

على الجانب الآخر، جلست شهد بجوار والدتها تُقطع أصابع القراقيش بعناية وترصها داخل الصينية بانتظام جميل، تراقب تقطيع غنى بين الحين والآخر ثم تُقلدها بدقة،
نظرت غنى لما تصنعه ابنتها وقالت بإعجاب تحفزها:
_ شاطرة يا شهد، بس خلي الصوابع رفيعة شوية عشان تطلع مقرمشة لما تستوي.
نفذت شهد نصيحتها على الفور:
_ زي دي؟
_ أيوة كده، الله ينور عليكي يا روحي.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

راقبهما أصيل بصمت، ثم عاد يكمل تشكيل الأقراص مع فاطمة وعائشة اللذان يساعدانه قبل أن
تزفر فاطمة انفاسها بضيق:
_ طب أنا مش بحب قرص الشمر على فكرة، وانتم عاملين منها كتير خالص.
رفع أصيل حاجبه بمرح وقال:
_ القرص دي معمولة ليا أنا أصلا يا طمطم، أبوكي بيحبها.
ابتسمت فاطمة لابيها بمحبة وقبلت خده قائلة:
_عشان كده بساعدك فيها يا بابا يا حبيبي أنت.
ثم عادت تلفتت نحو غنى وقالت:
_ ماما غنى، أنا عايزة قرص بالعجوة، هي دي اللي بحبها.
رفعت غنى رأسها إليها بحنان، ثم أشارت بيدها ناحية طبق كبير مغطى خلفها:
_ عاملة حسابي يا قلبي، في لسه عجينة مخصوص هتتحشي عجوة.
ثم أشارت ناحية طبق آخر بجواره امتلأ بالكرات الصغيرة الجاهزة للحشو:
_ ودي كور العجوة اللي هنحشي بيها القرص، عشانك انتي و زين وعمرو، هما كمان بيحبوها زيك.

وفور سماع كلمة “عجوة”، اندفع زين كالسهم ناحية الطبق واختطفه، وتبعته زينة سريعا تشاركه الغنيمة لتلتهم معه الكرات الشهية.

شهقت غنى وهي تشير إليهما صارخة بتحذير:
_ زين..زينة! رجعوا الطبق مكانه احسن لكم، يلا أسمعوا الكلام.

ابتلع زين إحدى الكرات في فمه سريعا وهو يقول ببراءة وكلملته تختلط بمضغه للكرات:
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

_ دي آخر واحدة يا ماما.
ردت زينة وهي تخبئ يدها خلف ظهرها:
_ وأنا كمان أخدت أتنين بس!
ضحك أصيل وهو يراقبهما بحنان:
_ سيبيهم ياكلوا يا غنى، وأنا هجيب عجوة تاني.
التفتت إليه باعتراض متذمرة:
_ يا سلام على الروقان بتاعك؟! هو في وقت عشان أحضر حاجة جديدة؟ إحنا أصلًا لازم نخلص القعدة دي النهارده.
ثم ترجته:
_ زعق لهم يا أصيل بالله عليك خليهم يرجعوا الطبق، المفاجيع هيخلصوا عليه.

هنا تدخلت عائشة بحسم لا يخلو من رفق وهي تأخذ الطبق من يد زين قائلة:
_ كفاية كده اللي أكلتوه، السوس هيعمل حفلة في أسنانك أنت وهي الليلة دي.
ابتسم أصيل وهو يتابع تذمر الطفلان، بينما تشيد فاطمة لإنقاذ شقيقتها ما تبقا من العجوة، وسريعا ما انتقلت جوار غنى لتساعدها في تشكيل قرصها المفضلة.

_ من بكرة هنبدأ ننضف البيت عشان العيد، وربنا يقويني.
قالتها غنى ليرد أصيل وهو يواصل ما يفعل:
_ وأنا هساعدك متخافيش.
رفعت عينيها إليه وابتسمت له بامتنان صامت.

لتصيح زينة بغتة:
_ ماما الحقي، زين خطف كورة عجوة تاني وجري.
لتهرول فاطمة خلفه وهي تصيح عاليا:
_والله لو قربت منها تاني يا زين، هحبسك في الدولاب واقفل عليك لحد ما نخلص، جرب بقا تقرب تاني.

أنفجر أصيل وغنى يضحكون على صراخ فاطمة، بينما شهد لا تهتم بصخبهم، تولّي كل اهتمامها بتقطيع أصابع القراقيش التي بالمناسبة تفضلها عن غيرها.

أخيرًا انتهت جلسة تشكيل المخبوزات وتسويتها في الفرن التي تكفل بها أصيل، كما انتهت المعارك الصغيرة التي خاضها زين وزينة مع الجميع، وقف أصيل أمام حوض المطبخ يغسل يديه ببطء من بقايا العجين، بينما لا تزال أصوات الصغار تتردد في أرجاء البيت خلفه، زينة تسخر ضاحكة من اخيها الصغير المحتال، وزين يحتج لأنه اتُّهم ظلمًا بسرقة العجوة، وفاطمة تناطحه أنه كاذب، بينما عائشة وشهد يلمّلمان الأشياء المبعثرة هنا وهناك، وغنى تحاول عبثًا أن تُنهي تلك الفوضى دون أن تتوقف عن الابتسام رغم كل شيء.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم 

وسط كل هذا الصخب فاحت روائح المخبوزات الطازجة في فضاء المنزل، تسلل هذه الرائحة إلى صدر أصيل بعمق واستقرت داخله حتى تشبع بها، غادر للردهة حيث تتجمع عائلته وعيناه تتجولان المكان المزدحم بهم، ابتسم ابتسامة هادئة لم تصل إلى شفتيه فقط، بل استوطنت في قلبه، ذاك العبق الدافيء الذي يلتصق في الذاكرة ويعلق في الروح، وبيقين لا يقبل المقارنة، أدرك أصيل أنه لو غرق في بحر من عطور فرنسا الفاخرة، لن تنعشه وتتخلل روحه وتُسكره بسحرها، گ عبق اقراص زوجته المعجونة بمحبتها وحنانها ودلالها، هنا وجد نفسه يبحث عنها بعينيه وسط هذا الزحام حين لاحظ غيابها القصير، لتعود للظهور بيدها عصا المكنسة شارعة بتنظيف المكان، فتعلقت عيناه بها، كأن لوحة عائلته الجميلة لا ولن تكتمل إلا بها وحدها.
غنى!


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات