رواية عوض الله لا يضيع كامله وحصريه بقلم وفاء الدرع
مقدمه
ماذا لو استيقظت يومًا لتجد نفسك وحيدًا في هذا العالم، بعدما أغلق الجميع أبوابهم في وجهك؟
ماذا لو كان الشخص الذي يفترض أن يكون سندك وحمايتك هو أول من تخلّى عنك؟
هذه ليست مجرد قصة طفل طُرد من بيت أبيه، بل حكاية وجعٍ عاشه قلب صغير لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره، وحكاية رحمةٍ أرسلها الله في الوقت الذي ظن فيه أن الدنيا كلها تخلّت عنه.
بين قسوة أبٍ اختار إرضاء زوجته، وحنان غرباء فتحوا قلوبهم قبل أبوابهم، تبدأ رحلة "وحيد" من الشارع والبرد والجوع، إلى بيت امتلأ بالحب والأمان.
لكن هل ينتهي الألم عندما نجد السعادة؟ أم أن القدر ما زال يُخفي مفاجآت أخرى؟
كان هناك شجار كبير بين والدي وزوجته، وكانت تخيّره بيني وبينها، وتقول له:
"لو عايز ابنك يقعد هنا معانا، يبقى ده آخر يوم ليا عندك هنا... إنت فاهم ولا لأ؟"
خاف والدي على زوجته وأولاده منها، الذين هم إخوتي، وقال لها:
"طبعًا إنتِ أهم."
ثم أخذني وألقى بي في الشارع حتى يرضيها.
يومان كاملان وأنا في الشارع، بلا طعام ولا شراب، والدموع لا تجف من على خدي.
كنت أمشي بلا هدف، تائهًا لا أعرف إلى أين أذهب، وأنا لم أتجاوز الثانية عشرة من عمري.
طفل لا يعرف ماذا يفعل، ولا من أين يأتي أو إلى أين يذهب.
كنت أبحث عن أي عمل، وأتوسل لأي صاحب محل أن يشغلني عنده، لكن الجميع كانوا يرفضون.
"ارجع يا ابني... إنت لسه طفل ومش هتقدر على الشغل."
وفي اليوم التالي، بينما كنت جالسًا في الشارع لا أعرف ماذا أفعل، رأيت سيارة ضخمة متوقفة.
وفجأة...
شاهدت رجلًا كبيرًا داخل السيارة، يبدو عليه الألم، وغير قادر على الكلام.
اقتربت منه وقلت:
– حضرتك محتاج مساعدة يا أستاذ؟
أشار إليّ بيده أن أفتح باب السيارة.
دخلت، فأعطاني روشتة وبعض المال، وأشار أن أذهب لإحضار الدواء من أقرب صيدلية.
جريت بسرعة إلى الصيدلية، وأحضرت الدواء، ثم عدت إليه.
بعد قليل بدأ يشعر بالراحة، واستعاد صوته، وقال وهو ينظر إليّ:
– شكرًا يا ابني... ربنا بعتك ليا في الوقت المناسب. لو كنت اتأخرت شوية، كان زماني مت.
قلت له:
– الحمد لله إن حضرتك بقيت بخير، بس لازم العلاج ده يكون دايمًا معاك، الصيدلي قال إنه مهم جدًا.
ابتسم وقال:
– عندك حق يا ابني. على فكرة، اسمك إيه؟ وإيه اللي موقفك في الشارع في نص الليل، وفي عز البرد ده؟ هو إنت مالكش بيت؟
قلت له:
– أنا اسمي وحيد إبراهيم البنا، وأنا فعلًا وحيد... ما فيش ليا حد.
نظر إليّ والدموع في عينيه وقال:
– ليه عينيك مليانة دموع يا وحيد؟
قلت وأنا أحاول إخفاء دموعي:
– لا... مافيش حاجة يا عمو.
قال وهو يمسك يدي:
– أنا اسمي حمودة السيد السلحدار. عندي شركة استيراد وتصدير كبيرة، وعايش أنا وزوجتي في فيلا، وربنا ما رزقناش بأطفال.
ثم أكمل:
– بس أنا حاسس إن ربنا بعتك ليا مش صدفة. أنا حبيتك من أول ما شفتك يا ابني.
لم أستطع منع نفسي من البكاء، وقلت:
– وأنا كمان حبيتك يا عمو. يمكن ربنا فعلًا بعتك ليا بعد ما الكل سابني. ويمكن إحنا عوض لبعض... أنا مرمي في الشارع، وحضرتك مش معاك أولاد.
وأثناء كلامي شعرت بدوار شديد من الجوع، وفقدت الوعي داخل السيارة.
عندما استيقظت، وجدت نفسي في فيلا جميلة، ورجلًا وامرأة ينظران إليّ بحنان.
كانت وفاء، زوجة حمودة، تضع أمامي العصير والكيك وهي تقول:
– اشرب يا وحيد، وكل براحتك يا حبيبي، شكلك جعان من زمان.
أكلت وأنا أبكي، وقلت:
– ربنا يخليكم ليا... أنا فعلًا كنت جعان، وبقالي يومين ما دقتش لقمة.
ابتسمت وقالت:
– من النهارده إحنا أهلك. وكل الأيام الصعبة اللي شفتها هنعوضهالك يا ابني.
رفع حمودة رأسه وقال بصوت دافئ:
– اعتبر نفسك ابني يا وحيد. من هنا هتبدأ حياة جديدة، وربنا هيراضيك.
وبعد ساعتين أحضرت ماما وفاء طعامًا كثيرًا.
وقالت لي:
– كل يا وحيد، أنا جبت لك كيك وعصير الأول علشان لو أكلت بلهفة ممكن تتعب. لازم معدتك ترتاح الأول بأكل خفيف.
ثم وضعت أمامي أصنافًا كثيرة من الطعام.
أكلت حتى شبعت، وحمدت الله على هذه النعمة الكبيرة.
وبذلك...
بدأ القدر يغيّر طريق وحيد من الضياع... إلى الحب والحنان.
ثم قالت لي ماما وفاء:
– أنا ما رضيتش أسألك امبارح يا وحيد عن اللي حصلك، لكن احكيلي يا ابني حكايتك... هو إنت بجد مالكش أهل؟
صل على الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم