📁 آخر الروايات

رواية ريشة والصقر كامله وحصريه بقلم هاجر عبدالحليم

رواية ريشة والصقر كامله وحصريه بقلم هاجر عبدالحليم 




حين تكون الراقصة مطاردة من الحكومة...
ويكون الضابط الذي يطاردها هو نفسه الرجل الذي يريد حمايتها—
تبدأ الحرب.
ريشة... فتاة غجرية لا تملك من الدنيا سوى جسدٍ يرقص في الموالد، واسمٍ يطارده الاحتقار.
وزين المنصوري... رائد شرطة صارم، يضع القانون فوق الجميع، حتى فوق قلبه.
صفعة واحدة منها تشعل العداء.
ونظرة واحدة منه تغيّر كل شيء.
بين مقابرٍ قديمة، وتهريب آثار، وتمثال ذهبي يُسيل الدماء،
تجد ريشة نفسها في قلب معركة لا تعرف:
هل زين يطاردها ليقبض عليها؟
أم ليأخذها من العالم كله إليه؟
حبٌّ يولد وسط الرصاص.
وزواجٌ يتم تحت تهديد السجن.
وصقرٌ يفرد جناحيه ليحمي ريشةً اعتادت أن تواجه الدنيا وحدها.
"ريشة والصقر"
بقلم: هاجر عبدالحليم



الفصل الأول
مولد... الساعة العاشرة ليلًا.
كانت الطبول تدق بعنف؛
"دوم... تك... دوم..."
والبخور يملأ الأنوف برائحته الثقيلة، فيما التفّ الناس في دائرة واسعة، تتعالى منها الهتافات والصفير.
في المنتصف كانت النار مشتعلة.
وفوق النار... كانت تقفز.
ريشة الحاوي.
فتاة في الحادية والعشرين، ينسدل شعرها الأسود حتى آخر ظهرها، مشدودًا بحزام ذهبي يلمع مع كل حركة.
ترتدي بدلة رقص حمراء تشتعل تحت ألسنة اللهب، والصاجات بين أصابعها تُصدر نغمًا كأنها تتحدث، أما الخلخال الملتف حول كاحلها فكان يحكي حكايات أخرى مع كل خطوة.
كلما ارتفعت بجسدها فوق النار، شهق الناس.
— "بنت الحاوي بتسحر!"
— "دي مش رقاصة... دي عفريتة!"
وخلف الدائرة، في بقعة مظلمة لا يصلها ضوء المشاعل، كان يقف هو.
الرائد زين المنصوري.
بزته العسكرية مشدودة فوق جسده الصلب، والكتافات تلمع تحت الضوء الخافت، أما عيناه السوداوان فكانتا ثابتتين لا ترمشان.
همس العسكري الواقف بجواره:
— "هي دي يا فندم... ريشة. بنت رزق الحاوي. أبوها مطلوب في تلات قضايا آثار."
لم يرد زين.
ظلّت عيناه معلقتين بخصرها المتمايل على نغمة الطبلة، كأنه يخطّ تعويذة لا تُقاوم.
جزّ على أسنانه وقال ببرود:
"كل الشمال متجمع في خصر واحد."
ثم أشار إلى رجاله دون أن يحيد بنظره عنها.
"على إشارتي... هنلم المولد ده كله."
في تلك اللحظة كانت ريشة قد أمسكت بطوق من النار، تديره حول جسدها بخفة مخيفة.
ألسنة اللهب كانت تضيء وجهها؛
وجه طفلة بريئة، لكن بعينين لامرأة رأت الجحيم يومًا وعادت منه وحدها.
انتهت الرقصة، فألقت بالطوق بعيدًا، وتعالت الصيحات:
— "كمان يا ريشة!"
— "كمان يا تاج الحاوي!"
ضحكت ريشة، ورفعت يدها التي تحمل الصاجات قائلة بصوت رخيم لعوب:
— "بنات الحاوي ما بترقصش ببلاش يا خلق! اللي عايز العفريتة ترقص تاني... ينقّط!"
فتساقطت النقود عليها كالمطر.
وفي خضم الزحام... التقطت عيناها ذلك الرجل.
واقفًا في مكانه.
ثابتًا كتمثال حرب.
لا يصفق، لا يبتسم، لا يلقي نقودًا.
يحدّق فقط.
ولم تكن تلك نظرة رجل يشاهد راقصة...
بل نظرة صقر يحدق في فريسته قبل الانقضاض.
ابتلعت ريقها.
لقد عرفته فورًا.
الرائد زين المنصوري.
الرجل الذي ما دخل مولدًا إلا وخرج منه منتصرًا، ومعه نصف الموجودين مكبلين.
لكنها لم تُظهر ارتباكها.
غمزت له من بعيد، وصاحت بصوت أعلى:
— "إيه ده يا خلق؟! عندنا صقور في المولد! شكلها جعانة... بس الريشة ما بتتاكلش يا حرام!"
انفجر الناس بالضحك.
إلا هو... لم يضحك.
رفع يده فقط، وقال:
"دلوقتي."
وفورًا اندفع العساكر في كل اتجاه.
— "ثابت! المولد يتفض حالًا!"
تحولت الدائرة إلى فوضى؛
صراخ، هرولة، أطفال يبكون، ودخان البخور اختلط بتراب الأرض.
ريشة جمعت ذيل بدلتها وهمّت بالفرار.
لكنه كان أسرع.
قبض على ذراعها.
كانت كفّه خشنة ساخنة، قوية كأنها طوقت العالم كله حول معصمها.
أدارها نحوه بعنف.
فصار وجهها في مواجهة وجهه مباشرة.
النَّفَس بالنَّفَس.
رائحته خليط من الميري، وعطر رجولي غالٍ، وبارود.
أما رائحتها فكانت بخورًا وعرقًا وخطيئة.
قال بصوت منخفض لكنه نافذ:
"الرقص ده بترخيص؟"
رفعت حاجبها بتحدٍّ:
— "والفرجة ببلاش يا باشا؟"
اقترب أكثر، حتى اصطدم خلخالها ببيادته العسكرية.
"تحريض على الفسق، وإزعاج سلطات، والتستر على مجرم هارب."
ضحكت في وجهه ضحكة رنانة.
— "فسق إيه بس أعوذ بالله يا باشا؟ دا مولد! أنا برقص وبس. الفسق ده في عين اللي بيتفرج عليّا بخياله... يعني ذنبي أنا؟"
ثم وضعت الصاجات على صدره وطرقت بهما طرقعة واحدة.
— "وبعدين مجرم هارب مين؟ تقصد أبويا؟ آه الله يرحمك يا حاج ويِبَشّبِش الطوبة اللي تحت راسك... دا ميت من زمان."
اختفت الضحكة من عيني زين.
انتزع الصاجات من يدها وألقاها أرضًا.
"بتستعبطي؟ فاكراني واحد من اللي بيهبلوا عليكي؟"
ثم دفعها حتى التصقت بعمود النور، وحاصرها بجسده العريض.
"فين رزق الحاوي يا بت؟"
قالت ببرود مستفز:
— "في التربة يا باشا. أحلف لك بإيه عشان تصدق؟ مات من تلات سنين. تحب أوريك شهادة الوفاة؟"
لم يصدقها.
رفع يدًا قوية وأمسك بذقنها، يجبرها على رفع وجهها إليه.
"الكذب على ظابط... تهمة لوحدها."
ثم أخرج الكلبش.
لمع الحديد تحت ضوء العمود.
نظرت إليه ريشة... ثم رفعت عينيها إلى عينيه.
ولأول مرة... لم تخف.
اقتربت ببطء حتى أصبحت شفتاها قرب أذنه، وهمست:
— "هتكلبش ريشة يا صقر؟ طب والريشة لو طارت... هتعرف تمسكها؟"
كان نفسُها ساخنًا.
وريحتها ضربت رأسه كالمسكر.
تجمد زين لثانية.
ثانية واحدة فقط.
لكنها كانت كافية.
رفعت ركبتها وضربته في ساقه بقوة، وانتزعت ذراعها من قبضته، ثم اندفعت تركض.
— "اقبضوا عليها!"
صرخ زين وهو يعرج خلفها.
كانت تركض بين الخيام كأن الأرض تحفظ خطاها، والخلخال يفضحها برنينه.
عند أول الحارة توقفت لحظة، واستدارت.
نفخت له قبلة في الهواء، وصاحت ضاحكة:
— "التهمة الجاية خلّيها عشق وهوس يا حضرة الظابط... عشان دي التهمة الوحيدة اللي ممكن أسلّم نفسي فيها! غير كده هوديك البحر وارجعك عطشان!"
ثم اختفت في الظلام.
ظل زين واقفًا، ممسكًا بالكلبش الفارغ، وساقه تؤلمه.
اقترب العسكري مرتبكًا:
— "هربت يا فندم... ملحقناهاش، مركبة صاروخ في رجليها بنت الـ..."
لكن زين لم يجبه.
كان لا يزال يشم رائحتها على كفه،
ويسمع رنين الصاجات في أذنه.
ثم قال بصوت خافت لم يسمعه سواه:
"خليها تمشي... هجيبها تاني."


مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات