رواية مرايا لا تعكس الوجوه الفصل الثاني 2 بقلم دفنا عمر
امتدّت صفحة البحر أمامهم بلونها الأزرق الباهي، وقد صنعت مع الشمس الذهبية لوحة خلابة للناظرين، ونسمات الهواء تداعب الوجوه المبتسمة، جلست عائلة مؤمن على الشاطئ في نزهة عائلية بسيطة، وطفلتهم الصغيرة "غفران" تركض بمرح قرب حافة الماء، تضحك بصوتٍ عالٍ، بينما يلاحقها أبيها بخطواتٍ واسعة، يشاركها اللعب ويثير ضحكاتها أكثر بلمساته التي تعرف مفاتيح ضحكة صغيرته الوحيدة.
تابعتهما جيلان بعينيها متيقظة لكل حركة، قبل أن تنادي بصوتٍ امتزج فيه القلق بالحب:
_ بلاش تروح بعيد يا مؤمن عشان غفران!
التفت إليها مبتسمًا ولوّح بيده كأنه يطمئنها دون كلمات، ومن خلفها كانت علا تجلس على كرسيٍ تحت مظلة كبيرة ملونة تقيها حرارة الشمس، تراقب المشهد بعينين دافئتين، قبل أن تضحك بخفة قائلة:
_ خايفة عليها وهي مع أبوها يا جيلان؟ إنتي بقيتي مجنونة!
ابتسمت الأخيرة لكن عينيها ظلّتا معلّقتين بطفلتها وقالت بنبرةٍ هادئة:
_ غصب عني يا طنط، عارفة اني بخاف عليها زيادة، بس مش بإيدي.
هزّت علا رأسها وهي تبتسم بتفهّم، بينما عادت جيلان تشرد بنظرها، كأن تلاطم الأمواج تسحبها إلى زمنٍ آخر قبل أربع سنوات وأكثر قليلا،
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
«هنسميها أيه يا جيلان؟»
كان هذا تساؤل مؤمن الهامس جوارها، وعيناه لا تفارق ابنته، لتهمس دون تفكير «غفران»
ذلك الاسم لم يكن اختيارًا عابرًا، بل كان قرارًا خرج من أعمق نقطةٍ داخلها، كانت تسميتها احتفالًا صامتًا بحصاد غفرانٍ لم تكن تظن أنها تستحقه، ومع هذا منّت ضحى عليها به، الغفران الذي منحها فرصةً جديدة، وحرّرها من ثقل الذنب الذي طوق عنقها طويلًا.
عادت جيلان إلى الحاضر مغلقة باب الذكريات خلفها، مع صوت ضحكات طفلتها وهي تتشبث بيد أبيها، وإلى البحر الذي لم يعد مخيفًا كما كان في داخلها يومًا، تنفست بعمق، وابتسمت أخيرًا ابتسامة هادئة، لكنها ممتلئة بشيءٍ يشبه السلام.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
شعرت بنسمات الهواء تشتدّ قليلًا وتدفع الموج إلى الارتفاع تدريجيًا ولازالت الصغيرة تركض وتضحك ببراءة، بينما يمسك مؤمن بيدها، يساير خطواتها ويترك لها مساحة اللعب، وعيناه لا تغادرانها، كأنه يستمتع بكل تفصيلةٍ صغيرة فيها، وقفت جيلان تراقبهما حتى ارتفعت موجة أكبر قليلًا، فشدّت جسدها بقلق، ونادت بصوتٍ أعلى هذه المرة:
_ مؤمن! كفاية كده عشان خاطري، الموج بقى عالي والهوا زاد، البنت ممكن تتعب.
لم تنتظر ردًا، وأضافت برجاءٍ واضح:
_ يلا طلعها بقى قبل ما تتعب وتاخد برد.
التفت إليها مؤمن، ورأى القلق الصادق في عينيها، فاكتفى بابتسامةٍ مطمئنة، ثم انحنى يحمل غفران بين ذراعيه وبدأ في الخروج من البحر، ومن خلفها كانت علا تتابع المشهد، وابتسامة هادئة ترتسم على شفتيها، تتفهم قلق جيلان مثل أي أم، بل وتظنها لا تبالغ، الصغيرة ليست قوية بما يكفي وكثيرا ما تمرض، ومع هذا حاولت تهذيب خوفها بقولها:
_ جمدي قلبك شوية يا جيلان، بكرة البنت هتكبر وتكون اقوى، دي بردو لسه صغيرة وطبيعي تكون ضعيفة.
ردت وهي تتابع تقدم زوجها وابنتها نحوها:
_ تفتكري لما تكبر هبطل اخاف عليها يا طنط؟
اكتفت علا بابتسامة أغنت عن ردها، طوفان الخوف داخل الأم لا يقل منسوبه مطلقا مع العمر، بل تزداد شراسته، ربتت على ظهرها بحنان لتبادلها جيلان ابتسامة صافية مقبلة يدها، ثم تقدّمت بالفعل بخطواتٍ سريعة، تستقبل طفلتها بلهفةٍ لا تخفيها.
ما إن وصلت إليها حتى تلقّفتها من بين ذراعي مؤمن، ولفّتها سريعًا بمنشفةٍ كبيرة، تضمّها إليها برفق، ثم أخذت تقبّل وجنتيها وملامحها الصغيرة:
_ بتعشقي البحر يا سمكة صغيرة أنتي!
ضحكت غفران برقة وهي تتشبث بها، بينما جيلان تجفف شعرها بحنانٍ مبالغ فيه، كأنها تحاول أن تزيل عنها حتى أثر الهواء.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
_ أنا جعت جدًا على فكرة.
نظرت إليه جيلان بطرف عينها، قبل أن تبتسم دون أن ترفع تركيزها عن غفران، لتقلد الصغيرة أبيها بحماسٍ يشبهه:
_ وأنا كمان جعانة خالص زي بابا.. عايزة شيبسي كتير!
ضحك مؤمن يسخر منها:
_ هو الشيبسي ده أكل يا غفران؟ مفيش شيبسي قبل ما تاكلي السندويتش بتاعك.
لتؤيده جيلان:
_ كلام بابا صح.. تخلصي السندويتش تاكلي الشيبسي.
زفرت الصغيرة بضجر ولجأت لمن تظن انها لن تخذلها ابدًا.
_ تيتة لولو..قوليلهم يدوني الشيبسي بتاعي.
رق قلب الجدّة ورفعتها لتجلس فوق قدميها ملثمة خدها بحنان عميق، ذلك الحنان الذي صار جزءًا من يومها منذ جاءت هذه الطفلة إلى حياتها، وقالت برفق:
_ مينفعش يا قلب تيتة، ماما وبابا كلامهم صح، البنات الشاطرة تخلص أكلها الأول.
تذمرت بشكل محبب يجعل من يراها يشتهي تقبيلها:
_ منا هاكل شيبسي اهو يا تيتة.
ضحكت علا وهي تفرك انفها الصغير برفق:
_ بلاش لماضة يا بنت، يلا عشان لو خلصتي السندويتش هشتريلك حاجات حلوة كتير واحنا مروحين، وكمان هتنامي في حضني واحكيلك حكاية جميلة هتعجبك
قفزت الصغيرة بحماس:
_بجد يا تيتة؟ موافقة.
_ تعالي يا حبيبتي، أنا هأكّلك بإيدي.
قالتها جيلان وهي تمسّد على شعرها، استكانت غفران بين ذراعيها، مبتسمة،
أما مؤمن، فجلس قريبًا منهما، يمدّ ساقيه على الرمل، وعيناه تتنقلان بين ابنته وزوجته، بابتسامةٍ صافية لرجلٍ وجد في هذا المشهد البسيط كل ما كان يبحث عنه، وفي حماية المظلة الملونة، وبين صوت الموج الذي هدأ قليلًا، بدا كل شيءٍ مكتملًا في نظره، يجلب داخله الحمد لله كل حين على نعمه الكثيرة، مستعيذا أن تزول هذه النعم يومًا.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
في المساءٍ بعد صلاة المغرب، جلس مؤمن على الأريكة، وأجلس غفران على ركبتيه يحيطها بذراعه و حدثها بصوتٍ هادئ، يلقّنها آيات القرآن ببطءٍ وصبر:
_ نراجع بقا على سورة الفاتحة قبل ما تنامي، قولي ورايا يا حبيبتي "بسم الله الرحمن الرحيم"
نظرت إليه بعينيها الواسعتين، ثم راحت تردد، ما يقوله ببعض اللعثمة فيبتسم مؤمن ويعيدها عليها بلطف:
_ شاطرة يا روح بابا بس عايزك تقوليها أحسن.
كرّر معها الآيات آية بعد آية، دون ملل، حتى مالت عليه قليلًا من الإرهاق، رفع ذقنها برفق، وقال وهو يمنحها وعدًا في صورة مكافأة:
_ طب بصي بقى، لو حفظتي الفاتحة في خلال الأسبوع ده، هجبلك لعبة حلوة أوي، وآخر الأسبوع هنروح الملاهي أنا وأنتي لوحدنا..إيه رأيك؟
اتسعت عيناها بسعادة:
_ بجد يا بابا؟
_ بجد يا روح بابا.. بس تحفظي سورة الفاتحة.
صفّقت بيديها الصغيرة:
_ موافقة، هحفظها كلها!
وفي تلك اللحظة، جاء صوت جيلان من خلفهما، بنبرة متذمرة:
_ لا طبعًا..رجلي على رجلكم يا أستاذ مؤمن!
التفت إليها، وضحك وهو يقصد مشاكستها:
_ إيه ده؟ هو أنا مش من حقي أفسّح بنتي لوحدي شوية؟
عقدت ذراعيها، متظاهرة بالضيق:
_ لأ مش من حقك، واصلا بنتي عايزاني اكون معاكم، صح يا قلب ماما؟
_ بس انتي مش بتخليني ألعب براحتي يا ماما.
ثم فردت الصغيرة ذراعيها قائلة:
_ وأنا عايزة ألعب كتير كتير.
رفعت جيلان حاجباها بصدمة بينما ضحك مؤمن، ثم مد يده يسحب زوجته لتجلس بجوارهما وقال:
_ خلاص متزعليش، هناخدك معانا.
ردت بغرور مازح:
_ ده مش اختيار اصلا يا مؤمن.
قهقه بضحكة قصيرة وعاتبها بمرح:
_ يعني مفيش شكرا؟
اكتفت بنظرة دلال عاتبة بينما
اندمجت غفران تحاول حفظ القليل من السورة وهي تتلوها بتلعثم لأبيها، قبل أن تتثائب قائلة:
_ ماما، عايزة انام في حضن تيتة عشان تحكيلي حكاية حلوة.
حملتها جيلان برفق وهي تتوجه نحو غرفة علا هاتفة:
_ حاضر يا نور عيني، تيتة أصلا منتظراكي وقالت اجيبك لما تخلصي حفظ مع بابا.
تثائب مؤمن والنوم يداعب عيناه، يومه بدأ مبكرا وقضاه لعبًا وهرولة خلف الصغيرة، رغم إرهاقه كان يوما جميلا، ولج غرفته يغفو وقتًا قصير قبل انطلاق أذان العشاء، ليلحق الصلاة جماعة في المسجد القريب.
---------
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
قلبه يخفق بعنف حتى خُيّل إليه أنّ صدره لم يعد يحتمل خفقانه، يمد يديه نحو صغيرتيه بذعر يحاول جذبهما إليه قبل أن يبتلعهما ذلك الظلام المخيف، لكنّ المسافة بينه وبينهما راحت تتمدّد كأنّ الأرض تحوّلت إلى قطعة مطاط، كلّما قام بجذبهما كلما ازداد البعد.
«خليكم ماسكين إيدي».
أخيرًا نجح في الإمساك بهما، أصابعه لامست أطراف أناملهما الصغيرة لحظة خاطفة ثم انفلتت من جديد، كأنّ شبحا لا يراه ينتزعهما من بين يديه عمدًا.
«بابا.. بابا».
نداء الصغار المرتجف يبتعد، ليندفع بجنون يحاول اللحاق بهما، لكن ذاك الضباب الأسود أزداد كثافة ولم يعد يرى سوى ظلال باهتة لطفلتيه وهما يبتعدان عن عيناه.
انتفض أصيل من نومه دفعةً واحدة مصدرًا
شهقةٌ حادّة خرجت من صدره، أنفاسه تتلاحق كأنّه كان يركض بكل قوته، العرق البارد يغمر جبينه وعنقه، رفع عينيه باضطرابٍ داخل الغرفة المعتمة، يحاول استيعاب أنّه كان مجرد حلم، بل كابوس مخيف، لكنّ هذا الرعب الذي زلزل دواخله بدا له حقيقيًا أكثر من اللازم.
إلى جواره كانت غنى نائمة بعمق، ملامحها هادئة لم تشعر بالعاصفة التي مزّقته قبل لحظات في نومه، مرّر كفّه فوق وجهه مستعيذًا من الشيطان الرجيم، ثم نهض حتى يراهما بعيناه ويطمئن.
بهدوء جلس على طرف فراش الصغيرات، وعيناه تتحركان فوق ملامحهما الغافية ببطء، كأنّه يتأكد للمرة الألف أنّهما ما تزالان هنا، آمنتين، بعيدتين عن ذلك الكابوس اللعين، مدّ يده يعدّل الغطاء فوق فاطمة، لكنّها تحرّكت حركة خفيفة، ثم فتحت عينيها قليلا وهي تتمتم بنعاس:
-بابا؟
مال نحوها فورًا، وصوته خرج هامسًا دافئًا:
_أيوة يا حبيبتي، ارجعي نامي يا طمطم.
رمشت بعينيها قليلا، ثم سألته بصوت لازال متثاقل من النوم:
_كنت عايز حاجة يا بابا؟
ابتسم وهو يمرّر كفه فوق رأسها بحنان:
_أبدا ياحبيبتي مفيش.
تأملته لثوانٍ قصيرة، وكأن عقلها الصغير يحاول فهم سبب وجوده في هذا الوقت، لكنّ النعاس كان أقوى منها، اكتفت بأن تمسّكت بطرف كفه للحظة، ثم أغمضت عينيها مجددًا وهمست:
_تصبح على خير يا بابا.
انحنى يقبّل جبينها قبلة طويلة، ثم همس بصوت خافت:
_وانتي من أهله يا قلب بابا.
ظلّ جالسًا دقائق أخرى بصمت، حتى هدأت الفوضى داخله قليلًا، ثم التفت نحو شهد التي نادرا ما يرتفع عنها الغطاء، تختفي أسفله حتى يكاد يبتلع رأسها كأنها تحتمي من شيءٍ ما، اكتفى بربتة حانية فوق ما ظهر من شعرها ثم غادر على الفور.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
حين عاد بعد جولته على الصغار، كانت خيوط الفجر الأولى قد بدأت تنتشر بأنحاء غرفته، وجد غنى قد استيقظت بالفعل ترتب حجاب الصلاة حول رأسها متسائلة:
_كنت فين؟
نظرته الصامتة اغنت عن إجابته، ما جعلها تهتف بعجب:
_ تاني؟ ما انت عملت كده فعلا قبل ما ننام!
ثم ضيقت عيناها:
_ هو في حاجة يا أصيل؟
أجاب وهو يمرر يده فوق عنقه بإرهاق:
_ صحيت قلقان شوية وروحت اطمن، عادي يعني.
رمقته مليا وغبار القلق جليا بعيناه، ثم راقبته بصمتٍ وهو يتجه إلى الحمّام ليتوضأ، وبعد دقائق كانا يقفان جنبًا إلى جنب في هدوء الفجر وتلك السكينة التي تحاول ترميم شيءٍ مضطرب داخله، بعد انتهائهما عادا إلى الفراش من جديد، استلقت غنى إلى جواره، ثم التفتت نحوه تراقب شروده الواضح، همست برفق:
_مالك؟ شكلك مش مرتاح.
ظلّ صامتًا للحظات، وعيناه مثبتتان بالسقف، قبل أن يجيب بصوتٍ منخفض:
_حلمت حلم مش حلو للبنات، مش حلو أبدا.
تغيّرت ملامحها للشفقة متفهمة خوفه على تؤامه الأول، خوف لا ينتهي مهما بدت الأمور مستقرة، شيء ما يعبث داخله ويتثير قلقه دومًا وتجهل أسبابه، ليتها تستطع نزع تلك الافكار من عقله ليجد سلامه الكامل، تنهدت ثم اقتربت منه أكثر وهي تقول بهدوء:
_ده مجرد حلم يا أصيل وعدّى خلاص، متديهوش أكبر من حجمه.
أومأ برأسه ببطء، لكنّ الشرود ظلّ معلقًا بعينيه، كأنّ عقله ما يزال حبيس ذلك الحلم،
صمت ليس قصير مرّ بينهما، قبل أن يسألها فجأة:
_أختك غزل هتسافر إمتى مع جوزها؟
التفتت إليه باستغرابٍ من سؤاله المفاجئ، لكنها أجابت:
_بعد عيد الأضحى بوقت بسيط.
هزّ رأسه ببطء دون تعليق وعاد لصمته الشارد وشيئًا خفيًا ارتخى داخله، مجرد فكرة ابتعادها لبعض الوقت سوف تمنحه هدنة قصيرة من ذلك القلق المزمن الذي يطارده منذ سنوات، خوفًا من أن تعود غزل يومًا وتحاول العبث باستقرار أطفاله أو تربك حياتهم التي يحاول بأعجوبة إبقاءها متماسكة.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
رأت غنى شخوصه لازال يسكن عيناه، فمدت يدها بهدوء، تربّت فوق كفه بحنانٍ صامت، أطبق أصيل أصابعه حول يدها تلقائيًا، وكأنّه يتمسّك بالشيء الوحيد القادر على إبقائه متزنًا وسط كل هذه البعثرة.
اقتربت منه أكثر ثم رفعت يدها تمسح التجعيدة الغائرة بين حاجبيه، تلك التي تظهر كلما أثقل شيءٌ ما قلبه، ثم انحنت نحوه ببطء قبّلت إحدى عينيه برقة ثم الأخرى هامسة بدلال ناعم وهي تبتسم:
_كده خلاص مش هتشوف كوابيس تاني.
ارتخت ملامحه أخيرًا بابتسامة صغيرة دافئة تسللت إلى شفتيه، كأنّها أطفأت بغتة كل ذلك القلق الذي كان ينهش صدره منذ استيقاظه، لا يعرف كيف تنجح دائمًا في فعل ذلك، كيف تتحول لمستها له إلى طمأنينة، وصوتها إلى مكانٍ آمن يختبئ داخله من العالم بأسره، مدّ ذراعه يجذبها نحوه دون مقاومة منها، حتى استقرّت رأسها فوق صدره، بينما أصابعه تنساب ببطء داخل شعرها الطويل المفرود فوق كتفيها، دائما ما يعشق شعرها المسترسل هكذا، حرًّا، ناعمًا، ينسدل بين أصابعه كليلٍ هادئ يعرف طريقه إلى قلبه، أغمض عينيه للحظة يستشعر دفء قربها، ثم قال بخبثٍ خافت قرب أذنها:
_بس أنا عندي طريقة تانية تضمن إني مش هشوف أحلام وحشة تاني.
ضحكت بخفوت تلك الضحكة التي لا تزال قادرة على إرباك قلبه كما لو أنّه يقع في حبها للمرة الأولى، بل يعشقها وينغرم بها من جديد.
رفعت عينيها إليه، فوجدته ينظر لها بذلك العمق الذي اعتادت أن تراه فيه كلما نسي العالم ولم يتبقَّ أمامه سواها، اقترب منها ببطء، قرب لا يشبه الشغف العابر بقدر ما يشبه عودة روح إلى مآواها، وكأنّهما مع كل مرة يلتقيان فيها لا يقتربان بأجسادهما فقط، بل تلتحم روحيهما وتمتزج بعلاقة أكثر نضجًا، أكثر دفئًا، وأكثر حبًا، كأن الحب بينهما من ذلك النوع النادر الذي لا تُبهته الأيام، ولا تقتله المسؤوليات، حب لا يشيخ تحت ثقل العمر مهما طال، بل على العكس كل عام يمرّ عليهما يترك شيئًا أعمق بقلبيهما، علاقة تشبه السكينة بعد التعب، الدفء بعد البرد، الوطن الذي يعود إليه المرء مهما أنهكته الطرق.
دفنت غنى وجهها قرب عنقه وهي تبتسم وتتنهد براحة بعد أن هدأت عاصفة الحب الناعمة بينهما، ضمّها أصيل أكثر كأنّه يعلن بصمته أنّ كل مخاوفه تصبح أهون ما دامت بين ذراعيه.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
-----------ازدحم السوق على غير العادة وراح يفيض بأصوات الباعة وثرثرة الأطفال، وأكياس الملابس المتأرجحة في أيدي الناس مع اقتراب العيد.
أما غفران، فكانت تسير بين والديها بخطوات صغيرة متحمسة، تمسك يد مؤمن بإحدى يديها، بينما تتشبث بطرف عباءة جيلان باليد الأخرى، وكأنها تخشى أن يبتلعها الزحام إن تركتهما لحظة، توقفت فجأة أمام واجهة إحدى المحلات، واتسعت عيناها بانبهار صائحة:
_ بابا.. بابا عايزة ده.
التفت مؤمن ناحية ما تشير إليه، فرأى فستانًا صغيرًا بلون سماوي هادئ تتناثر فوقه ورود بيضاء رقيقة.
ابتسم فورًا مع قوله:
_ من عيوني، يلا ندخل نشوفه.
وحملها برفق خلفه جيلان لا تفعل شيء سوى مراقبة ابنتها بدقة، دخل بهما إلى المحل وأخذ يتنقل بين الفساتين بتركيز حقيقي، لفت نظره فستانًا ورديًا فقال:
_ جميل جدا الفستان ده، إيه رأيك؟
تذمرت الصغيرة وعبست:
_ لأ.. ماليش دعوة عايزة الأزرق.
ابتسم وهو يداعب خدها:
_ خلاص متزعليش، نشتري اللي عجبك، مقدرش ازعل حبيبة ابوها.
ابتسمت جيلان من خلف نقابها وغفران تقفز بسعادة، لكن سريعا ما أمرتها بحنان:
_ بلاش تنطيط يا حبيبتي هتتعبي.
ثم نظرت لمؤمن هاتفة:
_ فاضل نشتري جزمة وشنطة للفستان، وكده نكون خلصنا الحمد لله عشان نخرج من الزحمة دي.
بعد جولة طويلة، استقر رأيهم أخيرًا على حذاء أبيض صغير وحقيبة بنفس اللون.
وبينما جيلان تستعد للخروج قالت الصغيرة:
بابا.. أحنا مش هنشتري لبس العيد لماما وتيتة وعمتو هبة كمان؟
ضحك مؤمن وشاركته جيلان بابتسامة واسعة تفخر برقة قلبي ابنتها وأبيها ينحني يلثمها قائلا:
_ روح قلبي الحنينة اللي مش ناسية حتى عمتها.
ثم أوضح بقوله:
_بس انا مكنتش ناسي على فكرة، يلا بينا ندخل القسم الحريمي و تختاري مع ماما كل حاجة.
بدأت جيلان تنتقي الجلاليب القطنية الهادئة وهي تقول:
_ طنط بتحب الحاجات الواسعة والخفيفة دي، ايه رايك يا مؤمن؟
اومأ باستحسان:
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
_ جميلة، اختاري لماما اتنين، و لهبة واحدة._ لأ.. اختك بتحب البيجامات اكتر، هجيبلها واحدة من هناك، وبعدها نشوف عبايات الخروج لطنط.
ظلت تنتقي بعناية ما يناسب اذواقهما من ملابس حتى انتهت مهمتها. فاستدارت له قائلة:
_ اظن كده اشترينا كل حاجة.
_لحظة.
قالها مؤمن وابتعد قليلًا، اختار فستان ناعم فصفاض بندقي اللون، ثم أضاف بيجامة بيتية بلون هادئ، وأخيرًا اتجه ناحية ركن النقابات انتقى واحدًا ثم عاد يحمل إليها.
رفعت جيلان حاجبها:
_لمين كل ده؟
_ ليكي طبعا..انتي اختارتي للكل ونسيتي نفسك.
شعرت بشيء دافئ يتمدد داخل قلبها مع ابتسامة ممتنة لمحها اسفل نقابها وهي تقول:
_ عشان عندي كتير يا مؤمن، وهدوم لسه جديدة والله بكيسها.
لم يلتفت لاعتراضها، واتجه يختار اشياء اخرى لها على ذوقه، تركته يكمل اختياراته دون اعتراض هذه المرة، فقط تراقبه بصمت راضٍ، وقلبها يرفرف لاهتمامه. وبعدما انتهوا أخيرًا، نظرت جيلان للأكياس الكثيرة بين أيديهم ثم قالت:
_ كده فعلا كلنا اشترينا.
لتقلده قائلة:
_ استنى هنا لحظة، وخد بالك من البنت.
غابت وقت قصير وعادت بعدها وبيدها بيجامة تناسبه وقميص جديد.
ضحك مؤمن ما ان رآها وصاح:
_ يا بنتي هو أنا صغير عشان اشتري لبس عيد؟ رجعيهم مفيش داعي.
عقدت ذراعيها بعناد تعرفه جيدًا:
_ لا مش هيحصل، والعيد للكل مش للصغيرين وبس.
_ يا جيلان والله عندي قمصان كتير و…
قاطعته بحزم هادئ:
_ بس معندكش القميص اللي اختارته ليك دلوقت.
_ ايوة يا بابا.. انت كمان لازم تشتري زينا ماليش دعوة.
نظر إليهما باستسلام وغمغم:
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
_ خلاص مش هزعلكم.وحمل الأكياس من يدها تلقائيًا، بينما تشبثت غفران بكفه الأخرى وهي تثرثر فيما سوف تفعله في العيد.
بحنان قبضت جيلان كف صغيرتها، وبطرف عيناها تأملت مؤمن وهو يقودهما عبر الطريق المزدحم، أزداد داخلها الأمان وشعرت أن الدنيا رغم مخاوفها الدائمة وشبح ماضيها المظلم في أعماقها، مازالت منصفة معها، لقد منحتها عائلة جميلة ودافئة، الحياة مهما بدت قاسية معها في السابق، تكفي لحظات گ التي تحياها الأن، أن تمحي أي أثر لحزن أو مخاوف.. ولو لوقت قصير.
------------
جلست ترتب الحقائب وعقلها منشغل بتفاصيل كثيرة وقائمة طويلة من الأشياء التي ينبغي إنجازها قبل الرحيل، رنّ الهاتف جوارها، فالتقطته وما إن وقع بصرها على اسم سالم حتى ابتسمت وهي تجيبه:
_ أزيك يا سالم.
جاءها صوته حنون كعادته:
_ الله يسلمك يا حبيبتي، عاملة ايه؟
ردت بصوت هاديء:
_ الحمد لله، بنحضر للسفر.
سمعت تنهيدته قبل أن يقول برفق:
_ ربنا يوفقك يا غزل ويجعل سفركم فاتحة خير عليكم، جوزك وليد ابن حلال، و ولاده غيروا حياتك للأحسن.
أومأت وهي توافقه:
_ عارفة يا سالم، مقدرش أنكر فعلا إن وليد و الولاد خلوا لحياتي طعم ولون بعد ما..
أوقفتها غصة أدرك سببها سالم فقال سريعا يغير دفة الحديث:
_كنت بكلمك عشان أقولك إن عيد ميلاد ليان هيكون أول يوم العيد، منتظر تيجوا كلكم.
.
ابتسمت بحنان، هي تحب ليان أبنة سالم كثيرا، في وقتٍ ما كانت عزائها الوحيد بعد حرمانها من بنتيها، لكن ابتسامتها خبتت سريعًا وهي تتذكر موعد السفر، والتحضيرات المتراكمة عليها، وجدول الزيارات العائلية الذي أخبرها عنه وليد.
قالت بأسف:
_ غالبًا مش هعرف أجي اول يوم العيد يا سالم، إحنا قربنا نسافر و وليد عامل برنامج يفسح فيه الولاد زي ما وعدهم اول يوم، وناوي يزور قرايبه كلهم في العيد، ممكن اجيلك تالت يوم، أيه رأيك؟
ساد الصمت لثوانٍ قصيرة، قبل أن يجيبها بتفهم:
_ ولا يهمك يا غزل، امشي على على حسب ظروف جوزك، والعيد لسه اربع أيام، تعالي أي وقت يعجبك يا حبيبتي.
ثم لاطفها:
_ المهم متنسيش هدية عيد ميلاد ليان.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
ضحكت بحنان:_ هدية و تورتة كمان عشان نحتفل بعيد ميلاد قلب عمتها تاني.
أغلقت الهاتف بعد دقائق، ثم استأنفت ما كانت تفعل بهدوء قبل ان يعود زوجها مع الصغار من الخارج.
---------
على صوت المذياع الخافت المنبعث من التلفاز، جلست والدة سالم فوق الأريكة تحرّك سبحتها ببطء، تراقب ابنها الذي وقف قرب النافذة شاردًا منذ دقائق طويلة، قبل ان يتنهد أخيرًا دون أن يلتفت هاتفا بصوتٍ منخفض:
_ غزل خلاص قربت تسافر يا ماما.
رفعت الأم عينيها إليه بهدوء:
_ عارفة، كلمتها وقالتلي.
أدار وجهه نحوها، ثم قال:
_ مبسوط جدا عشانها، أخيرًا لقت حياة مستقرة وسط عيلة صغيرة عوضتها ونستها حزنها.
سكت لحظة، ثم أكمل بابتسامة باهتة:
_ مع إن فكرة إنها هتبعد كده مرة واحدة مضايقاني.
تأملته الأم طويلًا قبل أن تقول بحكمةٍ هادئة يشوبها الأسى:
_ يمكن البُعد هو الحل الافضل دلوقت يا سالم.
عقد حاجبيه ملتفتًا إليها:
_ حل لإيه؟
تنهدت الأم، ثم وضعت سبحتها جانبًا قائلة:
_ حل إن كل واحدة في اخواتك تعرف تعيش بسلام يا ابني.
وساد الصمت لثوانٍ، ثم أضافت بنبرةٍ أخفت داخلها وجع امرأة ترى ما لا يُقال:
_ غزل عمرها ما نسيت البنات ولا هتعرف تنساهم.
أطرق سالم رأسه ببطء، وكأن الجملة أصابت حقيقة يعرفها جيدًا ولا ينكرها، وقال:
_ عندك حق يا أمي، مهما ربنا عوضها وحبت ولاد جوزها، في حتة جواها هتفضل موجوعة عليهم.
لم تعلق والدته واكتفت الصمت تحدق الفراغ بشرود، و في داخلها كان هناك نقيضان، تشعر براحةٍ لأن غزل أخيرًا توقفت عن الغرق في أحزانها، بينما جزءًا آخر منها كان حزين لأجلها، بعض النساء مهما ابتسمن للحياة الجديدة وتقبلوها، يظل قلبهنْ جالسًا عند بابٍ قديم من الماضي لا يُغلق أبدًا داخلهم.
-------------
تسللت خيوط الفجر الأولى فوق المدينة، بينما كانت تكبيرات العيد تتعالى من المساجد في تناغم مهيب، تملأ الطرقات والقلوب معًا.
«الله أكبر.. الله أكبر..لا إله إلا الله».
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
خرجت أسرة أصيل من المنزل وسط حالةٍ من الفوضى اللطيفة المعتادة، الصغيرة زينة تتشبث بيد غنى وهي تغرق في إسدالها الصغير الذي يشبه ما ترتديه غنى وباقي شقيقاتها، فيبدو مظهرهم لوحة رائعة لمن يراهم، بينما كان زين يقفز بحماس طفولي حول الجميع، غير عابئ بنظرات والده التحذيرية ألا يترك يده ويبتعد، أما فاطمة وعائشة فكانتا تسيران متجاورتين بملابسهما المتشابهة، تتبادلان الهمسات والضحكات، وشهد تمسك كف زينة وتلاطفها كأم صغيرة لها، بينما يسير خلفهم عمرو بهدوئه المعتاد، واضعًا يديه في جيبي بنطاله، قبل ان يأتيه زين ويتعلق بكفه ويسير جواره، ما جعل اصيل يطمئن لأن الصغير تحت رعاية اخيه الأكبر.
كانت الشوارع تضجّ بالمارة والأطفال، ورائحة العيد تكاد تنبعث من الانفاس، فيما استمرت التكبيرات تحيط بالمكان، لتتسائل فاطمة فجأة وهي ترفع رأسها نحو غنى:
_ ماما، إحنا هنروح لتيتة ام بابا بعد الصلاة؟
ابتسمت غنى وهي تعدل طرحة:
_ايوة يا حبيبتي، بعد ما نصلي هنعدي على تيتة نفطر، عمك وعمتك يكونوا وصلوا هما كمان ونتجمع كلنا.
_طيب وهنروح امتى لخالو سالم؟ عايزين نحضر عيد ميلاد ليان.
تسائلت عائشة ليجيبها أصيل تلك المرة، وقد أخذ قراره بعد ان هاتفه سالم وأكد له أن غزل لن تزوره أول يوم العيد، لذا ارتاح قلبه وقبل دعوته.
_ بعد ما ناخد قعدتنا عند تيتة وتسلموا على ولاد عمكم وعمتكم، ننام شوية بعد العصر، وبالليل اخدكم عن سالم وجدتكم التانية، ونحضر عيد ميلاد لولا.
صفقت زينة فورًا بسعادة:
_ هيبقى فيه تورتة؟
ضحك أصيل بخفة:
_ طبعا يا حبيبتي، خالك جاب تورتة كبيرة وشموع كتير.
بينما قالت شهد:
_ بس إحنا كده لازم نجيب هدية لليان يا عمو.
هزّت فاطمة رأسها توافقها:
_ وأنا كمان عايزة أجيب هدية.
لتلحق بهما عائشة فورًا:
_ وأنا كمان!
حتى زين وزينة تعالت أصواتهما معًا مقلدين الجميع:
_ وإحنا كمان!
تأملهم أصيل بابتسامةٍ دافئة، ثم قال وهو يربت فوق رأس زين الذي اقترب منه:
_ خلاص يا سيدي، بعد ما تناموا شوية، هاخدكم بالعربية ونشتري هدايا بأسم الكل.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
هلل الصغيران بسعادة، بينما التفت أصيل نحو عمرو قائلًا بمودة:
_ وانت يا عموري، تعالى معانا وشوف عايز تجيب لبنت خالك إيه.
رفع عمرو عينيه إليه، ثم قال بهدوءٍ يحمل تلك الرزانة المبكرة التي تسبق عمره:
_ لا يا عمو… معايا فلوس وهشتري انا هدية بمعرفتي، لاني هقابل أصحابي بعد الصلاة العصر ونروح نجيبها سوا، وبعدين أحصلّكم عند خالو سالم.
تأمله أصيل للحظة بابتسامةٍ حانية دون ان يعترض، معجبًا بعزة نفسه، و ألا يكون حملًا على أحد.
فربت على كتفه بحنان:
_ براحتك يا حبيبي، خد عديتك مني وبعدها اعمل اللي انت عايزه.
_ اصيل، روح محل فيروز اشتري الهدايا، هي أولى من حد تاني.
ابتسم دون اعتراض على فكرتها وغمغم: _مفيش مشكلة، هو مش بعيد نقدر نروح ونرجع بسرعة.
أومأت براحة لموافقته ثم تابعوا سيرهم وسط التكبيرات التي لا تزال تعانق السماء، اقتربوا من المسجد الذي امتلأ على اخره، ليجدوا مكانهم بصعوبة قبل أن تبدأ صلاة العيد ويكبّر الإمام تكبيرات العيد السبع في الركعة الأولى، وما إن انتهت الصلاة وتعالت التهاني، حتى صاح زين بحماس وهو يركض ناحيتهما:
_ بابا! هات أكياس البونبوني عشان ندي الأطفال الصغيرين!
التقطه عمرو بين ذراعيه يمازحه وهو يضغط أنفه بخفة:
_ أومال إنت إيه يا زين؟ مش إنت طفل صغير برضه؟
قهقه زين يهز رأسه باعتراض طفولي، بينما ناوله أصيل حقيبة بلاستيكية ممتلئة بأكياس صغيرة معقودة بشرائط ستان، أعدّتها غنى مسبقًا، تضم قطع بونبوني، وقطعة شوكولاتة مغلفة، وبالونة صغيرة وقال مبتسمًا:
_ اتفضل يا سيدي، وزّعهم على الأطفال، بس ارجع بسرعة عشان نلحق ماما وأخواتك.
انطلق زين بخطواته الصغيرة المتحمسة، بينما وقف أصيل وعمرو يراقبانه من بعيد بابتسامة، والصغير يمد كفيه بالأكياس للصغار في فخر واضح، فتربّت السيدات على رأسه، وتطبع بعضهن قبلة سريعة فوق وجنته الممتلئة، وملامحه الطفولية الرقيقة تخطف القلوب أينما مر، ولم تمضِ دقائق حتى عاد يركض إليهما من جديد، يحمل بيديه حفنة صغيرة من الحلوى والألعاب التي دسّتها له بعض الأمهات بمحبة، وصاح بسعادة تكاد تقفز من عينيه:
_بابا! شوفت؟! خدت لعب وحلويات كتير أوي… هقسمهم أنا وزينة أختي.
على الجانب الأخر لم يختلف الأمر وزينة تتباهى بما جمعته هي الاخرى من هدايا بعد ان وزعت الاكياس الخاصة بها قائلة:
_ شايفة يا ماما؟ خدت حلويات كتير اوي، مش هاكل منهم غير مع اخويا زين.
شاكستها فاطمة:
_ طب وانا يا زينة مش هتديني واحدة.
بحنان عفوي مدت الصغيرة يدها تعطيها قطعة شيكولاتة كما اعطت الجميع لتغلق الحقيبة بصرامة مضحكة قائلة:
_مفيش تاني، الباقي هاكله انا وزين وبس.
ضحكت غنى وربتت على شعرها وقادتها هي وباقي البنات كي يلتقوا مع اصيل وعمرو بالساحة المقابلة للمسجد.
---------------
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
بخفة تسلل ثلاثة توائم لغرفة الجد، يهمسون كيف سوف يفاجئونه، بينما هو مستلقيًا بهدوء على سريره الطبي نائمًا،
انفتح الباب فجأة بصياح جماعي طفولي لا يعرف الاستئذان:
_ أصحى يا جدوووو.. العيد جه!
و اندفعوا إلى الغرفة دفعة واحدة، أصواتهم تسبق خطواتهم، وركضوا نحوه فراشه يتحسسون وجهه بكفوفهم كالقطط الصغيرة، فتح الجد عيناه سريعا وابتسم فور رؤية أحفاده الثلاث ابتسامة صافية يقول:
_ العيد بيجي كل يوم بفتح عيوني عليكم، تعالوا يا حبايب جدو.
صعدوا جواره يعانقوه ويغمسهم هو في احضانه بحنان ويقبل رؤسهم قائلا بحنان:
_ عيد سعيد عليكم يا ولاد..وتفضلوا مالين علينا الدنيا.
ثم حدثهم بلطف:
_ مين هياخد العيدية بتاعته من جده دلوقت؟
اسرع "مبارك" يقول:
_ أنا جيت الأول يا جدو.
ليتبعه "بندر":
_ لا انا الأول.
هنا تذمر تؤامهم الثالت "صقر" وقال:
_ لأ انا قبلهم ماليش دعوة.
ضحك الجد ثم مد ذراعيه وجذبهم جميعًا إليه، وتمتم:
_ بلاش تتخانقوا يا ولاد انا عندي حل، غمضوا عيونكم ومدوا ايدكم.. وانا احط لكل واحد العيدية بتاعته، بعدها تفتحوا تلاقوها، وكده تكونوا اخدتوها وقت واحد.
تحمس الصغار لفكرة الجد واسرعوا مسبلين اعينهم بقوة، التقط الجد حافظة النقود من تحت وسادته و وزع عليهم نصيبهم بالتساوي فوق كفوفهم الصغيرة ثم طالبهم ان يفتحوا اعينهم دفعة واحدة.
رد فعلهم الصاخب وهم يضحكون ويتشبثون بالنقود الجديدة جعلته يضحك من قلبه، تهون كل ألامه امام ضحكاتهم المحببة لنفسه.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
بتلك الاثناء وقفت فيروز عند الباب تراقب المشهد بصمت دون ان لم تتحدث، فقط ابتسمت بهدوء تحمد الله في سرها، بعد أن وافق والدها أخيرًا على الإقامة معها هو وشقيقتها نيرمين في الفيلا، وان كان داخلها غصة حين تذكرت وفاة جدتها رجاء قبل انتقالهما بوقت قصير، ترحمت عليها همسا ثم
اقتربت بخفة دون أن تقطع اللحظة، وعيناها لا تفارقان المشهد وأبيها يحتضن الصغار بقوة كأنه يستعيد كل عافيته بين أحضانهم.
_صباح الخير يا بابا.
ثم مالت تعانقه بتهنئة دافئة:
_ كل عام وانت بخير يا حبيبي.
بادلها عناق حاني:
_ وانتي بالصحة والسلامة يا حبيبتي.
ثم مد لها ورقة من النقود وقال:
_ يلا خدي عديتك انتي كمان.
ضحكت وهي تتناولها منه تدعوا له بطيلة العمر.
_ وانا يا سي بابا فين عيديتي؟
قالتها نيرمين مقبلة عليه ولاتزال ترتدي اسدال صلاتها، وخلفها طلال يصيح بمرح:
_ يا ترى انا كمان ليا عيدية يا عمي ولا راحت علينا؟
اتسعت ابتسامة والد فيروز أكثر وأكثر يضم ابنته الصغيرة ليعانق بعدها زوج ابنته، ثم منحهما عيديته بمحبة.
_ يلا يا حبايب بابا.. اقفوا صف عشان تاخدوا العيدية مني.
وقف الصغار بلهفة ينتظرون عطايا ابيهم ليهتف طلال:
_ وانتي يا نيرمين اقفي جنبهم انتي واختك.
كادت ان تعترض نيرمين خجلا لتقاطعها فيروز:
_يلا يا نيمو، متضيعيش الفرصة عيدية طلال باشا ما تترفضش.
تبادلت نيرمين نظرة خاطفة مع ابيها الذي أومأ لها برضا، اعطاها طلال عيدية سخية حتى اصابتها الدهشة، وكادت ان ترفض لتتدخل فيروز ثانيا وهي تمسك يدها وقالت بمرح:
_ شكرا يا طلال باشا، عيدية مقبولة.
ثم أمرت الصغار:
_ يلا يا ولاد روحوا العبوا برة في الجنينة، وشوية ونحصلكم عشان نفطر كلنا فطار العيد.
رافقتهم المربية للخارج وساعد طلال والد زوجته ليرتاح فوق المقعد المتحرك متوجها به نحو الحديقة مع قوله:
_ فيروز، انا جعت جدا، شوفي دادا جهزت الفطار ولا لسه، وانا عمي منتظرين برة مع الولاد.
-------
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
بعد أن أشرفت فيروز على كل شيء بنفسها، وأعطت تعليماتها للمساعدة لتحضير مائدة إفطار العيد في الحديقة، وقفت لحظة تتأمل الرضا الذي يغمرها، وزينة العيد تتراقص مع نسمات الصباح فوق الاشجار، والصغار يمرحون فوق العشب يلعبون بالكرّة، بينما طلال يجلس مع أبيها يتحدثون، تنهدت بهدوء ثم اتجهت بخطوات هادئة نحو غرفة نيرمين المجاورة لغرفة والدها في الطابق الأول، طرقت الباب طرقات خفيفة قبل أن تدفعه برفق، لتطل على مشهد جعل ابتسامة صغيرة ترتسم فوق شفتيها ونيرمين تجلس فوق السرير بملابسها المنزلية، شعرها نصف مرفوع بطريقة عفوية، بينما تضع أمامها فستانين وتتنقل بنظرات حائرة بينهما، ما إن لمحَتها حتى رفعت أحد الفستانين عاليًا ولوّحت به قائلة:
_تعالي يا ابلة فيروز اختاري معايا أخرج بأي فستان من دول؟
اقتربت فيروز وجلست جوارها بهدوء، تتأملهما للحظة قبل أن تشير إلى أحدهما بابتسامة راضية:
_ الأخضر ده جميل ومبهج للعيد.
التقطت نيرمين الثوب فورًا كأن القرار حُسم أخيرًا، وقالت بود واضح:
_ ذوقك عجبني، خلاص هخرج مع البنات بالاخضر، من امبارح بيزنوا عشان نخرج قلت مش اكسفهم.
ثم مالت فجأة لتعانقها بعفوية، تدفن وجهها في كتفها قليلًا وهي تتمتم بمرح دافئ:
_ عيدك مبارك يا اختي يا حبيبتي.
ربّتت فيروز فوق ظهرها بحنان قائلة:
_ وعيد سعيد عليكي يا نيمو.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
_ودي عيدية اختك الكبيرة، كل سنة وانتي طيبة يا جميلتي.
اتسعت عينا نيرمين قليلًا، ونظرت إلى الظرف بخجل واضح قبل أن ترفع رأسها إليها معترضة بلطف:
_ يا ابلة انا معايا الحمد لله، غير عيدية بابا وعمو طلال كمان، كفاية كده.
رفعت فيروز حاجبيها فورًا بعتاب مصطنع، واضعة يدها على خصرها:
_ بقا كده يا نيمو؟ كبرتي وبتكسفي اختك؟
ارتبكت نيرمين قليلًا، ولوّحت بكفيها نافية سريعا:
_ لا والله مش قصدي بس…
قاطعتها فيروز وهي تدس الظرف في يدها بإصرار حنون:
_مفيش بس، ومحدش يرفض ياخد عيدية من اخته.
رضخت نيرمين أخيرًا واستسلمت للأمر، ثم انحنت تقبل خدها شاكرة، لتبتسم فيروز وتقول وهي تزيح خصلة شعر هربت فوق جبينها:
_ اخرجي مع أصحابك طول العيد وانبسطي واشتري أي حاجة نفسك فيها، ولو عايزة تسهري بيهم هنا في حديقة الفيلا ياريت، اهو تبقي قصاد عيني.
انتفضت نيرمين بحماس واضح، وكأنها لم تصدق ما سمعته:
_ بجد؟ يعني اقدر اعزم اصحابي هنا عادي؟
ضحكت فيروز من حماسها المبالغ فيه، وربتت على ركبتها:
_طبعا يا روحي، خدي راحتك ده بيتك ياعبيطة.
وقفت نيرمين فورًا، ترفع ذقنها بكبرياء مصطنع ولوّحت بكفها في الهواء:
_ ده انا كده هشوف نفسي عليهم على الاخر.
لطمتها فيروز بخفة فوق ذراعها، مظهرة صرامة لا تحمل ذرة جدية:
_ إياكي يا بنت، تواضعي مع اصحابك.
انفجرت نيرمين ضاحكة وهي تعود تجلس مجددًا:
_ سيبيني يا أبلة انفخ نفسي شوية عليهم ولو بالكدب، ده البنات في الجامعة تعقد، عربيات ولبس معرفش منين، حاجة اخر فخامة.
ثم هدأت ضحكتها شيئًا فشيئًا، وتبدلت ملامحها لجدية محببة وهي تنظر إليها بصدق:
_ تعرفي يا ابلة، من وقت ما ما بابا وافق نيجي نعيش معاكي وانا سعيدة اوي، اولا عمو طلال حنين جدا وبيحبنا، وثانيا والأهم، الولاد بحبهم اوي كأني أمهم، حاسة انهم احلى حاجة في حياتي.
مدّت فيروز يدها تقرص خدها بخفة:
_ ما انتي امهم الصغيرة فعلا، مش الخالة والدة ولا ايه يا نيمو؟
ضحكت الأخيرة وقبل أن ترد عليها، انبعث طرق خفيف على الباب، لتطلّ الخادمة برأسها من الفتحة الصغيرة قائلة بأدب:
— فيروز هانم، الفطار جهز في الحديقة، والكل مستني حضراتكم.
تبادلت الشقيقتان نظرة سريعة، قبل أن تنهض فيروز وهي تمد يدها إليها بمزاح:
— يلا يا ست الكل، قبل ما يخلصوا الفطار ويسيبوا لينا الأطباق فاضية!.
---------------
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
في أحد أركان الحديقة وقت العصاري، انتصبت أرجوحة خشبية كبيرة كان طلال قد صنعها خصيصًا للصغار، تتدلّى بحبال قوية، تتسع لأكثر من طفل، وتحولت مع الوقت إلى أهم ركن في عالمهم الصغير. حولها، كان الصبية الثلاثة يركضون بحماس لا ينتهي، يتناوبون اللعب بين الأرجوحة والكرة، بينما يشاركهم عدة أطفال من الفيلا المجاورة؛ أصدقاء اعتادوا القدوم كل عطلة تقريبًا حتى صار وجودهم جزءًا من ضجيج البيت المعتاد، شجار سريع بينهم، ثم يعودون للعب وكأن شيئًا لم يحدث.
جلس طلال وفيروز في الجلسة الخارجية المطلة على الحديقة، أكواب العصير أمامهما، بينما تتبع أعينهما الصغار، ارتخت ملامح طلال دون أن يشعر، وعيناه معلقتان بالأرجوحة التي تتمايل والأطفال المتزاحمين حولها.
تنهد طويلًا، ثم قال وعيناه لا تزالان تراقبانهم:
_كان نفسي ماما تقضي معانا العيد ده.
التفتت إليه فيروز فرأت الحنين العابر الذي مرّ في عينيه، مدّت يدها تربت فوق يده برفق:
_معلش ياحبيبي، صبا لسه حامل جديد، وطبيعي طنط تفضل معاها وتبقى جنبها لحد الولادة.
ثم ابتسمت وهي تميل نحوه قليلًا:
_وربنا يقومها بالسلامة، وتبقى أحلى خالو يا طلال.
ضحك وهو يهز رأسه:
_خالو طلال؟ يا بنتي أنا خالو من وأنا عيل لسه في اللفة، أخويا الكبير كان متجوز ومخلّف وأنا لسه صغير جدًا.
ضحكت فيروز وهي تسند ذقنها فوق كفها.
_بس ولاد صبا حاجة تانية عندك.
رمقته بمشاكسة لطيفة:
_عارفة إنها دلوعة الكل، وإنتوا بتحبوها أوي.
تنهد بابتسامة أهدأ:
_صبا ليها مكانة كبيرة عندي فعلًا.
سكت لحظة قصيرة قبل أن يكمل:
_نفسي أشوفها مبسوطة دايمًا.
واكمل:
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
_ تعرفي، سعود ابن عمي ده كان هيموت عليها من زمان، وما صدق خلصت جامعة واتجوزها.ثم تمتم شاكرا:
_الحمد لله إنها مع حد بيحبها بالشكل ده.
ابتسمت فيروز بمحبة.
_ربنا يسعدها ويطمن قلبها يا رب.
ساد صمت قصير، لا يزعجه يقطعه سوى ضحكات الأطفال وصوت الأرجوحة وهي تتحرك، ثم قال طلال فجأة:
_على فكرة، أنا أكدت على أصيل يجي بولاده تالت يوم العيد، نعمل حفلة مشويات ونقضي سهرة حلوة.
التفتت نحوه باهتمام.
_بجد؟! أنا مستنية زيارتهم دي جدا، غنى وولادها وحشوني.
ثم تنهدت بأسف بسيط:
_كنت أتمنى ضحى وريان ينزلوا مصر يعيدوا معانا.
طلال بتفهّم.
_ريان بيسابق الزمن يا فيروز، ومحدد لنفسه وقت، مش عايز يفضل متغرب كتير…
_ربنا يحقق لهم اللي نفسهم فيه، ويبارك لهم في ولادهم.
توقفت لحظة، ثم لان صوتها تلقائيًا:
_خصوصًا كريم الصغير، والله بموت فيه.
ضحك طلال فورًا، ملتفتًا إليها بنظرة ماكرة:
_شكلك اشتهيتي نجيب نونو كمان يا روزي.
ثم رفع حاجبه بخبث لطيف:
_ويا سلام بقى لو بنت.
ضيّقت عينيها نحوه بتحذير، ليميل عليها قليلًا برأسه، وغمز لها بمكر واضح:
_إيه رأيك نشتغل على الفكرة دي؟
شهقت وهي تضرب ذراعه بخفة.
_ لم نفسك يا طلال.
اهلا بكم في مدونة مكتبة حواء نقرأ لكم ونكتب من اجلكم
_أنا هقوم أشوف الولاد، وخليك انت عايش مع افكارك دي.
تابعها بعينيه وهي تبتعد، وضحك وقد خطرت له فكرة عظيمة، ثم تمتم لنفسه:
_مين عارف! يمكن نجيب تلات بنات تؤام زي إخواتهم، وربنا يخلي العصير إياه
اتسعت ابتسامته اكثر، ثم رفع صوته يناديها بحماس مبالغ فيه:
_فيروووز!
استدارت من بعيد ترد.
_نعم؟
لوّح بكوب العصير أمامه وعلى وجهه ابتسامة غامضة لا تبشّر بالخير:
_هعملك عصير بنفسي عشان نشربه سوا يا عمري!
ثم ابتسم ابتسامة خبيثة مليئة بالحماس، وفي ذهنه يتسائل، لما لا يعيد ما فعل؟! لعل الحمل القادم يحمل له ثلاث أميرات دفعة واحدة.
--------------------
يتبع.