📁 آخر الروايات

رواية ريشة والصقر الفصل الثاني 2 بقلم هاجر عبدالحليم

رواية ريشة والصقر الفصل الثاني 2 بقلم هاجر عبدالحليم 


الفصل الثاني
كان الشارع نائمًا تمامًا، كأن الليل ابتلع كل الأصوات.
لا نباح كلاب، لا همسات بشر، ولا نافذة مفتوحة.
البيوت مغلقة بإحكام، والهواء البارد يمر بين الأزقة في صمت ثقيل.
إلا بيتًا واحدًا.
غرفة صغيرة فوق السطح، بابها الخشبي متهالك، وشباكها يئن كلما داعبته الريح.
في الداخل، وعلى حصيرة قديمة، كانت نائمة هي.
ريشة الحاوي.
قميص نوم أحمر يلتف حول جسدها بخفة، يصل إلى منتصف فخذيها، وقد انزلقت إحدى حمالتيه عن كتفها.
شعرها الأسود منثور فوق الوسادة كخيوط ليلٍ ساكن، وفي قدمها خلخال وحيد لم تنتبه لخلعه من شدة الإرهاق.
كانت نائمة كالميتة من تعب المولد والهروب.
وفجأة...
بووووم!
اهتزت الغرفة مع ركلة عنيفة حطمت الباب.
تناثر الخشب، وارتفع التراب في الهواء.
فزعت ريشة من نومها، شهقت، وجذبت القماش إلى صدرها بسرعة.
فتحت عينيها...
فوجدته واقفًا فوق رأسها.
الرائد زين المنصوري.
بزته العسكرية متجعدة من السهر، وعيناه محمرتان من قلة النوم، وكتافاته تلمع في ضوء الفجر المتسلل من خلفه.
وفي يده... الكلبش.
خلفه وقف عسكريان مذهولان، تتنقل أعينهما بينها وبين القميص الأحمر.
زين بص للعساكر بصة واحدة.
"بتتفرجوا ع أي يا حيوانات؟ بررررة."
انطلقا إلى الخارج فورًا، وأغلقا الباب المكسور خلفهما قدر المستطاع.
وبقي هو وهي.
وحدهما.
بلعت ريشة ريقها، لكن وقاحتها سبقت خوفها.
رفعت حاجبها وقالت بصوتٍ ناعس:
"إيه يا حضرة الظابط؟ هو العقل غايب ولا إيه؟ دي الساعة أربعة والناس بتصلي الفجر واللي منهم نايم، منورني ليه الساعة دي؟ ولامؤاخذة في دي الكلمة، ينفع تخش ع واحدة وتهجم عليها كدا؟ دي مش أخلاق صقور؟"
تقدم زين خطوة، فاصطدمت بيادته بطرف الحصيرة.
"أنا مش جاي أسبّلك يا بت، أنا جاي أفتش."
ألقى الكلبش بجوارها، فصدر عن الحديد رنين بارد.
"واللي هبدأ بيه... إنتِ. قومي، فِزّي."
ضحكت ريشة ضحكة متكاسلة، ومدت ذراعيها تتمطى.
ارتفع القماش قليلًا مع الحركة، وانسابت خصلات شعرها على كتفيها.
"عايز تفتشني وأنا نايمة كده؟ طب استنى ألبس لك بدلة الرقص عشان التفتيش يبقى على أصوله، أصلي ريشة ما بتعرفش تشتغل غير بمزاج وكيف."
جزّ زين على أسنانه.
رائحة البخور لا تزال عالقة بالغرفة، لكن ثمة رائحة أخرى... دافئة، أنثوية، خارجة من نومها، كانت أشد إزعاجًا على أعصابه.
مد يده وقبض على ذراعها بقوة، يجبرها على الوقوف.
فوقفت حتى صار طولها عند صدره تقريبًا.
"فين أبوكي يا ريشة؟"
خرج نفسه ساخنًا قرب وجهها.
رفعت عينيها إليه بثبات.
"لا... دا الصنف عالي أوي."
انزلقت عينا زين رغمًا عنه إلى عنقها، إلى الحمالة المنسدلة، إلى ارتجافة أنفاسها تحت القماش الخفيف، فاشتد وجهه أكثر.
ثم صاح:
"أبوكي هربان من السجن وإنتِ بتقولي ميت؟ عيّل أنا صح؟"
تركها ودار في الأوضة بعصبية.
فتح الدولاب المكسور، قلب المرتبة، بعثر ما على الرفوف.
ثم اتجه إلى التسريحة، وفتح درجها بعنف.
روج. كحل. ومقص صغير.
رفع المقص بين أصابعه.
"والمقص ده بتعملي بيه إيه؟"
اقتربت منه ريشة ببطء، حتى لامس صدرها أزرار بدلته.
مدت يدها وأخذت المقص منه ببرود.
"المقص ده بقص بيه ضوافري يا باشا... وقص بيه لسان أي راجل يفكر يمد إيده على ريشة الحاوي أيًّا كان وضعه. ثم ماله المقص هو ممنوعات؟"
أمسك زين يدها التي تحمل المقص وضغط عليها.
"إديهولي يا ريشة قبل ما أعمل لك قضية إنك ماسكة سلاح أبيض."
"سلاح أبيض يا لهوي!
يا باشا المقص ده آخري أقص بيه قماش... إنما السلاح فدا—"
وضعت يدها على خصرها، ولفت نصف لفة بطيئة، كأنها تستعرض تحديها.
"وسطي ده هو اللي بيقتل... هو اللي بيخضع... هو اللي بينتقم ويقهر. أنا أقدر أذل رجالة بشنبات بالدوم والتك."
اشتعل غضبه في لحظة.
جذبها حتى ارتطم ظهرها بالحائط.
برودة الحائط خلفها زادت سخونة أنفاسه أمامها.
جسده حاصرها، وكتافاه حجبتا عنها الدنيا كلها.
"بطلي لعب معايا يا بنت الحاوي. أنا مش واحد من الصيع اللي بيصفروا لك في المولد. انجزي أنا بكلمك ودي لحد دلوقت."
رفعت ريشة رأسها ببطء، حتى أصبحت شفتاها على بعد أنفاس من ذقنه.
"تعرف تقبض ع الفوضى يا باشا؟"
خرج نَفَسها دافئًا، وضرب صدره مباشرة.
هبطت عيناه إلى شفتيها لحظة؛ حمراوين، نصف مفتوحتين، وكأنهما تستدرجانه إلى معركة أخرى.
تذكر جملتها في المولد: التهمة الجاية خليها عشق.
فتراجع خطوة واحدة كمن لُسع.
"شكلك يقرف... البسي لبس عدل وتعالي معايا."
مالت رأسها، وتأملته من أعلى لأسفل.
"وماله لبسي؟ دول عساكرك معرفوش ينزلوا عينهم من عليّا."
استدارت أمامه ببطء، فاهتز القماش مع حركتها.
"أنا قمر... وأفتن أي حد، حتى إنت."
انفجر صوته.
وشدها من شعرها قائلًا:
"أنا هربيكي يا بنت الحاوي."
لكنها قاطعته.
ارتفعت على أطراف أصابعها، فصار وجهها في وجهه، وصدرها يلامس صدره لثوانٍ خاطفة.
"وأنا مستعدة يا زين."
تجمد.
اسمُه من شفتيها، بلا رتبة ولا ألقاب، نزل عليه كشرارة.
رائحة شعرها، سخونة قربها، وتلك الجرأة المستفزة...
كلها صفعت ثباته.
ارتفعت يده دون وعي، واستقرت على خصرها من فوق القماش.
انغرست أصابعه في لين جسدها.
"إنتِ... إنتِ بتلعبي بالنار يا ريشة."
خرج صوته مبحوحًا.
ضحكت قرب أذنه، وهمست:
"أنا برقص عليها يا باشا."
وكان على وشك أن يفقد آخر خيط من صبره...
لولا أن دوى صوت العسكر من الخارج:
"يا فندم! لقينا ورق في المخزن اللي تحت! ورق يخص قضية الآثار!"
انكسر السحر.
انتفض زين مبتعدًا عنها كأن شيئًا لسعه.
ترك خصرها، واتجه بنظره نحو الباب، ثم عاد ينظر إليها.
كانت واقفة أمامه، القميص متجعد، شعرها منكوش، وعلى شفتيها ابتسامة انتصار صغيرة.
انتصار امرأة عرفت أنها زعزعت الصقر.
انحنى زين، التقط الكلبش، ثم اقترب منها للمرة الأخيرة.
مال على أذنها وقال:
"المرة دي فلتي يا ريشة."
ثم استدار وغادر.
ظلّت هي مكانها لثوانٍ، وقلبها يضرب صدرها كطبول المولد.
رفعت يدها ولمست خصرها في الموضع الذي استقرت عليه أصابعه.
ثم ضحكت.
ضحكة عالية، مجنونة، ملأت الغرفة الفارغة.
ركضت إلى الشباك، وأطلت منه.
رأته أسفل البيت يصرخ في العساكر، وعروق رقبته نافرة.
فصاحت:
"زين!"
رفع رأسه.
نفخت له قبلة في الهواء.
"التفتيش الجاي خليه في المولد عندي!"
ثم أغلقت الشباك...
وتركت قلبه يشتعل وحده.



مكتبة حواء
مكتبة حواء
موقع مكتبة حواء هو منصة إلكترونية عربية متخصصة في نشر الروايات والقصص، ويستهدف بشكل أساسي محبي الأدب الرومانسي والاجتماعي، مع حضور قوي لاهتمامات القرّاء.
تعليقات