رواية عمار وليل قيادة القلوب الفصل التاسع 9 بقلم فاطمة شلبي
بارت ( 9 ) ..
_ سااالم؟؟!
الشيخ منصور ملامحه اسودت في ثانية خبط بعصايته في الأرض بكل قوته وزعق بصوت جهوري طرد كل ملامح الذهول..
_ الراجل ده إيه اللي جابه هنا..؟؟ أنا قولت ميدخلش بيتي طول ما أنا عايش مش عاوز أشوف وشه! اخرج برا يا سالم.. برا ..
عاصم بص لجده بتعب وقرب خطوة وهدى صوته وهو بيحاول يستعطفه..
= أبويا مجاش من غير سبب.. إحنا جينا نصلح اللي فات يا جدي أرجوك عشان خاطري في حاجات كتير لازم تعرفها ودلوقتي ومينفعش تتأجل.. أرجوك اهدى!
جده التفت له بعصبية ..
_ اهدى؟؟ بعد ما ضيعنا جاي تقولي اهدى؟؟ لولاك ولولايا مكناش قدرنا نقف على رجلنا وسط البلد ولا كنت هعرف أحط عيني في عين حد! الراجل ده كسر ضهري.. كنت فاكره عكازي في الدنيا بس يا خسارة!
سالم بص لأبوه بأسف حقيقي النظرة دي فيها مرار الـ 25 سنة غربة وفراق...قرب بهدوء من أبوه وبحركة هدت كل كبريائه نزل على الأرض بقلم فاطمةشلبي وقعد على ركبته قدام رجل الشيخ منصور.. رفع عينيه المليانة دموع وبص لوجه أبوه العجوز وقال بنبرة مرتعشة ومكسورة..
= أنا جيلك النهاردة ومستعد إنك تعمل فيا كل اللي إنت عاوزه بس ترضى عني.. كفاية اللي ضاع من عمري وأنا بعيد عنك ومكانش في إيدي حاجة أعملها.. بس دلوقتي خلاص كل حاجة هتتحل .
الشيخ منصور بصله باحتقار وبعد عينه بعيد عنه ..
_ إيه اللي هيتحل...؟؟؟ هترجعلي هيبتي وسط الناس؟ ولا أرضي اللي بعتها لأعدائي عشان كلام واحدة ست خربت بيتك.. وخدت من مراتك وعيالك؟ ولا الناس اللي كنت شغال معاهم ولا هامك أي شيء؟! ولا بنتك اللي ماتت بسببك ؟؟ ولا مراتك؟؟؟ اللي كسرت قلبها واتجوزت عليها وجبتلها الشيطانة اللي اتجوزتها دي تعيش معاها في بيت واحد!
الشيخ منصور سكت ثانية يبلع ريقه المر وبص لـ سالم تاني وهو بيموت من الوجع
_ أنت دمرت بيتك ومن زمان ومعدش في حاجة تتصلح.. لو عرفت تصلح كل ده ابقى تعالى دور على أبوك ورضاه.
سالم قام بتثاقل من على ركبه قدام أبوه جسمه كان تقيل بهم السنين وعينه جت في عين آمنة اللي كانت بتبصله بحزن حقيقي وكسرة قلب عاشت معاها عمرها كله.. سالم مقدرش يستحمل نظرة العتاب اللي في عينيها.. بعد عينه عنها بندم.. وبص لأبوه الشيخ منصور تاني وثبت نظراته وقال بثبات..
= " أنا جايلك بأحفادك يا أبويا..."
الشيخ منصور بصله باستغراب ..
_ أحفادي إزاي ؟؟
سالم كمل بثبات..
= "عاصم وليل.."
الاسم نزل زي السكينة في الصالة..اللي قالتها كانت آمنة.. نطقتها بدموع واستغراب.. وصوتها طلع بصدمة فيه..
— ليل؟؟
سالم رد بتأكيد ..وعينيه بتلمع بدموع الانتصار والحق..
= أيوه ليل.. ليل بنتي يا آمنة.
سالم أخد نفس طويل وبص لـ آمنة اللي ملامحها اتخطفت وكمل بتأكيد وصوت جهوري..
= مش بنتي بس.. دي بنتنا إحنا يا آمنة! بنتنا اللي قالوا لنا إنها ماتت في الحضانة من خمسة وعشرين سنة!
آمنة حطت إيدها على قلبها.. وهي مش مصدقة اللي سمعته والشيخ منصور سند بكل قوته على عصايته وهو مش قادرك يستوعب الكلام اللي بيسمعه..
وفي اللحظة دي.. الباب الخارجي اتفتح بالكامل.. وظهر عمار وهو ساند "ليل".
ليل كانت داخلة زي خيال المآتة وشها مخطوف لونه زي الأموات وعينيها تايهة ودموعها ناشفة على خدودها من كتر الصدمات اللي عاشتها في الكام ساعة اللي فاتوا.
أول ما ليل خطت عتبة البيت.. عيون الكل اتجهت ليها..
آمنة بصت لملامح ليل.. بصت لعينيها لتقسيمة وشها وللشبه اللي كان بيصرخ في الوشوش بس مكانش حد شايفه!
ليل ..عينيها كانت عبارة عن بحر دموع ووجع بتبص حواليها بتوهان وزي ما تكون مش مصدقة إنها وسط عيلتها الحقيقية.
عمار دخل وهو ساندها بكل حنية ووقف بيها في نص الصالة
منصور مكانش فاهم في إيه عينيه برقت وبص لـ ليل بشك وذهول وعصايته اتهزت في إيديه وهو بينطق بصوت خافت ومشحون..
— انا مش فاهم حاجة يا عاصم ..اي الكلام اللي بيقوله أبوك ده ؟؟
عاصم أخد نفس طويل ..وبص لجده ولأمه آمنة اللي كانت وبدأ يحكي لهم كل اللي حصل بالتفصيل..
= يا جدي.. الحكاية بدأت من وقت ما عمار الجبالي جالي وقابلني وقالي على المكالمة اللي نهال الشيطانة كانت بتتكلم فيها واللي فريدة سمعتها بالصدفة وقالت لنا عليها كانت وقتها بتكلم أبويا وبتقوله ينسى بنته وانها ماتت .. ومن هنا بدأ الشك يلعب في قلبه.. شكينا إن في حاجة مرعبة تربط ليل بأبويا سالم
عاصم بلع ريقه المر وكمل وعينيه بتلمع بدموع الانتصار:
= مكدبناش خبر.. عمار عرف ياخد عينة دم من ليل وعملنا تحليل الـ DNA.. والنتيجة طلعت الليلة اللي ووجعتنا كلنا قبل ما تفرحنا.. لما ليل اتخطفت .
آمنة شهقت شهقة مكتومة وحطت إيدها على صدرها وهي بتسمع ابنها.. وعاصم كمل وعينه في عين جده اللي ملامحه بدأت تتزلزل..
= لما عرفنا مكان ليل وأنقذناها ..ونهال عرفت ان ابويا عرف كل حاجة حست انها خسرت ..اعترفت بكل حاجة بلسانها وقالت ازاي بدلت البنات في المستشفى زمان عشان تنتقم من أبويا ومنك يا جدي!
كل ده.. وآمنة ومنصور واقفين مصدومين ومذهولين من كل كلمة بيسمعوها.. الصدمة شلت لسانهم..والكلام نزل عليهم زي الصاعقة اللي بقلم فاطمة شلبي هزت كيان بيت آل منصور كله.. آمنة بتبص لـ ليل بدموع ونظرة أم لقت حتة من قلبها بعد ٢٥ سنة والشيخ منصور واقف وعينيه متبتة في ملامح ليل وهو بيحاول يستوعب إن حفيدته اللي بكى عليها زمان واقفة قدامه لحم ودم!
آمنة قامت قربت منها بحنين جارف..رفعت إيدها اللي بتترعش ومشت صوابعها على وش ليل.. بتتحسس ملامح بنتها وعينيها غرقانة دموع وفجأة سحبتها وأخدتها في حضنها بسرعة وقوة .
ليل كانت واقفة جامدة في مكانها.. زي الصنم.. ثابتة ومش بتبدي أي رد فعل لا رفعت إيدها تبادلها الحضن ولا نزلت دمعة واحدة.. عينيها كانت مفتوحة بتوهان وباصة للفراغ كأن روحها غايب عن جسمها ومش مستوعبة إن الست اللي بتبكي في حضنها دي هي أمها الحقيقية!
عمار كان واقف قريب منها عينيه منزلتش من عليها كان متابع كل حركة منها وخايف عليها ..هو أكتر واحد عارف ليل مرت بإيه الليلة دي.
عاصم حس إن الأجواء مشحونة وليل مش قادرة تقف على رجلها بص لهم وقال بنبرة حاسمة..
= خلوها تطلع تستريح شوية.. ونكمل كلامنا بعدين ..
عمار أكد على كلام عاصم وهز راسه وأخدها من إيدها عشان يطلع بيها لفوق ويبعدها عن التوتر ده كله..
ولسه ليل بتاخد أول خطوة مع عمار.. فجأة، رجليها خانتها وعينيها غيبت وجسمها ارتخى تماماً ووقعت بين إيديه مغمى عليها زي الوردة الدبلانة!
عمار صرخ بلهفة ورعب هز البيت..
= "لييييييييل!!!"
______________//_________________//________________
بعد شوية..
اتفتح باب الأوضة وخرجت الدكتورة الكل كان واقف على أعصابه مستني كلمة تطمنهم وبدأت تتكلم وهما بيسمعوها باهتمام وقلق ملوش حدود..
_ يا جماعة واضح إنها اتعرضت لضغط كبير أوي.. ضغط عصبي ونفسي فوق طاقتها وده اللي سببلها الانهيار ده غير إن بنيتها ضعيفة جداً .. أنا كتبتلها شوية مقويات وإن شاء الله مش هيحصل أي مضاعفات بس أرجوكم.. بلاش نعرضها لأي ضغوطات تانية الفترة دي خالص البنت محتاجة راحة تامة.
في الوقت ده جوة الأوضة ..كان عمار في عالم تاني خالص.. قاعد على كرسي جنب السرير متبت في إيدها بكل قوته كأنه خايف لو سابها تضيع منه تاني.. عمار كان موجود بجسمه بس روحه غايبة عنه وبتلف في بركان الأحداث اللي حصلت عينيه منزلتش من على ملامحها البيضا ونفسه كان بيطلع محروق مع كل نفس ليل بتاخده.
الدكتورة مشيت..وعاصم دخل الأوضة قرب من عمار اللي مكنش حاسس بأي حد حواليه وطبطب على كتفه براحة وقال
_ عمار.. أنا هنزل أجيب الدوا اللي الدكتورة كتبته خلي بالك منها.
عمار هز راسه بهدوء مريب حركة تلقائية من غير ما يشيل عينه ثانية واحدة من عليها.
فيروز كانت واقفة تتابع المشهد بقلب موجوع قربت من عمار بخطوات هادية وقالت بصوت واطي..
_ عمار.. أنا برا لو احتجت أي حاجة في أي وقت كلمني.. أنا موجودة.
عمار رد عليها بنبرة خافتة ومن غير ما يلتفت..
= حاضر يا فيروز.. تسلمي."
تحت في الصالة..
كان الصمت أتقل من الجبال.. قاعدين الثلاثة..
( سالم، الشيخ منصور، آمنة ) كل واحد فيهم شايل في قلبه بركان من الوجع والذكريات.
سالم مكنش قادر يستحمل النظرات الميتة دي اتنفس بصعوبة واتكلم بقلق مالي نبرة صوته..
= وجودي مرحب بيه وسطكم يا شيخ منصور.. ولا أمشي؟؟
آمنة رفعت عينيها المليانة عتاب وبصت للشيخ منصور مستنية منه إجابة لكن الشيخ منصور كان باصص للفراغ قدامه ساند إيديه الإتنين على عصايته وساكت تماماً كأنه مسمعش السؤال..!
الثواني مرت كأنها بقلم فاطمةشلبي سنين ..وسالم أول ما شاف السكوت ده اتأكد إن أبوه مستحيل يوافق برجوعه تاني بعد كل الخراب القديم..لف وشه بكسرة قلب وتحرك ناحية الباب عشان يخرج من البيت..
بس وقفه صوت الشيخ منصور الجهوري الصارم لما قال..
_ هتفضل هنا.. بس عشان خاطر اللي عملته النهاردة.
جملة واحدة كانت كفيلة تخلي الدم يرجع في عروق سالم لف بسرعة وراح لأبوه بلهفة الدنيا كلها وطى على إيد الشيخ منصور وباسها بقهر وندم..
لكن منصور بصله بنظرة حادة وسحب إيده بالراحة وكمل بقسوة
_مش معنى كده إني سامحتك يا سالم..
التفت وبص لـ آمنة اللي كانت بتبكي في صمت ورجع كمل كلامه لابنه..
_ عمري ما قلبي هيرضى عنك غير لما تراضي الكل يا سالم..
يا إما كده يا إما ملكش مكان وسطنا.. أنا مش بيقعد في بيتي حد مزعل أهله منه.. وقلبه أسود.
الشيخ منصور سابه وقام بهيبته المعتادة وطلع على فوق.. وسالم بص لـ آمنة بنظرة رجاء واستعطاف بس هي نزلت عينيها في الأرض ومقدرتش تبص في وشه وقامت بخطوات تقيلة وطلعت أوضتها وسابته لوحده.
في نفس اللحظة..
كان عاصم نازل من على السلم لقى أبوه سالم واقف لوحده في نص الصالة.. سالم أول ما شاف ابنه قرب منه بسرعة ولهفة..
= طمني يا بني.. أختك كويسة ؟؟
عاصم اتنهد بتعب وإرهاق وهز راسه..
= الحمد لله.. اطلع اطمن عليها وأنا هروح أجيب الدوا.
سالم هز راسه بتفهم وامتنان.. وطلع السلم بخطوات و قلبه بيدق بخوف ولهفة إنه يشوف بنته قرب من الأوضة وفتح الباب بهدوء ودخل..
لقى عمار قاعد زي ما هو على الكرسي جنب السرير متبت في إيد ليل ومش حاسس بالدنيا.
سالم قرب منه وبص لـ ليل الشاحنة وقال بصوت واطي..
= لسه مفاقتش؟
عمار هز راسه بلا.. من غير ما يلتفت.
سالم حس بحجم التعب اللي عمار فيه فقال بهدوء..
= طيب اطلع ارتاح شوية وأنا جنبها لو احتاجت حاجة.
عمار رد بتقل ونبرة صوت ماليها الإصرار وروحه مشحونة..
= لا.. أنا هفضل جنبها لحد ما تفوق.
سالم بصله بنظرة تقدير كبيرة سكت ثانية وكمل بنبرة دافية ومليانة صدق
= "شكراً يا عمار.."
عمار لف وشه لأول مرة وبص لـ سالم اللي كمل كلامه بهدوء وامتنان حقيقي..
= شكراً إنك كنت سبب بعد ربنا إني بعد السنين دي كلها أرجع لعيلتي.. وألاقي بنتي.
عمار بلع ريقه..ورد بصعوبة ونبرة حاسمة تطلع من راجل لراجل..
= كان ممكن أعمل أي حاجة في الدنيا.. عشان ليل توصل لأهلها.
سالم ابتسم ابتسامة خفيفة فيها راحة وطبطب على كتف عمار بقوة ودعم ولف وشه وخرج من الأوضة وقفل الباب وراه.. عشان يسيب عمار وسيل في عمارهم الخاص مستني اللحظة اللي عين ليل تفتح فيها وتشوفه متبت في إيدها.
_________________//_______________//______________
عاصم رجع البيت ومعاه الدوا سلمه لعمار في الأوضة واتحرك بخطوات تقيلة ومستهلكة تماماً ناحية أوضته.. أول ما فتح الباب لقى فيروز قاعدة مستنياه وعينيها منزلتش من عليه.. عاصم دخل بتقل وهم السنين كله فوق كتافه ومن غير ما ينطق بكلمة واحدة رمى نفسه في حضنها كأنه طفل لقى أمانه بعد غربة طويلة.
فيروز تلقائي ومن غير تفكير لفت إيدها حواليه وحاوطته بكل قوتها وحنيتها وبقت تطبطب عليه بحنان.. عاصم اتكلم بصوت مبحوح ومليان تعب ووجع..
= أنا مش مصدق إن كل ده حصل النهاردة.. حاسس إني بحلم يا فيروز.. بس بتمنى الحلم ده ميخلصش.
فيروز ردت عليه بهدوء ونبرة دافية وهي بتشدد من ضمتها ليه..
_ لا يا عاصم مش حلم.. أخيراً قدرت تجمع عيلتك تاني حواليك.
عاصم بعد عنها شوية.. وبص في عينيها بتعب وإرهاق..
= المشوار لسه طويل يا فيروز.. لسه في حاجات كتير مكسورة ومحتاجة وقت عشان تتصلح.
فيروز بصت له بابتسامة صافية ومليانة دعم..
_ متقلقش.. كله هيتصلح وأنا معاك وجنبك مش هسيبك..المهم دلوقتي قوم غير هدومك دي واستريح..وأنا هروح المطبخ أجيبلك حاجة تاكلها تسند طولك.
عاصم مسك إيدها بسرعة يمنعها..وعينيه كانت بتقفل من كتر الإجهاد..
= لا.. أنا مش عاوز أكل مش عاوز غير إني أنام بس.. أنام وبس يا فيروز.
عند عمار..
الأوضة كان مسيطر عليها هدوء غريب وصوت أنفاس ليل المنتظمة بتعب...عمار كان قاعد مكانه وعينيه بتحفر ملامح ليل الدبلانة دي في عقله حفر.. كان بيتأمل وشها الأصفر الخالي من الروح وشفايفها الباهتة.. بقلم فاطمةشلبي ومكانش قادر يتخيل كم العذاب والوجع النفسي والجسدي اللي اتعرضتله طول الشهرين اللي فاتوا وخلاها بالشكل ده!
دي مكانتش ليل القوية اللي عينه شافتها لأول مرة دي كانت نسخة دبلانة ومكسورة من صدمات الدنيا.
عمار بلع غصة واقفة في حلقه.. وقرب إيده من وشها براحة متناهية كأنه خايف يلمسها فتتوجع.. ومسح على خدها بحنان جارف..وقام بهدوء من غير ما يعمل أي صوت طفى الأنوار وساب إضاءة خافتة جداً ورجع نام مكانه على الكرسي جنب السرير.. وهو متبت بإيده في إيدها ومغمض عينيه وهو بيقرر جوا نفسه إن الليلة دي هي آخر ليلة ليل تتوجع فيها طول ما هو عايش.
عند آمنة..
كانت قاعدة في ضلمة أوضتها.. عينيها باصة للفراغ ودموعها منشفتش من صدمة رجوع بنتها وجوزها سالم في ليلة واحدة..!
فجأة..!
قطعت السكون ده دقات خفيفة وهادية على باب الأوضة..
قلبها دق وكانت عارفة مين اللي ورا الباب.. قامت بخطوات تقيلة وفتحت وطبعاً كان سالم.
واقف قدامها بملامحه اللي غطتها تجاعيد الزمن ووشه كان خالي تماماً من التعبير بس عينيه كانت شاحنة بنظرة رجاء.. آمنة بصت له بثبات مصطنع وقالت بنبرة هادية ومجهدة..
— "خير يا سالم ؟؟"
سالم رد بصوت ثابت بس فيه بحة تعب..
= تسمحيلي أتكلم معاكي شوية؟
آمنة بصت له لثواني طويلة.. وبعدين اتحركت بعيد عن الباب وسابت له مساحة يدخل.. سالم دخل الأوضة بهدوء وقفل الباب وراه وهي فضلت واقفة مدية له ضهرها مش قادرة تبص في الوش اللي وحشها بس وجعها فوق طاقتها.
سالم أخد نفس عميق واتكلم بصوت هادي...
= من ساعة ما دخلت البيت لحد دلوقتي.. وأنا كنت خايف من رد فعلك أنتي بالذات يا آمنة.. أنا عارف إني ظلمتك وجيت عليكي.. وإنك أكتر واحدة اتجرحت بسببي ومع ذلك عمري ما شوفت في عينك نظرة كره ليا.. كانت دايماً نظرة عمري ما عرفت أفسرها بس مكنتش كره .. ونفس النظرة دي شوفتها منك النهاردة.. ولسه مش فاهم تفسيرها إيه..؟
آمنة كانت بتسمعه وضهرها ليه، والدموع نزلت بحرقة من عينيها صوته وكلامه بيفتحوا جروح قديمة اندفنت بس منسيتش الوجع
سالم قرب خطوة وكمل تاني بهدوء ورجاء..
= آمنة.. أنا مش عاوز منك غير إنك تسامحيني.. ساعديني يا آمنة أصلح أي حاجة ضاعت مني زمان.
هنا آمنة مقدرتش تسكت أكتر من كده لفت له بهدوء وقربت منه وعينيها بتلمع بدموع القهر،وبصت له باستغراب ومرارة وقالت
— أسامحك !! أنت عاوزني أسامحك بعد كل ده؟! أنت بتحلم يا سالم.. مستحيل.
سالم بص لملامحها وقال بنبرة بيبرر بيها..
= أبويا إداني فرصة تانية أراضي الكل.. وأولهم أنتي يا آمنة.
آمنة ضحكت بمرارة وسخرية وجعت قلب سالم..
_ ما هو كل حاجة بتعملها معايا بتكون عشان أبوك يا سالم.. مش عشان أنت عاوز ده!.. والنهاردة جاي تراضيني عشان أبوك طلب منك ده.. مش عشان أنا فرقاك معاك في حاجة!
سالم هز راسه بنفي سريع ولسه هيفتح بؤه يتكلم ويقولها إنها غلطانة وإنها وحشاه بس هي قاطعته بحسم..
_ لو سمحت.. أنا محتاجة أنام اتفضل.
سالم وقف مكانه.. كان لسه هيرد ويحاول يدافع عن نفسه بس هي لفت وشها بعيد عنه تاني وقفت كل لغة للكلام بينهم
سالم اتنهد بقلة حيلة ولف وخرج من الأوضة بخطوات مكسورة وهو حاسس إن أول باب وأهم باب في حياته.. اتقفل في وشه بقفل من حديد.
_______________//_________________//_______________
الشمس بدأت تفرش خيوطها الدافية على البيت بعد ليلة مرت بتقل رهيب على الكل..
ليل بدأت تفتح عينيها ببطء شديد الرؤية كانت مشوشة في الأول لحد ما وضحت وأول حاجة شافتها كان عمار اللي نايم جنبها على الكرسي ومتبت في إيدها..ليل لفت عينيها وبصت حواليها بتدقيق لقت نفسها في أوضة غريبة وواسعة مش أوضتها ولا المكان اللي متعودة تصحى فيه.
ملامحها اتقلبت باستغراب وقلق وقامت بسرعة من على السرير وهي بتشد إيدها.. عمار حس بحركتها المفاجئة وفتح عينيه بسرعة وخوف قام وقف وبص لوشها المخطوف واتكلم بقلق..
= ليل.. مالك في إيه؟!
ليل بصلته بخضة ونبرة صوتها مرعوبة..
_ أنا فين يا عمار؟؟
عمار أخد نفس طويل وقرب منها خطوة واتكلم بنبرة كلها هدوء وأمان عشان يطمنها..
= اهدي.. اهدي يا ليل إحنا هنا في بيت الشيخ منصور.. في بيتك ومع أهلك.
ليل فضلت قاعدة لثواني طويلة ساكتة وعقلها بدأ يجمع ويفتكر شريط الأحداث اللي حصلت معاها امبارح.. اتنهدت بتعب وإرهاق شديد وسندت راسها لورا على السرير وعينيها دبلانة.
عمار بصلها بقلق وحط إيده على كتفها براحة..
= أنتي كويسة؟ حاسة بأي تعب ؟؟
ليل هزت راسها بهدوء من غير ما تطلع صوت عمار فهم حالتها وكمل كلامه بابتسامة دافية..
= طيب.. أنا هنده لك فيروز تدخل تساعدك وأنا خارج برا الأوضة دلوقتي.. لو احتاجتي أي حاجة في أي وقت أنا موجود معاكي ومش هبعد.
عمار لف وفتح الباب وخرج وأول ما خطى برا الأوضة لقى فيروز طالعة على السلم وفي إيدها صينية فطار عمار اتنفس براحة وقالها..
= كويس إني لاقيتك يا فيروز.. ادخلي لـ ليل ساعديها تغير هدومها وتفطر وشوفي لها طقم مناسب من عندك عشان لسه حاجتها وهدومها كلها في البيت.
فيروز بصت له بابتسامة صافية وقالتله بنبرة حنونة..
_ أنا كنت جاية عشان كده أصلاً يا عمار.. أنا جهزت لها طقم مريح من عندي وجايبة الفطار ده ليها.. خد دخلهولها على ما أروح أجيب الهدوم وأجي وراك على طول.
عمار أخد منها الصينية، ولف رجع الأوضة تاني ودخل لـ ليل.. حب يلطف الجو ويخفف عنها التوتر فابتسم واتكلم بضحك وهو بيحط الصينية قدامها..
= وآدي يا ستي الفطار كمان وصل لحد عندك.. فيروز جاية لك في الطريق دلوقتي عاوزك تاخدي دش دافي يفوقك كده وتفطري كويس عشان ننزل تحت سوا ونشوف الشيخ منصور.
في اللحظة دي دخلت عليهم فيروز الأوضة بابتسامتها الهادية.. وكانت شايلة الهدوم في إيدها قربت من السرير وقالت بحفاوة..
_ صباح الخير يا ليل.. طمنيني عنك عاملة إيه دلوقتي؟؟
ليل بصت لها.. ولأول مرة تبتسم ابتسامة خفيفة باهتة وردت بهدوء..
= الحمد لله كويسة.. معلش يا فيروز هتعبك معايا .
فيروز ضحكت من قلبها وقربت طبطبت عليها..
_ ياستي اتعبيني براحتك ومكيش دعوة .
عمار بص لـ ليل بنظرة أخيرة يطمنها بيه ولفت وخرج وسابهم مع بعض وهو بيدعي في سره إن اليوم ده يعدي على خير.واللقاء اللي تحت في الصالة يلم الشمل بجد من غير وجع جديد.
بعد فطار مر على الجميع في صمت تام ورهيب صمت مفيش فيه غير صوت الأفكار اللي بتطحن في عقول الكل.. ليل فطرت وخدت علاجها بمساعدة فيروز بقلم فاطمةشلبي وغيرت هدومها ونزلت تحت بخطوات هادية ومترددة .
الشيخ منصور كان قاعد في ركنه الهادي والمعتاد في المندرة..
دخلت عليه ليل بهدوء.. أول ما عينه جت عليها ولمح ملامحها ابتسم بابتسامة مليانة حنين..
ليل لقت رجليها بتاخدها ناحيته قربت وقعدت جنبه على الكنبة وفضلت ساكتة مش عارفة تنطق ولا تقول إيه.
الشيخ منصور بصلها وعينيه قرت كل التشتت والخوف اللي جوا قلبها قطع الصمت ده وقال بصوته الدافي والوقور..
_ متخافيش يا بنت سالم.. أنا عارف كل اللي بيدور في عقلك دلوقتي.
ليل رفعت عينيها وبصت له باستغراب ودهشة كأنه كان بيقرا كتاب مفتوح وهو كمل كلامه بنفس الصوت الهادي المطمئن..
_ عاوزة تعرفي أنا متقبلك وسطنا ولا لأ.. مش كده؟
أول ما قال الجملة دي ليل مقدرتش تمسك نفسها وحواجز الصمود اللي كانت عاملاها انهارت وعينيها اتملت دموع ..
الشيخ منصور..مال عليها وشدها لحضنه وطبطب على كتافها بحنان أب وجد وقال بنبرة هزت كيانها..
— مش هقبلكِ ازاي وأنتي حتة من روحي يا بنتي؟ أنتي غالية وبنت غالين على قلبي.. أنا سامحت أبوكي بس لأجل إنه ردلي روحي تاني لما جابك .
ليل وهي في حضنه لأول مرة تحس بأمان حقيقي من ساعة ما الكابوس ده بدأ وعرفت إن ورا الهيبة دي كلها قلب كبير هيحميها من الدنيا كلها.
_______________//________________//_______________
في جنينة البيت..
كان الهوا الصبح فيه نسمة برودة خفيفة.. عاصم وعمار كانوا قاعدين مع بعض الصمت كان تالتهم لحد ما عاصم قرر يقطعه وبص لـ عمار بتمعن ونظرة فاحصة وقال بنبرة هادية..
_ مالك يا ابن الجبالي.. حاسس عقلك فيه أمور مش واضحة ليا..!
عمار بصله وفضل السكوت وهو عينه سارحة في الأرض..
عاصم كمل بنفس النبرة الهادية وعينيه منزلتش من على وش عمار..
= هتعمل إيه مع ليل ؟؟
عمار رفع راسه وبص له باستغراب وعقد حواجبه..
_ هعمل إيه ازاي !!
عاصم أخد نفس طويل واتكلم بجدية كاملة ونبرة حاسمة كأنه بيحطه قدام الأمر الواقع..
= ناوي ترسى على إيه في الجوازة دي يا عمار ؟؟
عمار هنا فهم عاصم بيلمح لإيه بالظبط..قام وقف فجأة وعينيه وبص لـ عاصم بعصبية ..
_ أنت أكيد بتستهبل يا عاصم.! أنت بنفسك كنت واقف وسامع الدكتورة وهي بتقول إن ليل تعبانة وبلاش نعرضها لأي ضغط تاني الفترة دي.. أومال لو مكانتش أختك ومن دمك كنت عملت إيه؟! جاي دلوقتي تسألني عن أمور زي دي ؟؟
عاصم فهم اللي عاوز يوصله ومبينش على وشه ..وقف قدامه بثبات وقوة وحط إيديه في جيوبه وقال ببرود مصطنع..
= أنا مقولتش حاجة تستاهل العصبية دي كلها على فكرة.. أنا بسأل سؤال طبيعي من حقي كأخ.
عمار نفض إيده بزهق وضيق..وبص لـ عاصم بنظرة أخيرة وقال
_ عاصم.. أنا مش فايق لأي حاجة من الكلام ده دلوقتي.. أنا همشي.
ومن غير ما يستنى رد.. لف وشه وسابه وخرج من باب الجنينة والبيت كله ركب عربيته وطار بيها وهو حاسس إن في براكين وعواصف شغالين جوا دماغه..
خرجت ليل من المندرة بخطوات سريعة وراحت لـ سالم بلهفة الدنيا كلها ووقفت قدامه وعينيها بتلمع بدموع الفرحة.. سالم أول ما شافها مستناش ثانية واحدة وفتح لها دراعاته الإتنين على آخرهم بقلم فاطمةشلبي وفي ثانية رمت ليل نفسها في حضنه بكل قوتها ضمته ليها ولأول مرة في حياتها.. حست إنها أخيراً لقت ليها وجود وأمان حقيقي في الدنيا دي إن ليها ضهر وسند مش هيميل.
آمنة كانت واقفة من بعيد بتتابعهم.. ورغم الوجع اللي بينها وبين سالم إلا إن عينها كانت فرحانة بفرحة بنتها اللي رجعت لحضن أبوها.
ليل بعدت عن حضنه شوية وبصت لملامحه وقالت بنبرة مخنوقة بالدموع..
_ أنا كنت خايفة أعيش عمري كله بدور عليك ومش عارفة أوصلك يا بابا..
سالم رفـع إيديه وطبطب على وشها بحنية ومسح دموعها وقال بصوت مرتعش..
= وأنا بحمد ربنا إنه خلاني أقابلك وأضمك بعد العمر ده كله.. كنت خايف العمر يخلص وأنا معرفش طريقك ولا أموت قبل ما أشوف وشك .
ليل قطعت كلامه بسرعة وخوف وهي بتمسك إيده..
_ بعد الشر عنك يا حبيبي.. ربنا يخليك ليا ويمد في عمرك.
في اللحظة دي.. ليل لمحت آمنة واقفة ومركزة معاهم ومن غير أي تردد أو تفكير ليل سابت إيد أبوها وراحت قعدت قدام آمنة مباشرة بصلت لملامحها الأصيلة وقالت بصدق..
_ "أنا أسفة.."
آمنة بصت لها باستغراب ودهشة وسألتها..
= أسفة على إيه يا بنتي؟
ليل ردت بنبرة هادية ..
_ إني معرفتش أحضنك امبارح وأعبر لك أد إيه إني كنت محتاجة أم حنينة عليا زيك..
أول ما سمعت آمنة الكلمة وشها نور وضحكت وسحبت ليل لحضنها بسرعة وطبطبت على ضهرها بقوة وهي بتعيط وتضحك في نفس الوقت وقالت..
= تعرفي.. أنا من أول يوم شوفتك فيه حسيتك قريبة ليا وحتة مني ومكنتش عارفة ليه..
في وسط اللحظة الدافية دي.. دخل عاصم عليهم الصالة بخطواته السريعة وبص لهم بضحك وهزار عشان يفك المشهد المشحون بالدموع ده وقال..
= يا عيني على الحنية يا جماعة! بقا هتقلبوها أحضان وعياط من غيري؟ أنا برضه ابنكوا على فكرة!
ليل بعدت عن حضن آمنة وضحكت من قلبها على منظر عاصم.. وآمنة ردت عليه بسرعة وهي متبتة في ليل..
_ وإنت مالك إنت؟!!
عاصم حط إيده على صدره وعمل نفسه مصدوم ومظلوم..
= جرى إيه يا ست الكل؟ دلوقتي اتركنت أنا على الرف وبقيت تكميلة عدد؟ ماشي.. مقبولة منك بس البت ليل دي شكلها هتاكل الجو مني!
الكل ضحك في الصالة.. وسط الضحك ده كانت ليل عينيها بتلفت ناحية الباب بتدور على عمار ..!
بيمر اليوم بضحك وجو جميل وهادي خلقته ليل بوجودها وسطهم.. اندمجت مع عيلتها الحقيقية بطريقة حلوة ودخلت القلوب بسرعة.
لحد ما الليل ليل.. والضلمة فرشت سترها على سيناء والهدوء رجع يسيطر على المكان.
ليل كانت قاعدة وسط أبوها سالم وأمها آمنة وفيروز.. بس بالرغم من الدفا اللي حواليها كان بالها مشغول.. فجأة..عينها بدأت تدور في أنحاء الصالة وبصت ناحية البا بتدور على عمار اللي مظهرش من الصبح خالص ومحدش سمع صوته.
أول ما شافت عاصم داخل من باب البيت لوحده سألته بلهفة وقلق حاولت تداريه..
= أومال عمار فين يا عاصم ؟؟ مشفتوش من الصبح.. تقريباً فكرته معاك برا؟!!
عاصم بصلها..وافتكر خناقة الصبح وعصبية عمار لما سابه ومشي.. ورد بتلقائية وهدوء..
= لا.. عمار مكانش معايا هو خرج من بدري أوي من الجنينة.
ليل بصدمة
_ ولسه مجاش لحد دلوقتي ؟؟!
فيروز حست بقلق ليل فقالت لها عشان تطمنها..
= طيب رني عليه يا ليل شوفيه فين تلاقيه مشغول في حاجة
عاصم كمل كلامه وبرضه بنفس نبرة الهدوء بس ملامحه بدأت تقلق
= أنا رنيت عليه من شوية.. بس مردش عليا.
ليل قلبها انقبض..وسحبت تليفون فيروز بسرعة من جنبها وبدأت ترن هي عليه.. حطت التليفون على ودنها وهي بتسمع دقات قلبها بتعلو على صوت الرنين وفجأة الصدمة ظهرت على وشها.
بصت لعاصم بقلق وخوف حقيقي ونطقت بصوت مرتعش..
_ تليفونه مقفول يا عاصم..!!
يتبع...
_ سااالم؟؟!
الشيخ منصور ملامحه اسودت في ثانية خبط بعصايته في الأرض بكل قوته وزعق بصوت جهوري طرد كل ملامح الذهول..
_ الراجل ده إيه اللي جابه هنا..؟؟ أنا قولت ميدخلش بيتي طول ما أنا عايش مش عاوز أشوف وشه! اخرج برا يا سالم.. برا ..
عاصم بص لجده بتعب وقرب خطوة وهدى صوته وهو بيحاول يستعطفه..
= أبويا مجاش من غير سبب.. إحنا جينا نصلح اللي فات يا جدي أرجوك عشان خاطري في حاجات كتير لازم تعرفها ودلوقتي ومينفعش تتأجل.. أرجوك اهدى!
جده التفت له بعصبية ..
_ اهدى؟؟ بعد ما ضيعنا جاي تقولي اهدى؟؟ لولاك ولولايا مكناش قدرنا نقف على رجلنا وسط البلد ولا كنت هعرف أحط عيني في عين حد! الراجل ده كسر ضهري.. كنت فاكره عكازي في الدنيا بس يا خسارة!
سالم بص لأبوه بأسف حقيقي النظرة دي فيها مرار الـ 25 سنة غربة وفراق...قرب بهدوء من أبوه وبحركة هدت كل كبريائه نزل على الأرض بقلم فاطمةشلبي وقعد على ركبته قدام رجل الشيخ منصور.. رفع عينيه المليانة دموع وبص لوجه أبوه العجوز وقال بنبرة مرتعشة ومكسورة..
= أنا جيلك النهاردة ومستعد إنك تعمل فيا كل اللي إنت عاوزه بس ترضى عني.. كفاية اللي ضاع من عمري وأنا بعيد عنك ومكانش في إيدي حاجة أعملها.. بس دلوقتي خلاص كل حاجة هتتحل .
الشيخ منصور بصله باحتقار وبعد عينه بعيد عنه ..
_ إيه اللي هيتحل...؟؟؟ هترجعلي هيبتي وسط الناس؟ ولا أرضي اللي بعتها لأعدائي عشان كلام واحدة ست خربت بيتك.. وخدت من مراتك وعيالك؟ ولا الناس اللي كنت شغال معاهم ولا هامك أي شيء؟! ولا بنتك اللي ماتت بسببك ؟؟ ولا مراتك؟؟؟ اللي كسرت قلبها واتجوزت عليها وجبتلها الشيطانة اللي اتجوزتها دي تعيش معاها في بيت واحد!
الشيخ منصور سكت ثانية يبلع ريقه المر وبص لـ سالم تاني وهو بيموت من الوجع
_ أنت دمرت بيتك ومن زمان ومعدش في حاجة تتصلح.. لو عرفت تصلح كل ده ابقى تعالى دور على أبوك ورضاه.
سالم قام بتثاقل من على ركبه قدام أبوه جسمه كان تقيل بهم السنين وعينه جت في عين آمنة اللي كانت بتبصله بحزن حقيقي وكسرة قلب عاشت معاها عمرها كله.. سالم مقدرش يستحمل نظرة العتاب اللي في عينيها.. بعد عينه عنها بندم.. وبص لأبوه الشيخ منصور تاني وثبت نظراته وقال بثبات..
= " أنا جايلك بأحفادك يا أبويا..."
الشيخ منصور بصله باستغراب ..
_ أحفادي إزاي ؟؟
سالم كمل بثبات..
= "عاصم وليل.."
الاسم نزل زي السكينة في الصالة..اللي قالتها كانت آمنة.. نطقتها بدموع واستغراب.. وصوتها طلع بصدمة فيه..
— ليل؟؟
سالم رد بتأكيد ..وعينيه بتلمع بدموع الانتصار والحق..
= أيوه ليل.. ليل بنتي يا آمنة.
سالم أخد نفس طويل وبص لـ آمنة اللي ملامحها اتخطفت وكمل بتأكيد وصوت جهوري..
= مش بنتي بس.. دي بنتنا إحنا يا آمنة! بنتنا اللي قالوا لنا إنها ماتت في الحضانة من خمسة وعشرين سنة!
آمنة حطت إيدها على قلبها.. وهي مش مصدقة اللي سمعته والشيخ منصور سند بكل قوته على عصايته وهو مش قادرك يستوعب الكلام اللي بيسمعه..
وفي اللحظة دي.. الباب الخارجي اتفتح بالكامل.. وظهر عمار وهو ساند "ليل".
ليل كانت داخلة زي خيال المآتة وشها مخطوف لونه زي الأموات وعينيها تايهة ودموعها ناشفة على خدودها من كتر الصدمات اللي عاشتها في الكام ساعة اللي فاتوا.
أول ما ليل خطت عتبة البيت.. عيون الكل اتجهت ليها..
آمنة بصت لملامح ليل.. بصت لعينيها لتقسيمة وشها وللشبه اللي كان بيصرخ في الوشوش بس مكانش حد شايفه!
ليل ..عينيها كانت عبارة عن بحر دموع ووجع بتبص حواليها بتوهان وزي ما تكون مش مصدقة إنها وسط عيلتها الحقيقية.
عمار دخل وهو ساندها بكل حنية ووقف بيها في نص الصالة
منصور مكانش فاهم في إيه عينيه برقت وبص لـ ليل بشك وذهول وعصايته اتهزت في إيديه وهو بينطق بصوت خافت ومشحون..
— انا مش فاهم حاجة يا عاصم ..اي الكلام اللي بيقوله أبوك ده ؟؟
عاصم أخد نفس طويل ..وبص لجده ولأمه آمنة اللي كانت وبدأ يحكي لهم كل اللي حصل بالتفصيل..
= يا جدي.. الحكاية بدأت من وقت ما عمار الجبالي جالي وقابلني وقالي على المكالمة اللي نهال الشيطانة كانت بتتكلم فيها واللي فريدة سمعتها بالصدفة وقالت لنا عليها كانت وقتها بتكلم أبويا وبتقوله ينسى بنته وانها ماتت .. ومن هنا بدأ الشك يلعب في قلبه.. شكينا إن في حاجة مرعبة تربط ليل بأبويا سالم
عاصم بلع ريقه المر وكمل وعينيه بتلمع بدموع الانتصار:
= مكدبناش خبر.. عمار عرف ياخد عينة دم من ليل وعملنا تحليل الـ DNA.. والنتيجة طلعت الليلة اللي ووجعتنا كلنا قبل ما تفرحنا.. لما ليل اتخطفت .
آمنة شهقت شهقة مكتومة وحطت إيدها على صدرها وهي بتسمع ابنها.. وعاصم كمل وعينه في عين جده اللي ملامحه بدأت تتزلزل..
= لما عرفنا مكان ليل وأنقذناها ..ونهال عرفت ان ابويا عرف كل حاجة حست انها خسرت ..اعترفت بكل حاجة بلسانها وقالت ازاي بدلت البنات في المستشفى زمان عشان تنتقم من أبويا ومنك يا جدي!
كل ده.. وآمنة ومنصور واقفين مصدومين ومذهولين من كل كلمة بيسمعوها.. الصدمة شلت لسانهم..والكلام نزل عليهم زي الصاعقة اللي بقلم فاطمة شلبي هزت كيان بيت آل منصور كله.. آمنة بتبص لـ ليل بدموع ونظرة أم لقت حتة من قلبها بعد ٢٥ سنة والشيخ منصور واقف وعينيه متبتة في ملامح ليل وهو بيحاول يستوعب إن حفيدته اللي بكى عليها زمان واقفة قدامه لحم ودم!
آمنة قامت قربت منها بحنين جارف..رفعت إيدها اللي بتترعش ومشت صوابعها على وش ليل.. بتتحسس ملامح بنتها وعينيها غرقانة دموع وفجأة سحبتها وأخدتها في حضنها بسرعة وقوة .
ليل كانت واقفة جامدة في مكانها.. زي الصنم.. ثابتة ومش بتبدي أي رد فعل لا رفعت إيدها تبادلها الحضن ولا نزلت دمعة واحدة.. عينيها كانت مفتوحة بتوهان وباصة للفراغ كأن روحها غايب عن جسمها ومش مستوعبة إن الست اللي بتبكي في حضنها دي هي أمها الحقيقية!
عمار كان واقف قريب منها عينيه منزلتش من عليها كان متابع كل حركة منها وخايف عليها ..هو أكتر واحد عارف ليل مرت بإيه الليلة دي.
عاصم حس إن الأجواء مشحونة وليل مش قادرة تقف على رجلها بص لهم وقال بنبرة حاسمة..
= خلوها تطلع تستريح شوية.. ونكمل كلامنا بعدين ..
عمار أكد على كلام عاصم وهز راسه وأخدها من إيدها عشان يطلع بيها لفوق ويبعدها عن التوتر ده كله..
ولسه ليل بتاخد أول خطوة مع عمار.. فجأة، رجليها خانتها وعينيها غيبت وجسمها ارتخى تماماً ووقعت بين إيديه مغمى عليها زي الوردة الدبلانة!
عمار صرخ بلهفة ورعب هز البيت..
= "لييييييييل!!!"
______________//_________________//________________
بعد شوية..
اتفتح باب الأوضة وخرجت الدكتورة الكل كان واقف على أعصابه مستني كلمة تطمنهم وبدأت تتكلم وهما بيسمعوها باهتمام وقلق ملوش حدود..
_ يا جماعة واضح إنها اتعرضت لضغط كبير أوي.. ضغط عصبي ونفسي فوق طاقتها وده اللي سببلها الانهيار ده غير إن بنيتها ضعيفة جداً .. أنا كتبتلها شوية مقويات وإن شاء الله مش هيحصل أي مضاعفات بس أرجوكم.. بلاش نعرضها لأي ضغوطات تانية الفترة دي خالص البنت محتاجة راحة تامة.
في الوقت ده جوة الأوضة ..كان عمار في عالم تاني خالص.. قاعد على كرسي جنب السرير متبت في إيدها بكل قوته كأنه خايف لو سابها تضيع منه تاني.. عمار كان موجود بجسمه بس روحه غايبة عنه وبتلف في بركان الأحداث اللي حصلت عينيه منزلتش من على ملامحها البيضا ونفسه كان بيطلع محروق مع كل نفس ليل بتاخده.
الدكتورة مشيت..وعاصم دخل الأوضة قرب من عمار اللي مكنش حاسس بأي حد حواليه وطبطب على كتفه براحة وقال
_ عمار.. أنا هنزل أجيب الدوا اللي الدكتورة كتبته خلي بالك منها.
عمار هز راسه بهدوء مريب حركة تلقائية من غير ما يشيل عينه ثانية واحدة من عليها.
فيروز كانت واقفة تتابع المشهد بقلب موجوع قربت من عمار بخطوات هادية وقالت بصوت واطي..
_ عمار.. أنا برا لو احتجت أي حاجة في أي وقت كلمني.. أنا موجودة.
عمار رد عليها بنبرة خافتة ومن غير ما يلتفت..
= حاضر يا فيروز.. تسلمي."
تحت في الصالة..
كان الصمت أتقل من الجبال.. قاعدين الثلاثة..
( سالم، الشيخ منصور، آمنة ) كل واحد فيهم شايل في قلبه بركان من الوجع والذكريات.
سالم مكنش قادر يستحمل النظرات الميتة دي اتنفس بصعوبة واتكلم بقلق مالي نبرة صوته..
= وجودي مرحب بيه وسطكم يا شيخ منصور.. ولا أمشي؟؟
آمنة رفعت عينيها المليانة عتاب وبصت للشيخ منصور مستنية منه إجابة لكن الشيخ منصور كان باصص للفراغ قدامه ساند إيديه الإتنين على عصايته وساكت تماماً كأنه مسمعش السؤال..!
الثواني مرت كأنها بقلم فاطمةشلبي سنين ..وسالم أول ما شاف السكوت ده اتأكد إن أبوه مستحيل يوافق برجوعه تاني بعد كل الخراب القديم..لف وشه بكسرة قلب وتحرك ناحية الباب عشان يخرج من البيت..
بس وقفه صوت الشيخ منصور الجهوري الصارم لما قال..
_ هتفضل هنا.. بس عشان خاطر اللي عملته النهاردة.
جملة واحدة كانت كفيلة تخلي الدم يرجع في عروق سالم لف بسرعة وراح لأبوه بلهفة الدنيا كلها وطى على إيد الشيخ منصور وباسها بقهر وندم..
لكن منصور بصله بنظرة حادة وسحب إيده بالراحة وكمل بقسوة
_مش معنى كده إني سامحتك يا سالم..
التفت وبص لـ آمنة اللي كانت بتبكي في صمت ورجع كمل كلامه لابنه..
_ عمري ما قلبي هيرضى عنك غير لما تراضي الكل يا سالم..
يا إما كده يا إما ملكش مكان وسطنا.. أنا مش بيقعد في بيتي حد مزعل أهله منه.. وقلبه أسود.
الشيخ منصور سابه وقام بهيبته المعتادة وطلع على فوق.. وسالم بص لـ آمنة بنظرة رجاء واستعطاف بس هي نزلت عينيها في الأرض ومقدرتش تبص في وشه وقامت بخطوات تقيلة وطلعت أوضتها وسابته لوحده.
في نفس اللحظة..
كان عاصم نازل من على السلم لقى أبوه سالم واقف لوحده في نص الصالة.. سالم أول ما شاف ابنه قرب منه بسرعة ولهفة..
= طمني يا بني.. أختك كويسة ؟؟
عاصم اتنهد بتعب وإرهاق وهز راسه..
= الحمد لله.. اطلع اطمن عليها وأنا هروح أجيب الدوا.
سالم هز راسه بتفهم وامتنان.. وطلع السلم بخطوات و قلبه بيدق بخوف ولهفة إنه يشوف بنته قرب من الأوضة وفتح الباب بهدوء ودخل..
لقى عمار قاعد زي ما هو على الكرسي جنب السرير متبت في إيد ليل ومش حاسس بالدنيا.
سالم قرب منه وبص لـ ليل الشاحنة وقال بصوت واطي..
= لسه مفاقتش؟
عمار هز راسه بلا.. من غير ما يلتفت.
سالم حس بحجم التعب اللي عمار فيه فقال بهدوء..
= طيب اطلع ارتاح شوية وأنا جنبها لو احتاجت حاجة.
عمار رد بتقل ونبرة صوت ماليها الإصرار وروحه مشحونة..
= لا.. أنا هفضل جنبها لحد ما تفوق.
سالم بصله بنظرة تقدير كبيرة سكت ثانية وكمل بنبرة دافية ومليانة صدق
= "شكراً يا عمار.."
عمار لف وشه لأول مرة وبص لـ سالم اللي كمل كلامه بهدوء وامتنان حقيقي..
= شكراً إنك كنت سبب بعد ربنا إني بعد السنين دي كلها أرجع لعيلتي.. وألاقي بنتي.
عمار بلع ريقه..ورد بصعوبة ونبرة حاسمة تطلع من راجل لراجل..
= كان ممكن أعمل أي حاجة في الدنيا.. عشان ليل توصل لأهلها.
سالم ابتسم ابتسامة خفيفة فيها راحة وطبطب على كتف عمار بقوة ودعم ولف وشه وخرج من الأوضة وقفل الباب وراه.. عشان يسيب عمار وسيل في عمارهم الخاص مستني اللحظة اللي عين ليل تفتح فيها وتشوفه متبت في إيدها.
_________________//_______________//______________
عاصم رجع البيت ومعاه الدوا سلمه لعمار في الأوضة واتحرك بخطوات تقيلة ومستهلكة تماماً ناحية أوضته.. أول ما فتح الباب لقى فيروز قاعدة مستنياه وعينيها منزلتش من عليه.. عاصم دخل بتقل وهم السنين كله فوق كتافه ومن غير ما ينطق بكلمة واحدة رمى نفسه في حضنها كأنه طفل لقى أمانه بعد غربة طويلة.
فيروز تلقائي ومن غير تفكير لفت إيدها حواليه وحاوطته بكل قوتها وحنيتها وبقت تطبطب عليه بحنان.. عاصم اتكلم بصوت مبحوح ومليان تعب ووجع..
= أنا مش مصدق إن كل ده حصل النهاردة.. حاسس إني بحلم يا فيروز.. بس بتمنى الحلم ده ميخلصش.
فيروز ردت عليه بهدوء ونبرة دافية وهي بتشدد من ضمتها ليه..
_ لا يا عاصم مش حلم.. أخيراً قدرت تجمع عيلتك تاني حواليك.
عاصم بعد عنها شوية.. وبص في عينيها بتعب وإرهاق..
= المشوار لسه طويل يا فيروز.. لسه في حاجات كتير مكسورة ومحتاجة وقت عشان تتصلح.
فيروز بصت له بابتسامة صافية ومليانة دعم..
_ متقلقش.. كله هيتصلح وأنا معاك وجنبك مش هسيبك..المهم دلوقتي قوم غير هدومك دي واستريح..وأنا هروح المطبخ أجيبلك حاجة تاكلها تسند طولك.
عاصم مسك إيدها بسرعة يمنعها..وعينيه كانت بتقفل من كتر الإجهاد..
= لا.. أنا مش عاوز أكل مش عاوز غير إني أنام بس.. أنام وبس يا فيروز.
عند عمار..
الأوضة كان مسيطر عليها هدوء غريب وصوت أنفاس ليل المنتظمة بتعب...عمار كان قاعد مكانه وعينيه بتحفر ملامح ليل الدبلانة دي في عقله حفر.. كان بيتأمل وشها الأصفر الخالي من الروح وشفايفها الباهتة.. بقلم فاطمةشلبي ومكانش قادر يتخيل كم العذاب والوجع النفسي والجسدي اللي اتعرضتله طول الشهرين اللي فاتوا وخلاها بالشكل ده!
دي مكانتش ليل القوية اللي عينه شافتها لأول مرة دي كانت نسخة دبلانة ومكسورة من صدمات الدنيا.
عمار بلع غصة واقفة في حلقه.. وقرب إيده من وشها براحة متناهية كأنه خايف يلمسها فتتوجع.. ومسح على خدها بحنان جارف..وقام بهدوء من غير ما يعمل أي صوت طفى الأنوار وساب إضاءة خافتة جداً ورجع نام مكانه على الكرسي جنب السرير.. وهو متبت بإيده في إيدها ومغمض عينيه وهو بيقرر جوا نفسه إن الليلة دي هي آخر ليلة ليل تتوجع فيها طول ما هو عايش.
عند آمنة..
كانت قاعدة في ضلمة أوضتها.. عينيها باصة للفراغ ودموعها منشفتش من صدمة رجوع بنتها وجوزها سالم في ليلة واحدة..!
فجأة..!
قطعت السكون ده دقات خفيفة وهادية على باب الأوضة..
قلبها دق وكانت عارفة مين اللي ورا الباب.. قامت بخطوات تقيلة وفتحت وطبعاً كان سالم.
واقف قدامها بملامحه اللي غطتها تجاعيد الزمن ووشه كان خالي تماماً من التعبير بس عينيه كانت شاحنة بنظرة رجاء.. آمنة بصت له بثبات مصطنع وقالت بنبرة هادية ومجهدة..
— "خير يا سالم ؟؟"
سالم رد بصوت ثابت بس فيه بحة تعب..
= تسمحيلي أتكلم معاكي شوية؟
آمنة بصت له لثواني طويلة.. وبعدين اتحركت بعيد عن الباب وسابت له مساحة يدخل.. سالم دخل الأوضة بهدوء وقفل الباب وراه وهي فضلت واقفة مدية له ضهرها مش قادرة تبص في الوش اللي وحشها بس وجعها فوق طاقتها.
سالم أخد نفس عميق واتكلم بصوت هادي...
= من ساعة ما دخلت البيت لحد دلوقتي.. وأنا كنت خايف من رد فعلك أنتي بالذات يا آمنة.. أنا عارف إني ظلمتك وجيت عليكي.. وإنك أكتر واحدة اتجرحت بسببي ومع ذلك عمري ما شوفت في عينك نظرة كره ليا.. كانت دايماً نظرة عمري ما عرفت أفسرها بس مكنتش كره .. ونفس النظرة دي شوفتها منك النهاردة.. ولسه مش فاهم تفسيرها إيه..؟
آمنة كانت بتسمعه وضهرها ليه، والدموع نزلت بحرقة من عينيها صوته وكلامه بيفتحوا جروح قديمة اندفنت بس منسيتش الوجع
سالم قرب خطوة وكمل تاني بهدوء ورجاء..
= آمنة.. أنا مش عاوز منك غير إنك تسامحيني.. ساعديني يا آمنة أصلح أي حاجة ضاعت مني زمان.
هنا آمنة مقدرتش تسكت أكتر من كده لفت له بهدوء وقربت منه وعينيها بتلمع بدموع القهر،وبصت له باستغراب ومرارة وقالت
— أسامحك !! أنت عاوزني أسامحك بعد كل ده؟! أنت بتحلم يا سالم.. مستحيل.
سالم بص لملامحها وقال بنبرة بيبرر بيها..
= أبويا إداني فرصة تانية أراضي الكل.. وأولهم أنتي يا آمنة.
آمنة ضحكت بمرارة وسخرية وجعت قلب سالم..
_ ما هو كل حاجة بتعملها معايا بتكون عشان أبوك يا سالم.. مش عشان أنت عاوز ده!.. والنهاردة جاي تراضيني عشان أبوك طلب منك ده.. مش عشان أنا فرقاك معاك في حاجة!
سالم هز راسه بنفي سريع ولسه هيفتح بؤه يتكلم ويقولها إنها غلطانة وإنها وحشاه بس هي قاطعته بحسم..
_ لو سمحت.. أنا محتاجة أنام اتفضل.
سالم وقف مكانه.. كان لسه هيرد ويحاول يدافع عن نفسه بس هي لفت وشها بعيد عنه تاني وقفت كل لغة للكلام بينهم
سالم اتنهد بقلة حيلة ولف وخرج من الأوضة بخطوات مكسورة وهو حاسس إن أول باب وأهم باب في حياته.. اتقفل في وشه بقفل من حديد.
_______________//_________________//_______________
الشمس بدأت تفرش خيوطها الدافية على البيت بعد ليلة مرت بتقل رهيب على الكل..
ليل بدأت تفتح عينيها ببطء شديد الرؤية كانت مشوشة في الأول لحد ما وضحت وأول حاجة شافتها كان عمار اللي نايم جنبها على الكرسي ومتبت في إيدها..ليل لفت عينيها وبصت حواليها بتدقيق لقت نفسها في أوضة غريبة وواسعة مش أوضتها ولا المكان اللي متعودة تصحى فيه.
ملامحها اتقلبت باستغراب وقلق وقامت بسرعة من على السرير وهي بتشد إيدها.. عمار حس بحركتها المفاجئة وفتح عينيه بسرعة وخوف قام وقف وبص لوشها المخطوف واتكلم بقلق..
= ليل.. مالك في إيه؟!
ليل بصلته بخضة ونبرة صوتها مرعوبة..
_ أنا فين يا عمار؟؟
عمار أخد نفس طويل وقرب منها خطوة واتكلم بنبرة كلها هدوء وأمان عشان يطمنها..
= اهدي.. اهدي يا ليل إحنا هنا في بيت الشيخ منصور.. في بيتك ومع أهلك.
ليل فضلت قاعدة لثواني طويلة ساكتة وعقلها بدأ يجمع ويفتكر شريط الأحداث اللي حصلت معاها امبارح.. اتنهدت بتعب وإرهاق شديد وسندت راسها لورا على السرير وعينيها دبلانة.
عمار بصلها بقلق وحط إيده على كتفها براحة..
= أنتي كويسة؟ حاسة بأي تعب ؟؟
ليل هزت راسها بهدوء من غير ما تطلع صوت عمار فهم حالتها وكمل كلامه بابتسامة دافية..
= طيب.. أنا هنده لك فيروز تدخل تساعدك وأنا خارج برا الأوضة دلوقتي.. لو احتاجتي أي حاجة في أي وقت أنا موجود معاكي ومش هبعد.
عمار لف وفتح الباب وخرج وأول ما خطى برا الأوضة لقى فيروز طالعة على السلم وفي إيدها صينية فطار عمار اتنفس براحة وقالها..
= كويس إني لاقيتك يا فيروز.. ادخلي لـ ليل ساعديها تغير هدومها وتفطر وشوفي لها طقم مناسب من عندك عشان لسه حاجتها وهدومها كلها في البيت.
فيروز بصت له بابتسامة صافية وقالتله بنبرة حنونة..
_ أنا كنت جاية عشان كده أصلاً يا عمار.. أنا جهزت لها طقم مريح من عندي وجايبة الفطار ده ليها.. خد دخلهولها على ما أروح أجيب الهدوم وأجي وراك على طول.
عمار أخد منها الصينية، ولف رجع الأوضة تاني ودخل لـ ليل.. حب يلطف الجو ويخفف عنها التوتر فابتسم واتكلم بضحك وهو بيحط الصينية قدامها..
= وآدي يا ستي الفطار كمان وصل لحد عندك.. فيروز جاية لك في الطريق دلوقتي عاوزك تاخدي دش دافي يفوقك كده وتفطري كويس عشان ننزل تحت سوا ونشوف الشيخ منصور.
في اللحظة دي دخلت عليهم فيروز الأوضة بابتسامتها الهادية.. وكانت شايلة الهدوم في إيدها قربت من السرير وقالت بحفاوة..
_ صباح الخير يا ليل.. طمنيني عنك عاملة إيه دلوقتي؟؟
ليل بصت لها.. ولأول مرة تبتسم ابتسامة خفيفة باهتة وردت بهدوء..
= الحمد لله كويسة.. معلش يا فيروز هتعبك معايا .
فيروز ضحكت من قلبها وقربت طبطبت عليها..
_ ياستي اتعبيني براحتك ومكيش دعوة .
عمار بص لـ ليل بنظرة أخيرة يطمنها بيه ولفت وخرج وسابهم مع بعض وهو بيدعي في سره إن اليوم ده يعدي على خير.واللقاء اللي تحت في الصالة يلم الشمل بجد من غير وجع جديد.
بعد فطار مر على الجميع في صمت تام ورهيب صمت مفيش فيه غير صوت الأفكار اللي بتطحن في عقول الكل.. ليل فطرت وخدت علاجها بمساعدة فيروز بقلم فاطمةشلبي وغيرت هدومها ونزلت تحت بخطوات هادية ومترددة .
الشيخ منصور كان قاعد في ركنه الهادي والمعتاد في المندرة..
دخلت عليه ليل بهدوء.. أول ما عينه جت عليها ولمح ملامحها ابتسم بابتسامة مليانة حنين..
ليل لقت رجليها بتاخدها ناحيته قربت وقعدت جنبه على الكنبة وفضلت ساكتة مش عارفة تنطق ولا تقول إيه.
الشيخ منصور بصلها وعينيه قرت كل التشتت والخوف اللي جوا قلبها قطع الصمت ده وقال بصوته الدافي والوقور..
_ متخافيش يا بنت سالم.. أنا عارف كل اللي بيدور في عقلك دلوقتي.
ليل رفعت عينيها وبصت له باستغراب ودهشة كأنه كان بيقرا كتاب مفتوح وهو كمل كلامه بنفس الصوت الهادي المطمئن..
_ عاوزة تعرفي أنا متقبلك وسطنا ولا لأ.. مش كده؟
أول ما قال الجملة دي ليل مقدرتش تمسك نفسها وحواجز الصمود اللي كانت عاملاها انهارت وعينيها اتملت دموع ..
الشيخ منصور..مال عليها وشدها لحضنه وطبطب على كتافها بحنان أب وجد وقال بنبرة هزت كيانها..
— مش هقبلكِ ازاي وأنتي حتة من روحي يا بنتي؟ أنتي غالية وبنت غالين على قلبي.. أنا سامحت أبوكي بس لأجل إنه ردلي روحي تاني لما جابك .
ليل وهي في حضنه لأول مرة تحس بأمان حقيقي من ساعة ما الكابوس ده بدأ وعرفت إن ورا الهيبة دي كلها قلب كبير هيحميها من الدنيا كلها.
_______________//________________//_______________
في جنينة البيت..
كان الهوا الصبح فيه نسمة برودة خفيفة.. عاصم وعمار كانوا قاعدين مع بعض الصمت كان تالتهم لحد ما عاصم قرر يقطعه وبص لـ عمار بتمعن ونظرة فاحصة وقال بنبرة هادية..
_ مالك يا ابن الجبالي.. حاسس عقلك فيه أمور مش واضحة ليا..!
عمار بصله وفضل السكوت وهو عينه سارحة في الأرض..
عاصم كمل بنفس النبرة الهادية وعينيه منزلتش من على وش عمار..
= هتعمل إيه مع ليل ؟؟
عمار رفع راسه وبص له باستغراب وعقد حواجبه..
_ هعمل إيه ازاي !!
عاصم أخد نفس طويل واتكلم بجدية كاملة ونبرة حاسمة كأنه بيحطه قدام الأمر الواقع..
= ناوي ترسى على إيه في الجوازة دي يا عمار ؟؟
عمار هنا فهم عاصم بيلمح لإيه بالظبط..قام وقف فجأة وعينيه وبص لـ عاصم بعصبية ..
_ أنت أكيد بتستهبل يا عاصم.! أنت بنفسك كنت واقف وسامع الدكتورة وهي بتقول إن ليل تعبانة وبلاش نعرضها لأي ضغط تاني الفترة دي.. أومال لو مكانتش أختك ومن دمك كنت عملت إيه؟! جاي دلوقتي تسألني عن أمور زي دي ؟؟
عاصم فهم اللي عاوز يوصله ومبينش على وشه ..وقف قدامه بثبات وقوة وحط إيديه في جيوبه وقال ببرود مصطنع..
= أنا مقولتش حاجة تستاهل العصبية دي كلها على فكرة.. أنا بسأل سؤال طبيعي من حقي كأخ.
عمار نفض إيده بزهق وضيق..وبص لـ عاصم بنظرة أخيرة وقال
_ عاصم.. أنا مش فايق لأي حاجة من الكلام ده دلوقتي.. أنا همشي.
ومن غير ما يستنى رد.. لف وشه وسابه وخرج من باب الجنينة والبيت كله ركب عربيته وطار بيها وهو حاسس إن في براكين وعواصف شغالين جوا دماغه..
خرجت ليل من المندرة بخطوات سريعة وراحت لـ سالم بلهفة الدنيا كلها ووقفت قدامه وعينيها بتلمع بدموع الفرحة.. سالم أول ما شافها مستناش ثانية واحدة وفتح لها دراعاته الإتنين على آخرهم بقلم فاطمةشلبي وفي ثانية رمت ليل نفسها في حضنه بكل قوتها ضمته ليها ولأول مرة في حياتها.. حست إنها أخيراً لقت ليها وجود وأمان حقيقي في الدنيا دي إن ليها ضهر وسند مش هيميل.
آمنة كانت واقفة من بعيد بتتابعهم.. ورغم الوجع اللي بينها وبين سالم إلا إن عينها كانت فرحانة بفرحة بنتها اللي رجعت لحضن أبوها.
ليل بعدت عن حضنه شوية وبصت لملامحه وقالت بنبرة مخنوقة بالدموع..
_ أنا كنت خايفة أعيش عمري كله بدور عليك ومش عارفة أوصلك يا بابا..
سالم رفـع إيديه وطبطب على وشها بحنية ومسح دموعها وقال بصوت مرتعش..
= وأنا بحمد ربنا إنه خلاني أقابلك وأضمك بعد العمر ده كله.. كنت خايف العمر يخلص وأنا معرفش طريقك ولا أموت قبل ما أشوف وشك .
ليل قطعت كلامه بسرعة وخوف وهي بتمسك إيده..
_ بعد الشر عنك يا حبيبي.. ربنا يخليك ليا ويمد في عمرك.
في اللحظة دي.. ليل لمحت آمنة واقفة ومركزة معاهم ومن غير أي تردد أو تفكير ليل سابت إيد أبوها وراحت قعدت قدام آمنة مباشرة بصلت لملامحها الأصيلة وقالت بصدق..
_ "أنا أسفة.."
آمنة بصت لها باستغراب ودهشة وسألتها..
= أسفة على إيه يا بنتي؟
ليل ردت بنبرة هادية ..
_ إني معرفتش أحضنك امبارح وأعبر لك أد إيه إني كنت محتاجة أم حنينة عليا زيك..
أول ما سمعت آمنة الكلمة وشها نور وضحكت وسحبت ليل لحضنها بسرعة وطبطبت على ضهرها بقوة وهي بتعيط وتضحك في نفس الوقت وقالت..
= تعرفي.. أنا من أول يوم شوفتك فيه حسيتك قريبة ليا وحتة مني ومكنتش عارفة ليه..
في وسط اللحظة الدافية دي.. دخل عاصم عليهم الصالة بخطواته السريعة وبص لهم بضحك وهزار عشان يفك المشهد المشحون بالدموع ده وقال..
= يا عيني على الحنية يا جماعة! بقا هتقلبوها أحضان وعياط من غيري؟ أنا برضه ابنكوا على فكرة!
ليل بعدت عن حضن آمنة وضحكت من قلبها على منظر عاصم.. وآمنة ردت عليه بسرعة وهي متبتة في ليل..
_ وإنت مالك إنت؟!!
عاصم حط إيده على صدره وعمل نفسه مصدوم ومظلوم..
= جرى إيه يا ست الكل؟ دلوقتي اتركنت أنا على الرف وبقيت تكميلة عدد؟ ماشي.. مقبولة منك بس البت ليل دي شكلها هتاكل الجو مني!
الكل ضحك في الصالة.. وسط الضحك ده كانت ليل عينيها بتلفت ناحية الباب بتدور على عمار ..!
بيمر اليوم بضحك وجو جميل وهادي خلقته ليل بوجودها وسطهم.. اندمجت مع عيلتها الحقيقية بطريقة حلوة ودخلت القلوب بسرعة.
لحد ما الليل ليل.. والضلمة فرشت سترها على سيناء والهدوء رجع يسيطر على المكان.
ليل كانت قاعدة وسط أبوها سالم وأمها آمنة وفيروز.. بس بالرغم من الدفا اللي حواليها كان بالها مشغول.. فجأة..عينها بدأت تدور في أنحاء الصالة وبصت ناحية البا بتدور على عمار اللي مظهرش من الصبح خالص ومحدش سمع صوته.
أول ما شافت عاصم داخل من باب البيت لوحده سألته بلهفة وقلق حاولت تداريه..
= أومال عمار فين يا عاصم ؟؟ مشفتوش من الصبح.. تقريباً فكرته معاك برا؟!!
عاصم بصلها..وافتكر خناقة الصبح وعصبية عمار لما سابه ومشي.. ورد بتلقائية وهدوء..
= لا.. عمار مكانش معايا هو خرج من بدري أوي من الجنينة.
ليل بصدمة
_ ولسه مجاش لحد دلوقتي ؟؟!
فيروز حست بقلق ليل فقالت لها عشان تطمنها..
= طيب رني عليه يا ليل شوفيه فين تلاقيه مشغول في حاجة
عاصم كمل كلامه وبرضه بنفس نبرة الهدوء بس ملامحه بدأت تقلق
= أنا رنيت عليه من شوية.. بس مردش عليا.
ليل قلبها انقبض..وسحبت تليفون فيروز بسرعة من جنبها وبدأت ترن هي عليه.. حطت التليفون على ودنها وهي بتسمع دقات قلبها بتعلو على صوت الرنين وفجأة الصدمة ظهرت على وشها.
بصت لعاصم بقلق وخوف حقيقي ونطقت بصوت مرتعش..
_ تليفونه مقفول يا عاصم..!!
يتبع...