رواية ريشة والصقر الفصل التاسع 9 بقلم هاجر عبدالحليم
الفصل التاسع
هبطت الكلمة على أذنها كطلقةٍ أصابت موضعًا حيًا في صدرها.
"بيتي أنا يا ريشة."
تجمدت في مكانها.
الورقة ترتجف بين أصابعها، والهواء داخل الخرابة صار أبرد من المعتاد، كأن الجدران نفسها صارت تستمع.
رمقته بنظرة مشتعلة، ثم قالت من بين أسنانها:
"كداب. أبويا عمره ما يثق في ظابط. عمره ما يدفن حاجة في بيت الحكومة."
تقدم زين خطوة واحدة.
كان صوته منخفضًا، ثابتًا، لا يحمل انفعالًا لكنه يحمل يقينًا:
"أبوكِ مشافش الرائد زين المنصوري... شاف زين. اللي كان بياكل عنده عيش وملح من عشر سنين، لما كان أبوكِ لسه رزق الحاوي... مش تاجر آثار."
ارتبكت أنفاسها.
"إنت تعرف أبويا؟"
ثبت عينيه في عينيها.
"أعرفه. وكان بيقول عليا: الواد ده صقر... لو وقعت، أسيب بنته في عشه. محدش هيطولها."
اختل توازنها النفسي للحظة.
المشهد كله بدأ يدور حولها.
أبوها...
زين...
بيت الصقر...
وصية مدفونة من سنين وهي لا تعرف عنها شيئًا.
نهض عم صابر متكئًا على الحائط وقال بصوتٍ مبحوح:
"كلامه صح يا بنتي. رزق كان بيقول: زين ده الوحيد اللي قلبه نضيف. لو الدنيا ضاقت... روحي له. بس هو قال لو مات... مش وهو حي."
نظر زين إلى العجوز وسنده بحذر.
"عمي صابر... إنت كويس؟"
ابتسم الرجل ابتسامة متعبة.
"كويس يا ولدي... بس خلي بالك من البت دي. إنت عارف كويس إنك هتفديها بروحك."
أومأ زين برأسه في صمت.
ثم استدار نحو ريشة.
"يلا."
رفعت حاجبيها.
"على فين؟"
أجاب وهو يمسك ذراعها:
"بيتي. لو التمثال في بيتي، يبقى أبوكي عايزنا نخلصه من اللي هو فيه. لازم نلاقيه قبل ما سليم يلاقيه."
جذبت ذراعها من قبضته.
"ومين قال إني هاجي معاك؟"
اقترب حتى صار صوته عند وجهها:
"أنا. قلت هتيجي. عشان دي مش خناقة في مولد... دي حرب. وإنتِ في نصها. يا معايا... يا ضدي. اختاري."
نظرت إليه طويلًا.
إلى الندبة القديمة فوق حاجبه.
إلى العرق الذي يلمع فوق جبينه.
إلى ذلك الخوف المدفون في عينيه، والذي يحاول جاهدًا ألا يراه أحد.
الخوف عليها.
خرجت الكلمة من فمها رغمًا عنها:
"معاك... بس لو لعبت بيا يا زين، قسمًا بالله لدفنك بإيدي."
ارتسم نصف ابتسامة على شفتيه.
"وإنتِ لو كدبتي عليا... هدفنك في حضني. يلا."
بعد ساعة — بيت زين — المعادي
توقفت السيارة أمام فيلا هادئة ذات سور مرتفع وحديقة صغيرة وباب حديدي ثقيل.
حدقت ريشة بالمكان بدهشة.
لم يكن بيت ضابط عادي.
كان بيت رجل يملك تاريخًا.
تمتمت:
"ده بيتك؟"
أخرج المفتاح وقال وهو يفتح الباب:
"بيت أمي... الله يرحمها. سابتهولي. ادخلي."
دخلت خلفه ببطء.
الصالون فسيح.
الأثاث بسيط لكنه باهظ.
رائحة الكتب القديمة ممزوجة بعطر رجالي ثابت.
ثم وقعت عيناها على صورة ضخمة معلقة على الجدار.
زين في الخامسة عشرة تقريبًا...
وبجواره رجل يحتضنه بفخر.
رزق الحاوي.
شهقت.
"أبويا..."
اقتربت من الصورة بأنامل مرتعشة.
"وإنت؟"
وقف زين إلى جوارها.
"وأنا. كنت بشتغل عنده في الورشة قبل الكلية، قبل الميري. كان بيعاملني زي ابنه... علمني الصبر، وعلمني إن الصقر مبيكسرش جناحه، بالعكس... بيكبره."
استدار إليها.
"عشان كده لما اختفى... أنا اللي مسكت قضيته. عشان كنت مديون له. مديون له بروحي... وعارف إنه بريء."
شعرت ريشة كأن الأرض تُسحب من تحتها.
الظابط الذي كانت تظنه يطاردها...
كان ابن أبيها الذي ربّاه.
همست:
"يعني... إنت مكنتش بتطاردني عشان القضية نفسها يا زين؟"
رفع عينيه إليها مباشرة وقال ببساطة:
"كنت بطاردك عشان عجبتيني. القضية حجة... مجرد قناع قدام الناس عشان محدش يشك إني واثق في براءة أبوكي. كان لازم أدور على دليل بعيد عن العيون... بس إنتِ أمانة عندي، وغالية أوي."
اضطرب قلبها.
مال زين إلى الحائط، ضغط على لوحة صغيرة، فتحركت كاشفًا عن خزنة حديدية مخفية.
قال:
"أبوكي لو خبى حاجة... هتبقى هنا."
أدخل الشفرة:
1 - 9 - 9 - 7
سألته دون وعي:
"سنة ميلادك؟"
هز رأسه.
"سنة ما أبوكِ قالي: إنت ابني."
انفتح الباب المعدني.
تقدما معًا.
لم يكن بالداخل تمثال.
بل صندوق خشبي صغير يحمل نفس النقشة: الصقر والمفتاح.
أخرجه زين ووضعه فوق الطاولة.
فتح الصندوق.
مفتاح ذهبي صغير.
ومنديل ملفوف.
فتح المنديل.
خريطة مقبرة.
وتحتها كلمات بخط رزق:
"اللي يلاقي المفتاح... يفتح الباب. واللي يفتح الباب... يحمي الريشة. أمانة في رقبتك يا صقر."
تخشب زين للحظة.
ثم رفع عينيه إليها.
كان صوته مختنقًا:
"أبوكِ... كان عارف إنه هيموت. وساب لي الوصية... وهي إنتِ يا ريشة."
عندها فقط—
انهارت.
سقطت على الأريكة ودفنت وجهها بين كفيها.
انفجر بكاؤها لأول مرة بصدقٍ كامل.
"أنا تعبت يا زين..." خرج صوتها ممزقًا. "تعبت من الجري... من الخوف... من إنك شايفني غجرية بيترمي عليها فلوس ولحمها متشاف للناس."
جلس جوارها.
لم يلمسها.
لم يربت على كتفها.
تركها تبكي حتى أفرغت ما بداخلها.
ثم مد إليها منديلًا.
"امسحي دموعك."
هزت رأسها بصمت.
فنهض وقال:
"حاضر... قومي اغسلي وشك. عشان ورانا شغل. كلها ست أيام، لو فشلنا إنتِ هتكوني كبش الفدا."
دخلت الحمام.
غسلت وجهها بالماء البارد.
رفعت رأسها نحو المرآة.
الوجه نفسه... لكن شيئًا ما تغير.
همست لنفسها:
"أنا أمانة عايز يحافظ عليها... ولا غنيمة عايز يكسبها؟"
خرجت.
وجدته يقف في الصالة يتحدث في الهاتف.
"ألو... أيوه يا باشا. لا يا فندم، البنت في حمايتي. ومش هسلمها دلوقت. غير بعد ميعادنا، ساعتها لو رفضت خدني معاها واعمل اللازم."
أغلق الخط.
نظر إليها.
"اللواء عاصم سحب مني القضية... وإداها لظابط تاني."
شهقت.
"يعني إيه؟"
ابتسم ابتسامة صغيرة، فيها سخرية وتحدٍ.
"يعني إحنا دلوقتي مطاردين... أنا وإنتِ. ضد الحكومة، وضد علي. عاجبك كدا صح؟"
بلعت ريقها.
"يعني لو مسكوني... هتتعدم معايا ولا إيه؟"
هز رأسه.
"لا."
"طب والعمل؟"
فرد الخريطة فوق الطاولة.
"هنروح. نجيب التمثال. ونحرق الورق كله. معايا؟"
نظرت إلى الخريطة.
ثم إليه.
وأخيرًا قالت:
"اتفقنا."
في الوقت نفسه — فيلا سليم العزايزي
كان سليم يجلس غاضبًا، بينما يقف وحيد أمامه بذراع مجبسة ورأس ملفوف.
صرخ سليم:
"يعني إيه أخدها؟ وإنت كنت فين يا حمار؟"
تأوه وحيد.
"يا حاج ده زين المنصوري، ومعاه قوة و—"
قذف سليم الكأس أرضًا فتحطم.
"البنت دي مفتاح المقبرة. وأبوها خبى التمثال في بيت زين. يعني التمثال، والبت، والظابط... كلهم في حتة واحدة. لازم نجيبهم."
استدار نحو أحد رجاله.
"كلم اللواء عاصم. قوله: بنتك ليلى عايزة عريسها... وعريسها خاطف رقاصة. ولو مجابهاش، هفضح إن القضية كلها متطبخة منك وإنك ضابط فاسد ومرتشي."
"سامع يا حاج."
بيت زين — الرابعة فجرًا
كانت ريشة عاجزة عن النوم.
ترتدي ترينج رماديًا واسعًا يخص زين.
خرجت من الغرفة بخطوات هادئة.
وجدته في الصالة.
منحنيًا فوق الخريطة.
وسلاحه إلى جواره.
قال دون أن يرفع رأسه:
"مش جايلك نوم؟"
جلست قبالته.
"لا خالص... قلقانة."
رفعت عينيها إليه.
"تفتكر في حد ورا الموضوع؟"
أجاب وهو شارد في الخريطة:
"لازم أتوقع كل شيء. مينفعش أستبعد أي احتمال."
ساد الصمت بينهما.
ثم همست:
"زين..."
"نعم؟"
بلعت ريقها بصعوبة.
"لو... لو موتنا... هتشوفني رقاصة وبس؟ مش ست تستأمنها على نفسك وبيتك؟"
رفع رأسه ببطء.
دار حول الطاولة.
ثم جلس أمامها.
رفع يديه وأمسك وجهها بين كفيه.
نظرت إليه دون أن تتنفس.
مال قليلًا.
ووضع قبلة هادئة على جبينها.
قبلة لم تكن شهوة.
كانت وعدًا.
كانت حضنًا دون ذراعين.
همس:
"نامي يا ريشة."
أغمضت عينيها.
ثم مالت برأسها على صدره.
سمعت دقات قلبه.
قوية.
مضطربة.
حقيقية.
وهمست بصوت خافت:
"حاضر يا صقر... ليلة واحدة هدنة."
استكانت بين ذراعيه.
وغفت.
أما هو—
فبقي مستيقظًا.
يضمها بيد،
وفي اليد الأخرى سلاحه.
هبطت الكلمة على أذنها كطلقةٍ أصابت موضعًا حيًا في صدرها.
"بيتي أنا يا ريشة."
تجمدت في مكانها.
الورقة ترتجف بين أصابعها، والهواء داخل الخرابة صار أبرد من المعتاد، كأن الجدران نفسها صارت تستمع.
رمقته بنظرة مشتعلة، ثم قالت من بين أسنانها:
"كداب. أبويا عمره ما يثق في ظابط. عمره ما يدفن حاجة في بيت الحكومة."
تقدم زين خطوة واحدة.
كان صوته منخفضًا، ثابتًا، لا يحمل انفعالًا لكنه يحمل يقينًا:
"أبوكِ مشافش الرائد زين المنصوري... شاف زين. اللي كان بياكل عنده عيش وملح من عشر سنين، لما كان أبوكِ لسه رزق الحاوي... مش تاجر آثار."
ارتبكت أنفاسها.
"إنت تعرف أبويا؟"
ثبت عينيه في عينيها.
"أعرفه. وكان بيقول عليا: الواد ده صقر... لو وقعت، أسيب بنته في عشه. محدش هيطولها."
اختل توازنها النفسي للحظة.
المشهد كله بدأ يدور حولها.
أبوها...
زين...
بيت الصقر...
وصية مدفونة من سنين وهي لا تعرف عنها شيئًا.
نهض عم صابر متكئًا على الحائط وقال بصوتٍ مبحوح:
"كلامه صح يا بنتي. رزق كان بيقول: زين ده الوحيد اللي قلبه نضيف. لو الدنيا ضاقت... روحي له. بس هو قال لو مات... مش وهو حي."
نظر زين إلى العجوز وسنده بحذر.
"عمي صابر... إنت كويس؟"
ابتسم الرجل ابتسامة متعبة.
"كويس يا ولدي... بس خلي بالك من البت دي. إنت عارف كويس إنك هتفديها بروحك."
أومأ زين برأسه في صمت.
ثم استدار نحو ريشة.
"يلا."
رفعت حاجبيها.
"على فين؟"
أجاب وهو يمسك ذراعها:
"بيتي. لو التمثال في بيتي، يبقى أبوكي عايزنا نخلصه من اللي هو فيه. لازم نلاقيه قبل ما سليم يلاقيه."
جذبت ذراعها من قبضته.
"ومين قال إني هاجي معاك؟"
اقترب حتى صار صوته عند وجهها:
"أنا. قلت هتيجي. عشان دي مش خناقة في مولد... دي حرب. وإنتِ في نصها. يا معايا... يا ضدي. اختاري."
نظرت إليه طويلًا.
إلى الندبة القديمة فوق حاجبه.
إلى العرق الذي يلمع فوق جبينه.
إلى ذلك الخوف المدفون في عينيه، والذي يحاول جاهدًا ألا يراه أحد.
الخوف عليها.
خرجت الكلمة من فمها رغمًا عنها:
"معاك... بس لو لعبت بيا يا زين، قسمًا بالله لدفنك بإيدي."
ارتسم نصف ابتسامة على شفتيه.
"وإنتِ لو كدبتي عليا... هدفنك في حضني. يلا."
بعد ساعة — بيت زين — المعادي
توقفت السيارة أمام فيلا هادئة ذات سور مرتفع وحديقة صغيرة وباب حديدي ثقيل.
حدقت ريشة بالمكان بدهشة.
لم يكن بيت ضابط عادي.
كان بيت رجل يملك تاريخًا.
تمتمت:
"ده بيتك؟"
أخرج المفتاح وقال وهو يفتح الباب:
"بيت أمي... الله يرحمها. سابتهولي. ادخلي."
دخلت خلفه ببطء.
الصالون فسيح.
الأثاث بسيط لكنه باهظ.
رائحة الكتب القديمة ممزوجة بعطر رجالي ثابت.
ثم وقعت عيناها على صورة ضخمة معلقة على الجدار.
زين في الخامسة عشرة تقريبًا...
وبجواره رجل يحتضنه بفخر.
رزق الحاوي.
شهقت.
"أبويا..."
اقتربت من الصورة بأنامل مرتعشة.
"وإنت؟"
وقف زين إلى جوارها.
"وأنا. كنت بشتغل عنده في الورشة قبل الكلية، قبل الميري. كان بيعاملني زي ابنه... علمني الصبر، وعلمني إن الصقر مبيكسرش جناحه، بالعكس... بيكبره."
استدار إليها.
"عشان كده لما اختفى... أنا اللي مسكت قضيته. عشان كنت مديون له. مديون له بروحي... وعارف إنه بريء."
شعرت ريشة كأن الأرض تُسحب من تحتها.
الظابط الذي كانت تظنه يطاردها...
كان ابن أبيها الذي ربّاه.
همست:
"يعني... إنت مكنتش بتطاردني عشان القضية نفسها يا زين؟"
رفع عينيه إليها مباشرة وقال ببساطة:
"كنت بطاردك عشان عجبتيني. القضية حجة... مجرد قناع قدام الناس عشان محدش يشك إني واثق في براءة أبوكي. كان لازم أدور على دليل بعيد عن العيون... بس إنتِ أمانة عندي، وغالية أوي."
اضطرب قلبها.
مال زين إلى الحائط، ضغط على لوحة صغيرة، فتحركت كاشفًا عن خزنة حديدية مخفية.
قال:
"أبوكي لو خبى حاجة... هتبقى هنا."
أدخل الشفرة:
1 - 9 - 9 - 7
سألته دون وعي:
"سنة ميلادك؟"
هز رأسه.
"سنة ما أبوكِ قالي: إنت ابني."
انفتح الباب المعدني.
تقدما معًا.
لم يكن بالداخل تمثال.
بل صندوق خشبي صغير يحمل نفس النقشة: الصقر والمفتاح.
أخرجه زين ووضعه فوق الطاولة.
فتح الصندوق.
مفتاح ذهبي صغير.
ومنديل ملفوف.
فتح المنديل.
خريطة مقبرة.
وتحتها كلمات بخط رزق:
"اللي يلاقي المفتاح... يفتح الباب. واللي يفتح الباب... يحمي الريشة. أمانة في رقبتك يا صقر."
تخشب زين للحظة.
ثم رفع عينيه إليها.
كان صوته مختنقًا:
"أبوكِ... كان عارف إنه هيموت. وساب لي الوصية... وهي إنتِ يا ريشة."
عندها فقط—
انهارت.
سقطت على الأريكة ودفنت وجهها بين كفيها.
انفجر بكاؤها لأول مرة بصدقٍ كامل.
"أنا تعبت يا زين..." خرج صوتها ممزقًا. "تعبت من الجري... من الخوف... من إنك شايفني غجرية بيترمي عليها فلوس ولحمها متشاف للناس."
جلس جوارها.
لم يلمسها.
لم يربت على كتفها.
تركها تبكي حتى أفرغت ما بداخلها.
ثم مد إليها منديلًا.
"امسحي دموعك."
هزت رأسها بصمت.
فنهض وقال:
"حاضر... قومي اغسلي وشك. عشان ورانا شغل. كلها ست أيام، لو فشلنا إنتِ هتكوني كبش الفدا."
دخلت الحمام.
غسلت وجهها بالماء البارد.
رفعت رأسها نحو المرآة.
الوجه نفسه... لكن شيئًا ما تغير.
همست لنفسها:
"أنا أمانة عايز يحافظ عليها... ولا غنيمة عايز يكسبها؟"
خرجت.
وجدته يقف في الصالة يتحدث في الهاتف.
"ألو... أيوه يا باشا. لا يا فندم، البنت في حمايتي. ومش هسلمها دلوقت. غير بعد ميعادنا، ساعتها لو رفضت خدني معاها واعمل اللازم."
أغلق الخط.
نظر إليها.
"اللواء عاصم سحب مني القضية... وإداها لظابط تاني."
شهقت.
"يعني إيه؟"
ابتسم ابتسامة صغيرة، فيها سخرية وتحدٍ.
"يعني إحنا دلوقتي مطاردين... أنا وإنتِ. ضد الحكومة، وضد علي. عاجبك كدا صح؟"
بلعت ريقها.
"يعني لو مسكوني... هتتعدم معايا ولا إيه؟"
هز رأسه.
"لا."
"طب والعمل؟"
فرد الخريطة فوق الطاولة.
"هنروح. نجيب التمثال. ونحرق الورق كله. معايا؟"
نظرت إلى الخريطة.
ثم إليه.
وأخيرًا قالت:
"اتفقنا."
في الوقت نفسه — فيلا سليم العزايزي
كان سليم يجلس غاضبًا، بينما يقف وحيد أمامه بذراع مجبسة ورأس ملفوف.
صرخ سليم:
"يعني إيه أخدها؟ وإنت كنت فين يا حمار؟"
تأوه وحيد.
"يا حاج ده زين المنصوري، ومعاه قوة و—"
قذف سليم الكأس أرضًا فتحطم.
"البنت دي مفتاح المقبرة. وأبوها خبى التمثال في بيت زين. يعني التمثال، والبت، والظابط... كلهم في حتة واحدة. لازم نجيبهم."
استدار نحو أحد رجاله.
"كلم اللواء عاصم. قوله: بنتك ليلى عايزة عريسها... وعريسها خاطف رقاصة. ولو مجابهاش، هفضح إن القضية كلها متطبخة منك وإنك ضابط فاسد ومرتشي."
"سامع يا حاج."
بيت زين — الرابعة فجرًا
كانت ريشة عاجزة عن النوم.
ترتدي ترينج رماديًا واسعًا يخص زين.
خرجت من الغرفة بخطوات هادئة.
وجدته في الصالة.
منحنيًا فوق الخريطة.
وسلاحه إلى جواره.
قال دون أن يرفع رأسه:
"مش جايلك نوم؟"
جلست قبالته.
"لا خالص... قلقانة."
رفعت عينيها إليه.
"تفتكر في حد ورا الموضوع؟"
أجاب وهو شارد في الخريطة:
"لازم أتوقع كل شيء. مينفعش أستبعد أي احتمال."
ساد الصمت بينهما.
ثم همست:
"زين..."
"نعم؟"
بلعت ريقها بصعوبة.
"لو... لو موتنا... هتشوفني رقاصة وبس؟ مش ست تستأمنها على نفسك وبيتك؟"
رفع رأسه ببطء.
دار حول الطاولة.
ثم جلس أمامها.
رفع يديه وأمسك وجهها بين كفيه.
نظرت إليه دون أن تتنفس.
مال قليلًا.
ووضع قبلة هادئة على جبينها.
قبلة لم تكن شهوة.
كانت وعدًا.
كانت حضنًا دون ذراعين.
همس:
"نامي يا ريشة."
أغمضت عينيها.
ثم مالت برأسها على صدره.
سمعت دقات قلبه.
قوية.
مضطربة.
حقيقية.
وهمست بصوت خافت:
"حاضر يا صقر... ليلة واحدة هدنة."
استكانت بين ذراعيه.
وغفت.
أما هو—
فبقي مستيقظًا.
يضمها بيد،
وفي اليد الأخرى سلاحه.