رواية عمار وليل قيادة القلوب الفصل العاشر 10 بقلم فاطمة شلبي
بارت ( 10 ) ..
بعد شوية من القلق والتفكير اللي كان هياكل عقلها.. ليل وقفت فجأة واتكلمت بنبرة ماليها الجدية واليقين..
_ عمار أكيد مراحش في مكان غريب.. عمار في بيته وأنا هروح أشوفه بنفسي.
عاصم أول ما سمعها..وقف في طريقها بسرعة وحط إيده على كتفها يحاول يمنعها..
= لا يا ليل متروحيش لوحدك دلوقتي والدنيا ليل.. وافرضي كمان مراحش هناك ومش موجود هتعملي إيه؟ استني الصبح وأنا هروح معاكي.
ليل بصت في عين أخوها بثبات..وقالت بنبرة قاطعة مفيش فيها مجال للنقاش..
_ أنا متأكدة إنه هناك يا عاصم.. أنا هروح لوحدي لو سمحت محدش ييجي معايا.
وسابته من غير ما تستنى منه رد.. وخرجت من البيت بخطوات سريعة وقلبها هو اللي بيمشيها ودليلها في الضلمة
وصلت بيت الجبالي.. وزي ما توقعت وقلبها حس.. لقت عربيته واقفة برا.. قربت بقلم فاطمةشلبي من عتبة البيت وتفاجأت إن باب البيت كان مفتوح لأول مرة..! كأن عمار كان عارف إنها هتيجي أو كأنه كان مستني جيتها بفارغ الصبر.
خطت لداخل البيت بهدوء.. وأول ما دخلت الصالة لقت عمار قاعد.. وكان محضر شنطة هدوم كبيرة جنبه على الأرض وحاطط كل حاجات ليل الشخصية لبسها وأغراضها اللي كانت معاها طول الشهرين اللي فاتوا قدامه على الترابيزة.
ليل وقفت مكانها.. وعينيها جت على الشنطة والحاجات.. وفي ثانية فهمت إن دي شنطة هدومها وحاجتها..
عمار حس بوجودها وبخطواتها الهادية رفع عينه ليها.. نظرته كانت ماليها الشوق والوجع في نفس الوقت اتنفس ببطء وقال بنبرة خافتة..
_ "كنت مراهن نفسي إنك هتيجي.."
ليل بصت له باستغراب ودهشة من قعدته وشنطتها وقالت بنبرة قلقانة..
= "في إيه يا عمار ؟؟"
عمار قام وقف وقرب منها بخطوات بطيئة..شاور بإيده على الشنطة والأغراض اللي قدامها وقال بهدوء..
_ أنا حضرت لكي حاجاتك كلها هنا في الشنطة دي.. تقدري تعيشي مع أهلك يا ليل خلاص مكانك الحقيقي رجع لك.
ليل مكانتش فاهمة إيه اللهجة الباردة والغريبة اللي بيتكلم بيها دي.. مكانتش مبسوطة باللي بيقوله.. سألته بقلق وخوف ظهر في عينيها..
= "هعيش معاهم.. لوحدي ؟؟"
عمار رد بسرعة وكأنه بيهرب من نظرة عينيها..
_ أكيد مش لوحدك.. كلهم جنبك وحواليكي يا ليل عيلتك الكبيرة، عاصم، وفيروز، والشيخ منصور.. وأنا كمان هبقى معاكي مش هختفي.
ليل لسه قلقها بيزيد.. سألته وعينيها متبتة في ملامحه..
= طيب ليه مشيت الصبح بالشكل ده وقفلت تليفونك؟!
رد بثبات وقوة مزيفة وهو بيحط إيديه في جيوبه..
_ عشان ده اللي المفروض يحصل.. والحمد لله أنا طريقي معاكي وصلتك فيه لأهلك واطمنت عليكي إنك في حمايتهم وفي أمان.
ليل بصت له بنفس الثبات ورغم دموعها اللي كانت هتخونها صمدت وقالت بوجع وعتاب..
= بس ده مكانش كلامك معايا.. قولت لي مش هتسيبني لوحدك وهتفضل في ضهري.. إيه اللي اتغير؟!
عمار اتنهد بزهق وضيق.. ولفت وشه عنها وقال بقسوة عشان ينهي الحوار..
_ طريقنا من الأول مكانش واحد يا ليل.. ومينفعش يبقى واحد! وخلاص أنا عملت اللي عليا ورجعتك لأهلك.. الحكاية خلصت لحد هنا خلاص!
الكلمات دي كانت كفيلة تفوق ليل وتصحي كبريائها المكسور.. فهمت كلامه سكتت لثواني طويل وهزت راسها بهدوء مريب مسح كل علامات الخوف من على وشها وبعدين نطقت بصوت تقيل ومبحوح..
= شكراً.. شكراً إنك وقفت جنبي وكنت ضهري في يوم من الأيام.. عن إذنك.
وقبل ما ينطق بكلمة ثانية..وطت سحبت أيد الشنطة ولفت وشها وخرجت بيها من باب البيت كله.. تحت نظرات عمار .
__________________//_____________//________________
ليل رجعت البيت تاني بخطوات تقيلة..شايلة في شنطة هدومها وجواها خيبة أمل جديدة عليها تماماً.. مكانتش قادرة تفهم إيه اللي مضايقها في الموضوع بالظبط ولا إيه اللي وجعها أكتر هل كلام عمار وجفاؤه؟ ولا فكرة إنه استغنى عنها بالسهولة دي أول ما لقت أهلها؟ عقلها كان مشوش وقلبها كان واجعها ورافض يستوعب.
دخلت الصالة وهي جارة حاجتها وراها أول ما شافتها آمنة قربت عليها بلهفة وقلق ..
_ طمنيني يا بنتي.. خير إيه اللي حصل ؟؟
فيروز هي كمان سألتها بقلق وعينيها على الشنطة..
_ لقيتي عمار يا ليل؟!
ليل هزت راسها بهدوء مريب وثبات مصطنع..
= أيوه لقيته.. كان بيجهز لي حاجتي وهدومي في الشنطة دي عشان آجي أعيش هنا.
عاصم اللي كان متابع ملامح أخته بدقة.. سألها باستغراب..
_ طيب وهو مجاش معاكي ليه؟!!
ليل ردت بهدوء تام ونبرة قاطعة قفلت بيها أي نقاش..
= لا.. ومش هييجي.. عن إذنكم هطلع أوضتي أرتب حاجتي.
سحبت الشنطة وطلعت السلم بخطوات هادية وسابت وراها الصالة مقلوبة بقلم فاطمةشلبي بعلامات الاستفهام..سالم بص لـ عاصم بنظرة ماليها الغموض والشك وسأله بصوت واطي..
_ فهمت حاجة يا عاصم من اللي حصل ده؟؟
عاصم بص لأبوه بعدم فهم وهز راسه وقال بقلة حيلة..
= لأ ما فهمتش.. بس واضح ومؤكد إن في حاجة تقيلة حصلت بينهم في بيت الجبالي.
هنا تدخل الشيخ منصور وقال بهدوءه المعتاد
_ كل واحد يروح يشوف هيعمل إيه خلاص.. سيبوا ليل في حالها تستريح شوية..البنت مش حمل كلام.
عاصم اتنهد وأخد فيروز في إيدها وطلعوا على أوضتهم فوق.. والشيخ منصور بص لـ آمنة وقالها عشان يفض القعدة..
_ تعالي يا آمنة معايا عشان تديني علاجي.
آمنة مشيت مع الشيخ منصور وعينها وقلبها فوق مع بنتها اللي حاسة بوجعها..
في أوضة الشيخ منصور..
منصور كان قاعد على سريره وعينيه كانت بتراقب آمنة اللي واقفة وسرحانة تماماً..ملامحها شايلة هموم تهد جبال وعينيها باصة للفراغ.
منصور بصلها بنظرة دافية وقطع السكوت وسألها بهدوء ..
_ مالك يا بنت أخويا.. خير..! في إيه شاغل بالك؟!
آمنة انتبهت لصوته..واتنهدت بتقل ورتبت ملامحها وهزت راسها بهدوء..
= مفيش حاجة يا عمي.. قلقانة على ليل بس خايفة ليكون في حاجة تانية مكسورة جواها.
منصور رد عليها بنبرة كلها ثقة ويقين..
_ متقلقيش واطمني.. أنا واثق إنها هتبقى كويسة وبنت أصول وهتقف على رجلها بس ساعديها أنتي..بس أنا هنا بتكلم عنك أنتي يا آمنة.
آمنة بصت له بعدم فهم واستغراب وحطت إيدها على صدرها..
= عني أنا ازاي يا عمي؟ مالي ما أنا كويسة وزي الفل قدامك أهو.
الشيخ منصور بصلها بأسف حقيقي ونظرة ماليها العتاب على الزمن اللي جار عليها.. وقال بصوت حنين..
_ حاسس إني بزود عليكي همك وتعبك.. بوجود سالم هنا في البيت بعد كل السنين دي.
آمنة أول ما سمعت اسم سالم سكتت تماماً.. الكلام وقف في زورها وعينيها هربت من نظرات عمها
منصور شاف سكوتها فكمل كلامه بهدوء وحسم عشان يريح قلبها..
_ لو مش عاوزة وجوده في البيت يا آمنة ومسبب لكس ضيق أو قوليلي بس كلمة واحدة وأنا أمشيه من هنا فوراً رضاكي عندي بالدنيا.
آمنة رفضت بسرعة ولهفة من غير ما تفكر ورفعت عينيها لعمها..
= لا يا عمي.. أبداً.. بلاش تمشيه.
الشيخ منصور ابتسم ابتسامة خفيفة وودودة.. وسند على عصايته وقالها بخبث الشيوخ..
_ طيب.. أفهم من كده إيه يا بنت أخويا؟!
آمنة ردت بتردد والدموع لمعت في عينيها بصعوبة..
= مفيش حاجة يا عمي.. كل الحكاية إني مش عاوزة ولادي يتِحرموا من أبوهم تاني كفاية السنين اللي ضاعت من عمرهم وعمرنا في البعد .. أنا قادرة أستحمل عشانهم.
منصور هز راسه بتفهم وإعجاب بأصلها وقالها..
_ وأنا كمان سامحته ودخلته بيتي عشان كده.. وعشان خاطر ليل وعاصم...بس افتكري يا آمنة.. لو فضل مزعلك أنا هرجع في كلامي معاه ومالوش قعاد وسطنا.
آمنة ردت بهدوء ورضا وهي بتنسحب بخطواتها..
— "اللي فيه الخير يقدمه ربنا يا عمي.. عن إذنك."
وقامت خرجت من الأوضة.
_________________//______________//________________
بيمر شهر كامل..
شهر بحاله عدا على الأبطال.. والكل بيحاول يتعايش مع الواقع الجديد...عمار كان دافن نفسه بالكامل في الشغل النادي.. والتدريبات.. كان بيطحن نفسه في الجري والرياضة عشان يهرب من شكل عينيها الدبلانة وصوتها وهي بتقوله
"شكراً إنك وقفت جنبي".
عمار كان قاطع رجله عن بيت آل منصور تماماً ومبيشوفش عاصم وفيروز غير في بيته أو في النادي وبس.. ومبيجيبش سيرتها بكلمة بس عينيه كانت بتفضح شوقه في كل مرة بيلمح فيها عاصم.
أما عند ليل.. فمكانتش بتخرج كتير من البيت قفلت على نفسها وحصرت وقتها كله مع جدها الشيخ منصور معظم الوقت بتسمع لكلامه وحكاويه اللي بتطمن قلبها المشوش.. سالم من ناحيته كان دايماً بيحاول بشتى الطرق يرجع حبال الود والوصل بينه وبين أبوه منصور و آمنة.. الشيخ منصور بقلب الأب صفي لابنه ومال له تاني لكن مشوار سالم مع آمنة كان لسه مكملش.
وفي يوم.. كان عاصم قاعد مع عمار في إسطبل الخيل الخاص بالنادي..
الجو كان هادي وصوت صهيل الخيل مغطي على المكان..بس "جموح" (حصان ليل) بقلم فاطمةشلبي كان باين عليه الزعل والهم واقف مش طايق حد يقرب منه..ورافض تماماً إن أي فارس تاني يقوده خلاف ليل.. كان بيهيج ويرفص بقوة والوحيد اللي كان مستسلم له وبيتجاوب معاه بهدوء هو عمار.
عاصم كان ساند ضهره على الخشب.. وباصص على عمار وهو بيطبطب على رقبة الحصان وبيهديه فابتسم وسأله بنبرة هادية..
_ مش ملاحظ إن حصان ليل عنيد زيها بالظبط يا عمار؟!
عمار رد من غير ما يلتفت له.. وعينيه سارحة في عيون الحصان وبيمسح على شعره بحنان..
= وليه ميبقاش أصيل.. أو وحشه القائد بتاعه مش أكتر؟!
عاصم بص لـ عمار بتمعن.. ولقى إن عمار هو الشخص الوحيد في المكان كله اللي "جموح" مش بيتعانف معاه ولا بيرفض لمسته كأن الحصان حاسس بريحة صاحبته في إيد ابن الجبالي.
عاصم ضحك ضحكة خفيفة ماليها المكر ..
= أي حاجة من ريحة الحبايب بقا.. بتصبر!
عمار بصله فجأة وانتبه لكلامه.. عقد حواجبه بضيق مصطنع وقال بصوت عالي ..
= نعم ؟؟ قصدك إيه وبتلمح لإيه بالظبط؟ مش فاهمك يا عاصم.
عاصم قام وقف ونفض الهدوم من التراب وبص لصاحبه بابتسامة مرسومة بذكاء وقال..
= ولا حاجة يا صاحبي.. ركز بس في اللي بتعمله أنا رايح أشوف شغلي عندي تدريب .
وسابه وخرج من الإسطبل بخطوات هادية وساب وراها عمار واقف مكانه ساند راسه على جسم "جموح" وهو سارح في أفكاره
كانت جامعة فيروز بدأت وبقت تروح وتيجي هلكانة حرفياً بين المحاضرات والمذاكرة والطريق..ليل مكانتش بتسيبها كانت دايماً بتساعدها هي وأمها آمنة في شغل البيت عشان يخففوا عنها التعب.. وفي وسط ده بقلم فاطمةشلبي كله ليل مكانتش بتقطع اتصالها بـ فريدة صاحبة عمرها اللي فرحت من كل قلبها باستقرار ليل وأخيراً لقت عيلتها..ووعدتها إنها جاية سيناء تزورها قريب جداً عشان تطمن عليها بنفسها.
وفي يوم.. كان سالم راجع من شغله.. والجو كان حر نار ..دخل البيت بخطوات مجهدة وتقيلة.. ومكانش في حد في الصالة خالص.. فيروز كانت في الجامعة.. وعاصم وليل خرجوا سوا بالعربية عشان يجيبوا طلبات ومستلزمات للبيت والشيخ منصور كالعادة قاعد في هدوء المندرة.. مكانش فيه في البيت جوا إلا آمنة.
آمنة سمعت صوت الباب الخارجي.. فخرجت من المطبخ تشوف مين اللي وصل بدري كده..! أول ما خطت في الصالة لقت سالم.
كان نايم على الكنبة.. مرجع راسه لورا ومغمض عينيه وملامحه كانت مجهدة وشاحبة بشكل يقلق والنفس طالع منه بصعوبة
نسيت آمنة كل العتاب والخصام وبصت له بقلق وخوف حقيقي ظهر في نبرة صوتها..
_ سالم.. مالك؟ أنت كويس؟ فيك إيه؟
سالم فتح عينيه بتعب شديد وبص لها بنظرة باهتة ورد بصوت مبحوح..
= لا.. مفيش حاجة شوية تعب وإرهاق بسيط من الشمس تقريبا مش أكتر.. هبقى تمام.
سند بإيديه على الكنبة وقام عشان يروح أوضته يستريح بس أول ما وقف على رجليه الدنيا لفت بيه.. وخطواته خانته وتوازنه اختل وكان هيقع على الأرض..
آمنة صرخت بخوف ..وتحركت بسرعة وسندته بكل قوتها قبل ما يقع ..وحطت دراعه حوالين كتفها وقالت بنبرة كلها قلق ..
= كويس فين بس وأنت مش قادر تقف على رجلك؟! ده أنت مش قادر تمشي خطوتين على بعض يا سالم!
سالم بصلها وهو ساند عليها وحس بدقات قلبها الخايفة عليه.. فقال بصعوبة..
_ محتاج أستريح شوية بس.. هروح الأوضة وهبقى تمام متقلقيش.
آمنة من غير أي تردد ولا تفكير.. شددت من مسكتها ليه وقالت بحسم..
= طيب تعالى.. هوديك أنا..
وبخطوات بطيئة وتقيلة.. أمنة أخدته أوضتها مساعدة آمنة اللي كان ظاهر بقلم فاطمةشلبي عليها القلق والرعب بشكل كبير عينيها كانت بتتحرك عليه بخوف كأنها خايفة يسيبها تاني بس المرة دي مش هجر.. المرة دي تعب ومرض.
آمنة ساعدته يمدد على السرير براحة.. وغطته بحنانها الفطري اللي عجزت الأيام تغيره.. ولما اطمنت إنه ارتاح لفت وشها وجت تخرج بسرعة عشان تروح المطبخ تعمل له حاجة دافية أو تجيب له حاجة تقويه .
في اللحظة دي نده عليها بصوت.. مبحوح ضعيف ومليان تعب وشوق...
= "استني يا آمنة.."
آمنة وقفت مكانها.. ولفت له بانتباه وعينيها بتتحرك عليه بقلق..
_ محتاج حاجة تانية يا سالم؟!
سالم بص لها لثواني.. وعينيه الدبلانة من التعب بدأت تلمع بنظرة صافية نظرة كلها حب ندم ورجاء.. نظرة عاشت آمنة عمرها كله بتتمنى تشوفها تاني.. اتنفس ببطء وقال بنبرة هادية وراجية لمست أعمق حتة في قلبها..
= "لو مش هتعبك.. خليكي جنبي."
آمنة اتـسمرت مكانها..لقت رجليها بتاخدها وتتحرك ناحية السرير تاني من غير إرادتها وقعدت على طرف السرير ..وعينيها متثبتة في وشه وعاجزة عن الكلام.. بس دموعها الخايفة عليه كانت بتقول كل حاجة.
سالم ابتسم ابتسامة خفيفة باهتة مليانة راحة أول ما لقاها قعدت جنبه.. ومد إيده وحطها فوق إيدها وغمض عينيه وهو حاسس إن روحه أخيراً ردت فيه.. وإن التعب ده كان أحسن حاجة حصلت له عشان يرجع آمنة لحضنه تاني.
_______________//________________//_______________
آمنة بصت لإيده التعبانة اللي ماسكة إيدها بتمسك رهيب كأنها طوق النجاة اللي اتعلق بيه بعد سنين من الغرق .. نظرها كان مثبت عليه لاقت البهتان والتعب بدأ يختفي بالتدريج وحل مكانهم راحة وهدوء غريب أول ما حس بأمان وجودها جمبه وسندة إيدها ليه.
المرارة والوجع اللي في قلب آمنة دابوا في ثانية قدام ضعفه وحبه ليها ومقدرتش تمنع نفسها.. ابتسمت ابتسامة هادية وصافية من بين دموعها وقلقها عليه وسابت إيدها مستسلمة جوا كفه وقررت في اللحظة دي إنها مش هتسيبه.
آمنة من كتر تعبها وهلكة اليوم والحر غلبها النوم وهي قاعدة.. مالت براسها ونامت جنبه براحة وهدوء على طرف السرير.
في الوقت ده..
كانت ليل وعاصم وصلوا البيت ومعاهم الطلبات.. ليل دخلت المطبخ بخطوات خفيفة تدور على أمها عشان تساعده بس ملقتهاش فخرجت للصالة وقالت لعاصم فرد عليها بمرح..
_ تلقيها في أوضتها فوق اطلعي شوفيها.
ليل هزت راسها وطلعت السلم بهدوء... راحت ناحية الأوضة وفتحت الباب ببطء شديد عشان متصحهاش لو كانت نايمة.. بس أول ما الباب اتفتح لقت بقلم فاطمةشلبي المنظر اللي دخل قلبها ونوّر عينيها.. أمها نايمة على طرف السرير جنب أبوها وإيديهم في إيد بعض وملامحهم هادية وصافية..
ليل محبتش تعمل أي صوت يفسد اللحظة دي فانسحبت في ثانية وقفلت الباب براحة .
نزلت السلم بخطوات سريعة وهي مبتسمة ابتسامة عريضة من قلبها...أول ما شافها عاصم.. سألها بمرح وهو بيشيل الطلبات..
_ مالك بتضحكي على إيه كده؟ لقيتي ماما؟!
ردت ليل بضحكة صافية ماليها الفرحة..
= أيوه لقيتها.. بس نايمة شوية.
عاصم استغرب وبص في ساعته.. وقال بعقدة حاجب..
_ نايمة الساعة ٤ العصر ازاي؟! هي تعبانة ولا إيه؟ هروح أشوفها واطمن عليها.
ليل وقفته بسرعة وحطت إيدها على دراعه تمنعه..
= لا استنى بلاش تطلع دلوقتي خالص.. أصل...
عاصم سألها بعدم فهم..
_ أصل إيه مش فاهم؟ خضيتيني في إيه؟
ليل ردت بنبرة هادية ودافية..
= بابا فوق.. وتقريباً كان جاي تعبان من شغله وماما فضلت جنبه لحد ما نامت هي كمان.. بلاش تطلع تقلقهم وتسيبهم براحتهم.
عاصم فهم اللعبة وضحك ضحكة عالية من قلبه وقال بغمز..
_ اممممم.. عشان كده نازلة مبسوطة والضحكة من الودن للودن!
ليل هزت راسها بأمل كبير..واللمعة رجعت لـ عينيها تاني وقالت بصوت ماليها الرجاء..
= نفسي يا عاصم ميبقاش في أي حاجة معكرة علينا حياتنا تاني.. أنا ما صدقت لقيت بيت وأمان أعيش فيه وسطكم.. عاوزة بابا وماما الأمور تبقى كويسة بينهم والماضي ده يتمسح خالص.
عاصم اتقلب ملامحه للحنان..وضحك على كلامها وطبطب على كتفها بحب أخوي كبير.. وفجأة افتكر الساعة وصرخ بخضة ومرح..
_ يا خبر!.. كده هتأخر على فيروز جداً زمانها واقفة مستنياني وممكن تاكلني! هروح أجيبها من الجامعة بسرعة وأجيلك.. سلام!
وجري على برا يلحق مراته.. وساب ليل واقفة في الصالة لوحدها بس المرة دي الابتسامة مفارقتش وشها.. والأمل بدأ يدب في قلبها من جديد.
عاصم طار بعربيته على الجامعة عشان يلحق فيروز.. وهو راجع بيها في الطريق..عينيه لقطت وش مألوف واقف على جنب جارة شنطتها.. كانت فريدة!
عاصم فرمل بسرعة ووقف على جنب ونزل هو وفيروز يسلموا عليها بحفاوة وترحيب كبير.. فريدة ضحكت وقالت لهم إنها لسه واصلة سيناء حالاً..وكانت ناوية تروح لهم من غير ما تقول عشان تعمل لـ ليل مفاجأة..
عاصم ضحك وقالها بترحاب..
_ خلاص يا ستي، ملوش لزمة التعب ده كله تعالي في طريقنا يلا اركبي معانا .
وفعلاً.. ركبت فريدة معاهم.. وخلال دقايق وصلوا البيت.
في الوقت ده.. ليل كانت واقفة في المطبخ بخفة.. بتجهز الغداء للكل بنفس صافية..والابتسامة لسه على وشها فجأة سمعت صوت حركة برا ودخول عربية عاصم.
عاصم دخل الصالة هو وفيروز وفريدة وحب يعمل جو وهو بينده على ليل من المطبخ..
_ يا ليل.. يا ليل اخرجي بسرعة! أنا عامل ليكي مفاجأة هتقلب يومك كله!
ليل مسحت إيدها في الفوطة وخرجت بسرعة من المطبخ وهي مستغربة.. وأول ما خطت في الصالة شافت فريدة واقفة بتبتسم لها..!
في ثانية..ليل حست بفرحة كبيرة أوي ومن غير أي تردد جريت عليها بكل قوتها ورمت نفسها في حضنها..وضمتها بشوق كبير أوي واحتياج لصاحبة عمرها اللي وحشتها.. الحضن ده كان فيه شكوى من غير كلام وفرحة باللقاء بعد كل الوجع اللي عاشته ليل الشهر اللي فات.
فيروز وعاصم كانوا واقفين بيبصوا عليهم وفرحانين جداً بالفرحة اللي نورت وش ليل من جديد .
__________________//_________________//____________
خيوط المغربية الهادية بدأت تدخل من الشباك.. آمنة فتحت عينيها ببطء.. واتفاجأت إنها نامت على طرف السرير جنب سالم لسه بتتسحب براحة عشان تقوم.. حس سالم بحركتها وفتح عينيه.
ملامحه كانت رايقة وأحسن بكتير وبص لإيدها اللي بتتسحب من إيده ولقى إن دي الفرصة اللي مستنيها بقاله شهر ومينفعش يضيعها من إيده تاني تحت أي ظرف.
سالم قعد على السرير بسرعة وثبت نظراته في عينيها وقال بنبرة ماليها الإصرار والجدية..
_ أحنا لازم نتكلم يا آمنة.. ومينفعش نأجل الكلام ده دقيقة واحدة تانية.
آمنة بصت له ولقيت في عينيه نظرة قوية وصادقة هزت قلبها.. ولأول مرة من ساعة ما رجع تستسلم وتوافقه.. سكتت وقعدت مكانها وهي مستنية تسمعه.
سالم أخذ نفس عميق وقرب منها واتكلم بصوت دافي طالع من أعماق قلبه..
_ أنا عارف إني ظلمتك زمان..وجيت عليكي كتير.. بس برضا أبويا أو من غير رضاه..أنتي غالية عندي أوي يا آمنة..أنتي مش بس بنت عمي وأم عيالي ومراتي.. أنتي..الست الوحيدة اللي دخلت قلبي وعاشت فيه..بس غلطتي الكبيرة.. وعمايا.. إن مكانش في إيدي أعرف قيمتك ولا أصون الجوهرة اللي معايا.. أنا أسف على كل ليلة نمتي فيها ودموعك على خدك بسببي.
الكلمات دي نزلت على جروح آمنة الحية زي البلسم.. مشاعرها غصب عنها خانتها وقوتها انهارت..وملقتش نفسها غير وهي بتعيط بدموع حرقة وقهر السنين اللي فاتت كلها.
سالم أول ما شاف منظر دموعها اتخض عليها بجد.. وقلبه وجعه.. وبتلقائية ومن غير ما يفكر..مد دراعاته الإتنين وأخدها في حضنه وقفل عليها بكل قوته كأنه بيخبيها من الدنيا جوا ضلوعه.
آمنة في اللحظة دي نسيت كل الخصام..استسلمت لدفا حضنه اللي وحشها ومدت إيدها هي كمان وحاوطته وبكت في صدره..
سالم ابتسم بفرحة الدنيا كلها وأخيراً حس إن روحه رجعت لجسده والبيت اتفتح له بجد.. مال على ودنها وهمس بصوت مرتعش ودافي
= وحشتيني.. وحشتيني أوي يا أم عاصم..
نزلوا هما الإتنين تحت للصالة بخطوات هادية وملامحهم كانت منورة والابتسامة الرايقة مرسومة على وشوشهم وباين عليهم التصافي والراحة بعد عمر من الجفاء.
الشيخ منصور كان قاعد في المندرة وباصص عليهم من بعيد.. وأول ما لمح شكلهم وهما نازلين سوا ومبسوطين.. اتنفس براحة كبيرة وابتسم بقلم فاطمةشلبي بقلب الأب لللي ارتاح من جواه وأخيراً اطمن إن مركب عيلته هترسى على بر الأمان وهيبته وعيلته رجعوا يلمعوا تاني وسط البلد.
بعد ما قعدوا كلهم على السفرة في جو ماليها الدفا لأول مرة.. واتغدوا سوا في لمة عيلة تفتح النفس البنات استأذنوا وقاموا يقعدوا مع بعض في الجنينة برا وسط الخضرة والهواء الرايق.. فيروز، وليل، وفريدة.
فريدة وليل كانوا قاعدين بيتكلموا ويضحكوا بيعوضوا الأيام اللي فاتت..وفي الوقت ده جت فيروز وفي إيديها أطباق كيكة شكلها يفتح النفس.. فريدة أول ما شمت ريحتها اتكلمت بلهفة وسعادة..
_ امممم.. ريحتها تحفة يا فيروز..! تسلم إيدك بجد باين عليها خطيرة.
ليل.. بتشجيع وفخر بيها..
= فيروز نفسها حلو أوي في الأكل والحلويات يا فريدة..رغم إن سنها لسه صغير.. ده أنا ساعات بقف وأتعلم منها.
فيروز حطت الأطباق وقعدت جنبهم وهي بتضحك بكسوف من كلامهم..
_ كتير أوي الكلام ده يا بنات والله.. ده أنا على قدي وبجرب فيكم مش أكتر!
فريدة مالت عليها وسألتها باهتمام..
= صحيح يا فيروز.. أخبارك إيه في الدراسة والجامعة؟!
فيروز اتنهدت بزهق وتعب طفولي..
_ متعبة أوي.. مكنتش أعرف إن هندسة بالصعوبة دي المذاكرة واللوحات مبيخلصوش!
ليل بصت لها بمشاكسة وغمزة..
= أومال أنتي كنتي مفكرة إيه يا لمضة؟ باشمهندسة قد الدنيا يعني تعب وسهر..معروفة..!
فيروز ضحكت من قلبها أول ما سمعت الكلمة وعينيها لمعت بذكرياتها وقالت بتلقائية..
= لمضة دي.. عمار دايماً بيقولها ليا لما بفضل أجادل معاه.
ليل أول ما سمعت سيرة عمار الضحكة هديت على وشها وسكتت لثواني الشوق حركها من غير ما تحس فبصت لـ فيروز وسألتها بهدوء ونبرة فضولية..
_ صحيح يا فيروز.. كنتوا عايشين ازاي أنتي وعمار طول السنين اللي فاتت لوحدكم؟!
فيروز ابتسمت ابتسامة دافية مليانة فخر بأخوها.. وعينيها حنت للمواقف اللي بينهم وقالت..
= أنا عمار مش بس أخويا يا ليل.. عمار ده أبويا وصاحبي وكل حاجة ليا في الدنيا دي.
فريدة اتنهدت بحب وتأثر من كلامها وقالت بخفة دمها المعتادة
_ يا سيدي يا سيدي.. بتقولي شعر في ابن الجبالي يا ست فيروز! حقك والله.
فيروز اتكسفت بس كملت بجدية وعينين مدمعة من الامتنان..
= دي الحقيقة.. عمار من صغره وهو شايل همي ومسؤوليتي.. من وقت ما بابا وماما عملوا الحادثة وسابونا.. وهو شغال وتعبان مع الشيخ منصور عشان ميزعلنيش ولا يخليني محتاجة أي حاجة في الدنيا.. كبّرني وعلمني وبقى ضهري.
ليل سمعت الكلام.. وابتسمت ابتسامة خفيفة وصافية.. وحست بفخر كبير أوي مالى قلبها من جوا ..
_________________//________________//______________
وفي نفس الوقت.. جوا البيت كان مشهد عاصم وسالم في الصالة ماليها الراحة..
سالم كان قاعد على الكنبة بيشرب كباية الشاي بمزاج رايق وعاصم كان قاعد قدامه وباصص له بنظرة فيها غموض ومكر..
سالم خد بوق من الشاي ولمح نظرات ابنه فقال له بضحكة خفيفة وعقدة حاجب..
_ مالك يا واد بتبص لي كده ليه؟ في إيه في وشي؟!
عاصم ضحك بصوت عالي وقال بمشاكسة..
= مفيش يا حاج.. بس حاسك كده النهاردة مزاجك في العالي والروقان باين عليك.
سالم بصله بنظرة كلها انتصار.. نظرة راجل رجع له بيته وروحه بعد طول غياب.. وقال بنبرة دافية..
_ عشان لأول مرة في حياتي كلها أحس إني صح يا عاصم.. وإني في مكاني الحقيقي وسطكم.
في اللحظة دي دخلت عليهم آمنة الصالة بخطواتها الهادية وكانت شايلة طبق فيه كيكة من اللي فيروز عملتها وبصت لهم بشك
_ بتتكلموا في إيه من ورايا ومن غيري؟!
عاصم اتعدل في قعدته وقال بسرعة ومكر وهو بيبص لأبوه..
= ولا حاجة يا ست الكل.. أصل الحاج كان لسه بيقولي إن نفس آمنة في الأكل ملوش مثيل ..
آمنة عرفت فوراً إن عاصم بيكدب .. لأنها أصلاً مكانتش في المطبخ ومطبختش ..قربت منه وضربته خبطة خفيفة على كتفه وهي بتضحك...
_ يا بكاش!.. دي أختك هي اللي عاملة الأكل ..بتضحك عليا وفاكرني عبيطة ومش هفهمك؟
عاصم قام وقف بسرعة وهو بيضحك ورافع إيديه بالاستسلام..
= خلاص يا ستي.. أنا هقوم من هنا فوراً وأمشي عشان مطلعش كداب وكمان بقلم فاطمةشلبي عزول بين الأحباب!.. أسيبكم بقا على راحتكم..وسابهم وهو بيضحك ومبسوط بالروح الجديدة اللي دخلت بيتهم.. وسالم وآمنة بصوا لبعض بابتسامة رايقة ماليها الرضا.
الشيخ منصور كان قاعد في المندرة..عينه على الصالة وجوه البيت الرايق.. ولمح عاصم وهو خارج برا ومبتسم ومبسوط باللمة.. نده عليه ..
_ عاصم.. تعالى يا ولدي هنا.
عاصم سمع صوت جده فغير اتجاهه وراحله المندرة بخطوات هادية وقعد قدامه على الكرسي باحترام وسأله..
= خير يا جدي؟؟ في حاجة ..!
منصور اتنهد.. وعدل قعدته وبص لـ عاصم بملامح جدية وحاسمة جداً واتكلم بصوته الرزين..
_ إحنا الحمد لله أمورنا بقت كويسة زي ما أنا شايف وأبوك وأمك حبال الود رجعت بينهم والبيت اتلم.. بس أنا حال أختك ليل مش عاجبني يا عاصم.
عاصم قطب حواجبه بعدم فهم وقلق..
= مالها ليل يا جدي؟ هي اشتكت لك من حاجة؟ حد في البيت زعلها؟!
منصور بصله وقال..
_ يا ابني هي مشتكتش.. وعزة نفسها مخلياها ساكتة وبلعة وجعها.. بس جوازتها دي مينفعش تفضل متعلقة كده... عمار بقاله شهر كامل قاطع رجله..والبيت اللي تطلع منه لازم تطلع مكرمة ومتستناش لما حد يستغنى عنها.
عاصم فهم قصد جده واللهجة اللي بيتكلم فيها ونزل عينه الأرض بقلة حيلة ووجع على حال أخته..وبصلُه بيأس..
هنا نطق الشيخ منصور بأمر حاسم ..
_ كلم عمار يطلق ليل يا عاصم.. وكل حي يروح لحاله!
عاصم اتـسمر في مكانه..وعينيه اتسعت من الصدمة والكلمة نزلت عليه زي الصاعقة..ورد بصوت مشحون بالذهول..
= يطلقها؟! يطلقها ازاي ياجدي بعد كل ده .
منصور بتأكيد..
_ زي ما سمعت.. أختك متفضلش معلقة على ذمة راجل مش عاوز يخطو خطوة ناحيتها.. كلمه وبلّغه بكلمتي وخليه ييجي ينهي الموضوع ده فوراً..!
_ يتبع ..
بعد شوية من القلق والتفكير اللي كان هياكل عقلها.. ليل وقفت فجأة واتكلمت بنبرة ماليها الجدية واليقين..
_ عمار أكيد مراحش في مكان غريب.. عمار في بيته وأنا هروح أشوفه بنفسي.
عاصم أول ما سمعها..وقف في طريقها بسرعة وحط إيده على كتفها يحاول يمنعها..
= لا يا ليل متروحيش لوحدك دلوقتي والدنيا ليل.. وافرضي كمان مراحش هناك ومش موجود هتعملي إيه؟ استني الصبح وأنا هروح معاكي.
ليل بصت في عين أخوها بثبات..وقالت بنبرة قاطعة مفيش فيها مجال للنقاش..
_ أنا متأكدة إنه هناك يا عاصم.. أنا هروح لوحدي لو سمحت محدش ييجي معايا.
وسابته من غير ما تستنى منه رد.. وخرجت من البيت بخطوات سريعة وقلبها هو اللي بيمشيها ودليلها في الضلمة
وصلت بيت الجبالي.. وزي ما توقعت وقلبها حس.. لقت عربيته واقفة برا.. قربت بقلم فاطمةشلبي من عتبة البيت وتفاجأت إن باب البيت كان مفتوح لأول مرة..! كأن عمار كان عارف إنها هتيجي أو كأنه كان مستني جيتها بفارغ الصبر.
خطت لداخل البيت بهدوء.. وأول ما دخلت الصالة لقت عمار قاعد.. وكان محضر شنطة هدوم كبيرة جنبه على الأرض وحاطط كل حاجات ليل الشخصية لبسها وأغراضها اللي كانت معاها طول الشهرين اللي فاتوا قدامه على الترابيزة.
ليل وقفت مكانها.. وعينيها جت على الشنطة والحاجات.. وفي ثانية فهمت إن دي شنطة هدومها وحاجتها..
عمار حس بوجودها وبخطواتها الهادية رفع عينه ليها.. نظرته كانت ماليها الشوق والوجع في نفس الوقت اتنفس ببطء وقال بنبرة خافتة..
_ "كنت مراهن نفسي إنك هتيجي.."
ليل بصت له باستغراب ودهشة من قعدته وشنطتها وقالت بنبرة قلقانة..
= "في إيه يا عمار ؟؟"
عمار قام وقف وقرب منها بخطوات بطيئة..شاور بإيده على الشنطة والأغراض اللي قدامها وقال بهدوء..
_ أنا حضرت لكي حاجاتك كلها هنا في الشنطة دي.. تقدري تعيشي مع أهلك يا ليل خلاص مكانك الحقيقي رجع لك.
ليل مكانتش فاهمة إيه اللهجة الباردة والغريبة اللي بيتكلم بيها دي.. مكانتش مبسوطة باللي بيقوله.. سألته بقلق وخوف ظهر في عينيها..
= "هعيش معاهم.. لوحدي ؟؟"
عمار رد بسرعة وكأنه بيهرب من نظرة عينيها..
_ أكيد مش لوحدك.. كلهم جنبك وحواليكي يا ليل عيلتك الكبيرة، عاصم، وفيروز، والشيخ منصور.. وأنا كمان هبقى معاكي مش هختفي.
ليل لسه قلقها بيزيد.. سألته وعينيها متبتة في ملامحه..
= طيب ليه مشيت الصبح بالشكل ده وقفلت تليفونك؟!
رد بثبات وقوة مزيفة وهو بيحط إيديه في جيوبه..
_ عشان ده اللي المفروض يحصل.. والحمد لله أنا طريقي معاكي وصلتك فيه لأهلك واطمنت عليكي إنك في حمايتهم وفي أمان.
ليل بصت له بنفس الثبات ورغم دموعها اللي كانت هتخونها صمدت وقالت بوجع وعتاب..
= بس ده مكانش كلامك معايا.. قولت لي مش هتسيبني لوحدك وهتفضل في ضهري.. إيه اللي اتغير؟!
عمار اتنهد بزهق وضيق.. ولفت وشه عنها وقال بقسوة عشان ينهي الحوار..
_ طريقنا من الأول مكانش واحد يا ليل.. ومينفعش يبقى واحد! وخلاص أنا عملت اللي عليا ورجعتك لأهلك.. الحكاية خلصت لحد هنا خلاص!
الكلمات دي كانت كفيلة تفوق ليل وتصحي كبريائها المكسور.. فهمت كلامه سكتت لثواني طويل وهزت راسها بهدوء مريب مسح كل علامات الخوف من على وشها وبعدين نطقت بصوت تقيل ومبحوح..
= شكراً.. شكراً إنك وقفت جنبي وكنت ضهري في يوم من الأيام.. عن إذنك.
وقبل ما ينطق بكلمة ثانية..وطت سحبت أيد الشنطة ولفت وشها وخرجت بيها من باب البيت كله.. تحت نظرات عمار .
__________________//_____________//________________
ليل رجعت البيت تاني بخطوات تقيلة..شايلة في شنطة هدومها وجواها خيبة أمل جديدة عليها تماماً.. مكانتش قادرة تفهم إيه اللي مضايقها في الموضوع بالظبط ولا إيه اللي وجعها أكتر هل كلام عمار وجفاؤه؟ ولا فكرة إنه استغنى عنها بالسهولة دي أول ما لقت أهلها؟ عقلها كان مشوش وقلبها كان واجعها ورافض يستوعب.
دخلت الصالة وهي جارة حاجتها وراها أول ما شافتها آمنة قربت عليها بلهفة وقلق ..
_ طمنيني يا بنتي.. خير إيه اللي حصل ؟؟
فيروز هي كمان سألتها بقلق وعينيها على الشنطة..
_ لقيتي عمار يا ليل؟!
ليل هزت راسها بهدوء مريب وثبات مصطنع..
= أيوه لقيته.. كان بيجهز لي حاجتي وهدومي في الشنطة دي عشان آجي أعيش هنا.
عاصم اللي كان متابع ملامح أخته بدقة.. سألها باستغراب..
_ طيب وهو مجاش معاكي ليه؟!!
ليل ردت بهدوء تام ونبرة قاطعة قفلت بيها أي نقاش..
= لا.. ومش هييجي.. عن إذنكم هطلع أوضتي أرتب حاجتي.
سحبت الشنطة وطلعت السلم بخطوات هادية وسابت وراها الصالة مقلوبة بقلم فاطمةشلبي بعلامات الاستفهام..سالم بص لـ عاصم بنظرة ماليها الغموض والشك وسأله بصوت واطي..
_ فهمت حاجة يا عاصم من اللي حصل ده؟؟
عاصم بص لأبوه بعدم فهم وهز راسه وقال بقلة حيلة..
= لأ ما فهمتش.. بس واضح ومؤكد إن في حاجة تقيلة حصلت بينهم في بيت الجبالي.
هنا تدخل الشيخ منصور وقال بهدوءه المعتاد
_ كل واحد يروح يشوف هيعمل إيه خلاص.. سيبوا ليل في حالها تستريح شوية..البنت مش حمل كلام.
عاصم اتنهد وأخد فيروز في إيدها وطلعوا على أوضتهم فوق.. والشيخ منصور بص لـ آمنة وقالها عشان يفض القعدة..
_ تعالي يا آمنة معايا عشان تديني علاجي.
آمنة مشيت مع الشيخ منصور وعينها وقلبها فوق مع بنتها اللي حاسة بوجعها..
في أوضة الشيخ منصور..
منصور كان قاعد على سريره وعينيه كانت بتراقب آمنة اللي واقفة وسرحانة تماماً..ملامحها شايلة هموم تهد جبال وعينيها باصة للفراغ.
منصور بصلها بنظرة دافية وقطع السكوت وسألها بهدوء ..
_ مالك يا بنت أخويا.. خير..! في إيه شاغل بالك؟!
آمنة انتبهت لصوته..واتنهدت بتقل ورتبت ملامحها وهزت راسها بهدوء..
= مفيش حاجة يا عمي.. قلقانة على ليل بس خايفة ليكون في حاجة تانية مكسورة جواها.
منصور رد عليها بنبرة كلها ثقة ويقين..
_ متقلقيش واطمني.. أنا واثق إنها هتبقى كويسة وبنت أصول وهتقف على رجلها بس ساعديها أنتي..بس أنا هنا بتكلم عنك أنتي يا آمنة.
آمنة بصت له بعدم فهم واستغراب وحطت إيدها على صدرها..
= عني أنا ازاي يا عمي؟ مالي ما أنا كويسة وزي الفل قدامك أهو.
الشيخ منصور بصلها بأسف حقيقي ونظرة ماليها العتاب على الزمن اللي جار عليها.. وقال بصوت حنين..
_ حاسس إني بزود عليكي همك وتعبك.. بوجود سالم هنا في البيت بعد كل السنين دي.
آمنة أول ما سمعت اسم سالم سكتت تماماً.. الكلام وقف في زورها وعينيها هربت من نظرات عمها
منصور شاف سكوتها فكمل كلامه بهدوء وحسم عشان يريح قلبها..
_ لو مش عاوزة وجوده في البيت يا آمنة ومسبب لكس ضيق أو قوليلي بس كلمة واحدة وأنا أمشيه من هنا فوراً رضاكي عندي بالدنيا.
آمنة رفضت بسرعة ولهفة من غير ما تفكر ورفعت عينيها لعمها..
= لا يا عمي.. أبداً.. بلاش تمشيه.
الشيخ منصور ابتسم ابتسامة خفيفة وودودة.. وسند على عصايته وقالها بخبث الشيوخ..
_ طيب.. أفهم من كده إيه يا بنت أخويا؟!
آمنة ردت بتردد والدموع لمعت في عينيها بصعوبة..
= مفيش حاجة يا عمي.. كل الحكاية إني مش عاوزة ولادي يتِحرموا من أبوهم تاني كفاية السنين اللي ضاعت من عمرهم وعمرنا في البعد .. أنا قادرة أستحمل عشانهم.
منصور هز راسه بتفهم وإعجاب بأصلها وقالها..
_ وأنا كمان سامحته ودخلته بيتي عشان كده.. وعشان خاطر ليل وعاصم...بس افتكري يا آمنة.. لو فضل مزعلك أنا هرجع في كلامي معاه ومالوش قعاد وسطنا.
آمنة ردت بهدوء ورضا وهي بتنسحب بخطواتها..
— "اللي فيه الخير يقدمه ربنا يا عمي.. عن إذنك."
وقامت خرجت من الأوضة.
_________________//______________//________________
بيمر شهر كامل..
شهر بحاله عدا على الأبطال.. والكل بيحاول يتعايش مع الواقع الجديد...عمار كان دافن نفسه بالكامل في الشغل النادي.. والتدريبات.. كان بيطحن نفسه في الجري والرياضة عشان يهرب من شكل عينيها الدبلانة وصوتها وهي بتقوله
"شكراً إنك وقفت جنبي".
عمار كان قاطع رجله عن بيت آل منصور تماماً ومبيشوفش عاصم وفيروز غير في بيته أو في النادي وبس.. ومبيجيبش سيرتها بكلمة بس عينيه كانت بتفضح شوقه في كل مرة بيلمح فيها عاصم.
أما عند ليل.. فمكانتش بتخرج كتير من البيت قفلت على نفسها وحصرت وقتها كله مع جدها الشيخ منصور معظم الوقت بتسمع لكلامه وحكاويه اللي بتطمن قلبها المشوش.. سالم من ناحيته كان دايماً بيحاول بشتى الطرق يرجع حبال الود والوصل بينه وبين أبوه منصور و آمنة.. الشيخ منصور بقلب الأب صفي لابنه ومال له تاني لكن مشوار سالم مع آمنة كان لسه مكملش.
وفي يوم.. كان عاصم قاعد مع عمار في إسطبل الخيل الخاص بالنادي..
الجو كان هادي وصوت صهيل الخيل مغطي على المكان..بس "جموح" (حصان ليل) بقلم فاطمةشلبي كان باين عليه الزعل والهم واقف مش طايق حد يقرب منه..ورافض تماماً إن أي فارس تاني يقوده خلاف ليل.. كان بيهيج ويرفص بقوة والوحيد اللي كان مستسلم له وبيتجاوب معاه بهدوء هو عمار.
عاصم كان ساند ضهره على الخشب.. وباصص على عمار وهو بيطبطب على رقبة الحصان وبيهديه فابتسم وسأله بنبرة هادية..
_ مش ملاحظ إن حصان ليل عنيد زيها بالظبط يا عمار؟!
عمار رد من غير ما يلتفت له.. وعينيه سارحة في عيون الحصان وبيمسح على شعره بحنان..
= وليه ميبقاش أصيل.. أو وحشه القائد بتاعه مش أكتر؟!
عاصم بص لـ عمار بتمعن.. ولقى إن عمار هو الشخص الوحيد في المكان كله اللي "جموح" مش بيتعانف معاه ولا بيرفض لمسته كأن الحصان حاسس بريحة صاحبته في إيد ابن الجبالي.
عاصم ضحك ضحكة خفيفة ماليها المكر ..
= أي حاجة من ريحة الحبايب بقا.. بتصبر!
عمار بصله فجأة وانتبه لكلامه.. عقد حواجبه بضيق مصطنع وقال بصوت عالي ..
= نعم ؟؟ قصدك إيه وبتلمح لإيه بالظبط؟ مش فاهمك يا عاصم.
عاصم قام وقف ونفض الهدوم من التراب وبص لصاحبه بابتسامة مرسومة بذكاء وقال..
= ولا حاجة يا صاحبي.. ركز بس في اللي بتعمله أنا رايح أشوف شغلي عندي تدريب .
وسابه وخرج من الإسطبل بخطوات هادية وساب وراها عمار واقف مكانه ساند راسه على جسم "جموح" وهو سارح في أفكاره
كانت جامعة فيروز بدأت وبقت تروح وتيجي هلكانة حرفياً بين المحاضرات والمذاكرة والطريق..ليل مكانتش بتسيبها كانت دايماً بتساعدها هي وأمها آمنة في شغل البيت عشان يخففوا عنها التعب.. وفي وسط ده بقلم فاطمةشلبي كله ليل مكانتش بتقطع اتصالها بـ فريدة صاحبة عمرها اللي فرحت من كل قلبها باستقرار ليل وأخيراً لقت عيلتها..ووعدتها إنها جاية سيناء تزورها قريب جداً عشان تطمن عليها بنفسها.
وفي يوم.. كان سالم راجع من شغله.. والجو كان حر نار ..دخل البيت بخطوات مجهدة وتقيلة.. ومكانش في حد في الصالة خالص.. فيروز كانت في الجامعة.. وعاصم وليل خرجوا سوا بالعربية عشان يجيبوا طلبات ومستلزمات للبيت والشيخ منصور كالعادة قاعد في هدوء المندرة.. مكانش فيه في البيت جوا إلا آمنة.
آمنة سمعت صوت الباب الخارجي.. فخرجت من المطبخ تشوف مين اللي وصل بدري كده..! أول ما خطت في الصالة لقت سالم.
كان نايم على الكنبة.. مرجع راسه لورا ومغمض عينيه وملامحه كانت مجهدة وشاحبة بشكل يقلق والنفس طالع منه بصعوبة
نسيت آمنة كل العتاب والخصام وبصت له بقلق وخوف حقيقي ظهر في نبرة صوتها..
_ سالم.. مالك؟ أنت كويس؟ فيك إيه؟
سالم فتح عينيه بتعب شديد وبص لها بنظرة باهتة ورد بصوت مبحوح..
= لا.. مفيش حاجة شوية تعب وإرهاق بسيط من الشمس تقريبا مش أكتر.. هبقى تمام.
سند بإيديه على الكنبة وقام عشان يروح أوضته يستريح بس أول ما وقف على رجليه الدنيا لفت بيه.. وخطواته خانته وتوازنه اختل وكان هيقع على الأرض..
آمنة صرخت بخوف ..وتحركت بسرعة وسندته بكل قوتها قبل ما يقع ..وحطت دراعه حوالين كتفها وقالت بنبرة كلها قلق ..
= كويس فين بس وأنت مش قادر تقف على رجلك؟! ده أنت مش قادر تمشي خطوتين على بعض يا سالم!
سالم بصلها وهو ساند عليها وحس بدقات قلبها الخايفة عليه.. فقال بصعوبة..
_ محتاج أستريح شوية بس.. هروح الأوضة وهبقى تمام متقلقيش.
آمنة من غير أي تردد ولا تفكير.. شددت من مسكتها ليه وقالت بحسم..
= طيب تعالى.. هوديك أنا..
وبخطوات بطيئة وتقيلة.. أمنة أخدته أوضتها مساعدة آمنة اللي كان ظاهر بقلم فاطمةشلبي عليها القلق والرعب بشكل كبير عينيها كانت بتتحرك عليه بخوف كأنها خايفة يسيبها تاني بس المرة دي مش هجر.. المرة دي تعب ومرض.
آمنة ساعدته يمدد على السرير براحة.. وغطته بحنانها الفطري اللي عجزت الأيام تغيره.. ولما اطمنت إنه ارتاح لفت وشها وجت تخرج بسرعة عشان تروح المطبخ تعمل له حاجة دافية أو تجيب له حاجة تقويه .
في اللحظة دي نده عليها بصوت.. مبحوح ضعيف ومليان تعب وشوق...
= "استني يا آمنة.."
آمنة وقفت مكانها.. ولفت له بانتباه وعينيها بتتحرك عليه بقلق..
_ محتاج حاجة تانية يا سالم؟!
سالم بص لها لثواني.. وعينيه الدبلانة من التعب بدأت تلمع بنظرة صافية نظرة كلها حب ندم ورجاء.. نظرة عاشت آمنة عمرها كله بتتمنى تشوفها تاني.. اتنفس ببطء وقال بنبرة هادية وراجية لمست أعمق حتة في قلبها..
= "لو مش هتعبك.. خليكي جنبي."
آمنة اتـسمرت مكانها..لقت رجليها بتاخدها وتتحرك ناحية السرير تاني من غير إرادتها وقعدت على طرف السرير ..وعينيها متثبتة في وشه وعاجزة عن الكلام.. بس دموعها الخايفة عليه كانت بتقول كل حاجة.
سالم ابتسم ابتسامة خفيفة باهتة مليانة راحة أول ما لقاها قعدت جنبه.. ومد إيده وحطها فوق إيدها وغمض عينيه وهو حاسس إن روحه أخيراً ردت فيه.. وإن التعب ده كان أحسن حاجة حصلت له عشان يرجع آمنة لحضنه تاني.
_______________//________________//_______________
آمنة بصت لإيده التعبانة اللي ماسكة إيدها بتمسك رهيب كأنها طوق النجاة اللي اتعلق بيه بعد سنين من الغرق .. نظرها كان مثبت عليه لاقت البهتان والتعب بدأ يختفي بالتدريج وحل مكانهم راحة وهدوء غريب أول ما حس بأمان وجودها جمبه وسندة إيدها ليه.
المرارة والوجع اللي في قلب آمنة دابوا في ثانية قدام ضعفه وحبه ليها ومقدرتش تمنع نفسها.. ابتسمت ابتسامة هادية وصافية من بين دموعها وقلقها عليه وسابت إيدها مستسلمة جوا كفه وقررت في اللحظة دي إنها مش هتسيبه.
آمنة من كتر تعبها وهلكة اليوم والحر غلبها النوم وهي قاعدة.. مالت براسها ونامت جنبه براحة وهدوء على طرف السرير.
في الوقت ده..
كانت ليل وعاصم وصلوا البيت ومعاهم الطلبات.. ليل دخلت المطبخ بخطوات خفيفة تدور على أمها عشان تساعده بس ملقتهاش فخرجت للصالة وقالت لعاصم فرد عليها بمرح..
_ تلقيها في أوضتها فوق اطلعي شوفيها.
ليل هزت راسها وطلعت السلم بهدوء... راحت ناحية الأوضة وفتحت الباب ببطء شديد عشان متصحهاش لو كانت نايمة.. بس أول ما الباب اتفتح لقت بقلم فاطمةشلبي المنظر اللي دخل قلبها ونوّر عينيها.. أمها نايمة على طرف السرير جنب أبوها وإيديهم في إيد بعض وملامحهم هادية وصافية..
ليل محبتش تعمل أي صوت يفسد اللحظة دي فانسحبت في ثانية وقفلت الباب براحة .
نزلت السلم بخطوات سريعة وهي مبتسمة ابتسامة عريضة من قلبها...أول ما شافها عاصم.. سألها بمرح وهو بيشيل الطلبات..
_ مالك بتضحكي على إيه كده؟ لقيتي ماما؟!
ردت ليل بضحكة صافية ماليها الفرحة..
= أيوه لقيتها.. بس نايمة شوية.
عاصم استغرب وبص في ساعته.. وقال بعقدة حاجب..
_ نايمة الساعة ٤ العصر ازاي؟! هي تعبانة ولا إيه؟ هروح أشوفها واطمن عليها.
ليل وقفته بسرعة وحطت إيدها على دراعه تمنعه..
= لا استنى بلاش تطلع دلوقتي خالص.. أصل...
عاصم سألها بعدم فهم..
_ أصل إيه مش فاهم؟ خضيتيني في إيه؟
ليل ردت بنبرة هادية ودافية..
= بابا فوق.. وتقريباً كان جاي تعبان من شغله وماما فضلت جنبه لحد ما نامت هي كمان.. بلاش تطلع تقلقهم وتسيبهم براحتهم.
عاصم فهم اللعبة وضحك ضحكة عالية من قلبه وقال بغمز..
_ اممممم.. عشان كده نازلة مبسوطة والضحكة من الودن للودن!
ليل هزت راسها بأمل كبير..واللمعة رجعت لـ عينيها تاني وقالت بصوت ماليها الرجاء..
= نفسي يا عاصم ميبقاش في أي حاجة معكرة علينا حياتنا تاني.. أنا ما صدقت لقيت بيت وأمان أعيش فيه وسطكم.. عاوزة بابا وماما الأمور تبقى كويسة بينهم والماضي ده يتمسح خالص.
عاصم اتقلب ملامحه للحنان..وضحك على كلامها وطبطب على كتفها بحب أخوي كبير.. وفجأة افتكر الساعة وصرخ بخضة ومرح..
_ يا خبر!.. كده هتأخر على فيروز جداً زمانها واقفة مستنياني وممكن تاكلني! هروح أجيبها من الجامعة بسرعة وأجيلك.. سلام!
وجري على برا يلحق مراته.. وساب ليل واقفة في الصالة لوحدها بس المرة دي الابتسامة مفارقتش وشها.. والأمل بدأ يدب في قلبها من جديد.
عاصم طار بعربيته على الجامعة عشان يلحق فيروز.. وهو راجع بيها في الطريق..عينيه لقطت وش مألوف واقف على جنب جارة شنطتها.. كانت فريدة!
عاصم فرمل بسرعة ووقف على جنب ونزل هو وفيروز يسلموا عليها بحفاوة وترحيب كبير.. فريدة ضحكت وقالت لهم إنها لسه واصلة سيناء حالاً..وكانت ناوية تروح لهم من غير ما تقول عشان تعمل لـ ليل مفاجأة..
عاصم ضحك وقالها بترحاب..
_ خلاص يا ستي، ملوش لزمة التعب ده كله تعالي في طريقنا يلا اركبي معانا .
وفعلاً.. ركبت فريدة معاهم.. وخلال دقايق وصلوا البيت.
في الوقت ده.. ليل كانت واقفة في المطبخ بخفة.. بتجهز الغداء للكل بنفس صافية..والابتسامة لسه على وشها فجأة سمعت صوت حركة برا ودخول عربية عاصم.
عاصم دخل الصالة هو وفيروز وفريدة وحب يعمل جو وهو بينده على ليل من المطبخ..
_ يا ليل.. يا ليل اخرجي بسرعة! أنا عامل ليكي مفاجأة هتقلب يومك كله!
ليل مسحت إيدها في الفوطة وخرجت بسرعة من المطبخ وهي مستغربة.. وأول ما خطت في الصالة شافت فريدة واقفة بتبتسم لها..!
في ثانية..ليل حست بفرحة كبيرة أوي ومن غير أي تردد جريت عليها بكل قوتها ورمت نفسها في حضنها..وضمتها بشوق كبير أوي واحتياج لصاحبة عمرها اللي وحشتها.. الحضن ده كان فيه شكوى من غير كلام وفرحة باللقاء بعد كل الوجع اللي عاشته ليل الشهر اللي فات.
فيروز وعاصم كانوا واقفين بيبصوا عليهم وفرحانين جداً بالفرحة اللي نورت وش ليل من جديد .
__________________//_________________//____________
خيوط المغربية الهادية بدأت تدخل من الشباك.. آمنة فتحت عينيها ببطء.. واتفاجأت إنها نامت على طرف السرير جنب سالم لسه بتتسحب براحة عشان تقوم.. حس سالم بحركتها وفتح عينيه.
ملامحه كانت رايقة وأحسن بكتير وبص لإيدها اللي بتتسحب من إيده ولقى إن دي الفرصة اللي مستنيها بقاله شهر ومينفعش يضيعها من إيده تاني تحت أي ظرف.
سالم قعد على السرير بسرعة وثبت نظراته في عينيها وقال بنبرة ماليها الإصرار والجدية..
_ أحنا لازم نتكلم يا آمنة.. ومينفعش نأجل الكلام ده دقيقة واحدة تانية.
آمنة بصت له ولقيت في عينيه نظرة قوية وصادقة هزت قلبها.. ولأول مرة من ساعة ما رجع تستسلم وتوافقه.. سكتت وقعدت مكانها وهي مستنية تسمعه.
سالم أخذ نفس عميق وقرب منها واتكلم بصوت دافي طالع من أعماق قلبه..
_ أنا عارف إني ظلمتك زمان..وجيت عليكي كتير.. بس برضا أبويا أو من غير رضاه..أنتي غالية عندي أوي يا آمنة..أنتي مش بس بنت عمي وأم عيالي ومراتي.. أنتي..الست الوحيدة اللي دخلت قلبي وعاشت فيه..بس غلطتي الكبيرة.. وعمايا.. إن مكانش في إيدي أعرف قيمتك ولا أصون الجوهرة اللي معايا.. أنا أسف على كل ليلة نمتي فيها ودموعك على خدك بسببي.
الكلمات دي نزلت على جروح آمنة الحية زي البلسم.. مشاعرها غصب عنها خانتها وقوتها انهارت..وملقتش نفسها غير وهي بتعيط بدموع حرقة وقهر السنين اللي فاتت كلها.
سالم أول ما شاف منظر دموعها اتخض عليها بجد.. وقلبه وجعه.. وبتلقائية ومن غير ما يفكر..مد دراعاته الإتنين وأخدها في حضنه وقفل عليها بكل قوته كأنه بيخبيها من الدنيا جوا ضلوعه.
آمنة في اللحظة دي نسيت كل الخصام..استسلمت لدفا حضنه اللي وحشها ومدت إيدها هي كمان وحاوطته وبكت في صدره..
سالم ابتسم بفرحة الدنيا كلها وأخيراً حس إن روحه رجعت لجسده والبيت اتفتح له بجد.. مال على ودنها وهمس بصوت مرتعش ودافي
= وحشتيني.. وحشتيني أوي يا أم عاصم..
نزلوا هما الإتنين تحت للصالة بخطوات هادية وملامحهم كانت منورة والابتسامة الرايقة مرسومة على وشوشهم وباين عليهم التصافي والراحة بعد عمر من الجفاء.
الشيخ منصور كان قاعد في المندرة وباصص عليهم من بعيد.. وأول ما لمح شكلهم وهما نازلين سوا ومبسوطين.. اتنفس براحة كبيرة وابتسم بقلم فاطمةشلبي بقلب الأب لللي ارتاح من جواه وأخيراً اطمن إن مركب عيلته هترسى على بر الأمان وهيبته وعيلته رجعوا يلمعوا تاني وسط البلد.
بعد ما قعدوا كلهم على السفرة في جو ماليها الدفا لأول مرة.. واتغدوا سوا في لمة عيلة تفتح النفس البنات استأذنوا وقاموا يقعدوا مع بعض في الجنينة برا وسط الخضرة والهواء الرايق.. فيروز، وليل، وفريدة.
فريدة وليل كانوا قاعدين بيتكلموا ويضحكوا بيعوضوا الأيام اللي فاتت..وفي الوقت ده جت فيروز وفي إيديها أطباق كيكة شكلها يفتح النفس.. فريدة أول ما شمت ريحتها اتكلمت بلهفة وسعادة..
_ امممم.. ريحتها تحفة يا فيروز..! تسلم إيدك بجد باين عليها خطيرة.
ليل.. بتشجيع وفخر بيها..
= فيروز نفسها حلو أوي في الأكل والحلويات يا فريدة..رغم إن سنها لسه صغير.. ده أنا ساعات بقف وأتعلم منها.
فيروز حطت الأطباق وقعدت جنبهم وهي بتضحك بكسوف من كلامهم..
_ كتير أوي الكلام ده يا بنات والله.. ده أنا على قدي وبجرب فيكم مش أكتر!
فريدة مالت عليها وسألتها باهتمام..
= صحيح يا فيروز.. أخبارك إيه في الدراسة والجامعة؟!
فيروز اتنهدت بزهق وتعب طفولي..
_ متعبة أوي.. مكنتش أعرف إن هندسة بالصعوبة دي المذاكرة واللوحات مبيخلصوش!
ليل بصت لها بمشاكسة وغمزة..
= أومال أنتي كنتي مفكرة إيه يا لمضة؟ باشمهندسة قد الدنيا يعني تعب وسهر..معروفة..!
فيروز ضحكت من قلبها أول ما سمعت الكلمة وعينيها لمعت بذكرياتها وقالت بتلقائية..
= لمضة دي.. عمار دايماً بيقولها ليا لما بفضل أجادل معاه.
ليل أول ما سمعت سيرة عمار الضحكة هديت على وشها وسكتت لثواني الشوق حركها من غير ما تحس فبصت لـ فيروز وسألتها بهدوء ونبرة فضولية..
_ صحيح يا فيروز.. كنتوا عايشين ازاي أنتي وعمار طول السنين اللي فاتت لوحدكم؟!
فيروز ابتسمت ابتسامة دافية مليانة فخر بأخوها.. وعينيها حنت للمواقف اللي بينهم وقالت..
= أنا عمار مش بس أخويا يا ليل.. عمار ده أبويا وصاحبي وكل حاجة ليا في الدنيا دي.
فريدة اتنهدت بحب وتأثر من كلامها وقالت بخفة دمها المعتادة
_ يا سيدي يا سيدي.. بتقولي شعر في ابن الجبالي يا ست فيروز! حقك والله.
فيروز اتكسفت بس كملت بجدية وعينين مدمعة من الامتنان..
= دي الحقيقة.. عمار من صغره وهو شايل همي ومسؤوليتي.. من وقت ما بابا وماما عملوا الحادثة وسابونا.. وهو شغال وتعبان مع الشيخ منصور عشان ميزعلنيش ولا يخليني محتاجة أي حاجة في الدنيا.. كبّرني وعلمني وبقى ضهري.
ليل سمعت الكلام.. وابتسمت ابتسامة خفيفة وصافية.. وحست بفخر كبير أوي مالى قلبها من جوا ..
_________________//________________//______________
وفي نفس الوقت.. جوا البيت كان مشهد عاصم وسالم في الصالة ماليها الراحة..
سالم كان قاعد على الكنبة بيشرب كباية الشاي بمزاج رايق وعاصم كان قاعد قدامه وباصص له بنظرة فيها غموض ومكر..
سالم خد بوق من الشاي ولمح نظرات ابنه فقال له بضحكة خفيفة وعقدة حاجب..
_ مالك يا واد بتبص لي كده ليه؟ في إيه في وشي؟!
عاصم ضحك بصوت عالي وقال بمشاكسة..
= مفيش يا حاج.. بس حاسك كده النهاردة مزاجك في العالي والروقان باين عليك.
سالم بصله بنظرة كلها انتصار.. نظرة راجل رجع له بيته وروحه بعد طول غياب.. وقال بنبرة دافية..
_ عشان لأول مرة في حياتي كلها أحس إني صح يا عاصم.. وإني في مكاني الحقيقي وسطكم.
في اللحظة دي دخلت عليهم آمنة الصالة بخطواتها الهادية وكانت شايلة طبق فيه كيكة من اللي فيروز عملتها وبصت لهم بشك
_ بتتكلموا في إيه من ورايا ومن غيري؟!
عاصم اتعدل في قعدته وقال بسرعة ومكر وهو بيبص لأبوه..
= ولا حاجة يا ست الكل.. أصل الحاج كان لسه بيقولي إن نفس آمنة في الأكل ملوش مثيل ..
آمنة عرفت فوراً إن عاصم بيكدب .. لأنها أصلاً مكانتش في المطبخ ومطبختش ..قربت منه وضربته خبطة خفيفة على كتفه وهي بتضحك...
_ يا بكاش!.. دي أختك هي اللي عاملة الأكل ..بتضحك عليا وفاكرني عبيطة ومش هفهمك؟
عاصم قام وقف بسرعة وهو بيضحك ورافع إيديه بالاستسلام..
= خلاص يا ستي.. أنا هقوم من هنا فوراً وأمشي عشان مطلعش كداب وكمان بقلم فاطمةشلبي عزول بين الأحباب!.. أسيبكم بقا على راحتكم..وسابهم وهو بيضحك ومبسوط بالروح الجديدة اللي دخلت بيتهم.. وسالم وآمنة بصوا لبعض بابتسامة رايقة ماليها الرضا.
الشيخ منصور كان قاعد في المندرة..عينه على الصالة وجوه البيت الرايق.. ولمح عاصم وهو خارج برا ومبتسم ومبسوط باللمة.. نده عليه ..
_ عاصم.. تعالى يا ولدي هنا.
عاصم سمع صوت جده فغير اتجاهه وراحله المندرة بخطوات هادية وقعد قدامه على الكرسي باحترام وسأله..
= خير يا جدي؟؟ في حاجة ..!
منصور اتنهد.. وعدل قعدته وبص لـ عاصم بملامح جدية وحاسمة جداً واتكلم بصوته الرزين..
_ إحنا الحمد لله أمورنا بقت كويسة زي ما أنا شايف وأبوك وأمك حبال الود رجعت بينهم والبيت اتلم.. بس أنا حال أختك ليل مش عاجبني يا عاصم.
عاصم قطب حواجبه بعدم فهم وقلق..
= مالها ليل يا جدي؟ هي اشتكت لك من حاجة؟ حد في البيت زعلها؟!
منصور بصله وقال..
_ يا ابني هي مشتكتش.. وعزة نفسها مخلياها ساكتة وبلعة وجعها.. بس جوازتها دي مينفعش تفضل متعلقة كده... عمار بقاله شهر كامل قاطع رجله..والبيت اللي تطلع منه لازم تطلع مكرمة ومتستناش لما حد يستغنى عنها.
عاصم فهم قصد جده واللهجة اللي بيتكلم فيها ونزل عينه الأرض بقلة حيلة ووجع على حال أخته..وبصلُه بيأس..
هنا نطق الشيخ منصور بأمر حاسم ..
_ كلم عمار يطلق ليل يا عاصم.. وكل حي يروح لحاله!
عاصم اتـسمر في مكانه..وعينيه اتسعت من الصدمة والكلمة نزلت عليه زي الصاعقة..ورد بصوت مشحون بالذهول..
= يطلقها؟! يطلقها ازاي ياجدي بعد كل ده .
منصور بتأكيد..
_ زي ما سمعت.. أختك متفضلش معلقة على ذمة راجل مش عاوز يخطو خطوة ناحيتها.. كلمه وبلّغه بكلمتي وخليه ييجي ينهي الموضوع ده فوراً..!
_ يتبع ..
الحادي عشر من هنا